رواية في قبضة العاصم الفصل الرابع4بقلم سيليا البحيري

رواية في قبضة العاصم الفصل الرابع4بقلم سيليا البحيري

بعد كام يوم 
فيلا الزهراوي – صباح يوم الزفاف

ضوء الشمس يتسلّل بخيوط خفيفة من بين الستائر البيضاء، يغمر الغرفة بلون ذهبي دافئ، لكنه لا يبدّد البرد الغريب الذي يسكن قلب ليل.

تفتح عينيها فجأة… تتنفس بصعوبة، تتصبب جبينها عرقًا، تنظر حولها بارتباك، ثم ترفع يدها لتلمس عنقها وكأن أحدهم كان يخنقها في الحلم.

ليل (بهمس، متلعثمة):
يا رب… دا كان حلم، مجرد حلم… بس ليه حقيقي كده؟

تجلس على السرير للحظة، تنظر نحو الساعة الموضوعة على الطاولة — الثامنة صباحًا. اليوم الذي انتظرته بحماس… زفاف ريما. لكنها تشعر بخوف غامض لا تعرف سببه.

تنهض متجهة نحو الحمام بخطوات سريعة، تغسل وجهها بالماء البارد، تحدّق في المرآة أمامها… وجهها يبدو شاحبًا، وعيناها الرماديتان تحملان انعكاس خوفٍ لم تعرفه من قبل.

ليل (تحدث نفسها وهي تنظر في المرآة):
إيه اللي بيحصل لي؟ كان مجرد كابوس… بس كان حقيقي أوي…
كنت ماشية لوحدي في طريق مظلم… وصوت حد بيناديني… وبعدين… (تتوقف، تبلع ريقها)
وبعدين حد مسكني من وراي…

تغلق عينيها بقوة وتحاول التنفس بعمق.

ليل (تحاول طمأنة نفسها):
كفاية هبل يا ليل. دا مجرد حلم. النهارده يوم فرح ريما، لازم أكون مبسوطة، مش مرعوبة كده!

تضحك بخفة لتكسر التوتر، لكن ضحكتها تخرج مهزوزة.

تفتح الماء مجددًا وتغسل وجهها مرة ثانية وكأنها تحاول إزالة آثار الخوف عن جلدها.

ليل (بصوت منخفض):
أكيد من التوتر… حفلة النهارده كبيرة، وكل الناس هتبقى هناك…
بس ليه حاسة إن في حاجة هتحصل؟

تتوقف للحظة، تستمع إلى أصوات الطيور خارج النافذة، ثم تتنفس ببطء.

ليل (بابتسامة خفيفة في النهاية):
خلاص. ولا كأن الحلم حصل. يوم جديد… لازم أكون قوية.

تلتقط هاتفها عن الطاولة، تفتح الكاميرا وتشاهد انعكاسها في الشاشة — تحاول رسم ابتسامة صغيرة، لكن ظلّ الخوف لا يغادر عينيها.

خارج غرفتها، نسمع صوت والدتها حور تناديها بلطف:

حور (من الخارج):
ليل! قومي يا حبيبتي، ما تنسيش النهارده الفرح! لازم نتحرك بدري!

ليل (تحاول رفع صوتها بابتسامة):
جاية يا مامااا!

تخرج من الحمام، تلقي نظرة أخيرة نحو المرآة، وكأنها تودّع جزءًا منها لا تعرف أنه لن يعود بعد اليوم… ثم تمسك بفستانها المعلّق على الباب وتبدأ الاستعداد ليومٍ سيغيّر حياتها للأبد.
********************
في  فيلا عاصم 

ضوء الشمس يتسلّل بخفوت من بين الستائر. عاصم يجلس على مقعد جلدي أمام مكتبه، أمامه أوراق، جوازات، هاتف، وكوب قهوة بارد منذ ساعات. يرفع الهاتف إلى أذنه، وصوته هادئ لكنه مليء بالخبث والرضا.

عاصم (بصوت منخفض):
ألو، رامي…

رامي (من الهاتف، بصوت رجولي هادئ يحمل لكنة شامية خفيفة):
أهو أنا، يا زعيم. كل حاجة تمام هنا.
الشقة اللي حجزتها في برلين جاهزة، والراجل اللي هيستقبلك في المطار أكد الحجز.
الرحلة الساعة وحدة بعد نص الليل، صح؟

عاصم (ينفث دخان سيجارته، نبرة باردة):
تمام.
الليلة دي، هتبقى آخر ليلة لعيلة الزهراوي وهي مرتاحة.

رامي (ضاحك بخفة):
واضح إنك ناوي تقلب الدنيا، يا مجنون.
بس قولّي، أنت متأكد إنك جاهز؟ العملية كبيرة، ومش هتقدر تتراجع بعد كده.

