رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الخامس5بقلم رشا روميه


رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الخامس5بقلم رشا روميه
«قلب من حديد ..»

سأحمل جبالًا فوق ظهري بالحب، لكنني لا أقوى على حمل ذرة ملح مكرهًا، لا تجبر قلبًا نقيًا على إختبار نقائه، فربما تُلوثه بقساوتك دون أن تدري ...

ما يُخفَىَ بالقلب يظل بالقلب، لكن العيون تفضحه، هذا الذي لا يَفهمُه سوى من ذاق ذات المرارة قبلًا، فحين تسخر من قلبي المخلوق من الطين وتفخر بقلب من حديد، فلا تتعجب حين تمطر الدنيا ويزهر قلبي ويصدأ ما لديك ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

السويس (المركز التجاري) ...
وقفت "فرح" بقلب مُنهك، وغِصة عالقة بحلقها تنظر تجاه "هاني" تحاول إيهام نفسها بأن ما حدث ما هو إلا شيء عادي، وأنها من زادت من الأمر ...

لكن قلبها لم يشعر بالراحة بعد، حتى بعد أن أخبرها "هاني" أنه سيأتي بالغد لطلب يدها بشكل رسمي من والدتها ...

وبعد صمت دام لدقائق تحركت "فرح" بآلية وتجهم وهي تخرج كلماتها بتشتت وجدية غير معتادة ...
- تمام يا "هاني"، ححضر نفسي لبكرة، أنا مضطرة أمشي، "ريهام" مستنياني، سلام ...

أنهت عبارتها دون إنتظار رد منه، ليطالعها بتعجب وهو يقلب شفتيه بدون فهم لمغادرتها بهذا الشكل المفاجئ، لكن تعجبه لم يلبث كثيرًا لينصرف هو أيضًا في لا مبالاة ...
رشا روميه قوت القلوب 
ملامح جادة وعيون تعيسة وصمت غير معتاد لصاحبة البهجة، أمر جعل "ريهام" تطالع "فرح" بإستغراب شديد، ثم تساءلت بقلق ...
- مالك يا "فرح"، مش عوايدك ساكتة ولا بتهزري، ولا بتضحكِ، ولا حتى بتتكلمِ ...

إنتبهت لها "فرح" لتجيب تساؤلها بسؤال فاجأ صديقتها، فيبدو أن تفكيرها منشغل بقوة بأمر آخر ...
- إيه رأيك في "هاني" ...؟؟؟

سؤال أربك "ريهام"، فيبدو أن الأمر معقد و"فرح" ليست بحالتها الطبيعية، لتجد أنه من التعقل أن تفهم سبب هذا التساؤل أولًا قبل أن تُجيبها وتعقد أمور هي لا تعلم عنها شيئًا ...
- من ناحية إيه يعني، مش فاهمة ..؟

تفرست "فرح" بوجه "ريهام" كمن تحاول البحث عن طريق لتشتت نفسها الضائعة، فربما صديقتها ستدُلها على هداية نفسها لفهمِ الأمور ...

أجابتها "فرح" بعد تشتت للحظات بدون إيضاح ..
- يعني، بوجه عام ...

لم تكن "ريهام" سوى صديقة محبة، لذلك تفهمت الأمر وحاولت إظهار محاسن "هاني" أمام أعين "فرح" التي يبدو عليها الإستياء لأمر ما ...
- "هاني" شاب كويس ومن عيلة كبيرة، وغني، وبيحبك ...

- هو فيه حد بيحب حد مش بيغير عليه ..؟!!
قالتها "فرح" بين الشك والبحث عن طمأنينة قلبها، لتكمل "ريهام" إجابتها الدبلوماسية ...
- بيتهيألي لأ، بس ممكن كل واحد وله طريقة بيعبر بيها عن كدة، مش كل الناس زي بعض ...

كما لو أنها تشاء أن تجد مبررًا له، وأن تتغافل عن إحساسها بتصديق صديقتها بأن بالتأكيد "هاني" له طريقة تعبير عن حبه لها بطريقة مختلفة، لكن يكفي أنه بالنهاية يحبها ...
رشا روميه قوت القلوب 
إتخذتا الصديقتين طريق عودتهم للبيت بعد شراء فستانها الجديد الذي سوف ترتديه بالغد بموعد زيارة "هاني" وأهله لها ليطلب من والدتها زواجهم بشكل رسمي بعد إنتظار طويل ...

❈-❈-❈ــ

الإحساس بالرضا يجعلنا لا ننظر بأرزاق الآخرين، تقبل الحال من جهاد النفس، لكن الطموح غاية وأمل وحلم، وعلينا السعي دون حقد عمن وصل إليه رزقه قبلنا ...

شقة عزت ذو الفقار ...
مازال الوقت مبكرًا، والصباح يدفع ضيائه يداعب أعين تلك النائمة بتكاسل ...

فتحت "ليلى" عينيها بصعوبة وقد إمتعض وجهها ألمًا من نومتها الغير مريحة، إستندت لترفع جسدها المتوجع من فراشها اليابس لتنظر نحو غرفتها الباهتة التي لم يتغير أي شيء بها منذ أن عهدتها بصغرها، كما لو أن حياتها تسير وفق وتيرة واحدة لم تتغير ولن تتغير ...

