يوسف....
أنا ما إنسان طبيعي ، وده السر البحاول أدفنه تحت وقاري ولبسي المرتب ، الناس بتشوفني الإنسان الصامد ، بس ما بتشوف المقبرة الشايلها جوه صدري. الليل بالنسبة لي ما للراحة، هو الوقت البتصحى فيه شياطيني المكبوتة.. بحس بضجيج جوه راسي ، أصوات متداخلة ، وعود قديمة ، وضحكات مخادعة بتمزق في هدوئي ، وجع ما ببرد أبداً.
الستر القدمته للينا ما كان منحة، كان عربون ملكية.
بحس برغبة قوية إني أعزلها عن الدنيا، أقطع خيوطها كلها عشان ما تتلوث بالعالم الخارجي.. وكأني بحميها من عدوى صابتني زمان.
أنا المجهر الشغال ٢٤ ساعة بشم ريحة الكذب في أنفاسها ، و بحس بنفورها مني كإهانة لكرامتي.
بمارس عليها عقاب هو في الأصل محاولة لتخدير الضجيج الجواي ، ولما أصل لدرجة الانفجار ، بضطر أجرح نفسي لغاية ما الدم يسيل ، عشان بس أشتت انتباه الشيطان العايز ينهشها هي!.
الوجع الجسدي هو الوسيلة الوحيدة البتمنعني آذيها.. أنا بعاقب في روحي من خلالها، وبطهر في سوادي بدموعها.
هي مفتكراني بتحشر في حياتها ، وأنا ببساطة بعيد صياغة وجودها عشان يناسبني ، الامتلاك عندي معناه إنها ما تكون لينا البعرفوها الناس ، تكون النسخة الأنا سترتها بيدي.. وما مسموح ليها تلمع إلا تحت ظلي أنا.
عارف إنها بتكرهني و بتعاين لي وهي بترجف، والشعور ده هو البخليني أواصل.. لأنها لو بطلت تخاف، معناها أنا فقدت سلطتي، ومعناها الوحش الجواي ح يضطر يفتش عن طريقة تانية عشان يثبت وجوده.. طريقة ممكن تكون هي نهايتها.
* * *
مرّت بقية أيام الامتحانات وأنا بحاول ألملم شتات نفسي قدر ما أقدر، كنت بضغط على أعصابي عشان أركز في الشيتات ، ما كنت عايزة جنون يوسف يضيع علي قراية السنين دي كلها ، ورغم إني ما كنت متأكدة من شغلي في بعض المواد بسبب التشتت، بس كنت بجاهد إني أملأ الورقة وأطلع وأنا حاسة إني عملت العلي.
يوسف من ناحيته هدأ نسبياً، أو يمكن قرر يغير تكتيكه معاي ، بقى ما بحتك بي خالص ، ولا بدخل معاي في نقاشات مستفزة زي الأول ، كان بطلع لشغله بانتظام، برجعني من غير ما يتكلم ، ويدخل غرفته في صمت غريب الساعات البنقضيها تحت سقف واحد بقت عبارة عن هدنة صامتة ، لا هو بسألني عملتِ شنو، ولا أنا حاولت أكسر الجليد البينا.
البرود ده ريحني شوية وخلاني أتنفس وأركز في قرايتي بس في نفس الوقت كان في سؤال بلح على ، يوسف ده هدأ بالجد؟! ، ولا ده مجرد هدوء بسبق عاصفة جديدة؟!.
خلصت آخر مادة ، وأنا حاسة براحة غريبة، كأني فكيت قيد من قيودي الكانت خانقاني طول أسابيع الامتحانات ، طلعت للشلة لقيتهم مبسوطين و متأنقين ، و كان واضح إنهم مخططين لي طلعة احتفالية بنهاية الامتحانات.
أسيل قالت لي بحماس... لينا.. ماف رجعة بيت هسي، طالعين نفطر ونغير جو ، وماف أي عذر بتقبل!.
أترددت وقلت ليهم بصوت واطي.. والله يا بنات يوسف.. يعني م عارفة..
