أمل
وصلنا المستشفى.
النهارده مش أول جلسة كيماوي…
بس أول مرة يكون معايا حد يشاركني وجعي قبل فرحي.
المرة دي ماكنتش مضطرة أتكلم مع الدكتور،
ماكنتش مضطرة أسمع تفاصيل بتوجع قلبي
ولا أسأل عن احتمالات بخاف منها.
جاد كان قاعد قدام الدكتور،
بيسأله عن خطوات العلاج، عن الجرعة، عن الآثار الجانبية، وهو ماسك إيدي…كأنه بيقول للدنيا كلها:
"أنا هنا."
وأنا كنت ماسكة في إيده مش بس خوف…لكن تمسّك.
كأني بقول من غير صوت:
"خليك معايا"
خلصنا كلام،
وقام الدكتور وهو بيقول بهدوء إننا نبدأ.
بصيت على باب غرفة الجلسة.
المكان مش غريب عليّ ،الكرسي، المحلول، ...صوت الأجهزة… كل حاجة عارفاني.
بس قلبي؟ كان مقبوض.
مش رعب…بس رهبة.
رهبة فكرة إن في سائل بيدخل جسمي
عشان يحارب حاجة جوايا أنا نفسي مش شايفاها.
جاد قرب مني وقال بهمس:
__أنا مستنيكي هنا… ولو ينفع أدخل، هدخل.
ابتسمتله ابتسامة صغيرة،
بس صادقة.
الفرق المرة دي
إني مش داخلة أحارب لوحدي.
يمكن الألم هو هو…
يمكن التعب هييجي زي كل مرة،
بس الوحدة؟
لا.
الوحدة المرة دي ..برّه الباب.
وأنا داخلة ...وأنا أهدى بكتير من كل مرة كنت فيها لوحدي.
كنت لسه هقوم أدخل لوحدي…
لما جاد فجأة قال للدكتور بصوت ثابت:
__ينفع أدخل معاها؟ حتى لو دقيقة… بس تبقى مطمنة.
الدكتور بصلي الأول، كأنه بيستأذنني أنا، ...وبعدين قال بهدوء:
__لو هيلتزم بالتعقيم ولبس الواقي… مفيش مشكلة.
حسيت قلبي خف.
مش عشان الجلسة هتبقى أسهل…
لكن عشان مش هقعد أبص للسقف لوحدي.
الممرضة ودّته ناحية المغسلة،
غسل إيده كويس، ..لبّسوه جاون طبي،كمامة، ...وغطا للرأس.
كان شكله غريب شوية…
بس عيونه؟ هي هي.
نفس العناد اللي بيقول:
"أنا مش هسيبها."
دخل وقعد جنبي،
قبل ما يبدأوا يركّبوا الكانيولا
كان ماسك إيدي الاتنين.
همس وقال وهو بيقرب جبينه من إيدي:
__لو الألم جه… بصّيلي بس.
بصيتله وابتسمت ابتسامة خفيفة،
وقولت:
__خليك قوي إنت كمان… عشان لو ضعفت أستخبى فيك.
ابتسم تحت الكمامة، ..بس عيونه لمعت.
المحلول بدأ ينزل ببطء،
البرودة المعتادة سرت في دراعي،
بس لأول مرة
الإحساس ماكانش قاسي أوي.
لأن في إيد تانية بتدفّي إيدي.
الدكتور خرج بهدوء بعد ما اطمن،
وسابنا في لحظة صمت
مش مخيفة…
لكن مليانة طمأنينة.
النهارده العلاج كان هو هو…
بس حضوره خلّى الوجع أهدى.
_________________
فضلت ساعتين قاعد جمبها وهي
تتألم شوية…
تبتسم شوية…
وتهدى شوية.
لحد ما التعب غلبها وتاهت في النوم.
كل اللي بعمله إني بمسح على راسها بهدوء…
وبطبط على إيديها…
كأني بحارب الألم عنها بإيديا.
وفجأة موبايلي رن.
سحبت إيديها بالراحة كأني بخاف أصحيها حتى من النفس…
وروحت آخر الأوضة أرد.
كانت تُقى.
رديت أسألها عن أخبارها، وهي سألتني عني…
بس كان واضح إن في حاجة تقيلة على لسانها.
فقلت بزهق مكبوت:
__تُقى لو عندك حاجة قوليها… أنا مش فاضي دلوقت.
قالت بتوتر:
__فكرت في اللي أنا قولتهولك.
عديت إيدي على وشي وأنا فعلًا دماغي مش معايا:
__يا تُقى اخلصي… أنا مش فاكر أنا كلت إيه امبارح.
بلعت ريقها وقالت:
__أمل يا جاد… متمسك بيها برضه؟
اتشدّيت، وبصوت واطي حاد عشان أمل متصحاش:
__تُقى… انتي ليه مصممة تبوظي علاقتي بيكي؟
أنا قولت إني بحب أمل ومش هسيبها.