لكن من نقاء نفسها ألا تكترث لذلك، لم تتطلع أو تقارن، أو تطلب ما لا يقدر عليه والدها، بل تعايشت برضا دون تذمر، لكنها تطمح بأن تبدل حياتها الرتيبة بأخرى بعملها وإجتهادها دون الحقد على من يعيش بالرخاء والرفاهية ...
رشا روميه قوت القلوب 
نظرت نحو ساعة يدها القديمة التي تخص والدتها قبل أن تنهض من فراشها لتستعد لبداية يوم عمل جديد ...

وقت تَقضيهُ بمفردها كل يوم، فوالدها بالمصنع الذي يعمل به منذ ساعات طويلة، فعمله يبدأ من السادسة صباحًا، توضت أولًا قبل أن ترتدي نفس ملابسها التي كانت ترتديها بالأمس، قضت فرضها وإتجهت نحو الخارج تحمل حقيبتها ومفتاحها حيث تركتهم بالأمس قبل مجئ والدها ...

يوم آخر تبدأه دون إفطار كما تعودت، لم تشعر بالجوع فغالبًا تلك الوجبة منسية دائمًا لا تتذكرها إلا بعد إرهاق وعمل بالمستشفى تقضيها بالقليل مما يتاح لها إن شعرت بالجوع ...

إستقلت الحافلة وسط أعين بعض المتفحصين فهي لها سحر جذاب بشكل خاص، بمرور الوقت توقفت الحافلة بالمحطة القريبة من المستشفى لتترجل منها بآلية معتادة حتى أنها قد تكاد تجزم أنها ترى نفس الوجوه كل يوم بطريقها ...

إتجهت نحو غرفة الممرضات الخاوية أولًا لتبدل ملابسها بملابس التمريض خاصتها، ثم أبدلت حجابها بالحجاب الأزرق الخاص بالزي الذي ترتديه لتتجه لعيادة العظام التي تعمل بها لبدء يوم عمل جديد دون تفكير أو تغيير بدائرة حياتها المعتادة ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

على قرابة من المستشفى، أقبلت "مروة الشيمي" بخطواتها المتعجلة لتأخرها على موعد مناوبتها الصباحية، أزعجها رنين هاتفها لتسرع بفتح حقيبتها لتخرجه وترى من يتصل بها بهذا الصباح ...

برغم تعجلها إلا انها توقفت تطالع شاشة هاتفها بإستغراب وهي تمتعض بوجهها بقوة وتزم شفتيها بحركتها المعتادة اللا إرادية وهي تغمغم بتملل ...
-(وده إيه إللي فكره بيا ده، وعلى الصبح كمان ...) ..

لكنها أجابت دون إظهار إمتعاضها، فلا يسعها سوى ذلك ...
- ألو ...

صوت رجولي أجابها بترحاب شديد يصل للتملق أيضًا ...
- بنت عمي، إزيك يا "مروة"، أخبارك إيه، وعمي ومرات عمي عاملين إيه ..؟؟

- الحمد لله، وإنتوا أخباركم إيه ..؟!

كلمات معتادة حتى وإن لم يقصدها أي منهما للإطمئنان، ليسارع إبن عمها دون إطالة ...
- بقولك يا "مروة"، كنت عاوز منك خدمة ضروري أوي ...

رفعت مقلتيها بتهكم، فهي تدرك بالطبع أنه لا يتصل بها للإطمئنان عن أحوالها حقًا، ورغم ذلك أجابته بقبول ...
- آه طبعًا، أؤمرني، خير ....

لن تنتظر أن ينهي مكالمته بل دلفت لداخل المستشفى حتى لا تتأخر أكثر من ذلك ومازالت تستكمل مكالمتها معه ...

وصلت لغرفة الممرضات لتجد "نهى" -إحدى زميلاتها- تجلس بالداخل لترفع يدها ملوحة لها بتحية الصباح أثناء إستماعها لإبن عمها ...

ردت لها "نهى" تحيتها بنفس الطريقة بينما عقبت بسخرية ...
- إيه ده، تليفونات بقى على الصبح ...

أشارت لها "مروة" بالصمت حتى أنهت مكالمتها معه لتبرر سبب تلك المكالمة ...
- ده إبن عمي، كان بيوصيني على حد تعبان هنا في المستشفى ...

ردت "نهى" بتفهم ...
- اااه، قولتيلي، وأنا إللي ظلمتك، يلا تعالى إفطري معايا ...
رشا روميه قوت القلوب 
ألقت "مروة" حقيبتها فوق منضدة جانبية وهي تفتح خزانتها الموضوع بها زي التمريض خاصتها لتجيبها بتعجل ...
- لأ لأ ، أنا إتأخرت، يا دوب ألحق العيادة قبل الدكتور ما ييجي، حبقى أفطر بعدين ...

- طيب حسيب لكم الأكل هنا، إبقى إفطري مع "ليلى"، هي كمان مفطرتش كالعادة ...

- طيب طيب ...

بدقائق قليلة تجهزت "مروة" لتخرج من الغرفة لمباشرة عملها بعيادة الأسنان التي تعمل بها حتى لا تتلقى اللوم لتأخرها اليوم ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

شقة نور بركات ... 
بطبعه شاب نشيط مُحب لعمله بشكل مبالغ فيه حتى أنه تميز بمجاله بشكل كبير فهو طبيب ماهر ذو ضمير أخلاقي، لكن سهرته بالأمس برفقة "سامح" جعلته غير قادر على الإستيقاظ المبكر ...

فتح "نور" عينيه بتكاسل حين صدح هاتفه برنين نغمة رسالة واردة أقلقته ليتمتم بنعاس ...
- أستر يا رب، مين على الصبح ...!!