عاصم (بهدوء مرعب):
أنا ما برجعش يا رامي.
رجوع يعني ضعف… وأنا من بعد اللي حصل لرائد، ما بقيتش أعرف الضعف.

يصمت للحظة، يحدّق في ولاعة بين أصابعه، ثم يهمس وكأنه يحدّث نفسه.

عاصم:
زياد الزهراوي عاش سنين على حسابنا… ضحك على أبويا، سرق كل حاجة، خلاني أتفرج على أخويا وهو بيموت، وأنا عاجز…
دلوقتي دوري.

رامي (بصوت حذر):
بس دي بنته، يا عاصم. ليل ما لهاش ذنب.

عاصم (بابتسامة خفيفة، شريرة):
ما قلتش إني هأذيها، يا رامي.
أنا بس هخلي زياد يحس باللي أنا حسّيته…
يحس بالعجز، بالخوف، بالندم.
هي مش الهدف… هي السلاح.

رامي (يتنفس بعمق):
كويس إنك محدد موقفك، لأنك لو لمست البنت بأذى… اللعبة هتقلب عليك بسرعة.
أنا هنا ظبطت كل حاجة — أوراق السفر، السكن، العربية، الحساب البنكي باسم جديد.
بس اسمعني كويس، عاصم: ما تتأخرش عن الطيارة. بعد نص الليل، الأمور هتصعب.

عاصم (بهدوء قاتل):
اطمن. كل حاجة ماشية على الدقيقة.
ربى هتكون معايا قبل المغرب.
الليلة دي هنختفي، ومحدش هيعرف إحنا فين.

رامي (بنبرة إعجاب ممزوجة بالريبة):
أنت فعلاً مجنون يا عاصم…
بس مجنون عبقري.
خلي بالك من نفسك ومن البنت الصغيرة… ألمانيا مش زي مصر، هناك اللعب له قواعد تانية.

عاصم (بضحكة خفيفة):
أنا دايمًا بلعب بالقواعد… بس بطريقتي.

يضع الهاتف ببطء على المكتب، يحدّق أمامه، وصوته الداخلي يهمس كأنه يكلّم نفسه:

عاصم (بصوت خافت):
هتشوف يا زياد…
هتشوف بنتك وهي بتختفي زي ما اختفى رائد…
بس الفرق إنك المرة دي، مش هتعرف ترجعها.

يبتسم بخبث، ينهض، يفتح درج المكتب، يخرج منه مسدسًا صغيرًا أسود اللون، يتأمله للحظة، ثم يعيده في الدرج بهدوء.
**********************
فيلا الشرقاوي – غرفة ريما – صباح يوم الزفاف

أشعة الشمس تتسلل برقة من بين الستائر الحريرية، تنعكس على فستان الزفاف الأبيض المعلّق بجانب السرير كأنه قطعة من الحلم. الغرفة تغمرها رائحة الزهور البيضاء والياسمين، والموسيقى الهادئة تنبعث من هاتفها الموضوع على التسريحة.

ريما تجلس أمام المرآة، بوجهها الهادئ المرهق من السهر. عيناها اللامعتان تحملان مزيجًا من السعادة والقلق. بجانبها والدتها "نرمين" تنشغل بترتيب الحجاب الأبيض وتعديل التفاصيل الأخيرة.

نرمين (بابتسامة حنونة):
يا بنتي، طول عمري كنت عارفة إن اليوم ده هييجي… بس ما كنتش متخيلة إنك هتكوني جميلة كده، يا ريما.

ريما (تتنفس بعمق، بعينين دامعتين):
ماما… مش عارفة ليه حاسة إن قلبي هيوقف.
النهارده يوم كبير أوي… بس في نفس الوقت حاسة إني داخلة حياة جديدة بخطوة كبيرة قوي.

نرمين (تضحك بخفة):
ده طبيعي يا حبيبتي، كل عروسة بتحس كده.
المهم إنك بتحبي كامل وهو بيحبك، والباقي هيبقى سهل إن شاء الله.

ريما تبتسم، ثم تلمس فستانها الأبيض بخفة وكأنها تخاف أن تفسده.

ريما (بصوت خافت):
تخيلي يا ماما… بعد كام ساعة هبقى مراته.
هنسافر تايلاندا، هنقعد هناك أسبوعين، وبعدها الجزائر… بيت جديد، حياة جديدة…
بحلم من وأنا صغيرة باليوم ده.

نرمين (تضحك):
وانتِ لسه صغيرة يا بنتي، بس خلاص بقيتي عروسة.
بس أوعي تبكي وتبوّزي الميكب لما تيجي الكوافير بعد شوية!

ريما (تضحك بخفة، ثم بصوت حالِم):
كامل دايمًا بيقول لي إن وجودي معاه بيخليه هادي، كأنه أخيرًا لقى السلام اللي كان بيدوّر عليه…
بس الحقيقة إن هو اللي بيخليني أحس بالأمان.
هو مش بس زوجي… هو صديقي، وسندي.

