رواية مدمر بعشقك الفصل الخامس5بقلم صباح عبد الله فتحي
إنتِ بتقولي إيه؟ مين اعتدى عليكي؟
قالها بدهشة ذلك الشاب الذي أتي مخاطر بحياته لكي ينقذ كنوز من بين مخالب ذلك عصام.
انفجرت كنوز في البكاء وهي تقول:الكلب عصام اغتصبني.
وهنا جنّ جنون جاسر، فنزع القبعة من على رأسه. نظرت إليه كنوز بدهشة وهي تقول:إنت! إنت بتعمل إيه هنا؟
وصل جاسر إلى حد الجنون عندما علم ما حدث لِكنوز، وما فعله بها ذلك الحقير عصام. همَّ بالخروج ليعاقبه، لكن كنوز أوقفته حين وقفت أمامه، ودموعها تتسابق على خديها وهي تقول:إنت رايح فين؟ إنت عارف إيه اللي هيحصل لو طلعت من هنا؟
لم ينظر جاسر إلى كنوز، بل تجمّدت عيناه بالغضب على من كان يقف خلفها. خلع جاكته ووضعه على كتف كنوز، ثم دون أن يقول شيئًا سحبها من يدها لتقف خلف ظهره، كأنه يضعها خلف جدار يحميها لتظل في أمان. قال عصام بغضب عندما دخل عليهم فجأة وراي جاسر مع كنز: إنت مين يا روح أمك؟
ردّ جاسر بصوتٍ يشبه فحيح النيران المشتعلة من شدة الغضب:موتك.
ضحك عصام بسخرية، ونظر إلى السلاح بيده وإلى رجاله الواقفين خلفه، وقال: موتي؟ طيب خليني أشوف موتي هيفضل عايش قد إيه؟
ودون إنذار، أطلق عيارًا ناريًا على جاسر، لكن جاسر كان أسرع؛ احتضن كنوز بقوة، وبحركة سريعة ابتعد عن مسار الرصاصة التي كادت تنهي حياته.
نظر جاسر إلى الفراغ خلف ظهر كنوز التي كانت ترتجف داخل أحضانه، ثم أردف متعمدًا استفزاز عصام: القوة غلبت الشجاعة، والسلاح أسرع من أنفاسي. أنا واحد، وإنتوا عشرة متسلحين. لو بجد فيكم راجل، يوجهني وش لوش.
أجاب عصام غاضبًا:وأنا موافق أقتلك بإيدي، ومش هحتاج سلاح علشان أقتل صرصار زيك.
ابتسم جاسر بخبث، وكانت عينياه تشتعل من شدة الغضب، ثم ابتعد عن كنوز قائلًا بتحذير لرجال عصام: اللي هيقرب من الآنسة دي يقول على نفسه يا رحمن يا رحيم.
ردّ عصام بغضب ممزوج بسخرية: لا، دكر يلاه. تعالى يا روح أمك وأنا هاعرفك إزاي تتجرأ وتدخل هنا.
نظرت كنوز إلى جاسر برعب وهي تقول:إنت ليه بتعرض حياتك للخطر علشاني؟ أنا حتى ما أعرفش اسمك إيه؟
ردّ جاسر دون أن ينظر إليها:ما تخافيش يا آنسة، صاحب الحق ما يخافش، واللي يقول يا رب ما بيتغلبش.
نظرت إليه كنوز، وقبل أن تقول شيئًا صرخت بصوتٍ عالٍ عندما رأت عصام يغدر بجاسر ويهاجمه من الخلف:حساااااااب!
التفت جاسر للخلف، وقبل أن يقترب منه عصام كان جاسر أسرع، فلكمه في معدته بقوة، حتى نزف عصام دمًا من فمه، بينما قال جاسر باشمئزاز:مش كنت تقولي الأول إنك مستعجل؟
وقف عصام منحني الظهر، واضعًا يده على معدته، لكنه شعر بسخرية جاسر، فاشتعل غضبًا. مسح الدماء المتسربة من فمه وقال ساخرًا رغم تعبير الألم الظاهر على ملامحه:معلش يا دكر، نسيت أقولك إني بحب كل حاجة تخلص بسرعة.
اندفع عصام نحو جاسر ولكمه في وجهه بقوة، فنزف جاسر من أنفه. نظر جاسر إلى كنوز التي كانت تبكي من شدة خوفها، ثم دون كلمة ردّ اللكمة لعصام أقوى بأضعاف؛ فنزف عصام من أنفه وفمه، وتساقطت بعض أسنانه من ققوة الضربة.
ودون إنذار، وجّه جاسر له لكمة تلو الأخرى بلا رحمة، ثم ركله بقوة في موضع رجولته، فسقط عصام أرضًا، بينما قال جاسر بغضب واحتقار: دي بقى مش هتخليك تعرف حتى تقرب من مراتك بعد كده.