تطلع بهاتفه لبعض الوقت ليسحب جسده للأعلى وهو يضم شفتيه بتملل أثناء قراءته للرسالة التي أرسلتها له خطيبته "نسرين" ..
-[ عاوزة أقابلك ضروري يا "نور"، حستناك في نفس الكافتيريا، متتأخرش عليا، أنا نازلة دلوقتِ ..] 

طلبها لمقابلته بهذا التوقيت المبكر خاصة وقد رآها بالأمس جعلته يشعر بالقلق، فتُرى ما الذي حدث لتطلب منه رؤيته بهذه السرعة ؟ ...

ولشعوره بالمسؤولية تجاه "نسرين" وإخوانها لم يتقاعس "نور" عن لقائه بها الآن، فمهما كان شعوره تجاهها إلا أن مسؤوليته تجاهها أمر آخر، فقبوله للزواج منها كان من الأساس بدافع مسؤوليتها التي ألقاها والده ووالدها على عاتقه قبل وفاتهما ...

إرتدى ملابسه بعجالة لمقابلة "نسرين" أولًا قبل الذهاب للمستشفى، فهو لن يذهب لمقابلتها بالبيت بهذا الوقت المبكر فلابد أن والدتها بالعمل وأخويها بالمدرسة وهو لن يقبل أن تُمس سمعتها حتى وإن كانا مخطوبان بالفعل وزفافهم في القريب أيضًا ...

تلفت "نور" باحثًا عن "نسرين" التى وجدها تجلس وتنتظره بالفعل فقد أتت اليوم قبل ميعادها وهذا أمر مقلق ...

دنا "نور" من الطاولة التي تجلس عليها قائلًا بنبرة قلقة ..
- صباح الخير يا "نسرين" ...
رشا روميه قوت القلوب 

ملامح باهتة كما لو كانت مرغمة على مقابلته، تطلعت به "نسرين" لوهلة قبل أن تجيبه بهدوء ...
- صباح الخير يا "نور" ...

إقتضب وجه "نور" قليلًا ومازال القلق يصارع أفكاره عن سبب هذا اللقاء ...
- خير يا "نسرين"، قلقتيني، فيه حاجة حصلت ؟!!

أشارت ببرود تجاه الكرسي تدعوه للجلوس غير عابئة بقلقه ..
- ما تقعد الأول، بلاش القلق ده ...

جلس "نور" بينما إرتفع حاجباه بدهشة من هدوئها الشديد ليعيد سؤاله ...
- خير ؟!!!

دارت بمقلتيها بتملل بحركتها اللا إرادية المعتادة ثم أجابته بنبرة حانقة رغم ما تتفوه به على النقيض تمامًا ...
- عادي يا "نور" متقلقش، أنا بس كنت عاوزة أعتذر لك عن طريقتي معاك إمبارح ...

إمتعض وجهه بتعجب، فهل هذا هو السبب الذي أصرت له على مقابلته وتأخره عن العمل ..
- يا سلام، هي دي الحاجة الضروري إللي عايزاني فيها ...!!!، ما كان ممكن تقوليلي كدة في التليفون وخلاص ...!!!

إنفعال "نور" جعلها ترتبك لتتلعثم قليلًا وهي تحاول تبرير إصرارها على مقابلته ...
- لا يعني، اااا، حبيت إني أقولك ده وجهًا لوجه، عشان كمان نكسر حِدة المشاكل إللي بيننا على طول ...

تنهد "نور" ليعود لهدوئه المميز متمعنًا بملامح "نسرين" المرتبكة، ليرفع حاجبه بإدراك لما ترمي إليه "نسرين"، ربما لم يضايقه أمر طلبها لرؤيته وتعطيله عن العمل بقدر طريقتها الماكرة المُلتفة التي تستخدمها للوصول لأهدافها، علت قسمات وجهه نظرة إشمئزاز واضحة ثم أكمل بإستهزاء ...
- اااه صحيـــــح، هو مش النهاردة برضه والدتك عازماني على الغدا، ولازم طبعًا يبان قدامها إننا متفاهمين ومفيش أي مشكلة ما بينا، صح ؟!!!!

تهدج صدرها بقوة لإكتشافه مبتغاها بهذا الوضوح، لتدور بعينيها متهربة من نظرات "نور" القاتلة نحوها، بينما أكمل بغضب منفعلًا من طريقتها الملتوية بكل مرة، فهي لم تتغير ولن تتغير على الإطلاق إن ظلت بهذه الأنانية ...
- هو المهم عندك شكلك إنتِ بس !!!! لكن إنك تحاولي تصلحي الأمور ما بيننا ... لأ، إيه الأنانية دي، كل تصرفاتك غريبة وأنانية أوي ....

حاولت تدارك خطأها لتنكر وبشدة فِهمه لها بهذه الطريقة ...
- لالالا، إنت فهمتها كدة إزاي، أنا بس مكنتش عايزاك تفضل زعلان مني ...

سحب هاتفه ومفاتيحه بقوة سببت رجفة بداخل "نسرين" قبل أن ينهض ومازالت نظرته الجارحة تملأ عينيه ثم رمقها بقوة قائلًا أثناء مغادرته ...
- عمومًا أنا مشغول أوي النهاردة، ومش حقدر آجي على الغدا، إعتذري من والدتك ...

تركها منفعلًا لتقضم "نسرين" شفاهها بغيظ من تصرفاته وطريقته معها، فهي لا تحب أبدًا أن يعاملها أحد بتلك الصورة، فكم كانت تتمنى أن زوجها يدللها ويسعدها بكلماته الرقيقة، وليس متجهمًا مصححًا لأخطائها طيلة الوقت ...