لو سمحتي… متفتحيش الموضوع ده تاني.
زَعقت:
__لا هفتحه!
عشان إنت شكلك مش شايف قدامك.
أمل مش هتقدر تخلفلك!
اتكلمت وأنا كاتم غضبي:
__أمل—
جاد
فضلت ساعتين قاعد جمبها وهي
تتألم شويه
تبتسم شويه
تهدى شويه
لغايه م تاهت ف النوم من التعب
كل اللي بعمله إني بمسح ع راسها وبطبط عليها وماسك إيديها
لغايه م جه صوت موبايلي وهو بيرن
سيت ايديها براحه وسحيت تلفوني
وروحت لآخر الاوضه أرد
كانت تقى
رديت عليها وسألتها عن احوالها
وهي سألتني عن احوالي
بس برضه لسه في حاجه هي عايزه تقولها
ومش راضيه
حاسس إن المكالمه دي مش هتعدي عادي
ف قولت بزهق:
تقى لو عندك حاجه تقوليها
ياريت تقولي عشان أنا مش فاضي دلوقت
ردت بتوتر وقالت:
ف فكرت ف اللي انا قولتهولك
رديت بعدم فهم وأنا اصلا من القلق ع أمل دماغي مش فيا:
يا تقى اخلصي أنا مش فاكر انا كلت اي امبارح
ردت وأنا سامعها بتبلع ريقها:
أمل يا جاد متمسك بيها برضه؟
اتعصبت وقولت بصوت حاد بس واطي عشان أمل متصحاش:
تقى انتي ليه مصممه تبوظي علاقتي بيكي
انا قولت اني بحب أمل ولا يمكن اسيبها!
لو سمحتي لو عايزه تحافظي ع علاقتي بيكي اوعي تفتحي الموضوع دا تاني
ردت بزعيق وهي بتقول:
لا هفتحه!
هفتحه تالت ورابع وعاشر
عشان إنت شكلك دماغك مش فيك يا جاد
ومش عارف قيمه الخلفه والعيال اللي أمل مش هتقدر تجيبهوملك!
اتكلمت غضب وقولت:
أمل ...
قطاعني صوتها وهي بتقولي بصوت مخنوق:
__اسمعني يا جاد للآخر يمكن انت مش عارف قيمه الضنا بس انت عارف اني أكتر واحده عارفه قيمه إني أكون ام
وعندي اولاد....
انت عارف ان ياسين ابني مات وهو مكملش سنه
وكملت بوجع:
__ياسين اللي كان بيدي للبيت حس وطعم مختلف !
ياسين اللي ضيعت حياتي كلها مع ابوه عشان ... بس هو يبقى بخير!
عارف لو كان ياسين عايش دلوقتي
كان هيبقى ضهري وسندي ...
زي م انت لو جبت ولد هيبقى سندك وضهرك ....
يمكن انت مش حاسس بقيمه الضنا دلوقتي لكن قدام هتحس!
بس ساعتها مفيش رجوع!
انا بفوقك قبل م تضيع عمرك وشبابك وميبقاش ليك عكاز تتسند عليه
وقفت ساكت لحظة…
مش عشان كلامها مأثرش.
لا… مأثر.
وجعها باين في صوتها.
اسم ياسين خرج منها كأنه جرح لسه مفتوح.
بس برضه…
اتكلمت بهدوء المرة دي، بس الحزم واضح:
__أنا مقدّر وجعك يا تقى… وربنا يعوضك عن ياسين ويجبر قلبك.
بس متخليش خوفك يتحول لقرار يخص حياتي أنا.
سكتت شوية… ف كملت:
__إنتي شايفة الخلفه سند، وأنا شايف أمل سند.
إنتي شايفة الولد عكاز، وأنا شايف مراتي روح.
بصيت لأمل من بعيد…
كانت نايمة، ملامحها مرهقة،
بس بريئة… كأنها طفلة.
رجعت كلمتها تاني وقلت بصوت أوطى:
__أنا متجوزتش أمل عشان تجيبلي عيال.
أنا اتجوزتها عشان هي أمل.
بضحكتها، بخوفها، بقلبها اللي بيحارب كل يوم.
نَفَسها كان تقيل في السماعة…
يمكن زعلانة،
يمكن مش مقتنعة.