قبل ما أتم كلامي ، صفاء قاطعتني باستهزاء.. يا بت إنتِ دا شنو؟ الراجل ده ممشيك يمين شمال كدا ليه؟ ما بتعرفي تقولي لأ؟.
اسيل ردت ... يا لينا لو استمريتي كدا، ح يمحِي ليك شخصيتك تماماً ، وين لينا البنعرفها؟!، الكانت ممشية وليد رغم هيبته زي المسطرة ، يوسف شنو البغلبك ، ف قلبي قلت ليهم.. ياريت لو يوسف زي وليد..
حتى تقوى الهادية قالت لي بعتاب.. بالجد يا لينا فاقدين لينا القوية.. اطلعي معانا، الموضوع بسيط.
حسيت بكلامهم ضرب في كبريائي.
صفاء قالت لي.. ح نطلع مطعم قريب ، وأصلاً صحبتي سايقة ح تجينا هنا بسرعة ، نفطر و نرجعك جمب باب الكلية في المواعيد البجيك فيها.
وقفت في نص المسافة بين خوفي من مجهر يوسف وبين صورتي قدام صحباتي ، فكرت في سري.. أنا ليه خايفة كدا؟ يوسف شنو البحكمني في كل خطوة طالما أنا خلصت وامتحنت؟!.
كنت عايزة أضرب ليه أستأذن، بس رجعت في كلامي بسرعة ، لأني عرفت إنه ح يمنعني ببرود ويقفل السكة في وشي.
قررت في لحظة تهور إني أكسر الحاجز ده وأثبت ليهم ولنفسي إني ما بخاف منه .. قلت ليهم بابتسامة حاولت أظهر فيها الثبات خلاص.. ح أطلع هي ساعة واحدة وما ح يحصل شي.
ركبنا العربية ، ومع كل خطوة بتبعدنا عن بوابة الكلية، كان قلبي بدق بسرعة.. إحساس الذنب كان بصارع إحساسي بالحرية ، كنت متمنية أقضي الساعة دي بسلام من غير ما يتهد الأساس الحاولنا نبنيه بالبرود الأيام الفاتت.
أسيل رفعت الموسيقى لأعلى صوت ، و بقوا يغنوا مع كل مقطع ويصفروا ، العربية بتهتز بالضحك والهيصة ، و تقوى بتصور فينا حاولت أندمج معاهم، أضحك من قلبي وأنسى الضجيج الفي راسي ، وفعلا للحظات حسيت إني رجعت لينا القديمة ، البنت البتحب الحياة وما بتخاف من بكرة.
وصلنا المطعم، الجو كان رايق والناس مبسوطة، طلبنا أوردراتنا وبدينا ناكل بشهية وكأننا م أكلنا من سنة، وسط جوطة الونسة والتعاليق ، و المواقف الحصلت لينا.
أسيل مسكت تلفونها وقالت بحماس.. يا بنات اللحظة دي لازم تتوثق.. أصلها م بتتكرر!.
بدوا يتصوروا سيلفي بأوضاع غريبة، ويصوروا الأكل باحترافية، وأنا في النص بينهم، بضحك وبوزع في الابتسامات للكاميرا ، عملنا "فيديوهات" قصيرة و نحن بنغني ونهزر، والضحك كان واصل لآخر المطعم.
صفاء مسكت تلفوني وقالت لي .. لينا، تعالي أصورك صورة براك، طالعة فيها زي القمر والراحة ظاهرة في عيونك.
وقفت واتصورت ، وأنا بعاين للصورة في الشاشة، حسيت بغصة خفيفة.. الصورة كانت بتظهر لينا السعيدة ، بس في أعماقي كان في عدّاد شغال بحسب لي في الثواني الفاضلة ، كنت بحاول أقنع نفسي إنو دي ساعة عادية من حقي استمتع بيها، بس خيال يوسف وهو بمسح السكينة ببرود كان بمر قدام عيوني فجأة، و يخلي قلبي ينقبض.