زفرت بغيظ قبل أن تضع هاتفها بحقيبتها لتعود للمنزل وتقضي بقية يومها تقلب بهاتفها كالمعتاد ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

بعض الحديث يجب كتمانه، فلن تبدل بضع كلمات طباع، وحين تحرص ألا تهدم صروحًا بنيت؛ فعليك بالتغابي والتغافل، ففي النهاية التغافل من شيم الكرام ...

رشا روميه قوت القلوب 
بيت عائلة مكاوي ...
لم يتبقى سوى ثلاثتهم بعد مغادرة "محمود" ووالده لتجارتهم، وبالطبع "أنور" لأصدقائه المعتادين ليتزود ببعض المواد المخدرة التي نفذت منه والتي إبتاعها قبل يومين فقط ...

لملمت "زهرة" بقية الأطباق وحملتها للمطبخ، ثم عادت مرة لتنظيف الطاولة قبل البدء بترتيب بيت حِماها لمساعدة والدة زوجها "فردوس" التي إعتبرتها بمثابة والدتها لما تلقاه من حنان برفقتها ...

صدح هاتف "جميلة" برنين لتترك الترتيب لـ"زهرة" حتى تجيب والدتها التي تتصل بها، أمر لا يشوبه سوء مطلقًا، لكن إقتراب الصغيرة "إسراء" من والدتها تتشبث بساقها تطالب ببعض الحلوى كما أعطت أختها الصغرى منذ قليل جعل "جميلة" تثور بإنفعال وهي تدفعها بعصبية عن ساقها بقوة ...
- يووه، إوعي يا "إسراء"، أنا مش ناقصاكِ دلوقتِ ... 

قلبت "إسراء" شفتيها بطفولة، ولمعت عيناها بدمعة حزن، لتهتف مُطالبة بما أخذت أختها ...
- عايزة زي "لمى" ..
رشا روميه قوت القلوب 
كزت "جميلة" بجمود فوق شفتيها وهي تدفع "إسراء" مرة أخرى بغيظ، تنهرها بحدة لتتفرغ لمكالمتها مع والدتها ...
- إسكتي يا بت، وإبعدي عني، لما أبقى أخلص، روحي يلا بعيد، مش فايقة لك ...

لم تتمهل لترى نظرات الإنكسار التى إحتلت عيون صغيرتها، لم تكترث لما تشعر به من عدم مساواتها بأختها، فهي لم تطلب الكثير، مجرد حلوى كأختها، أمر لم يكن ليؤخر "جميلة" عن هاتفها، لكنه يعني الكثير بنفس تلك الصغيرة ...

تحركت "جميلة" تكمل مكالمتها بعيدًا عن الجميع تاركة "إسراء" تتابعها بأعين متحسرة منكسرة وهي تطأطأ رأسها بحزن ...

ومن يشعر بها سوى من مر بشعور مماثل من القهر والتحسر، من رأى تمييز بينه وبينه إخوته ولم يقدر على طلب المساواة، من يدرك أثر هذا الإحساس بالنفس، رغم بساطة الطلب ...

لم تشعر يومًا بأنها محبوبة مثلها كمثل إخوانها، نعم ليسوا أشقاء لكن التفرقة بينهم كانت شاسعة للغاية، نظرت "زهرة" لتلك الصغيرة تجد بها نفسها، منبوذة مهمشة، لا تُلبىَ طلباتها، بل تُعنف وتُنهر عن طلب من حقها ...

تقدمت نحو "إسراء" بإبتسامتها الحانية برغم أن عيونها السوداء حملت الكثير من الألم لإدراكها بنفس شعور الصغيرة المنكسر، ملست على شعرها بلطف قبل أن تحملها فوق ذراعها بمحبة تقبلها من وجنتها الحمراء التي توهجت من بكائها الشديد بعد ترك أمها لها وصراخها عليها ...

داعبت "زهرة" الصغيرة برقة تسألها بشقاوة هادئة ...
- هو فيه قمر يعيط كدة، قوليلي بقى، "إسراء" الحلوة عاوزة إيه ..؟؟

هدأت "إسراء" قليلًا، فمن حظك السعيد أن تجد قلبًا على قلبك يحنو عليه، حتى وإن لم تعي الصغيرة معنى ذلك، لكن أن يراضيها أحدهم ويفيضها بالحنان لهو أمر مبهج للنفس، لا يدرك معناه لكن يُدرك إحساسه ...

بنفس متهدج وكف صغير يمسح أثر الدموع، أجابتها "إسراء" ...
- عاوزة زي "لمى" ...

كانت لـ"إسراء" طريقة محببة بالحديث، لنطقها الجيد للكلمات رغم صغر سنها، لبقة منذ نعومة أظفارها كما يقولون، طريقتها اللطيفة جعلت "زهرة" تضحك بوداعة لتنفرج شفتيها عن إبتسامة عريضة لا تدري متى إستطاعت أن تبتسم هكذا من قبل، لتغدق الصغيرة بقبلات محبة قائلة ..
- يا خبر، يا خبر، يا خبر، بس كدة، تعالي معايا وأنا حديكِ، بس بشرط (نظرت نحوها "إسراء" بإهتمام لمعرفة هذا الشرط، لتكمل "زهرة")، لازم تضحكِ الأول ...

كان طلبها بمثابة بوابة أخرجت ضحكة من الصغيرة لتعود إشراقة نفسها من جديد، لتهتف بحماس ...
- مـــــــاشي ...

