رواية وجع مخفي الفصل الرابع4بقلم خديجه احمد


رواية وجع مخفي الفصل الرابع4بقلم خديجه احمد

جاد

خرجت من الأوضة بهدوء.
عيوني كانت حمرا.
صدري كان تقيل.

كل حاجة قالتهالي... كانت لسه بتدور في دماغي.

لوكيميا.
كيماوي شعرها هيقع.
ممكن متخلفش ..ممكن...

قفلت دماغي بقوة.
مش دلوقتي.

طلعت الصالة.
لقيت حماتي قاعدة... وعلى وشها علامات القلق.

حماتي اللي مش بتنام لما بنتها تكون تعبانه.
حماتي اللي حاسة بكل حاجة من غير ما تتكلم.

أول ما شافتني... قامت وقفت فجأة:
__ها يا بني... عرفت مالها؟

ابتسمت لها في محاولة أطمنها.
بس جوايا... كنت بموت.

قعدت وقولت:
__آه يا أمي... متقلقيش.
أمل خايفة بس.
من الجواز والمسؤولية.

الكدبة دي كانت تقيلة على لساني.
بس مش وقتها.
مش دلوقتي.

ردت بنبرة هادية وتساؤل:
__طمّنتها يا بني؟

هزيت راسي:
__طمنتها.
وعشان أطمنها أكتر... محتاج أتكلم مع حضرتك في حاجه..

بصتلي بعلامات استفهام.

أخدت نفس عميق... ودخلت في الموضوع:
__أنا عايز أمل تبقى في بيتي آخر الأسبوع.

ردت بتعجب:
__آه
بس يا بني... إحنا متفقين كمان شهرين!
حتى إنت تكون جمعت فلوس الفرح.

حسيت بشيء بيتحرك جوايا.
إصرار... وخوف... وحب.

كل ده في نفس الوقت.

رديت بحزم:
__لو على فلوس الفرح... ف جاهزه.
ولو على فستان الفرح... جبناه.
أظن مفيش حاجة تمنع.
أنا بحب أمل يا أمي.
وعايزها تبقى في بيتي وتحت عيني.
عشان ما تفضلش في القلق اللي هي فيه ده.

مقدرتش أقولها السبب الحقيقي.
مقدرتش أقولها إن أمل مريضة.
إن جسمها بيحارب.
إن هي محتاجة حد جنبها كل لحظة.

الكلام ده... مش هقدر أقوله دلوقتي.

بلعت ريقها وهي بتفكر:
__طيب يا بني.
سيبني أشاور أعمامها.
وأشوف هم رأيهم إيه.
وربنا يقدم اللي فيه الخير.

ابتسمت... ابتسامة فيها شكر وأمل:
__إن شاء الله يا أمي.

هزيت راسي.
واستأذنت من حماتي ... ومشيت.

رجعت البيت وأنا حاسس إني تايه.
تايه في وسط حاجة أكبر مني.

اللي عرفته... مش قليل.
مش قليل خالص.

أول ما دخلت البيت...
طلعت سيجارة.
وولعتها.

أخدت نفس عميق... وعميق... وعميق.

كأني بخرج فيها كل وجعي وتوهاني.
كل الكلام اللي سمعته.
كل الصور اللي اتخيلتها.
كل الخوف اللي كان بيضغط على صدري.

وكالعادة...

جت تقى.

أختي اللي ما بتعديش حاجة من غير ما تعلق.

أخدت السيجارة من بين شفايفي وهي بتزعق:
__مش قولنا هنبطل القرف ده!

رديت بعصبية مش قادر أتحكم فيها:
__تقى... حلي عن دماغي!
أنا مش فايقلك!

وطلعت سيجارة تانية... وبدأت أدخنها.

بصتلي بنظرة مصدومة.
وقالت بتساؤل:
__مالك يا جاد؟
حصل حاجة بينك وبين أمل؟

بصيتلها شوية.
وبعدين رجعت أدخن.

مردتش.

كأن لساني نفسه... مش عايز يتكلم.
مش عايز يعترف.
إن الوحيدة اللي اخترتها.
إن الست اللي بحبها.
عندها مرض خطير زي ده.

رجلي كانت بتتهز من التوتر والحزن.
صدري كان ضيق.
عيوني كانت محمرة.

قربت تقى.
وقعدت جنبي بهدوء.

وسألتني بإصرار حنين:
__إيه اللي حصل يا جاد؟
احكيلي.

وغصب عني...دمعة هربت من عيوني.

واحدة بس.
بس فيها كل حاجة.

أول ما شافت تقى الدمعة دي...
عرفت إن الموضوع مش سهل.

ومش بسيط.

حضنتني.
حضنتني جامد.
وبدأت تطبطب على ضهري بحنان.
ماتكلمتش ...ماحاولتش تضغط عليا.
ماسألتنيش.

بس حضنتني.
وبطبطبتها دي... انهرت.

انهرت زي طفل صغير.
حضنتها جامد... وكأني بستمد منها القوة عشان أواجه.
قعدنا دقائق كده.

لغاية ما قدرت أتكلم.
قولت بصوت متقطع... مكسور:
__أمل... عندها لوكيميا.