خلصنا، وقمنا بسرعة عشان نلحق المواعيد ، ومع كل ضحكة كنا بنضحكها في طريق الرجعة، كان في خوف خفي بنمو جواي..
وصلنا بوابة الكلية، قلبي كان بدق زي الطبل، وعيوني بتفتش الشارع بلهفة.. الحمد لله عربية يوسف ماف! اتنهدت بإرتياح وحسيت بانتصار وهمي ، دخلت الكلية بسرعة، جريت ع الاستراحة ، وبقيت أمسح في الميكاب التقيل العملوه لي.
وهم يضحكوا فيني.. يا لينا" و الله العرس لو زي دا خلينا".
طلعت وقفت قدام البوابة ، في نفس المكان والزمان المفروض يوسف يجيني فيه، و بحاول أرسم وش البنت المهدودة من الامتحان.
صحباتي دوروا عربيتهم وطلعوا وهما بأشروا لي بضحك عالي ومستفز...خلاص يا مدام يوسف.. انتظريه ونحن ماشين نكمل فرحتنا في مكان تاني.
وفي اللحظة ديك.. في عربية كانت واقفة بعيد شوية دورت محركها قطعت الظلط وجات وقفت قدامي ، نزل القزاز ، قلبي وقع في رجلي.. شفت يوسف زي القدر ، سألت نفسي ياربي غير عربيته متين؟! ، يعني كان قاعد فيها ومراقب المشهد من أوله لآخره، من لحظة ما نزلت بضحكنا العالي لغاية ما صحباتي فاتوا.
مشيت وخطواتي تقيلة بحاول استوعب، ركبت وما اتجرأت أرفع عيني فيه ، كان قاعد بجمود لابس نظارته السوداء رغم إنو الشمس بدت تغيب.
ما نطق ولا كلمة.. بس مد يده وشغل إذاعة القرآن بصوت واطي كان بزيد الرهبة في المكان.
التفت عاين لي من فوق لتحت.. بنظرة فاحصة ، نظرة حللت كل تفصيلة في وشي ، لبسي، عطري، حتى خوفي من غير ما ينطق بحرف واحد.
طول الطريق، الصمت كان ألعن من أي صراخ. القرآن شغال، وهو بسوق بهدوء مبالغ فيه ، كنت بصارع في أفكاري.. شافني؟ أكيد شافني.. شاف الضحك؟ شاف العربية؟ شاف الميكاب الممسوح ، حاولت أتكلم، بس صوتي خذلني والكلمات ماتت في حلقي.
أول ما وصلنا البيت ، نزل وفتح الباب دخل قدامي بخطواته الواثقة ، مشيت وراه وأنا حاسة بضيق نفس، الصالة كانت باردة ومظلمة ، أول ما قفلت الباب، التفت علي ببطء، قلع نظارته و مفاتيحه ختاها فوق السفرة..
سرعت خطواتي عشان اختفي منو ، وقفني و سألني بإبتسامة خفيفة ما وصلت عيونه .. مالك متوترة و مستعجلة كدا؟! ، قلت ليه مصدعة.. قال لي الظاهر امتحان الليلة كان محتاج ميكاب وتجهيزات خاصة، ولا أنا غلطان؟!.
وقفت مكاني، وحسيت بلساني تقل، والكلمات بدت تطلع متقطعة قلت ليه..
لا.. لا.. أنا بس.. كنت بحاول أخفي شحوب وشي من السهر والتعب، إنت قاصد شنو بتجهيزات خاصة؟!
قال لي.. الأساسات.. ظاهر إنها كانت هشة شديد يا لينا، لدرجة إنها بتنهار مع أول لمحة مكياج.. تفتكري البناء المايل ده ممكن يكمل؟!.
ما رديت عليه عرفته عايز يوقعني ف الكلام ، قرب مني خطوة و همس لي.. استمتعتِ باليوم؟!.
قلت ليه بإنكار... أي يوم يا يوسف؟ أنا كنت في الكلية من الصباح لغاية ما جيتني.. إنت قاصد شنو؟!.