أنزلتها "زهرة" أرضًا ممسكة بكفها بقوة لتصطحب "إسراء" معها لتأتي لها ببعض الحلوى كما أخذت أختها منذ قليل ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

بعض المشاعر لا ترمم بالإعتذار، كما الحقائق أيضًا لا تخفى بكلمات، بل تظهر نقاء القلوب من عدمها، فنظافة القلب فطرة لا يمكن تعلمها ...
رشا روميه قوت القلوب 

بعد مغادرة "محمود مكاوي" البيت برفقة والده تذكر أنه قد نسي هاتفه أثناء ضيقه من أخيه قبل مغادرته، زفر بهدوء محدثًا والده ...
- بعد إذنك يا حاج، حنرجع تاني أجيب التليفون، ده النهاردة الأستاذ "نادر" حيكلمني عشان المخزن إللي إتفقنا عليه ...

أومأ "زاهر" بالإيجاب ..
- ماشي يا "محمود"، بس على مهلك يا إبني، مفيش داعي للإستعجال ...

حرك "محمود" رأسه بضيق ليزيد من سرعته قليلًا ...
- مينفعش يا حاج، ده يا دوب حتلاقيه بيرن عليا، ده معاده ...

عاد مسرعًا ليصف سيارته أمام البوابة المغلقة ليهرول بخطوات متعجلة حتى أنه صعد الدرج بخطوات واسعة ليأتي بهاتفه الذي نسيه ...

إستوقفه صراخ "جميلة" بإبنته بهذا الشكل القاسي، ولم يكن شيئًا غريبًا، بل إنه يعلم جمود "جميلة" وحدتها طيلة الوقت حتى مع إبنتيه الصغار، أغمض عيناه لوهلة ليحبس ضيقه من زوجته فلا شيء سيغير قسوتها وطريقتها الجافة، فهي قبل أن تصبح زوجته هي إبنة عمه ويعلم مساوئها قبل حسناتها ...

لكن ما إسترعى إنتباهه هو لين "زهرة" مع "إسراء" وإحتوائها لها حتى تُطيِّب خاطرها وتُرضيها ...

حرك رأسه بخفة مستنكرًا بتحسر على إختلاف ردود أفعال كلًا من "جميلة" و "زهرة" محدثًا نفسه ...
- (دي الغريبة حنت على بنتك وإنتِ لأ يا شيخة، حتفضلي لحد إمتى كدة !!! البنات بقوا يخافوا منك في كل حاجة، يحصل إيه لو عاملتيهم بحنية زي "زهرة" !!! أو زي أي أم، بس حقول إيه، نصيبكم يا بنات تبقى دي أمكم ...)

بعد إصطحاب "زهرة" لـ"إسراء" وإبتعاد "جميلة" لتكمل مكالمتها دلف "محمود" بخفة ليلتقط هاتفه من فوق الطاولة دون أن تنتبه إحداهن لعودته ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

السويس .. بيت فرح الصعيدي ..
هدوء غريب صاحب ولوجها من باب الشقة، تلك معتادة الصخب، صاحبة أجمل ضحكة وشقاوة وضجة طيلة الوقت، دلفت بهدوء وتجهم للداخل ...

أمر مثير للقلق، ليس لوالدتها فقط، بل لنفسها أيضًا، أيعقل أن مجرد رد فعل واحد لموقف عابر جعلها تشعر بهذا الفتور، كما لو أن هناك خطب ما بداخلها، شيء تغير حتى أصبحت هي نفسها تجهل ما سبب ذلك ...

بالعادة كانت ستسعد لشرائها فستانها الجديد، وتغمرها الفرحة بخبر زيارة أهل "هاني" لهم بالغد، لكنها لم تشعر بذلك، هل سُرقت فرحتها وسعادتها التي إنتظرتهما لليالي طوال ؟!!!!

وضعت "فرح" الأكياس عن يدها وهي تضع مفاتيحها بداخل الحقيبة بذهن شارد مشتت، لم لا تستطيع تجاوز ما حدث وتجبر نفسها على الفرحة ؟!! أليست دائمًا تفعل ذلك ؟!!!

أليست هي من تبث بمن حولها التفاؤل والسعادة، لم لا تستطيع اليوم بثها بنفسها، ألهذه الدرجة كُسر بداخلها إحساسها بالصواب !!!
رشا روميه قوت القلوب 

وقفت "مديحة" بأعين قلقة، وعلى من ستقلق سواها، هي من إختارتها من العالم أجمع لتحيا فقط من أجل راحتها وسعادتها، تقدمت نحو إبنتها تتسائل بوجوم ..
- غريبة !!! مالك يا "فرح"، مش عاملة هيصة زي عوايدك ليه ..؟؟؟

أدركت أنها عليها تصنع الطبيعية، وألا تظهر إرتجاف نفسها أمام والدتها، ليس تهربًا بل خِشية بأن تكون سببًا لضيقها، هي من تحملتها وضحت بكل شيء لأجلها، لم يكن لها هدف إلا هي وعليها أن تكون بهذا القدر من المسؤولية بألا تصبح هي سبب إنزعاجها وضيقها ..

تصنعت الإبتسام كما لو أن لا شيء بنفسها لتجيب والدتها التي ظهر القلق فوق ملامحها بقوة ...
- مفيش يا "ديحة"، أنا بس مصدعة شوية ...

تطلعت بها "مديحة" بتفحص وهي تسألها ...
- جبتِ الفستان ..؟

جلست "فرح" إلى جوار والدتها لتمد يدها بالأكياس أولًا ...
- أه، شوفي كدة ...