ن
ظر جاسر بعدها نحو كنوز التي صرخت عندما اقترب منها أحد رجال عصام محاول تقيديها. صرخت كنوز بغضب وصوتٍ عالٍ:سيبني يا حيوان! سيبني!
ودون تفكير، صفعت الرجل على وجهه بقوة وهي تقول:بقولك سيبني يا بني آدم! إنت إيه، مش بتفهم؟
ابتسم جاسر لشجاعة كنوز، بينما رفع الرجل يده ليصفعها، لكن قبل أن يقترب منها كان جاسر أسرع، فلكمه بقوة وأسقطه أرضًا. أثناء ذلك صرخ عصام بغضب، وهو غير قادر على الوقوف مجددًا، موجّهًا حديثه إلى رجاله: إنتوا بتتفرجوا على إيه يا بهايم؟ خلصوا عليه.
ركض الرجال خلف جاسر الذي أخذ كنوز وركض بها إلى الخارج. وقف جاسر خلف جدار، وكلما اقترب أحد منهم من الجدار كان يلكمه فيسقط أرضًا ولا يقوم مرةً أخرى، ثم يكمل ركضه هو وكنوز ألي خارج المبني. وبعد الكثير والكثير من الركض، توقفت كنوز وهي تلهث بشدة، وتحارب من أجل أن تستطيع إخراج أنفاسها، وهي تقول: مش قادرة… هموت… مش قادرة أتحرك تاني.
نظر جاسر خلفه، ولم يكن أفضل حالًا منها في شيء، ثم ردّ وهو يلهث بشدة أيضًا:طيب تعالي نستريح شوية، ولو حد جه نكمل.
نظرت كنوز حولها وهي تقول:_هو إحنا فين؟
نظر جاسر حوله أيضًا وقال:_مش عارف… الجو ضلمة ومش شايف حاجة. على العموم، تعالي نقعد في الأوضة اللي هناك دي لحد الصبح، وبعدين نشوف إحنا فين أو هترجعي إزاي.
قال ذلك وهو يشير بيده إلى غرفة استراحة للمسافرين على الطريق، فترد كنوز قائلة:_ماشي.
ذهب كلٌّ من جاسر وكنوز إلى الغرفة. جلست كنوز في آخر الغرفة، بينما وقف جاسر يحرس الباب خوفًا من أن يأتي أحد. ثم نظر إلى كنوز التي كانت تجلس وتضم قدميها إلى صدرها وتبكي بشدة، وكلما تذكرت ما حدث ازداد بكاؤها.
ذهب جاسر إليها وقال دون أن ينظر إليها — إذ لم تكن ترتدي حجابًا وبعض ملابسها ممزقة —:_أنا آسف يا آنسة.
رفعت كنوز رأسها من على قدميها، وشعرت بالخجل عندما رأت جاسر يتجنب النظر إليها بسبب حالتها. فوضعت يديها على رأسها تحاول تغطية شعرها قدر المستطاع، وهي تقول ببكاء:_وإنت بتعتذر على إيه بس؟ بالعكس، أنا لازم أشكرك على اللي إنت عملته علشاني. ومش عارفة من غيرك كنت عملت إيه، ولا كان الزفت عصام عمل فيا إيه… بس أنا خايفة أوي على إخواتي. أنا سايباهم في الشارع ومش عارفة حصل لهم إيه دلوقتي.
ردّ جاسر بهدوء:_ما تخافيش يا آنسة، إخواتك في أمان الله. أنا لاقيتهم وأخدتهم عندي البيت.
قالت كنوز بفرحة:_بجد؟ إخواتي مع حضرتك؟
أجاب جاسر بهدوء:_أيوه يا آنسة، إخواتك معي وفي أمان الله ما تقلقيش عليهم.
قالت كنوز بارتياح:_الحمدلله يارب.. بجد أنا بشكرك أوي… مش عارفة والله أرد جميلك ده إزاي. بس حضرتك مين؟ وليه بتخاطر بحياتك علشاني..
صمتت للحظات وهي تفرك كفيها بخجل قبل أن تكمل حديثه مترددة: حتى بعد اللي عملته لو كان واحد غيرك كان كمل على اللي عصام عمله فيا واستغل الفرصة علشان ينتقم مني.
نظر إليها جاسر، ولم يعلم ماذا يقول. هل يخبرها أنه هو السبب في كل ما حدث لها؟ وأنه كان السبب في موت والديها؟ ظل صامتًا لحظات، ثم بعد تفكير طال للحظات خرج صوتها مترددٕا هو الأخر:_أنا عاوز أقولك حاجة.