قال لي... أوعى تكذبي! شامي ريحة كذبك و خوفك شاميها بأنفي قبل ما تقوليها بلسانك!.. اديني تلفونك دا انا عايزه ، مدا يده وعايز يشيل شنطتي؟!.
قلبي وقف تماما ، من غير أشعر لقيت نفسي بنفض يده مني و بعلي صوتي عليه بغضب مصطنع....
ماعندي تلفون بديك ليه يا يوسف ، انا زهجت من تحكمك دا ، إنت مفتكر نفسك ح ترهبني و تهددني؟!، أنا في بيت أبوي كنت بطلع وبدخل وماف زول كان بشكك فيني أو براقبني، وإنت هسي جاي تعمل لي فيها قاضي ومحقق؟ وين المشكلة لو طلعت بعد الامتحان غيرت جو مع صحباتي؟! ، ليه عايز تحسسني اني بعمل جريمة ، دي حياتي ومن حقي أعيشها!.
فجأة.. رفع الفازة الزجاجية من نص السفرة، بحركة سريعة.. وضربها في الأرض بكل قوته!.. طااااااااااخ..
الصوت كان زي الانفجار ، القزاز اطاير في كل مكان وشظايا منه صابت رجلي وحسيت بحرقان الدم بدا يسيل ، كنت ح أصرخ.. صرخة تشق المكان ، بس في ثواني ، اتذكرت الوحش البصحى مع الصراخ ، كتمت صرختي بيدي بقوة.. ودموعي نزلت من الخوف.
مسكني من فكي بيد واحدة ، لدرجة حسيت إنو فكي ح يتهشم بين أصابعه ، قرب وشه من وشي وعيونه بتشر غل، قال لي بصوت مرعب...
كويس.. إنك م صرختِ.. لأني كنت ح أهشم فكك ده بالجد، وأديكِ سبب حقيقي للوجع.
عيدي كلامك القلتِ دا تاني؟!.. مشكلتك يا لينا ما قادرة تستوعبي إنك طلعتِ من طوع أبوكِ، وبقيتي تحت طوعي أنا! والحرية البتتكلمي عنها دي، هي الخلتك تصيعي في الكافيهات وهي الرمتك في أقسام الشرطة وجابت ليك الفضيحة.. لو ما أنا سترتك ولميتك من الشوارع.
رغم الألم الكنت حاسه بيه ، ورغم ضغطة يده الحديدية حسيت بشجاعة انتحارية بتسري في عروقي ، زحيت يده مني بقوة ، وثبتت عيوني ف عيونه البتقدح نار.. قلت ليه..
إنت أصلاً متزوجني لشنو يا يوسف؟! ، أنا قلت ليك تعال استرني ولا اترجيتك تلمني من الشوارع؟ ما كل مرة تمِن علي بسترك ده كأنك اشتريتني بقروشك! وأبوي.. زاتو لو كان عارف إنك إنسان مريض و مستغل سترك ده و سيلة عشان تكسرني وتذلني، ما كان سلمني ليك أبداً.. أنا متأكدة إنه اتخذ قرار زواجي منك في لحظة غضب وغلط، وما كان عارف إنه برميني في جحيمك ده!.
أول ما نطقت الكلمات دي ، يوسف اتجمد مكانه.. شال يده مني فجأة وملامحه اتشنجت شديد لدرجة عيونه بدت تزوغ في الصالة بشكل مرعب، وكأنه بطارد خيالات ما بشوفها غيره، نفسه بقى يعلى ويهبط بصوت مسموع،كأنه بصارع وحش جوه صدره بحاول يمنعه من الطلوع.
بحركة سريعة مد يده وشال شظية كبيرة من بقايا الفازة الاتطايرت فوق السفرة.. مسكها بيده وضغط عليها بغل مبالغ فيه لدرجة إنو بدت تنزل نقاط دم من بين أصابعه في السيراميك بغزارة.. والغريب إنو ملامحه كانت ثابتة ، ولا حتى رمشة عين، انه متوجع!.
