
رواية عروس الغريب الفصل الرابع عشر 14 بقلم شاهندة سمير
كان غريب يستند إلي وسادته ينظر إلي الأمام عاقداً حاجبيه بعد أن استمع إلي زائره ليقول زائره بحزن:
_متواخذناش ياغريب ياولدي، اللي حوصل من بتنا ليك شين ومنرضاهوش واصل لكن هنعملوا ايه؟ عطب النفوس واعر قوي وملناش يد فيه، النفس الصالحة بتوعي وتفهم وتدرا إن الأهل مبيفرقوش بين ولادهم لكن النفس الطالحة بتحقد وتكره وتإذي وفي الآخر تندم بعد فوات الأوان وأوان صلاح بتنا فات.
اختنق همام فالتفت إليه غريب يربت علي يده قائلاً:
_مفاتش الأوان ياحاج همام.. انت مش قولت انكم ودتوها مصحة نفسية؟ بإذن الله يقدروا يعالجوها وترجع بنتكم لحضنكم من تاني.
تنهد همام يقول:
_ياريت ياولدي ياريت بس قلبي بيقولي ان اللي راح مهيرجعش تاني واللي راح مننا كاتير، بناتي التانين راحوا مني ياغريب ياولدي، واحدة خطفها الموت والتانية جنت ومش باين راح يرد العقل في نافوخها من تاني.
_كل شيء بأمر الله ياحاج.. خلي أملك في ربنا كبير.
_ونعم بالله.
تردد غريب قبل أن يقول:
_هي رقية فين؟ أنا مشوفتهاش من ساعة اللي حصل.
ضرب همام رأسه بخفة قائلاً:
_وه وه وه.. كنت هنسي.. رقية ياابني وقعت من طولها من خوفها عليك والداكتور ادالها حقنة مهدئة وقال لازمن ترتاح.
شعر غريب بقلبه يطرق بين جنبات صدره لهفة وقلق عليها ليزيح عنه الغطاء وهو ينهض قائلاً :
_فين أوضتها؟
شعر بالدوار فأمسك به همام وأجلسه قائلاً:
_بالراحة ياولدي مش إكده.. انت فقدت دم كاتير، مش عاوزك تقلق علي رقية.. هي بخير بس الداكتور رايد ترتاح شوي اكمن أعصابها رقيقة ومش متحملة ضغط.
_أنا لازم أشوفها وحالاً.
ربت همام علي كتفه قائلاً:
_هنروحلها متقلقش.
ثم تطلع إليه بامتنان قائلاً:
_هتحبها ياغريب وعتفديها بروحك.. دي حاجة واضحة كيف السمس وده اللي مطمني عليها ومريح قلبي.. بس...
_بس إيه؟
_لمن رقية وقعت مرت ولدي ظنت انها حبلي.
قطب غريب جبينه بشدة بينما يردف همام :
_لكن الداكتور قال انها بت بنوت، كيف ده حوصل ياولدي وانتوا متجوزين؟
عذراء؟بريئة نقية رغم كل شيء.. لقد ظلمها كثيراً حتي أن الذنب الآن يقتله ولكن فرحته بطهرها من كل إثم تضغي علي كل شيء الآن، هل يمكن أن يتضخم القلب؟ هل يمكن أن تتشبع الروح بالسعادة.. قلبه وروحه يفعلان، حاول التماسك حتي لا تبدو فرحته جلية علي ملامحه بينما يجلي حنجرته قائلاً :
_احنا كتبنا الكتاب علي الضيق عشان خاطر تعب والدي وبعدها مات زي ماحضرتك عارف، ملحقناش نعيش حياتنا كاتنين متجوزين.. كان بينا حزن وفقد وموت وعشان كدة لما حضرتك صممت نعمل فرح انا معترضتش رغم ان مفتش علي موت والدي كتير، رقية من حقها تفرح بعد كل الحزن اللي عاشته.
تنهد همام قائلاً:
_ملحقتش تفرح ياقلبي.
_أوعدك أيامها معايا من هنا ورايح هتكون كلها فرح ياجدي.
