أمل
أول ما عرفت إن جاد قدم ميعاد الفرح...
كبر في نظري أوي.
في الأول كنت فاكرة إنه لما يعرف بمرضي... هيتردد.
هيفكر ألف مرة قبل ما يكمل معايا.
وده حقه.
لكن اللي حصل... كان غير كده.
احتواني.
احتوى وجعي وخوفي.
احتوى كل الأفكار السودا اللي كانت بتدور في دماغي.
وبدل ما يبعد... قرب أكتر.
قرب مني بطريقة خلتني أحس إني مش لوحدي.
خلتني أحس إن في أمل.
إن في قوة جنبي.
وأخيراً...
بعد إلحاح كبير منه على أعمامي عشان نتجوز آخر الأسبوع.
أخيراً... وافقوا!
كنا بننزل كل يوم.
نجيب اللي متبقي.
نجهز البيت.
نجهز نفسنا.
وكل يوم كان بيعدي... كنت بحس بحاجات مختلطة.
فرحة... لأني أخيراً هتجوز جاد.
خوف... من اللي جاي.
قلق... إن جسمي ميستحملش.
أمل... إن كل حاجة تعدي بسلام.
لغاية ما...
جه يوم الفرح!
اليوم اللي كنت بحلم بيه.
اليوم اللي كنت خايفة ميجيش.
اليوم اللي... هيغير كل حاجة.
صحيت الصبح.
وقلبي كان بيدق بجنون.
بفرحة... وخوف... وأمل.
بكل الحاجات في نفس الوقت.
دخلت ماما عليا بابتسامة عريضة:
__يلا يا عروسة، قومي!
صحابك برّه مستنيينك تصحي.
الست اللي هتدهنلك وشك جاية!
ضحكت من قلبي:
__ست؟ وهتدهنلي وشي؟
وقولت بقلة حيلة:
__حاضر... قايمة أهو.
وقبل ما أكمل كلامي...
لقيت واحدة من صحابي داخلة وهي بتقول:
__إيه يا أمووولة!
كل ده نوم؟
قومي كده... فوقي!
يومنا طويل!
ابتسمت:
__قايمة أهو.
وبدأ بالتدريج... كل واحدة تدخل ورا التانية.
من جوا قلبي... كنت حاسة بفرحة.
بحب اللمة.
بحب أصحابي.
بحب قعدتهم.
للحظة... اتمنيت إني أقولهم على مرضي.
يمكن يشاركوني وجعي!
يمكن يحسسوني إني مش لوحدي!
بس... رجعت في قراري.
مش عارفة ليه.
بس أنا بخاف من المواجهة.
بخاف أخلي الناس اللي بحبها... قلقانين عليا.
بخاف أشوف الشفقة في عيونهم.
كنت سرحانة وأنا بفكر...
لغاية ما علياء، صاحبتي، حركت إيديها قدام عيوني:
__سرحتي في إيه يا عروسة؟
انتبهت ليها وأنا ببتسم:
__ولا حاجة.
هروح أغسل وشي وأصلي...
هزوا راسهم.
قومت... ودخلت الحمام.
بصيت لنفسي في المراية.
شعري... فعلاً بدأ يخف.
مش واضح قوي... بس أنا لاحظاه.
مسحت على شعري بحزن.
"يا رب... استرها النهاردة.
يا رب ما حدش ياخد باله."
خرجت من الحمام.
كانوا قاعدين بيضحكوا ويهزروا.
لغاية ما فرح، صاحبتنا، اتكلمت.
وهي بتبص لشعري:
__ليه حاسة إن شعرك خف شوية؟
قلبي وقف.
بلعت ريقي بتوتر.
وعيوني راحت في مليون اتجاه.
وقولت بكدبة... كدبة ما كنتش عايزة أقولها:
__لأ... بيتهيألك.
بصتلي شوية:
__لأ والله... حاسة إنه...
قاطعتها هبة، صاحبة تانية:
__يا بنتي سيبيها في حالها!
شعرها زي الفل.
يمكن عشان غسلاه... بان خفيف.
ضحكوا.
وأنا... تنفست الصعداء.
لكن جوايا...
كنت عارفة إن ده مجرد البداية.
الكيماوي لسه في أوله.
والشعر... هيبدأ يقع أكتر.
بس النهاردة...
النهاردة مش عايزة أفكر في كده.
النهاردة... يوم فرحي.
ولازم أعيشه.
مهما كان.
عدّى الوقت.
والميكب أرتست والكوافيرة جم.
بدأوا يجهزوني.
قعدت قدام المراية.
والكوافيرة بدأت تمشّط شعري.
كل لمسة كانت بحذر... عشان ما يقعش.
مكنتش حاسة بتوتر.
كنت حاسة براحة غريبة.
راحة... كأني أخيراً وصلت.
وصلت للحظة كنت بحلم بيها.
رغم كل حاجة.
رغم المرض.
رغم الخوف.
أنا هنا.