تتوقف للحظة، تحدق في انعكاسها في المرآة، وتلمس عقدًا ذهبيًا على رقبتها، هدية من كامل قبل أسبوعين، وتبتسم بخجل.

ريما (بهمس):
يا رب ما يفرقنا شيء أبدًا.

تدخل "رؤى" إلى الغرفة وهي تمسك فنجان قهوة بيدها وفستانها ما زال على كتفها، تضحك بخفة.

رؤى (بمرح):
يا جماعة، العروسة دي شكلها ناوية تبوّز الميكب قبل الحفلة!
ريما، شكلك وأنت متوترة كأنك داخلة امتحان ثانوي مش فرحك!

ريما (تضحك بخجل):
يمكن لأني مش مصدقة يا رؤى… النهارده فعلاً هيبقى بداية كل حاجة.

رؤى (تغمز بخبث):
إن شاء الله بداية الحب الأبدي، والعسل الأبدي، والشوبينج الأبدي في تايلاندا 😏
أنا بس نفسي أشوف وش كامل وهو يشوفك بالفستان ده. هيموت من الفرحة.

في هذه اللحظة تدخل "ليل" بابتسامة دافئة، ترتدي ثوبًا بسيطًا استعدادًا للذهاب إلى صالون التجميل.

ليل (بحنان):
ريما… مش قادرة أصدق إنك خلاص هتمشي وتسيبينا.
هنفتقدك كلنا، بجد.

ريما (تضحك وهي تمسك بيديها):
أنا مش رايحة بعيد يا ليل، هنكلم بعض كل يوم، ووعد إن أول ما أرجع من تايلاندا والجزائر هتكوني أول واحدة أشوفها.

ليل (بابتسامة حزينة):
وعدتني خلاص… ما تنسيش.

تسود لحظة صمت جميلة، تتبادل فيها الفتيات النظرات المليئة بالمحبة. صوت مراد، والد ريما، يأتي من الخارج بصوته الحازم المألوف:

مراد (من الخارج):
يلا يا بنات! الكوافير بيستنى من بدري، وإحنا متأخرين عن الجدول!

نرمين (تضحك):
حتى في فرح بنته، لسه بيحب النظام!

الجميع يضحك، وريما تنهض بخفة، تمسك فستانها الأبيض وتلتفت نحو المرآة للمرة الأخيرة قبل أن تخرج، تهمس لنفسها:

ريما (بصوت مفعم بالأمل):
ابتدت الحكاية…
*******************

تستدير ريما نحو الباب حين يُفتح فجأة، ليظهر سليم الشرقاوي واقفًا عند العتبة، يرتدي قميصًا أبيض أنيقًا وبنطالًا رسميًا. يداه في جيبيه، وملامحه جامدة تمامًا رغم أن عينيه تحملان توترًا خفيفًا.

سليم (بصوت جاف):
ها، العروسة لسه هنا؟ افتكرتكِ خلاص طرتي تايلاندا بدري كده.

نرمين (تبتسم وهي تهز رأسها):
يا سلام… حتى يوم فرح أختك مش ناوي تبطل جفافك ده؟!

ريما (تضحك بخفة):
سيبيه يا ماما، سليم كده دايمًا، ما يعرفش يقول كلام حلو إلا بالعافية.

سليم (ببرود مصطنع وهو يتظاهر بالتفتيش في هاتفه):
كلام حلو إيه؟ بالعكس، أنا مستني اللحظة اللي تتجوزي فيها عشان أرتاح.
أخيرًا هتختفي من البيت والجد مش هيقارن بيننا كل شوية.

رؤى تضحك بخفة، بينما نرمين تضربه بخفة على كتفه:

نرمين:
يا ولد! دي أختك العروسة، مش زميلك في الشغل!

سليم (بابتسامة جانبية صغيرة):
ما أنا بهزر يا ماما… يعني بصراحة، خلاص بقى. ريما مش ناقصها غير تطير جناحات وتسيبنا نهائي.

ريما تقترب منه بخطوات هادئة، ترفع حاجبيها بتحدٍ لطيف:

ريما (بمزاح):
يعني مش هتوحشني ولا حتى شوية؟

سليم (يتنفس بعمق ويحاول الاحتفاظ ببروده):
لا، بالعكس، هتبقيلي مساحة أكتر في البيت.
وأقدر أتعشى بهدوء من غير ما أسمع خططك عن السفر وتايلاندا وكامل والبيت الكبير في الجزائر.

صمت لثوانٍ، ثم تضحك ريما بخفة وهي تهز رأسها، تقترب منه أكثر وتقول بنعومة:

ريما:
كاذب.
انت عارف إنك هتوحشني أكتر من أي حد.