ابتسم همام وهو يقول:
_ربنا يبارك فيك ياولدي.. قوم ياغريب.. قوم بينا أوصلك لمرتك.
نهض غريب وسار جوار همام إلي حيث زوجته وحبيبته التي لم يعد بإمكانه إنكار حبه لها.
_______
كل الأشياء تتعارك بداخلي، مشاعري.. مخاوفي.. ماضيّ وحاضري.
منذ متي تسللتي إلي قلبي؟ منذ متي صار يهواكِ؟ ألم يكن راهباً يتعبد في محراب سواكِ؟ ألم يقسم علي الوفاء فلم يكن لحواء آملاً في سكناه فآواكِ؟ هل رأي فيكِ طيفها فناجاكِ؟ مستحيل.. فقلبي لا يخلط بين النساء فإياكِ.. لا تظني بي الظنون حاشاكِ.. لقد أحببتك أنتِ ورأيت فيكِ ملاكي، طيبة قلبك عذب لسانك وحسن معشرك جذبوا خفقات قلبي فرآكِ، وحين رآكِ أدرك أنك جوهرة أرادها ثم لفظها فآذاكِ، قلبي المتيم بحبك نادم يتضرع تحت قدماكِ.. افتحي أهدابك المغلقة وتطلعي إليه بعذب عيناكِ، سأجثوا معتذراً أطلب الصفح لا أخشى مذلة فاعتذار العاشق لمعشوقته واجب لا أمنحه لسواكِ.
همس ضعيف باسمه جعل قلبه يتلوي داخل صدره بلهفة ولوعة، مال يطبع قبلة حارة علي كفها بين يديه ثم نظر إلي محياها الرقيق يقول بألم:
_أنا هنا ياقمر، فتحي عيونك وبصيلي..أنا أستاهل أي حاجة تعمليها فيا غير إنك تسيبيني.
_بدر.
_حبيبة بدر.. سامحيني.. كنت فاكر اني صح، كنت فاكر اني بحميكي من العيشة مع واحد من غير قلب، بس القلب اللي بيدق جوايا دلوقت أكدلي اني كنت غلط، القلب ده خلاني عرفت انه لسة حي لما حبك انتِ.. ازاي وامتي.. مش عارف، يمكن من زمان.. من زمان قوي لما كنت بتخانق مع صحابي لما يقولوا عنك كلمة حلوة أو يبصولك.. كنت فاكر انها غيرة أخ علي أخته بس دلوقت شوفتها صح.. كان لازم أعرف ان غيرة الاخوات حاجة وغيرة الحبيب علي حبيبته حاجة تانية خالص، عارفة لما كنت فاكر اني بسيبك عشان واحد تاني، كان المفروض الحزن اللي جوايا والنار اللي قادت في قلبي يقولولي اني حبيتك بس فضلت فكرة الأخوة اللي بينا عمياني عن الحقيقة اللي أمي كانت شايفاها ولمحتلي بيها في آخر مرة كنت فيها معاها، قالتلي يابدر فتح عينيك واسأل قلبك قبل ماتخسر أحلي حاجة ممكن تكسبها في الدنيا دي بحالها، والحاجة دي هي انتِ.. انتِ ياقمر.
تساقطت دمعة من عينيها فمد أنامله يمسحها برفق قائلاً بصوت أجش:
_آسف ياقمر، آسف علي كل دمعة نزلت من عنيكي بسببي، آسف لو وجعتك بقصد ومن غير قصد، كنت غبي وأعمي والحمد لله اني فتحت قبل فوات الأوان، لو كنت خسرتك كنت خسرت نفسي لإني مستحيل هقدر اعيش من بعدك يابنت خالتي.. الموت عندي أهون.
_بعيد الشر عنك.
همستها الضعيفة جعلته يقطب بحيرة قبل أن تنفرج أهدابها عن مقلتيها العسليتين تتطلع إليه بوهن فنطق حروف اسمها بلهفة، سعلت فأسرع يمنحها كوب من الماء تلامست أناملهما فانتفضت ترتشف منه رشفة ثم تتطلع إليه بصدمة، كاد أن يبعد الكوب عنها ولكنها تمسكت بأنامله المحيطة بالكوب تقول بعدم تصديق:
_انت بجد هنا جنبي والكلام اللي سمعته منك كان حقيقي؟
ابتسم يتطلع إليها بحنان فقالت برجاء:
_عشان خاطري يابدر قولي اني مبحلمش وانك حقيقة قدامي شايفاها بعينيا ولمساك بايديا.