قلت آخر كلامي قبل ما أنهي المكالمة:
__لو ربنا كتبلي أكون أب، هيكون منها.
ولو مكتبلناش… أنا مش ناقص.
وجودها في حياتي مكفيني.
قفلت المكالمة…
وقفت لحظة آخد نفس عميق.
مش عشان كلامها هزني،
لكن عشان عرفت قد إيه الدنيا بتقيس الرجولة بحاجات مش دايمًا أهم حاجة.
رجعت قعدت جنب أمل.
مديت إيدي مسكت إيديها تاني.
همست وأنا ببص لملامحها الهادية:
_إنتي مش اختبار…
إنتي اختيار.
وفضلت قاعد جنبها…
مش مستني ولد يشيل اسمي،
مستني بس هي تفتح عينيها وتبتسم.
بعد شوية قررت أسيبها نايمة…
وأنزل أجيب الأكل اللي الدكتور موصي بيه.
كنت ماشي في الممر شايل الأكياس في إيد،
والتانية ماسك بيها الفون.
الموبايل رن.
أحمد.
رديت وأنا مش طايق حد:
__نعم يا أحمد؟
قال من غير سلام ولا مقدّمات، بنبرة مستفزة:
__يعني أنا عايز أفهم… هتجوزني أختك إمتى بقى؟ ولا ناويين تركنوني سنين؟
وقفت مكاني.
بصيت قدامي ثواني كأني بعدّ لحد ما أغلط.
رديت بعصبية مكتومة:
__إنت تلم نفسك وإنت بتتكلم عن أختي.
وبعدين هي مش عايزاك… أنا مالي؟
ضحك بخفة مستفزة وقال:
__يعني إيه مش عايزاني؟ هو الجواز مش تفاهم بين عيلتين؟
شديت على الأكياس لدرجة البلاستيك فرقع في إيدي:
__لا يا أحمد.
الجواز رضا بين اتنين.
لو هي مش عايزاك… يبقى الموضوع خلص.
سكت لحظة، وبعدين قال بنبرة متحدية:
__وأنا مش هسيبها بسهولة.
ابتسمت بسخرية باردة:
__وأنا مش هسيبك تزعجها بسهولة.
لو عندك كلام… كلمها هي.
إنما متدخلنيش في حاجة مش بتاعتي.
وسكت شوية…
وبعدين قفلت من غير ما أستنى رد.
وقفت آخد نفس عميق.
مش ناقصني شد وجذب…
مش ناقصني غير إني أرجع لأمل.
بصيت للأكل في إيدي،
ورجعت أطلع على السلم بهدوء.
في ناس بتدور على اللي تملكه…
وأنا كل اللي بدور عليه إني أحافظ على اللي بحبه.
________________
تُقى
كنت شايلة صينية القهوة… وحطيتها قدامه وأنا بسأله:
__أمال أمل مجتش معاك ليه؟
رد بصوت واطي… فيه تعب واضح:
__أمل في المستشفى… بتاخد جرعة الكيماوي.
قلبي اتقبض… مش عليها قد ما اتوجعت من شكل عينه.
كان باين عليه قلقان… تايه.
قولت وأنا بطبطب على كتفه:
__تقوم بالسلامة إن شاء الله.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
__سيبك من ده… أنا جاي عشان حاجة تانية.
سكت… قلبي بدأ يخبط.
حسيت إن الموضوع مش بسيط.
قال بهدوء غريب:
__أحمد طلبك مني… تاني.
نفخت بضيق:
"__وأنا هقولك نفس الرد اللي قولته مليون مرة… أحمد مش زوقي ومش—
قاطعني… بس المرة دي صوته كان مختلف.
مش عالي… بس قاطع:
__تقى… أنا مش جاي آخد رأيك زي كل مرة.
بصيتله بعدم استيعاب.
كمل وهو باصص في الأرض:
__أنا جاي أقولك إن الموضوع المرة دي بجد.
أحمد متقدم رسمي… و الأسبوع الجاي هيجيلي هو وخالتي عشان يكتب عليكي.
حسيت الأرض بتميل بيا:
__جاد… إنت بتقول إيه؟!
إنت هتغصبني؟
رفع عينه في عيني لأول مرة… وكان فيها وجع أكتر من الغضب.
قال بحزم:
__لو هتفضلي تهربي من أي خطوة بعد طلاقك…
لو هتفضلي رافضة كل حد يقرب منك…
فآه… أنا هضغط عليكي.
قومت واقفة وقلبي بيدق:
__ضغط غير غصب يا جاد!
سكت لحظة… وبعدين قال بصوت متكسر شوية:
__أنا محتاج أطمن عليكي.
محتاج أشوفك متهنية… مستقرة…
مش لوحدك في بيت فاضي.