مدت "مديحة" يدها لداخل الحقيبة لتخرج فستان إبنتها الجديد قبل أن ترتسم بسمة لطيفة فوق ثغرها ...
- حلو أوي، وذوقه حلو زيك ...

ليست أم فقط، بل هي صديقة أيضًا، تشارك إبنتها كل اللحظات، تسعد لمجرد رؤيتها تشتري فستان جديد ...

علاقتهم فريدة، قريبة بشكل لا تمكن إحداهن من الإنفصال عن الأخرى، أمر جعل "فرح" تشعر بغصة حين سحبت نفسًا مطولًا بهدوء فعليها إخبارها الآن بأمر "هاني" وزيارته لهم بالغد ...

كانت تتوقع حين تخبرها بهذا الخبر ستكون بقمة سعادتها، لكنها الآن تشعر بثقله وضيق شديد منه، بعد فترة من تجهيز نفسها لإخراج كلماتها ألقتها "فرح" دفعة واحدة بدون تفكير ...
- ماما، "هاني" وباباه ومامته جايين بكرة ...

تركت "مديحة" الأكياس عن يدها لتتجهم ملامحها مرددة نفس كلمتها ...
- بكرة !!!!! (ثم رمقت إبنتها بنظرة تلومها بقوة مستكملة)، إنتِ شوفتيه تاني ..!!!

لم تكن يومًا كاذبة، ولم تخفي عنها شيئًا من قبل، لتجيب والدتها بصراحة ...
- أيوة يا ماما، شوفته في المول ...

زمت "مديحة" شفتيها بإمتعاض وهي تشير لحلقها بحنق ...
- مش عارفة يا "فرح"، قلبي مقبوض من الواد ده ليه، ومش نازل لي من زور ...
رشا روميه قوت القلوب 

زاغت عينا "فرح" الواسعتين بأمها كما لو أنها ترى وتسمع كلمات أمها لأول مرة، إنها بالفعل تشعر بمثل هذا الشعور الآن، هل يمكن أن تكون شعرت بما يتصارع بداخل قلبها وعقلها، وأحست بضيقها من زيارة "هاني" المرتقبة ...

لكنها رغم ذلك حركت رأسها بالنفي تبث بنفسها شعور لا تشعر به ...
- ليه بس يا ماما، ده "هاني" ااا، بيحبني والله ...

نهضت "مديحة" بنفس ضائقة مرددة أثناء إبتعادها ...
- أنا عارفة بقى، ربنا يعمل إللي فيه الخير، أنا رايحه أحضر الغدا ...

جلست "فرح" لبعض الدقائق بعد مغادرة والدتها تحدث نفسها بتمتمة متخبطة ...
-( ما هو مش عشان موقف صغير، أحس بالقلق والضيق ده كله، عادي يعني، بس، بس، ده مش هامه إن ممكن حد ياخدني منه، أو حتى يعاكسني، يمكن واثق بنفسه زيادة شوية، ما هو لو مكانش بيحبني حاييجي يخطبني ليه !! أيوة، هو كدة، ده أكيد قلق من زيارتهم بكرة، أيوة هو القلق مفيش غيره ...)

دفعت بأفكارها جانبًا لتشارك والدتها بتجهيز الطعام وإشغال وقتها حتى لا تفكر مرة أخرى فيما حدث، فعلى قلبها الإستعداد بفرحة لمقابلة الغد، تلك المقابلة التي تمنتها وإنتظرتها طويلًا ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

سلام على قلبي من سخف الحياة وما فيها، من قال أن الطقس خارجنا فقط، فبداخلنا كل الفصول تتوالى، ياليت الربيع يبقى، لكن ذبول الخريف إستوطن بنا، ترى هل سأتحمل عواصف الشتاء حين تهب أم سأسقط كآخر ورقة ذابلة تعلقت بأغصان الخريف ..؟؟!!!!
رشا روميه قوت القلوب 

مرت الساعات ليأتي المساء، نهاية كل شيء قد بدأ، يحمل بين طياته سكون وترقب ...

بيت عائلة مكاوي ...
بدون تذمر أو إستياء كانت شقة الحاج "زاهر" هي مُلتقي زوجات أبنائه طيلة اليوم، تُقسم الأعمال المنزلية بين "زهرة" و "جميلة" بشكل متعاون راقي للغاية ...

بل إن أجواء العائلة المحبة أمر تفتقر له "زهرة"، دفء غير معتاد بالنسبة إليها وربما ذلك هو السبب الأكبر لبقائها بالبيت بعد ما عرفته عن "أنور" وإدمانه للمخدرات ...

أنهت "زهرة" آخر صنف للطعام لتطفئ الموقد قبل أن تتجه تجاه "فردوس مكاوي" التي كانت تجلس تقرأ بمصحفها بغرفة المعيشة، تقدمت "زهرة" بخطواتها الخفيفة كروحها الرقيقة وهي تخبر والدة زوجها بوجه بشوش ...
- خلاص يا ماما "فردوس"، أنا طفيت على الأكل، أنا حطلع فوق شوية لحد ما الجماعة يرجعوا من بره، و"أنور" كمان ...

أغلقت "فردوس" مصحفها الشريف وهي تهمس أولًا ...
- صدق الله العظيم، وماله يا بنتي، على راحتك، أنا كمان حقوم أصلي وأرتاح في أوضتي لحد ما يرجعوا ..