يحاول سليم الرد، لكنه يشيح بوجهه بسرعة، ثم يتمتم بصوت خافت لا يقنع أحدًا:

سليم:
أنا؟ لا طبعًا… يعني عادي.

تبتسم نرمين وهي تضع يدها على صدرها وكأنها تراقب مشهدًا مؤثرًا، بينما رؤى تهمس بخبث:

رؤى (بهمس):
التمثيل باين عليه فشل من أول جملة 😏

ريما تضحك، ثم تحتضن سليم فجأة، فيتجمد مكانه لوهلة ثم يزفر أخيرًا ويضمها بقوة، ويغلق عينيه كأنه يحبس دموعه.

سليم (بصوت مبحوح):
خلي بالك من نفسك، ريما.
ما تسيبيش حد يضايقك هناك… لو كامل زعلك بس، هسافرله بنفسي.

ريما (تضحك وهي تمسح دموعها):
هو مش هيزعلني أبدًا، يا حبيبي.
وأنا كمان هوحشك. قوي.

تتراجع ريما خطوة للخلف، تنظر إليه بابتسامة فخورة، بينما نرمين تنظر إليهما بعينين دامعتين وتهمس:

نرمين (بابتسامة):
ما شاء الله… أهو ده اللي كنت مستنياه. أخ وأخته قبل الفرح بساعتين، ودموع ومشاعر!

رؤى (تضحك):
وأنا كنت فاكرة سليم روبوت، طلع عنده مشاعر والله 😂

سليم يرسل لها نظرة تحذيرية خفيفة بينما ريما تضحك بصوت مرتفع، والجو يمتلئ بدفء العائلة ولحظة حب صافية قبل العاصفة القادمة…

*******************
في  شقة فاخرة في وسط القاهرة — المساء
الجو خانق برائحة دخان السجائر والعطر الرخيص. الستائر الثقيلة تحجب الضوء، والموسيقى الخافتة تنبعث من زاوية الغرفة، تختلط مع ضحكٍ باهتٍ يخلو من الدفء.

يجلس نديم على الأريكة، قميصه مفتوح الزرّين العلويين، بيده كأس نصف ممتلئ، وعيناه تقدحان خبثًا. على الطاولة أمامه بقايا طعام فاخر، وأوراق متناثرة، وجهاز حاسوب محمول يلمع بشاشة مفتوحة على مخططٍ غامض.

صوت امرأة خلفه، بضحكة خفيفة:

المرأة: شكلّك مبسوط النهارده يا نديم… في حاجة كبيرة ناوي عليها؟

يبتسم هو، تلك الابتسامة التي لا تشبه الفرح أبدًا:

نديم: "مبسوط؟ آه... تقدرِي تقولي كده. الخطة ماشية زي السهم…
عاصم القاسمي، البطل العظيم، أخيرًا وقع في الفخ اللي صنعناه له بإيده."

تقترب المرأة وتجلس مقابله، نظراتها فضولية:

المرأة: "بس ده راجل مش سهل، وورا فلوس وسُمعة… إزاي قدرت تسيطر عليه كده؟"

يرتشف رشفة بطيئة من كأسه، ثم يضحك بمرارة:

نديم: "من زمان… من أيام الجامعة، وأنا عارف إن جواه عقدة نقص، شايف نفسه دايمًا أقل من أخوه رائد.
كل اللي احتجته إني ألمسه عند النقطة الصح. أقنعته إن زياد الزهراوي السبب في موت أخوه، وصدق… صدق كأنه طفل."

ترفع المرأة حاجبها بدهشة:

المرأة: "بس رائد… ما ماتش بسبب الزهراوي صح؟"

ينفجر نديم ضاحكًا، ضحكة باردة تشبه صفير الموت:

نديم: "لا طبعًا… الزهراوي بريء، بس مش مهم. المهم إن عاصم حيولّع الدنيا انتقام، وأنا أقعد أتفرج."
يخفض صوته وهو يعبث بالكأس بين أصابعه.
"ولما يتعب كفاية… لما يدمّر نفسه تمامًا… هكون أنا اللي ياخد مكانه، في الشركة… وفي الحياة."

تسأله المرأة بفضول متصنّع:

المرأة: "وليه مصرّ تتجوز أخته المشلولة دي؟ ما فيش فايدة منها…"

وجهه يظلم، وصوته يصبح أشبه بالسمّ:

نديم: "ربى؟ هي مفتاحي…
طول ما هي على قيد الحياة، أقدر أتحكم في عاصم زي الخاتم في صباعي.
وهو هيفضل يصدق إنّي صديقه الوحيد اللي بيحميه من الكل."

المرأة تنظر إليه بدهشة ممزوجة بالاشمئزاز:

المرأة: "إنت فعلاً شيطان يا نديم."