كنت بعاين ليه وأنا مصدومة فيه ، عاين لي بنظرة أخيرة طويلة ، نظرة م فهمتها بس هزت كياني .. و فجأة ، رمى الشظية من يده ، ومشى بخطوات تقيلة ، لما اختفى من نظري ، و بعدها سمعت رزعة باب غرفته بقوة. خلاني واقفة في نص الصالة، مذهولة ومشلولة من الحركة.
فضلت واقفة في مكاني، متجمدة، عيني معلقة في نقاط الدم النزلت من يده وبدت تنشف ، أنفاسي كانت بتطلع بصعوبة .. عاينت لرجلي شايفة الدم سايل منها بس الغريبة إني ما كنت حاسة بوجع الجرح.. الوجع كله كان في المنظر الشفته. يوسف البعاقب نفسه بالطريقة دي ، مستحيل يكون طبيعي.. كان بشتت الحاجة الفي راسه دي ، بانه يوجع نفسه. بس عيونه كانت بتزوغ كأنه بطارد أشباح.. الإنسان ده أكيد فيه خراب أكبر بكتير مما كنت بتخيل.
بديت أتحرك كأني آلة.. ما عارفة كيف، بس لقيت نفسي بجيب المكنسة ، نزلت على ركبي وبديت ألم في الشظايا ، و بالي مشغول ليه عمل كدا لدرجة ينزف؟!. هل كان بحاول يمنع يده إنها تتمدى على رقبتي ويخنقني؟! ، هل هو بحارب نفسه عشان ما يقتلني؟!، ليه كلامي خلاه ينهار بالشكل ده ، نظفت المكان لغاية ما بقى يلمع ، وكأن ما حصلت أي حاجة فيه ، عاينت لرجلي اللسه بتنزف، بس ما اهتميت.. الوجع الجواي كان مخدّر كل حواسي.
رميت جسمي في السرير وأنا بعاين للباب المقفول كنت خايفة ، بس في نفس الوقت مذهولة من حجم الضعف الشفته في عيونه ورا قناع القوة ، يوسف طلع مريض، مريض بجد، والشي ده معناه إني بقيت في قفص مع كائن ما بتوقع رد فعله الجاي..
فجأة.. جاني خاطر قطع قلبي..لو طلع إنه قتل نور؟! وما ماتت موتة طبيعية؟! ، طردت الفكرة من راسي برعب، وبديت أستعيذ من الشيطان، بس الفكرة كانت بتنخر في راسي زي السوس.
فتحت تلفوني لقيت صحباتي ماليين الاستوري بصورهم وطلعاتهم ، اتصلوا علي مكالمة جماعية ، وكانوا لسه ما رجعوا بيوتهم ، فتحت الخط، وأول ما قلت.. ألو..
أسيل.. سألتني لينا! صوتك ماله؟ إنتِ بتبكي؟ الحصل شنو؟! ، حكيت ليهم بشهقات مكتومة عن الحصل، وعن الفازة ويوسف النزف في يده.
صفاء ردت بانفعال.. يا لينا هو فاكر نفسه شنو ! إنتِ كيف تسكتي ليه؟ والله لو أنا مكانك أشيل قطعة من القزاز الجرحك ده وأطعنه في يده البمدها عليك دي، لازم يعرف إنك م حيطة مايلة!.
أسيل كملت بحرقة.. لو مكانك ثانية واحدة م بقعد معاه! بستقوي عليكِ بماضيكِ، لو ما كنتِ لسه عروس كان قلت ليكِ اتفكي منه ، قبل ما تتورطي بطفل ، دا إنسان خطر.
أما تقوى فكان صوتها واطي ومليان خوف.. لينا.. يوسف ده اكيد م طبيعي، تصرفه ده بقول إنه عنده انفصام أو شي بخليه يغيب عن الوعي ، م تصطدمي معاه ، حاولي تسايسيه لغاية ما تشوفي ليك مخرج، الزول ده لو وصل مرحلة ما سيطر على نفسه م ح يرحمك.