في منزل عصام
جلس عصام وهو يتألم بشدة، ورجاله يتألمون أيضًا خلفه. لم ينجُ أحدٌ من غضب ذلك المتوحش جاسر عندما أغضبوه. أردف عصام بغضب:_هو فين ابن الكلب ده؟ أنا عاوزه قدامي! عاوز أشرب من دم أمه! والفاجرة كنوز… أنا هاعرف إزاي أربيها.
وفي تلك اللحظة دخل فوزي ورجاله وهو يقول بغضب:وانت مين يا روح أمك علشان تربي بنت أخويا؟
ثم اتجه نحو عصام ولكمه بقوة وهو يصرخ:فين كنوز وأخواتها يا عصام لكلب! بتلعب بشرفي يا عصام، وتخون الصحوبية والعيش والملح اللي بيني وبينك!
نظر له عصام، بخبث وكذب، ادّعى الوفاء وهو يقول:الله يسامحك يا صاحبي، أنا برضه هخونك وألعب بشرفك؟
فوزي بغضب أشد:نعم يا روح أمك! أمال إيه اللي انت عملته في بيت الزفت محروس ومراته؟
وقف عصام صامتًا لبعض الوقت وهو يخطط كإبليس، ثم قال كذبًا:أنا برضه هعمل كده؟! أنا أنقذت كنوز يا فوزي، بس للأسف وصلت متأخر. كانت بنت أخوك عاملة علاقة مع شاب في السر، ولما عرفت جبتها بيتي، وكنت مستنيك توصل علشان تتصرف معاها بمعرفتك. بس الجدع وصل بشوية صيع، وزي ما انت شايف كسروني وكسروا الرجالة.
بس كل ده يهون علشانك، وعلشان العيش والملح اللي بيني وبينك. بس شوف انت بتقول إيه عليّ دلوقتي!
فوزي بشك:انت بتخرف بتقول إيه يا عصام؟ كنوز مين اللي عملت علاقة في السر؟
نظر عصام إلى مرفت وزوجها محروس بتحذير دون أن يلاحظ فوزي ذلك وهو يقول:لو مش مصدقني يا صاحبي، اسأل محروس ومرفت.
نظر فوزي إلى محروس ومرفت، وفهم كلاهما ما ينوي إليه عصام. ردّت مرفت بكذب: الباشا عصام بيقول الحقيقة يا باشا. بنت أخوك كانت بتيجي عندنا البيت مع شاب، بس أنا ومحروس ما كناش نعرف هي مين، كنا فاكرينها زبونة زي أي حد بيدخل البيت. بس لما أنا بعت صورتها بالغلط للباشا عصام، اتصل عليّا وزعقلي، وفكر زي حضرتك إن أنا ومحروس عملنا حاجة فيها. ولما الباشا وصل، كانت بنت أخوك في حضن راجل تاني واخدها. بس لما حضرتك وصلت وكنت متضايق، أنا ومحروس خفنا نقولك حاجة وما تصدقناش… مش كده برضه يا محروس؟
ردّ محروس بمكر الثعالب:أيوه يا باشا، ده اللي كان بيحصل كل يوم. وأنا ومرفت فضلنا ساكتين علشان الباشا عصام يحكي لك اللي حصل بنفسه.
فوزي بغضب: ومين ابن الكلب ده اللي كان مع الفاجرة كنوز؟
عصام: ما أعرفوش مين ولا أبن مين؟ بس هو واد محزّق وملزّق كده. بس تعالى، أنا مراقب كاميرات في البيت. تعالى شوف بنفسك علشان تصدق اللي حصل.
وبالفعل ذهب فوزي مع عصام، لكن عصام كتم الصوت وقطع مشاهد من الفيديو قبل أن يعرضه على فوزي، دون أن ينتبه فوزي لذلك.
وعندما رأى فوزي جاسر يظهر في الكاميرات، جنّ جنونه وصدّق كل ما قاله عصام، وكذبت مرفت وزوجها محروس.
فقال بغضب جامح: ماشي يا ابن الكلب، أنا هعلمك انت والفاجرة دي الأدب من أول وجديد. ورحمة وأمي وأبوي وأخويا، لأدفنك بالحي يا كنوز، ولا كلاب هيعرفوا لك مكان. بس اصبري عليّ وشوفي أنا هعمل فيكي إيه.
ثم نظر إلى رجاله وهو يقول: عاوز الاتنين دول قدّامي قبل طلوع الشمس. كلامي واضح.
الرجال بصوت واحد:أمرك يا باشا.
هرول الرجال خلف بعضهم ألي خارج البيت.. وقف فوزي عينياه مشتعله بالغضب. وقف خلفه عصام يبتسم بخبث وهو ينظر ألي كلا من مرفت ومحروس الذي اشار الي عصام أنه يريد ينتظر المال منه.