يبتسم ببطء، عينيه تلمعان بلون الظلال:

نديم: "الشيطان على الأقل صادق مع نفسه… وأنا؟ أنا بسّ بعرف أستغل الفرص."

يرمي الكأس على الأرض فيتحطم، ثم ينهض ببطء، يمسح على شعره ويتجه نحو النافذة، حيث تظهر أضواء المدينة المتلألئة كأنها نارٌ تشتعل في قلب الليل.

نديم (بصوتٍ منخفض): "قريب جدًا… الكل هيتحرق."
**********************

نديم (بحنق):
"اللي مضايقني مش عاصم لوحده… اللي مضايقني الاتنين اللي دايرين حواليه زي الحُرّاس.
سليم القيصري… وبيجاد."

المرأة (بتردد):
"سليم القيصري؟ ده مش صاحبه القديم؟"

نديم (بسخرية قاتمة):
"قديم قوي… قديم لدرجة إنه بقى يعرف كل حاجة عن ماضيه، وده بالظبط اللي مخوفني.
سليم ده مش سهل، فاهم الدنيا زيادة عن اللزوم، ودماغه كلها خطط واحتياط.
ما بينامش غير لما يطمن إن عاصم بخير."

يتجه ناحية النافذة، يفتحها بقوة، يترك هواء الليل البارد يندفع للداخل كأنه يحاول تهدئة نيرانه.

نديم:
"وبيجاد؟ ده التاني ما بيطيقنيش أصلًا. شايفني متسلق، كذاب، منافق.
مش قادر يخبي نظرته كل ما أقعد معاهم، كأنه شايف جوا دماغي."

المرأة:
"طب ما تحاولش تكسبهم في صفك؟ تبان طيب قدامهم؟"

نديم (بضحكة قصيرة خالية من الفرح):
"جربت يا حبيبتي… جربت ألبس القناع الحلو اللي الكل بيصدّقه.
لكن سليم القيصري عنده حاسة سادسة كده، بيشم الرياء من بعيد.
وبيجاد؟ لو أقدر أخلّص منه النهارده قبل بكرة، هنام مرتاح."

تتردد المرأة، ثم تسأله بخوف واضح:

المرأة: "هتعمل إيه؟"

نديم (ينظر إليها بثبات، صوته هادئ لكنه قاتل):
"هخلّيهم يشكّوا في بعض…
أخلي سليم يفتكر إن بيجاد خان عاصم، وبيجاد يفتكر إن سليم بيخبي عليه حاجة كبيرة.
شوية ضغط، شوية إشاعات، وهما يتكفلوا ببعض."

المرأة: "ولو ما نجحتش خطتك؟"

نديم (يبتسم ابتسامة باردة وهو يطفئ سيجارته في الكأس):
"ما تقلقيش… الحوادث بتحصل كل يوم.
عربية تفقد السيطرة، رصاصة طايشة، مصيبة صغيرة… ومفيش سليم ولا بيجاد."

المرأة تنظر له بخوفٍ صادق: "كل ده علشان عاصم؟"

نديم (ينحني نحوها ببطء، يهمس بنبرة شيطانية):
"مش علشانه… علشان اللي أنا خسرته بسببه.
عاصم فاكر إن اللي حواليه أوفياء، بس قريب جدًا… هيكتشف إن أوفى الناس ليه كان عدوّه من البداية."
********************
في  قاعة الزفاف الكبرى، القاهرة — الساعة 17:30
الأضواء تتراقص في كل زاوية، القاعة تلمع بثريات كريستالية ضخمة، تتدلى من السقف كأنها نجوم اصطناعية. الموسيقى الكلاسيكية الهادئة تملأ الجو، وضحكات الحضور تمتزج برائحة العطور الفاخرة والزهور البيضاء التي تزين المكان.

ريما، عروس المساء، تجلس على العرش المذهب، وجهها مشرق بالفرح والرهبة، وإلى جانبها كامل بثوبه الأنيق ونظراته المليئة بالعشق.
المصورون يلتقطون الصور، وأصوات التصفيق تتعالى مع دخول كل ضيف جديد.

لكن بين كل هذا البهاء…
كانت ليل تشعر بشيء غريب.

ليل (بهمس لحور):
"ماما… مش عارفة ليه حاسة قلبي مش مرتاح… في حاجة غلط."

حور (تبتسم بخفة وتحاول أن تبدو مطمئنة):
"قلبي، يمكن توتر بس، ده أول حفل كبير تحضريه من فترة طويلة… الجو، الزحمة، الإضاءة."

ليل (تحدّق نحو الأبواب الواسعة للقاعة):
"مش بس كده… حلمت الصبح بكابوس، كنت حاسة إني محبوسة في مكان مظلم… وكل ما أصرخ محدش يسمعني."