ما كنت عارفة اعمل شنو من كلامهم، وحسيت بخوف حقيقي قفلت التلفون، ورميت راسي في المخدة.. كلماتهم كانت بتضرب في راسي.. أطعنيه، اطلقي، سايسيه ، وأنا م شايفة قدامي غير منظر يده وهي بتنزف وقبضته الكانت ح تكسر فكي.
قضيت الليلة دي وأنا صاحية، عيوني معلقة في السقف وأذني مع الباب ، مع خيوط الفجر الأولى، اتخذت قراري ، أنا لازم أمشي بيت أهلي، لازم أبعد من السجن ده ولو ليوم واحد، ولازم ألقى طريقة أوضح ليهم البحصل معاي.
قمت بهدوء، لبست ملابسي وجهزت شنطة صغيرة فيها حاجاتي الأساسية ، كنت برتب في الكلمات الح أقولها ليه عشان يسمح لي ، و بحاول أقنع نفسي إنو المواجهة ح تمر بسلام.
طلعت الصالة بخطوات مترددة ، لقيته قاعد بكل هدوء بشرب في شاي الصباح ، كان لابس قميص سماوي وبنطلون جينز ، لحيته مرتبة ، وريحة عطره كانت مالية المكان.
ما عرفت متين لحق يعمل كل ده! ، ويظهر بمظهر الإنسان الأنيق ، الحاجة الوحيدة الكانت بتذكرني بكابوس أمس ، هو الشاش الأبيض الكان لافيه حول كف يده النزفت...
رفع راسه عاين لي من فوق لتحت بنظرة عدم اهتمام عايزة حاجة؟!.
بلعت ريقي وقلت بصوت حاولت أخليه ثابت.. يوسف.. أنا ماشة بيت أهلي، اشتقت ليهم.
رفع حاجب واحد ، وبانت على وشة ابتسامة غامضة.
اشتقتِ ليهم بس؟!، ولا في سبب تاني؟! عموماً ما عندي مشكلة.. أنا أصلاً كنت مفكر أجيب البنات ، لأنو البيت محتاج شوية حيوية ، باعتبار إنو فترة شهر عسلنا انتهت.
في قلبي قلت ليه.. عسل؟! دا كان شهر رعب.. أنا ما شفت فيه غير السواد.
ركبت معاه العربية، والهدوء كان مسيطر على المكان. المرة دي، ما شغل قرآن زي كل مرة، شغل أغاني وبدأ يدندن بانسجام وهو بسوق بتمهل غريب، وكأنو إنسان طبيعي بستمتع بيومه.
عاينت ليه بطرف عيني وقلت في نفسي..
الزول الأنيق، المتعطر، الهادي ده.. هل في زول في الدنيا دي ممكن يصدق إنو عنده وش تاني؟!، لو حكيت لأي زول، ح يقول علي كذابة ومفترية.. يوسف بملك قدرة مرعبة على إنه يغش العالم كله بقناعه ده، ويخلي الوجع والجنون ورا حيط بيته معاي أنا بس.
قبل ما أنزل ، عاين لي بنظرة أخيرة وقال لي...
سلمي على أهلك.. كنت ح أدخل معاكِ بس اتأخرت على الشغل، بمر عليهم المساء إن شاء الله.
هزيت راسي من غير كلام ونزلت.. ما صدقت إني طلعت من سجنه ، لقيت ناظم فتح الباب وطالع.. أول ما شافني جاء سلم علي بلهفة..
فقدناكِ يا لينا، والله البيت من غيرك ما ليه طعم.. اتفضلي، نغم وأمي جوه.
حاولت أرسم ابتسامة باهتة ، دخلت و كلي شوق و لهفة ، أول ما لقيت أمي في وشي ، ملامحها اتغيرت من الفرحة لصدمة ، صرخت فيني..
سجمي يا لينا! دا شنو يا بتي؟! دا شكل عروس هسي؟! وشك شاحب، وعيونك واقعة، ولابسة توب أنا المرة الكبيرة دي ما بلبسه.. أوعي يكون نسابتك شافوك كدة، عايزة الناس تقول علينا شنو؟ وب عليك يا سعاد من بتك!.....