ربت بيده الحرة علي أناملها فتركت الكوب ليضعه جانباً ثم يمسك يديها بين يديه وهو يقول :
_أيوة أنا حقيقة ياقمر شايفاني بجد ولمساني وتقدري تقرصيني لو لسة مش مصدقة.
_طب ازاي.. انت قولت انك.. انك....
_بحبك.
تعلقت عيناها بعينيه كما تعلق الأمل والرجاء بمقلتيها فابتسم قائلاً:
_أنا فعلا بحبك.
_طب وسارة ومروة؟
_سارة ماضي هيفضل في قلبي ليها مكان أما مروة فخيال ملوش أي أساس في الواقع اخترعته عشان أبعدك عني.
خبا الأمل بعينيها وظهر الحزن جلياً وهي تقول:
_مكنتش محتاج سبب عشان تبعدني عنك، كان كفاية إنك تطلبها مني زي ماعملت.
_البني آدم اللي كنته امبارح مش اللي بيكلمك دلوقتي.
قطبت جبينها قائلة:
_قصدك ايه؟ محدش بيتغير بين يوم وليلة يابدر.
_ومين قالك انهم يوم وليلة.. اللي حصل خلاني أفتح عيوني وأشوف الحقيقة اللي غابت عني، مشاعري ليكي اتولدت من سنين افتكرتها مشاعر أخوة واتعاملت علي الأساس ده، لو كنت فكرت للحظة انها ممكن تكون غير كدة كنت هفهم مشاعري واتصرف علي أساسها. لما سارة الله يرحمها ماتت... انتِ اللي وقفتي جنبي، خرجتيني من عالم قفلت فيه علي نفسي وكان هيضيعني، رجعت مشاعري تظهر للسطح من تاني ورجعت أديها اسم غير اسمها، امتنان عرفان مش مهم المهم اللي جه بعدين وكان لازم يكون اشارة ليا بس فضلت مغمي عينيا.
نظرت إليه بفضول ولهفة تستحثه علي الكلام فابتسم قائلاً:
_لما ماما عرضت عليا أتجوزك ورغم انها فاتحتني كتير في موضوع الجواز قبل كدة وكنت برفض رفض قاطع، لقيتني بسهولة بوافق بحجة انقاذك وانقاذي من زن الأمهات، دي كانت اشارة واضحة بس للأسف مفهمتهاش وحياتي معاكي تحت سقف واحد وراحتي وسعادتي اللي كانوا بيخلوني أسيب الدنيا كلها أول ماأخلص شغل وأجري علي البيت.. حتي لما سمعتك وانتِ بتعترفي بحبك ليا تحت تأثير الحرارة وفرحتي باعترافك ده وبعدين خوفي منه.. مش عليا بالعكس عليكي لما حسيت اني ممكن أظلمك لو عشتي مع حد من غير قلب زي ماكنت فاكر.. كل ده كان حب ليكِ واهتمام بس أنا مفهمتش كل ده.. عارفة فهمت امتي؟فهمت لما كنتي هتروحي مني، لما حسيت للحظة انك ممكن تفارقيني وأعيش في الدنيا دي من غيرك.. وقتها حسيت ان أنا اللي بموت وبتخرج روحي مني.
_بعيد الشر عنك.
اتسعت ابتسامته وهو يقول:
_بعدك عني هو الشر اللي مستحيل أقبل بيه، بدر من غير قمر ميسواش حاجة صدقيني.
_قمر أصلاً حتة من بدر.. تفتكر ممكن تقدر تبعد عنه بعد مااتأكدت ان هو كمان بيحبها.. النهاردة أسعد يوم في حياتي كلها.. أنا بحبك قوي يابدر.
رفع كفها يقبل أناملها بحب قبل أن يتطلع إليها قائلاً:
_وأنا كمان بحبك ياقلب بدر.