حور (تمد يدها وتربت على كف ابنتها):
"الأحلام مش دايمًا نذير شر، يا ليل. يمكن بس خوفك من التغيير… كل حاجة حواليك بتتبدّل."

تسكت ليل قليلًا، تنظر حولها.
رؤى تضحك بصوتٍ عالٍ مع مجموعة من الفتيات، وسليم الشرقاوي واقف عند طاولة العصائر يتحدث مع زين، بينما العازف يبدّل الموسيقى إلى إيقاع أكثر حيوية.
لكن رغم البهجة، شيء في عيني ليل كان مطفأً… كأنها تشعر أن الليل سيحمل ما لن يُنسى.

حور (بنبرة أمٍّ قلقة لكنها تحاول الثبات):
"ما تركزيش في الإحساس ده، يا ليل… الليلة دي لازم تكون ليلة فرح. ريما تستاهل تشوفيك مبتسمة."

ليل (تجبر نفسها على ابتسامة باهتة):
"أكيد… بس الغريب إن الجو… خانق، كأنه في حد بيبصلي."

حور (تنظر حولها بتوتر بسيط):
"محدش بيبص يا بنتي، دي مجرد أوهام."

لكن حور، دون أن تُظهر، نظرت بسرعة حولها…
وشعرت للحظة بأن هناك عيونًا تراقبهم فعلًا من بعيد، من طرف القاعة المزدحم.

كانت نظرة ثابتة، باردة…
عيون رجلٍ يجلس في الظلّ، لا يبتسم ولا يتحدث مع أحد.

الموسيقى ترتفع، يعلن منسق الحفل بداية فقرة الزفة، وتتعالى صيحات الفرح.
الجميع يصفّق، وليل تحاول المشاركة، لكنها تبقي يدها ممسكة بكف والدتها بقوة، كأنها تستمد منها الأمان.

ليل (بهمس):
"ماما… ممكن نرجع بدري؟ بعد ما نبارك لريما وكامل؟"

حور (تبتسم بخفوت):
"لو تعبتي فعلًا، هنرجع، بس بعد العشا؟"

ليل (تهز رأسها بخوف مكتوم):
" تمام… بس نفسي الإحساس ده يختفي."

في هذه اللحظة، تمرّ ريما بجانبهما مع كامل وهي تضحك،
لكن ليل، للحظة خاطفة، تلتفت نحو الباب الخلفي للقاعة…
وترى ظلّ رجلٍ يختفي بهدوء، كأنه يتجنب الأنظار.

عيناه… مألوفتان بطريقة مزعجة.
لكنها لا تتذكر من أين.
******************

تزداد أنوار القاعة بريقًا مع دخول ضيف جديد، تتوجه إليه الأنظار فورًا — رجل في منتصف الأربعينيات، أنيق الملبس، وسيم الملامح، يحمل في عينيه دفئًا وحنينًا.
هو مازن الزهراوي — التوأم المفقود في زحمة العمل والسفر، وشقيق حور الذي لم تره منذ شهور طويلة.

ما إن لمحها حتى اتسعت ابتسامته، واندفع نحوها بين الحضور بخطوات سريعة.

مازن (بحماس ممزوج بالعاطفة):
"حور! يا الله، وحشتيني قد إيه!"

حور (تبتسم بعينين دامعتين وهي تنهض لتعانقه):
"مازن! إنت فعلاً جيت؟ كنت فاكرة الشغل مش هيسيبك حتى في يوم زي ده!"

مازن (يضحك وهو يحتضنها بقوة):
"أسيب أختي تتفرج على الزفة من غير أخوها؟ دي تبقى مصيبة! لو اجتمع العالم كله ما كنت فوت الليلة دي."

ليل (تبتسم بسعادة وهي تقترب):
"خالو مازن! أخيرًا شُفناك! كنت فاكراك نسيتنا خلاص."

مازن (ينحني ليقبل جبينها):
"أنسى مين يا قمر العيلة؟ ده أنا كل مرة بشوف صورتك بقول دي بقيت شابة وأنا لسه في دوامة الاجتماعات!"

حور (مازحة):
"بس واضح إن الاجتماعات مأثرة عليك، باين إنك سهرت كتير."

مازن (يمثل الجدّية):
"أيوه، كله من العمل. بس والله مش قادر أقول لأ لأختي. لما عرفت إن عندنا فرح في العيلة، قلت لازم أجي، مش بس عشان ريما، عشان أشوفكم وأعوض الغياب."

يجلس الثلاثة إلى طاولة قريبة، والأنوار حولهم تلمع بانعكاس الكريستالات على وجوههم.
ليل تراقب عمه التوأم بدهشة وسعادة، فهي تحبه بشدة وتشعر أنه يخفف دائمًا توتر أمها.