قاعدة قدام المراية.
بتجهز ليوم فرحي.
صحابي كانوا حواليا... بيضحكوا ويهزروا.
ماما كانت واقفة في الركن... بتبصلي وعيونها بتلمع.
والميكب أرتست بدأت تحط المكياج.
كل لمسة... كانت بتخليني أحلى.
كانت بتخبي الشحوب.
كانت بتخبي التعب.
بصيت لنفسي في المراية.
وابتسمت.
ابتسامة حقيقية.
لأني... رغم كل حاجة.
رغم اللي بمر بيه.
لسه قادرة أبتسم.
لسه قادرة أفرح.
لسه قادرة... أعيش.
وده... ده كان أكبر انتصار.
الكوافيرة خلصت شعري.
سرّحته بطريقة جميلة... تخفي إنه خف.
والميكب أرتست خلصت وشي.
ماما قربت مني.
وبصتلي... وعيونها اتملت بالدموع:
__أحلى عروسة في الدنيا.
حضنتها... حضنتها بكل قوتي:
__بحبك يا ماما.
ودموعي... كادت تنزل.
بس مسكت نفسي
مش النهاردة.
النهاردة... يوم فرحي.
____________
جاد
كنت بعدّل البدلة قدام المراية…
والضحكة مش راضية تسيب وشي.
يمكن عشان أخيرًا هتبقى مراتي.
يمكن عشان بحاول أهرب من أي فكرة تانية.
اتكلم ابن خالتي أحمد وهو بيطبطب على كتفي:
— إيوااا يا عريييس!
ضحكت ولفّيت حضنته:
— أخويا يا عم!
قرب مننا مصطفى، وهو بيسلّم عليّ بحماس:
— ألف مبروك يا صاحبي!
ابتسمت وحضنته بقوة:
— الله يسلمك يا حمو… عقبالك يا حبيبي.
الضحك كان مالي المكان…
بس جوايا كان في حاجة تانية.
رهبة.
خوف خفيف مستخبي ورا الفرحة.
مش خوف من الجواز…
خوف عليها.
بصّيت لنفسي في المراية تاني.
وسألت نفسي بهدوء:
يا ترى هعرف أكون قدها؟
قد الوجع… وقد الوعد اللي بينا؟
بس هزّيت راسي، وطردت الفكرة.
النهارده يومها.
ويومنا.
وأيًا كان اللي جاي…
أنا اخترت.
جهزنا كلنا وخرجنا عشان نروح القاعة.
كان نفسي أشوفها…
أطمن بعيني عليها.
بس كانت محذراني يمكن خمسة وعشرين مرة إن مينفعش أشوفها غير على الكوشة.
فاستسلمت للأمر الواقع… بالعافية.
لسه هنركب العربيات،
لقيت تُقى واقفة قدامي.
بصّيت لها باستغراب:
— إنتِ لسه هنا؟
مروحتيش لأمل عشان تروحي معاها القاعة؟
تنحنحت شوية وقالت:
— عايزة أروح معاك.
بصّيت لها كام ثانية.
مش عشان مش فاهم هي بتقول إيه…
لكن عشان مش فاهم ليه.
واضح إنها فهمت نظرتي،
فقالت بصوت أوطى:
— وكمان… محتاجة أتكلم معاك في حاجة.
انا اسفه إنت زعلت مني… وأنا ميهونش عليا زعلك.
إنت ابني قبل ما تكون أخويا…
وأكيد مكنتش أقصد أجرحك، ولا أقلل من اللي هتعمله… ولا أستهين بتعب أمل.
أنا بس كنت…
ما كملتش.
لقيت نفسي بشدّها في حضني من غير تفكير.
وقلت وأنا بضحك:
— بتتأسفي على إيه يا عبيطة؟
دي إنتِ أختي… ومقدرش أشيل منك أصلًا.
حسّيت بإيدها بتطبطب على ضهري،
وابتسامتها رجعت زي زمان.
معدتش ثواني،
غير وابن خالتي الرخم أحمد ظهر فجأة، وهو بيضحك ضحكته السمجة:
— أوعى يا عم! مقديها أحضان من الصبح ومحدش قدك!
بعدت عنها بسرعة وبصّيت له وأنا بخبطه في كتفه:
— أختي يا بغل!
انفجرنا إحنا الاتنين ضحك،
والتوتر اللي كان بينا اختفى…
كأنه عمره ما كان.
_____________
ركبت العربية مع أحمد بعد ما أصر بكل عناد، وأنا قلبي مش مرتاح…
مضطرة أسيب جاد مع صحابه ...
قعدت جمبه بتأفف، ما بطيقوش… بس لازم أتحمله.
أول ما قعدت ابتسم ابتسامة غريبة، مش فاهمة ليه:
— هلا هلا.
حسيت بغصّة صغيرة، بعصبية داخليّة، وبصّيت له بطرف عيني.
رجعت أبص قدامي… مش قادرة أركز، كل الأصوات مزعجة، خصوصًا أغانيه العالية اللي مبتقفش.