ابتسمت بسعادة تتطلع إلي مقلتيه بحب شع من عسليتيها فربض في عسليتيه.
______
تعلقت عيناها بعينيه لا تتزحزح بعد أن مرت عليه بالكامل تتأكد من أنه بخير تماماً بينما يجلس إلي جوار جدها حتي تنحنح الجد مستأذناً بعد أن تمني لهما السعادة، عاتبته علي الفور بعد أن غادر الجد قائلة:
_انت أكيد اتجننت، حد يبقي مضروب بالنار ويسيب سريره ويتعب نفسه بالشكل ده؟
نهض واقترب منها يجلس علي الكرسي جوارها وهو يقول:
_لما حد يقول لراجل ان مراته آخدة حقنة مهدئة عشان مقدرتش تتحمل فكرة فراقه يبقي لازم ييجي ويطمن عليها بنفسه.
قالت بارتباك:
_مين قالك الكلام ده بس؟ الكلام ده مش صحيح.
حدجها بنظرته التي تنفذ لأعماقها وهو يقول:
_انتِ قصدك مثلاً ان جدك بيكدب؟
قالت علي الفور:
_لأ طبعاً.
قبل أن تردف بارتباك:
_قصدي يعني ان هو ده اللي فهمه لما أغمي عليا بس الحقيقة اني مكلتش من الصبح وده وطالي ضغطي شوية.
_مكلتيش..قولتيلي.. يبقي لازم تاكلي حالاً.
نهض فجأة فعاوده دواره،أمسك بأنامله مابين حاجبيه وهو يغمض عينيه بينما أسرعت رقية بالنهوض تمسكه من يده وتجلسه علي السرير، تقول بقلق ملهوف:
_انت كويس ياغريب.. فيك حاجة.. أندهلك الدكتور؟
فتح مقلتيه قائلاً:
_مفيش داعي.. أنا كويس متقلقيش.. الحركة الفجائية بس بتعملي دوخة.
_أكيد من الدم اللي خسرته.. أنا هنده الدكتور نطمن أكتر.
تمسك بأناملها يمنعها قائلاً:
_قولتلك أنا كويس.. تعالي اقعدي جنبي.. انتِ كمان محتاجة الراحة.
_جنبك فين؟
قالتها بارتباك، فقال:
_جنبي علي السرير طبعاً، السرير كبير علي فكرة ومتخافيش مش هقرب منك.
_أنا مش خايفة.
_واضح الصراحة.
جلست جواره تقول بغيظ من لهجته الساخرة:
_قولتلك مش خايفة.
ارتطمت به فأنّ، قالت في لهفة وهي تضع يدها علي صدره:
_أنا آسفة والله ماقصدت.
ابتسم بوهن وهو يضع يده علي يدها قائلاً:
_ولا يهمك.
حاولت سحب يدها ولكن جسدها رفض أوامر عقلها فاستقرت يدها تحت كفه بينما عادت عيونها تتعلق بخاصته، يرتجف قلبها أملاً بهذه النظرة التي تطل بمقلتيه وتخبرها أنه يبادلها مشاعرها بينما هذا الصمت من جانبه يدحضه، هو لا يدري لما لم يصارحها الآن وللتو بمشاعره وقد اعترف بها لنفسه؟ ربما أراد أن يجعل اعترافه لها بحبه مناسبة خاصة يعد لها بكل حب يملكه تجاهها، لم يخبرها حتي بتأكده من نقائها فبداخله أدرك أنها نقية دون الحاجة لتقرير طبيب لذلك، أجبره نقاؤها علي الوقوع بحبها رغم محاولاته البائسة لتفادي ذلك.
_______
كانت نجاة تجلس علي السرير، تضع رأسها بين يديها تقول بلوعة:
_يامُرك يانجاة، أهو ده اللي كنت خايفة منيه.. ليه كدة ياسعاد؟ ليه تحرقي قلوبنا إكده؟
قال همام الجالس علي الكرسي قبالتها، يسند كلتا يديه علي عكازه:
_مقدر ومكتوب يانجاة.