الكلمة دي...
أول مرة بقولها بصوت عالي.

وثقلها... كان أتقل من أي حاجة في حياتي.

سكتت تُقى.
قعدت ثواني مصدومة،
وسحبت نفسها من حضني، وعيونها مفتوحة على آخرها…
كأنها مش مصدقة اللي سمعته.

اتكلمت بصوت متقطع:
— ل… لوكيميا؟
— سرطان؟

هزّيت راسي بتأكيد، ومقدرتش أبص في عينيها.

حطّت إيديها على بقّها بصدمة، ودموعها نزلت من غير صوت.
فضلت واقفة قدامي تايهة، وبعدين قالت بصوت مهزوز:
— من إمتى؟
— وكنت تعرف… ومقولتليش؟

ردّيت بحزن:
— بقالها أسبوعين.
— وأنا نفسي لسه عارف.

بلعت ريقها بالعافية، وسألتني:
— طب وإنت هتعمل إيه؟

بصّيت لها بعدم فهم:
— هعمل إيه يعني يا تُقى؟
 قلت لحماتي نخلي الجواز الأسبوع الجاي… عشان أبقى جنبها.
 ومن ناحية تانية… عشان حماتي متعرفش. هي مش هتستحمل.

سكتت لحظة، وبصّتلي بنظرة أنا مفهمتهاش…
مش بس صدمة، كان فيها عتاب وغضب.

قالت بنبرة أعلى:
— يعني إيه يا جاد؟
 يعني أمها متعرفش… وإنت اللي تعرف وتشيل الليلة كلها لوحدك؟

اتجمدت مكاني.
لأول مرة حد يحطني قدام السؤال ده.

— أنا مش بشيل لوحدي… أنا بحميها.

قلت الكلمة دي بسرعة، كأني بدافع عن نفسي.

لكن تُقى قربت خطوة وقالت:
— ولا يمكن تكون بتحمي نفسك من المواجهة؟
 لأن الحقيقة يا جاد… السرطان مش سر.
 ومحدش هيقدر يعيش في كدبة كبيرة زي دي.

الكلمة دي خبطت في صدري أقوى من أي حاجة.

ردّيت بسخرية خفيفة، أحاول أهرب من الضغط:
— إنتِ مكبّرة الموضوع ليه؟

ردّت بعصبية طفيفة، لكن واضحة:
— لأن الموضوع كبير فعلًا!
 دي مسؤولية يا جاد…
وسكتت لحظة قبل ما تكمل:
 وبصراحة بقى… دي مش مسؤوليتك.
 إنت لسه صغير… ومحتاج واحدة عندها صحة.

الكلمات نزلت عليّ تقيلة.
مش عشان حد قالّي إني صغير…
لكن عشان المعنى اللي وراها.

رفعت عيني وبصّيت لها كويس لأول مرة.
كان في عينيها خوف… بس مش على أمل.

وساعتها بس أدركت.

هي مش خايفة على أمل.
هي خايفة عليّا.

أو يمكن…
خايفة من فكرة إني أختار أمل، حتى وهي مريضة.

قلبي سخن فجأة، والغضب طلع بدل الصدمة.

قلت ببرود متعمد:
— تقى… أمل مش “واحدة عندها كانسر”.
— أمل مراتي.
 ولو الدنيا كلها قالتلي أسيبها… مش هسيبها.

سكتت لحظة، وأنا كملت بصوت أوطى بس أقسى:
— الصحة مش شرط عشان نكمّل.
 اللي محتاجه فعلًا… قلب ثابت.
وأنا قلبي اختار.

قعدت وهي بتقول بغضب واضح:
— اللي أعرفه إنها كده ممكن متخلّفش.
 وفي احتمال كبير… أو يكاد يكون مؤكد… إنها تموت.
 إنت بتعلّق نفسك ليه يا جاد؟

بصّيت لها بصدمة.
عمري ما تخيّلت إن الكلام ده ممكن يطلع منها.

الكلمات ما وجعتنيش عشان أمل…
وجعتني عشانها هي.
عشان أختي اللي كنت فاكر إنها تعرفني أكتر من نفسي.

ردّيت بصوت مكسور، بس ثابت:
— أنا ما اخترتش أمل عشان تجيبلي عيال.
 أنا اخترتها عشان تبقى حياتي.

سكت لحظة، وبعدين كملت بصوت أقسى:
— واخترتها تكون بنتي قبل ما تكون مراتي.
 ومفيش راجل يتخلّى عن بنته.

رفعت عيني وبصّيت لها نظرة عمرها ما شافتها مني قبل كده:
— وحطي تحت كلمة "راجل" دي مليون خط يا تقى.

نزلت عيني من عليها لأول مرة،
مش احتقار…
لكن خيبة أمل.

— كنت فاكر إنك هتحسي بيها.
— كنت فاكر إنك هتبقي أول حد يقف معاها.
بس طلعت غلطان.

فتحت بقها تتكلم…
بس أنا كنت خلاص أخدت قراري.

مشيت من قدامها.
وسيبت ورايا أختي…
وسايب جزء صغير مني اتكسر.

تعليقات



<>