قفلت الصوت بغضب، وبصيت له بحدة.
رجعت أبص قدامي، وهو بيضحك ويقول:
— كئيبة.
وبابتسامته السمجة اللي كنت أعرفها كويس، كمل:
— بس الفستان هياكل من عليكي حتة.
ضحكة داخليّة صغيرة حاولت تطلع… بس سكتت.
بصيت له بحدة أكبر، بصوت مليان صرامة:
— لم نفسك يا أحمد… بدل ما ألمك أنا.
وساعتها محدش هيشيلك من تحت إيدي.
ضحك بصوته الرجولي وقال:
— ماشي يا خطر انت.
معلقتش ع كلامه البيئه ودعيت ان اليوم دا يخلص ع خير
___________
أمل
كنت واقفة قدام المراية، لابسه فستان الفرح، وحاسّة نفسي متوترة جدًا.
كنت فاكرة إنّي حاسة بالراحة والأمان…
بس كل دا اتبخر أول ما وصلت القاعة.
التوتر سيطر عليا…
خوف من المسؤولية…
خوف من اللي حواليا…
ومن أصغر حاجة ممكن تضرني.
الدكتور قالي إنّي لازم آخد بالي من نفسي…
مناعتي ضعيفة، وأي برد أو تعب ممكن يأثر عليّ جامد.
مردتش أقول لجاد…
عارفة إنه لو عرف، ممكن يلغي الفرح،
وحتى وأنا مريضة، زي أي بنت، عايزة أفرح وأستمتع باليوم ده.
خدت نفس عميق، كأني بحاول أسيطر على أعصابي…
وفعلاً، حسّيت بشوية هدوء بيرجعلي…
بس التوتر لسه جوايا، سايب علامة صغيرة على قلبي.
دخلت القاعة، وكل خطوة كنت بحسها تقيلة…
الناس حواليّهم ضحك وألوان ودهشة، وأنا حاسة كأني واقفة لوحدي في نص الزحمة.
كل عين بتشوفني كانت بتزيد التوتر جوّايا…
بس في نفس الوقت، كان فيه شعور غريب…
شعور بالفرحة، باليوم اللي مستنيّاه…
اليوم اللي المفروض أفرح فيه، حتى لو جسمي ضعيف.
خدت نفس عميق، حاولت أهدّي نفسي،
وحسّيت برعشة صغيرة في إيدي وهي ماسكة الفستان،
بس حاولت أضحك شويه لنفسي، كأني بقول:
أنا هنا… وأنا قوية… مهما حصل.
وفي عينيّ كان وميض خوف…
خوف من أي حاجة ممكن تضيع يومي ده،
وخوف من نفسي ومن جسمي اللي مش دايمًا مستعد لكل حاجة.
بس لما بصيت لفوق، شفت جاد بعيد… واقف، مركز عليّ بعينه.
ورغم التوتر والخوف… حسّيت بشوية طمأنينة داخلي.
كأني بعرف إنه جنبي، حتى لو مش قريب مني.
رجعت أبص حواليّ، وبصّيت للفستان…
الابيض، الشيفون الناعم، التطريز البسيط…
حاسّة كأني أنا… وكل حاجة عني.
حتى لو جسمي ضعيف، قلبي دلوقتي مليان بالقوة، وبالفرحة اللي لازم أعيشها اليوم ده.
قرب مني عمي، وحضني بلطف، وباس راسي وقال:
— زي القمر يا حبيبة عمك.
ابتسمت له…
عمي دا تقريبًا كان الوحيد اللي دايمًا واقف جمبي وماما بعد وفاة بابا، الله يرحمه.
ما قصرش معانا يوم، لا بحنيه، لا باهتمامه، ولا حتى بالفلوس.
كان ونعم العم… وقلبي مليان امتنان ليه.
أخدني من إيدي بحنية، وسلمني لجاد اللي واقف قدامي،
وعيونه بتلمع… كأنها بتقول:
أنا هنا، كل حاجة تمام.
حسّيت بدفء غريب جوّا قلبي،
كأن كل التعب والخوف اللي جوّايا اختفى لحظة واحدة.
رغم كل اللي حصل… اللحظة دي كانت كلها فرحة وأمان.
قرب عمي من أحمد، وقال بحدة خفيفة:
— خد بالك منها… دي بنتي قبل ما تكون بنت أخويا.
حطها في عينك… وحافظ عليها!
ابتسم جاد، وحاوطني بإيديه بحنان:
— في عيوني يا عمي.
رد عمي وهو بيضحك:
— لا… في قلبك يا خفيف.
ضحكت بخجل، وحسّيت بدفء غريب في قلبي…
لحظة صغيرة مليانة حب وأمان.
قرر عمي بعدها إنه يسيبنا نستمتع باللحظة،
ومشي من قدامنا بابتسامة، سابني انا وجاد نعيش اللحظة على راحتنا.