رفعت رأسها تتطلع إليه بعيون طفرت منها الدموع تقول بحزن:
_أني كنت خابرة انها ناوية ع الشر بس متوقعتش السواد ده كله، كانت رايدة تقتل بنت خيتها، كيف قدرت تعملها؟ كيف طاوعها قلبها؟ لكن عستغرب ليه ماهي كانت هتإذي ثريا زمان لما قطعت سرج الخيل بتاعها ولولا ستر ربنا وواد عمهم حسان كنا دفناها من زمان، هو اللي شافها وجري وراها بفرسه وشدها من عليه، وقتها عسران قال انه مخدش باله من السرج رغم انك مأكد عليه ميخرجش خيل لولادك من غير مايتأكد منيه، بس مرته جاتني واترجتني نفوته ومنإذيهوش وقالتلي ان سعاد عطيته فلوس لجل مايقول إكده وانها هددته تتهمه بالسرقة وتحبسه لو مسمعش كلامها، وأني داريت الحكاية في قلبي رغم مرارها وقولت غيرة خوات وهتروح لحالها لما يكبروا ويتجوزوا بس مراحتش بالعكس كبرت مع كبرهم وجابتلنا العار والفضيحة.
_ملوش لازمة نقلب في الماضي، خلينا في الحاضر.. خلينا نفكروا هنعملوا ايه عاد في المصيبة دي؟
_مش خابرة ياحاج.. تفتكر المستوصف النفسي ده هيقدر يعالجها من السواد اللي جواتها، هيقدر يرجعلنا بتنا اللي ربيناها وهي صغيرة؟
_يمكن ويمكن لاه بس أدينا بنحاول نعمل اللي علينا كدام ربنا وربنا يقدم اللي فيه الخير، أهم حاجة دلوكيت انك متجيبيش سيرة لخواتها عن اللي حوصل لحد مانشوف آخرتها ايه.
_طب وحسان ياحاج؟
_أهو ده اللي معينفعش نخبي عليه واصل، هو اتوخر في سفريته صوح بس لازمن هيعرف لما يعاود، عشان إكده أني هكلمه طوالي، تاجي مني أحسن ماتاجي من غيري يانجاة.
_بس ده معناه خراب بيتها ياحاج.
_اللي رايده ربنا هيكون.
______
_من فضلك ياحاج همام وبعد اذنك طبعا.. احنا هنسافر دلوقتي، زي ماحضرتك سمعت أنا عندي سفرية مهمة، عقد مهم لازم أسافرله الفجر بيروت ومينفعش أتأخر أكتر من كدة.
_بس انت لسة خارج من المستشفي ياولدي.. هتقدر تسافر طوالي إكده؟
_أنا بقيت كويس متقلقش..و زي ماقولتلك السفرية مهمة ومينفعش تتأجل.
قالت نجاة:
_طب ماتهمل رقية إهنه أدامك هتسافر لحد أما تعاود كيف ماكانت بتعمل.....
قطعت كلماتها وغصة بالحلق تراودها وقد كادت أن تذكر اسم ابنتها فتذكره وتذكر الجميع بمافعلت، أدركت رقية ذلك فقالت بسرعة تتجاوز بفطنتها الإحراج الذي سببته الجدة:
_مش هينفع ياتيتة.. أنا لازم أكون جنبه عشان أحضرله الشنطة وأودعه في المطار.
_حقك يابتي بس إلهي يسعدك بلاش تيتة دي، قوليلي ياجدة.
_حاضر ياجدة.
_يحضرلك الخير يابتي.
قال غريب:
_ها.. قولت ايه ياحاج؟
_هو فيه قول بعد قولك.. قوم ياولدي.. خد مرتك وادلوا مصر ربنا يسلم طريقكم ويحفظكم.
نهض الجميع يودعون رقية وغريب وسط الدموع والوعود بعودة سريعة ولقاء قريب.
_______
كانت تجلس علي حافة النافذة العريضة المحاطة بقضبان حديدية تتطلع في شرود إلي الخارج، نداء بإسمها أخرجها من شرودها، التفتت إلي مصدره فالتمعت العينان الخاليتان وهي تهتف باسمه قبل أن تسرع إليه وتضمه بقوة قائلة:
_اتوحشتك قوي باحسان.