مازن (ينظر إلى ليل بحنان):
"كبرتي بسرعة يا ليل، كنت لسه فاكر آخر مرة شوفتك فيها… كنتي عاملة دوشة في الفيلا عشان الكيك، فاكرة؟"

ليل (تضحك بخجل):
"أكيد فاكرة! كنت بتضحك عليا وأنا واقعة على الأرض."

حور (بنغمة حنونة):
"هي لسه نفس الطفلة، بس عنيدة أكتر."

مازن (ينظر لحور بابتسامة دافئة):
"زي أمها بالظبط. عنيدة بس قلبها أبيض، وأنا اللي أعرفك كويس يا حور."

حور (تضحك):
"لسه فاكر الأيام دي؟"

مازن (بصوت يلين بالعاطفة):
"أنساها إزاي؟ كنا طول الوقت سوا، حتى بعد ما كل واحد اتجوز وانشغل، عمري ما حسيت إن في حد يفهمني زيك."

ليل (بمرح):
"يعني أنا مش موجودة ولا إيه؟! أنا سامعة كل الكلام يا خالو!"

مازن (يضحك ويربت على كتفها):
"انتي دايمًا موجودة يا عسل، بس الحب القديم بيني وبين أمك مفيهوش منافس."

حور (تضحك بحرارة):
"خلاص يا مجنون، الناس هتفهم غلط!"
****************
الأضواء الملونة تلمع، والموسيقى ترتفع تدريجيًا مع صوت الدي جيّ.
تعلو ضحكات المدعوين، والنساء يصفقن بحماس بينما الفتيات يرقصن وسط القاعة.
ورؤى الزهراوي — كالعادة — في المنتصف، تلفّ بفستانها الوردي البراق، شعرها المنسدل يتطاير، وابتسامتها تملأ المكان.

زين (واقف بجانب سليم الشرقاوي وهو يصفق):
"بص بص… أهي نجمة الحفلة كالمعتاد! بنت خالك مولعة القاعة كلها."

سليم (يضيّق عينيه بنظرات غيرة مكتومة):
"دي مش نجمة، دي كارثة متنقلة."

زين (يضحك بخبث):
"كارثة؟ شكلك كده غيران يا دكتور جدي!"

سليم (بعصبية):
"أنا؟ أغير؟ من دي؟! دي عقلها طاير… رقص وغنا وضحك، لا تعرف وقار ولا احترام و لا أدب."

زين (يميل نحوه هامسًا):
"بس عينك مش راضية تسيبها، كل شويّة تبص وتشوف مين بيرقص جمبها."

سليم (مقطب الحاجبين):
"لأن نص الشباب اللي هناك عيونهم مش عليها بس، على كل تفصيلة فيها… وده يضايقني."

زين (بمرح):
"يبقى ده اسمه إيه غير غيرة؟"

سليم لم يردّ، فقط زفر بضيق، ثم تقدّم نحو القاعة بخطوات واثقة، كمن اتخذ قرارًا حاسمًا.
رؤى لاحظته يقترب، ابتسامتها تلاشت للحظة، ظنّت أنه قادم ليوبّخها، لكن المفاجأة كانت حين أمسك بيدها فجأة وسحبها بخفة نحو وسط القاعة.

رؤى (مذهولة وهي تحاول التملص):
"إنت بتعمل إيه يا مجنون؟!"

سليم (ينظر لها بعينين غاضبتين):
"برقص معاكي، بدل الشباب اللي كانوا هيبلعوك بنظراتهم!"

رؤى (تشد يدها):
"مالكش دعوة بيا! أنا حرّة أرقص مع مين ما يعجبني!"

سليم (يقترب منها، صوته منخفض لكن غاضب):
"طول ما أنا هنا… لأ، مش حرة."

رؤى (تتراجع نصف خطوة، غاضبة لكنها متوترة):
"آه فعلاً؟ ومن إمتى بقيت تملكني؟ ولا دي الغيرة اللي بتحاول دايمًا تنكرها؟!"

سليم (يشدها ناحيته بخفة وهو يبتسم ابتسامة جانبية):
"أنا مش بغير، بس بحافظ… وده الفرق، يا شقية."

تتصلب ملامح رؤى في البداية، ثم تلمع عيناها ببريق خفيف من الغضب الممزوج بالارتباك.
الموسيقى تتغير إلى نغمة أكثر هدوءًا، وسليم يلفها بخطوات محسوبة — رغم اعتراضها، وجدا نفسيهما يرقصان بتناغم غريب، بين الجدّ والعناد، بين الغضب والكهرباء المتبادلة.

من بعيد، يقف زين واضعًا يديه في جيبه، يراقبهما بابتسامة واسعة.

زين (بصوت منخفض لنفسه):
"يا عمّ، لو الغيرة دي مش حب، يبقى أنا مش زين."

يلتفت نحوه سليم، وكأنه سمع التعليق، فيرسل له نظرة تحذيرية مليئة بالغيظ.