بطبعها المسالم عرضت "زهرة" المساعدة لـ"فردوس" ...
- تحبي أساعدك في حاجة قبل ما أطلع ...

- تسلمي يا بنتي، لسه "جميلة" جايبه لي الدواء قبل ما تطلع شقتها هي كمان ...

حركت "زهرة" رأسها بخفة ثم عرضت مساعدتها مرة أخرى ...
- برضه لو عوزتي حاجة قوليلي، ما أنا برضه أخف من "جميلة"، هي وراها بيت وولاد ...

رددت "فردوس" دعائها لها ...
- ربنا يبارك فيكِ يا بنتي، ويبارك فيها، وبكرة بإذن الله يرزقك زيها بولد يلهيكِ برضه ...

نكست "زهرة" سوداوتيها ببعض الخجل ...
- إن شاء الله، بعد إذنك، أنا طالعة ...

- لما ييجي "أنور"، إنزلوا ناكل سوا ...
قالتها "فردوس" وهي تزم شفتيها بخفة، فربما تتمنى ذلك لكن ولدها لا يحقق مبتغاها مطلقًا ...

أمر لم يحدث منذ زواجها، لكنها أومأت بخفة تريح تلك الأم التي تتمنى صلاح ولدها وعودته لما كان عليه من قبل ...

صعدت "زهرة" لشقتها بالدور الثالث لتبقى بإنتظار عودة "أنور" أولًا ليتناولوا جميعًا الطعام معًا ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

كمتوالية باهتة لا تختلف بها الساعات والأيام، مرت ساعات مناوبة "ليلى" بدون تغيير يذكر بأيام حياتها المتكررة، أبدلت ملابس التمريض خاصتها بملابسها المعلقة بالخزانة وأعدلت من وضع حجابها قبل مغادرة المستشفى ...

كانت تسرع الخطى للوصول للبيت، ليس لشوق أو لطلب راحة وهدوء، بل لتجنب لقائها بوالدها الذي أوشكت فترة عمله (الوردية) على الإنتهاء بالمصنع، وإقترب موعد عودته ...

لم تكره والدها بل لإرهاقها اليوم لم يعد لديها طاقة لتذمره الدائم من طلبات المحيطين به للنقود التي يدين بها إليهم، ثم يلي تذمره رفضه لسفرها للبعثة لمرة أخرى لم تعد تدري كم من مرة توسلت له بالموافقة وهو يرفض ذلك بإصرار شديد ...

وصلت البيت بأنفاس متقطعة لتدفع بالبوابة الكبيرة وهي تصدر صريرها المؤذي لنفسها، كما لو كانت تلك القطعة الصماء تنطق بإستغاثة من ألمها وحنقها من بخل والدها أيضًا، لو كانت تنطق لشاركتها توسلها للسعي لإصلاحها وصرخت بها إنفعالًا من إهمالها بهذا الشكل، صرير يؤنبها ويذكرها بحياتها مع والدها تتسم بالجفاء والإنهاك ...

تناولت طعامها بعجالة لتختبئ فوق فراشها مدعية النوم حين سمعت خطوات عودته، ربما تتجنب حديثه لكن وجوده بداخل البيت دب بها إحساس لا تشعر به إلا معه، إحساسها بالأمان، فيا لها من علاقة معقدة متضاربة، تتجنب وجوده رغم إنتظارها له، تتهرب منه وهي من تطمئن بجواره، تناقض هي بنفسها لا تدركه بعد، فهي لم تخلق بقلب من حديد ...
رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ

حتى التجنب لم يكن من نصيبها وحدها، بل كانت "فرح" تتجنب أي حديث مع والدتها حتى لا تشعر بالحيرة التي أصابتها من لقائها بـ"هاني" اليوم، لكنها وبصمت تام أخذت تجهز البيت وترتبه برفقة والدتها إستعدادًا لزيارة "هاني" وأهله بالغد لطلب زواجها بصورة، رسمية ...

❈-❈-❈ــ

ربما علينا الإحتفاظ بالدهشة لأنفسنا وألا نقترب، فبعض القرب أذى للنفس، وإن حاولت أن تصفى وتغالط نفسك بالتقبل، فكيف ستشرح لمن يؤذيك كيف من المفترض أن يتعامل معك ....
رشا روميه قوت القلوب 

بيت عائلة مكاوي (شقة أنور وزهرة) ....
دقت الساعة الرابعة والنصف بعد منتصف الليل، هدوء بارد أحل بشقة العروسين اللذان لم يتما الشهر بزواجهما بعد ...

فمنذ ساعات مضت ولتأخر "أنور" كعادته، أرسل والدا زوجها نصيبهما من الطعام بينما تناول الجميع طعامهم معًا، لتبقى "زهرة" بإنتظار عودة زوجها لتناول معه وجبتهما التي تأخر موعدها كثيرًا ...

أهكذا تكون الحياة بعد الزواج ؟! أليس من المفترض أن تكون هذه الأيام هي أسعد أيام حياتهما !!!! أن تتآلف قلوبهم وتبتهج نفوسهم !!!

طال الوقت وزهدت تلك الغافية فوق المقعد الإنتظار، كانت تتمنى أن تملأ حياتها مع زوجها بدفء ومحبة، أن تستعيض بحياتها الجديدة عن القديمة برفقة والدها وزوجته، أن تخط أول درس لها بالحياة مع أسرتها الجديدة بالترابط والحنان والمحبة ...