اتكلمت بعناد:
__السعادة مش جوازة والسلام!
اتنهد… وبص بعيد:
__وأنا مش عايزك تعيشي زي أمل…
مستنية الوقت يعدي وهي مش ضامنة بكرة.
الكلمة دي ضربتني.
فهمت… هو بيتكلم من خوف.
من فكرة الفقد…
من فكرة إنه يصحى في يوم يلاقي اللي بيحبهم راحوا.
بس ده مش معناه ياخد قراري مكاني.
بصيتله بثبات وقلت:
__أنا مش موافقه!
والصمت وقع بينا… تقيل.
سكتنا لحظة…
الهواء نفسه كان تقيل.
جاد كان لسه هيتكلم…
لكن سبقته وقلت بصوت أهدى شوية:
__وبعدين… الموضوع مش بسيط زي ما إنت فاكر.
رفع حاجبه باستغراب:
__يعني إيه؟
بلعت ريقي… وحسيت قلبي بيدق أسرع.
لأول مرة أعترف بحاجة كنت بهرب منها:
__أحمد… مش شخص وحش.
جاد عقد دراعاته وبصلي باهتمام.
كملت وأنا ببص في فنجان القهوة قدامي:
__هو رخم مستفز… مغرور شوية.
بس…
سكت.
الكلمة كانت واقفة على طرف لساني.
جاد قال بهدوء:
__بس إيه يا تقى؟
اتنهدت… وقلت بسرعة كأني بخاف أرجع في كلامي:
__بس وجوده جنبي بيخليني مش حاسة إني لوحدي.
الكلمة خرجت…
وقلبي خف… وخاف في نفس الوقت.
كملت وأنا بحاول أبرر:
__لما كنت بعيط بعد الطلاق… كان بيقف تحت البيت بالساعات بس عشان يتأكد إني كويسة.
لما رفضته أول مرة… اختفى شهر كامل… بس رجع وقال إنه مش هيضغط عليا.
بصلي جاد نظرة مختلفة…
مش ضغط… مش أمر.
سألني بهدوء:
__طب ليه بترفضيه؟
اتوترت…
وأنا أخيراً بصيتله في عينه:
__عشان بخاف.
صوته كان واطي:
__من إيه؟
غمضت عيني لحظة وقلت:
__من إن قلبي يصدق.
ومن إني أرجع أتوجع تاني.
المرة دي جاد مكنش حازم…
كان أخ كبير.
قال بنبرة أهدى:
__لو دي مشاعر خوف… نواجهها.
إنما لو دي مشاعر حب يا تقى…
متضيعهاش بعناد.
قلبي اتلخبط.
يمكن أول مرة أعترف لنفسي…
إني مش بكرهه.
يمكن…
يمكن بس…
بخاف أحبه.
لسه الكلمة بتلف في دماغي…
"لو دي مشاعر حب… متضيعهاش بعناد."
بصيت لجاد شوية…
حسيت إني واقفة على حافة حاجة كبيرة.
يا إما أرجع ورا تاني وأعيش في دايرة الخوف،
يا إما آخد خطوة.
اتنهدت ببطء وقلت:
__طيب…
جاد قرب وشه شوية وقال:
__طيب إيه؟
رفعت عيني فيه بثبات لأول مرة:
__خليه يتقدم رسمي.
سكت لحظة… كأنه بيتأكد إنه سمع صح.
كملت بسرعة قبل ما أرجع في كلامي:
__بس اسمعني كويس يا جاد…
أنا هديه فرصة. فرصة بس.
لو حسيت إني مش مرتاحة… لو قلبي قال لأ…
مش هكمل. حتى لو كتبنا الكتاب.
ملامحه هديت…
مش ابتسامة انتصار…
لكن ابتسامة أخ مطمن.
قال بهدوء:
__وأنا عمري ما هسيبك تغصبي نفسك على حاجة.
بس إديله فرصة حقيقية… مش نص فرصة.
بلعت ريقي…
وغمضت عيني لحظة.
"أنا تعبت من الهروب.
يمكن… يمكن المرة دي أواجه."
جاد ابتسم وقال بخفة:
__يبقى أروح أبلغه ولا أسيبه يولع شوية؟
غمزتله رغم توتري:
__سيبه يولع خمس دقايق بس… يستاهل.
ولأول مرة من فترة طويلة…
قلبي كان بيرتعش مش من خوف…
لكن من احتمال.
احتمال إني أبدأ من جديد.
بس المرة دي… بشروطي.