زين (يرفع حاجبيه مازحًا ويغمز):
"إيه يا غيور؟ ركّز في الرقصة بدل ما تبصلي!"

سليم (يرد من بين أسنانه):
"زين، بعد الحفلة دي هنتحاسب!"

زين (يضحك بخفة):
"تمام، بس سيبني أشهد أول رقصة حب علنية بينكم قبل كده!"

سليم (بصوت خافت):
"المرة الجاية، ما تخلّينيش أشوفك بترقصي لوحدك."

رؤى (ترد بحدة لكنها تبتسم):
"ولو عملت؟"

سليم (ينظر في عينيها بثقة):
"مش هسيبك."

خلف قاعة الحفل، في ممرّ جانبي مهجور يطل على الحديقة الخلفية للفندق.
أصوات الموسيقى والضحك تبهت تدريجيًا كلما ابتعدت ليل، فستانها الفضي يلمع تحت ضوء المصابيح الخافتة، والكعب العالي يطرق الأرض بخفة مضطربة.

ليل (بقلق وهي تمسك هاتفها):
"أدهم! مازن! فينكم يا ولاد؟!"

تتلفت حولها، لا أحد يجيب.
كل ما تسمعه هو هدير المكيّفات وصوت الرياح وهي تعبث بالأوراق المتناثرة على الأرض.

تقترب أكثر من باب خلفي مفتوح نصف فتحة، تنظر من خلاله إلى الساحة الخلفية — مظلمة، شبه مهجورة.

ليل (تتنفس بارتباك):
"أكيد بيهزروا كالعادة… أدهم؟ مازن؟!"

تتقدم ببطء، خطواتها مترددة، وكل إحساس داخلها يصرخ بالرجوع… لكنها لا تستمع.

تتوقف فجأة حين تسمع صوت شيء يقع خلفها.
تستدير بسرعة — لا أحد.

تضحك بخفة عصبية:

ليل (تحاول تهدئة نفسها):
"شكلي اتجننت… ده مجرد حلم سخيف تاني."

ثم تسمع همسة منخفضة خلفها — همسة رجل.
تتجمد في مكانها، تدور ببطء
وعيناها تتسعان في رعب.

لا ترى سوى ظلٍ طويل يقترب منها بثبات.

ليل (تتراجع بخوف):
"مين هناك؟! لو بتضحكوا عليا يا أدهم، مش وقت المقاب دي!"

الظلّ يقترب أكثر… حتى صار خلفها مباشرة.
قبل أن تصرخ، يد قوية تمسك بذراعها من الخلف، وقطعة قماش باردة تُضغط على فمها.

ليل (بصوت مكتوم):
"مممـ…!"

تحاول المقاومة، لكن رائحة غريبة تخدر أنفاسها، وركبتاها تخونانها.
آخر ما تراه قبل أن تسقط في ظلامٍ كامل هو وجه رجل غامض بملامح جامدة، وعينان تلمعان ببرود وشيء يشبه الندم.

عاصم  يحملها بين ذراعيه بقوة هادئة، يمر من بين الأشجار متجهًا نحو سيارته السوداء المركونة في الخلف.
صدى الحفل البعيد يختلط مع صوت الرياح والبحر القريب.

يتوقف للحظة، ينظر إليها — وجهها الهادئ في غيبوبتها، خصلات شعرها تتطاير على وجنتيها.
يتنفس بعمق.

عاصم (بصوت منخفض، كأنه يكلّم نفسه):
"سامحيني… كان لازم تكوني إنتِ."

ثم يفتح باب السيارة الخلفي، يضعها بعناية، يغلق الباب بهدوء، يعتدل في وقفته، ويلبس نظارته السوداء.

عاصم (يتحدث عبر الهاتف القصير):
"رامي… المرحلة الأولى تمت. هنكون في المطار خلال ساعة."

صوت رامي من الطرف الآخر، واثق وهادئ:

رامي: "كويس جدًا، الطيارة الخاصة جاهزة، والهوية الجديدة آمنة. ألمانيا في انتظارك."

عاصم: "تمام. ما تنساش… مفيش مجال للخطأ."

رامي (بابتسامة يسمعها عاصم من نبرته): "ولا غلطة، يا صديقي."

يغلق عاصم الهاتف، ينظر في المرآة الخلفية نحو المقعد الخلفي حيث ترقد ليل غافلة.
نظرة متناقضة بين الحقد والاضطراب تمرّ في عينيه.

عاصم (بصوت خافت):
"رحلتك دي يا ليل… بداية النهاية للي دمّر أخويا."

يضغط دواسة الوقود بقوة، وصوت المحرك يعلو بينما السيارة السوداء تنطلق خارج الفندق، تاركة خلفها الحفل، والموسيقى، والقدر الذي بدأ لتوه.

                  الفصل الخامس من هنا 
تعليقات



<>