نعم هي لم تحب "أنور" بعد، لكنها ستحاول أن تكون زوجة محبة صالحة بكل ما أوتيت من قوة وصبر، فربما تتحسن أحواله ويتعود وجودها وتزداد محبته لها حين يجدها تهتم له وتنتظر وجوده ...
رشا روميه قوت القلوب 

لكنها رغمًا عنها سقطت غافية في إنتظاره لتستيقظ فجأة على صوت إغلاق قوي لباب الشقة معلنة وصول "أنور" أخيرًا ...

إنتفضت "زهرة" من نومتها لتستجمع هدوء قلبها الفزع قبل أن تنهض نحو هذا المترنح بغير إتزان، غائبًا حاضرًا بغير وعي لوجودها على الإطلاق ...

وقفت تناظره بقلب دامي وإبتسامة باهتة قلقة ...
- إتأخرت أوي يا "أنور"، أنا قاعدة من بدري أستناك ...

رفع "أنور" جانب أنفه بتقزز من "زهرة" وهو يطالعها بأعين ساخطة محلقة للأعلى، فمقلتيه أبت الإنصياع له بالتحديق بها، فهو بالكاد يستطيع فتح جفنيه، أجابها "أنور" بلسان ثقيل وحروف متخبطة ...
- وهــــ...و، حد ..طلب منك ... تســــــــتني، ما تغوري ... تنامي ...

تعلقت غصة بحلقها فهي تسعى بكل جهدها للتقرب له، لكن جفائه يغلب حنانها، لتجيبه بنبرة منكسرة ...
- أنا بس كنت عايزة أطمن إنك رجعت ...

تخطاها "أنور" وهو يجيبها بنبرة كارهة ..
- وأديكِ .. إطمنتِ، إدخلي نامي، متقرفنيش ...

هو ضعيف يتوارى خلف قناع زائف من القوة التي يدعيها بلسانه السليط، لتتقمص "زهرة" دور الأم التي تُبدي نصيحتها وقلقها ...
- أبوك وأمك كانوا قلقانين عليك أوي، مش كفاية بقى إللي بتعمله في نفسك ده ...

إلتف نحوها عائدًا بعدما كان تخطاها، وقد لمعت عيناه التي أوسع جفنيهما بالقوة ليحدثها بحدة ...
- وإنتِ مالك، أما عجيبة والله، مش باقي إلا إنتِ جايه تحاسبيني ..؟!!!!

إنها ليست دونية بهذا الحد حتى يتطاول عليها بهذا الشكل، لتهتف به بإستياء من طريقته الفظة دائمًا ...
- إنت ليه بتتكلم معايا كدة، أنا خايفة عليك ...

تطلع بها من أعلى رأسها لقدميها بنفور وإشمئزاز قبل أن يدفع بذقنه بإستهزاء منها ..
- إللي بتديهولي إبقي حوشيه عني يا بنت الشحاتين إنتِ ...

تجمعت العبرات بسوداوتيها بإختناق، فكم كانت تتمنى حب زوجها لها، أن يكون عوضها وسندها، لكن منذ ليلة زواجهم وهو يعاملها بنفس مختنقة، ينفر منها ومن وجودها، كما لو كان مجبرًا كارهًا لها ..

إهتزت نبرتها بشجن وتعاسة ...
- الله يسامحك، هو أنا كنت عملت لك إيه عشان المعاملة دي !!!!!

تقوست شفتيه لأسفل بضيق من بكائها وإختناقها المتكرر، ليهتف بها بضجر ...
- يووه، هو إنتِ كل يوم على الموال ده، أنا مبحبش النكد بتاعك ده، أنا راجل دماغي متكلفة ومش عايز أتغابى عليكِ وأضيع الدماغ إللي أنا عاملها ...

ربما وجودها معه هو فرصة له ليعود لرشده، لتستكمل بنصيحة وقلب متخوف على ما سيصيبه بسبب تعاطيه للمخدرات، فمن مسؤوليتها التي أُلقيت فوق عاتقها هي محاولتها بإصلاح حاله لتستكمل ...
- يا "أنور" كفاية إللي بتتعاطاه ده، حرام والله، لو مش عشان نفسك، عشان أهلك حتى ...

مط شفتيه بغيظ من تلك الوضيعة التي لا تنفك بالتذمر والنصائح التي لا طاقة له بسماعها، لينقض عليها بثورة لم تحسب لها "زهرة" حساب ...
- هي ناقصاكِ إنتِ كمان تقوليلي أعمل إيه ومعملش إيه، طب وربنا لأربيكِ عشان طريقتك دي ...

أخذ يضربها بكفوفه دون وعي لمرات متتالية، تسقط أحدها كصفعات وأخرى كضربات متفرقة وبعضها كـ لكمات بكتفها وظهرها دون وعي منه، لتتعلم كيف تصمت نهائيًا ولا تحاول نصحه بطريقتها الهادئة المستفزة مرة أخرى ..

بعد عدة دقائق تركها "أنور" وسط أوجاعها وإتجه للنوم فيكفيها هذا الدرس حتى الآن، تاركًا زهرته الذابلة متكورة على نفسها تكتم شهقاتها وتكتفي بسيل من الدموع الصامتة تبكي وحيدة تصب كل لومها على والدها وزوجته على ما يحدث لها ...
- ( الله يسامحك يا بابا، ليه بس رميتني الرمية دي، كل دة عشان تريح مراتك مني، أنا حكمل حياتي كدة إزاي !!! مع واحد مدمن زى دة، أنا مينفعش أعارضه تاني، حروح فين ؟؟! أنا لازم أستحمل وأسكت وخلاص ..)

                  الفصل السادس من هنا 
تعليقات



<>