قطبت جبينها حين شعرت ببرودة من جانبه حتي انه لم يرفع يده ويبادلها ضمتها، ابتعدت عنه تتطلع إليه قائلة برجاء:
_انت مش هتسلم عليا ولا إيه ياخوي؟
_كيفك ياسعاد؟
_بخير دامك بخير.. انت جيت منشان تاخدني ونعاودوا البيت مش إكده؟
صمت فقالت بقلق:
_حسان.. انت جيت عشان تاخدني مش إكده؟
_إنتِ لساتك تعبانة ومحتاجة علاج.
قالت بسرعة:
_لاه لاه أني زينة، متصدقهمش ياحسان، بوي عيظلمني متوانس مع الداكتور لجل يقولوا علي مجنونة ويفرقوا بيناتنا.
_وهيعملوا إكده ليه إياك؟
_لجل يجوزوك ثريا، ثريا عاودت البلد، عاودت لجل تاخدك مني.
_ثريا ماتت ياسعاد، شيليها من نافوخك بقي.
_لاه ثريا مماتتش،هي بس غيرت اسمها عشان تخدعني بس أني عرفتها طوالي، ثريا عاودت البلد والكل حاوطها بالحب ونسيوني وانت كمان رايد تنساني وتعاودلها مش إكده؟
_أني ماشي وهبقي.....
قاطعته قائلة بلهفة وهي تسحب يده:
_لاه أبوس يدك متفوتنيش إهنه لحالي.
_لازمن أفوتك لجل تكوني بخير ياسعاد.
صرخت بحرقة وهي تقول:
_إنك تفوتني الشر ذات نفسيه ياحسان، أني مقدرش أعيش من غيرك، أني حاربت الكل لجلك، حاربت ناسي وأهلي، عزوتي وناسي.. وهم كرهوني.. كرهوني لجلك.. لجل رضاي أكون وياك وانت مبتخلفش.
_ماتفوقي ياسعاد لحالك وتعرفي ان العيب فيكِ انتِ يابت الناس، في روحك الشينة وقلبك الاسود، انتِ رايدة تعرفي ليه مقدرتش أحب غير أختك ثريا، ليه مقدرتش أحبك رغم عشرة السنين اللي فاتت دي كلياتها؟
تطلعت إليه بوجل تهز رأسها نفياً ترفض سماع كلماته فأردف بقسوة:
_ثريا كانت عكسك في كل حاجة، كانت كيف النسمة عتحب الكل وتراضيهم، كان قلبها الأبيض سايع الكل ونفسها الراضية مخلتهاش تبص لحاجة غيرها، أما انتِ فمكنش يحلالك غير حاجتها هي، حتي آني، عمرك ماحبتيني، انتِ كنتِ رايدة تاخديني منيها وبس.
_كدب والله العظيم كدب.
_متجيبيش سيرة ربنا في حديتك، اللي عيحب صوح ميإذيش اللي عيحبه وانتِ آذيتيني كتير وصبرت عليكي لجل خاطر بوكي وأمك، خابرة لو مكنتش اتجوزت عليكي ومرتي حبلت وروحت للداكتور اتوكدت إني كويس مكنتش دريت بعملتك السودة ومع ذلك خليتك علي ذمتي لما بوكي اترجاني أسامحك.
قالت بصدمة:
_انت اتجوزت وخلفت ياحسان؟
_إيوة وآن الأوان مرتي تاجي داري وتعيش وياي قصاد أهل البلد كلياتهم، مرتي اللي بحمد ربنا وفضله عتشبه ثريا في طيبة القلب والروح مش عتشبهك واصل ياسعاد.
حدجها بنظرة خالية قبل أن يبتعد مغادراً بينما تتبعه صرخاتها الملتاعة وهي تقول:
_لاه لاه.. متهملنيش ياحسان، أني عملت كل حاجة لجلك، لجل تكون وياي..لحد آخر العمر، ده كان اتفاقنا.. متهملنيش ياحساااااان.