رواية حين أضاء قلبي الفصل السابع 7 والثامن 8 بقلم يارا زين
الفصل السابع.. اتفاق محفوف بالمخاطر
_________
داخل الشركه كان يوجد حالة من التوتر. كانت ضي تعمل بجد على أحد التصاميم، بينما كان حمزه يراقبها بين الحين والآخر دون أن يدرك السبب الحقيقي وراء ذلك.
وللمره الثانيه يدرك حمزه ان ضي ليست كأي فتاة عرفها، مختلفة تمامًا... قوية، عنيدة، لا تخضع بسهولة، بل تضع له حدودًا صارمة لم يعتد عليها.
وبينما كانت ضيّ تناقش أحد زملائها في المكتب، لاحظ حمزه مره اخري كيف أنها تتحدث معه براحة، تبتسم أحيانًا، وتعطيه اهتمامًا لم تمنحه له أبدًا.
شيء بداخله اشتعل، لم يستطع كبح نفسه، فتوجه نحوها مباشرة، وألقى جملة بغضب ونبرة مستفزة
"واضح إنكِ بدأتي تتعودي على الزمالة الرجالية، رغم إنكِ كنتِ رافضة الفكرة تمامًا حتي معايا!"
هنا استأذن زميلهم بالعمل وتركهم وذهب فرفعت رأسها إليه ببرود، وردّت دون أن تفقد هدوءها:
"الفرق يا حمزه ، إن زميلي بيتكلم باحترام وفي حدود الشغل ومحاولش يتعدي حدوده معايا حتي لو بالكلام ، ومش بيلقي تعليقات سخيفة طول الوقت."
كان هذا كافيًا ليشعل شرارة الغضب في عينيه، لكنه لم يرد . فقط اقترب منها أكثر وهمس بنبرة تحدٍ:
"هنشوف هتفضلي ثابتة على مبادئك لحد إمتى."
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
في المساء، وبينما كانت ضيّ تستعد لمغادرة الشركة، تفاجأت بحمزه ينتظرها عند باب المصعد. نظرت إليه بريبة، لكنه لم يبدُ عليه الاستعداد لمشاجرة جديدة، بل كان أكثر هدوءًا من المعتاد.
"هنروح مع بعض." قالها وكأنه قرار غير قابل للنقاش.
ردّت بحدة."لا، مش هركب عربيتك."
"ليه؟ مش خطيبتي برضو؟"
نظرت إليه بنفور، ثم قالت:
"اتفاقنا واضح، حدودنا واضحة، وأنا مش ناوية أغير رأيي وبعدين حتي لو خطيبتك مينفعش اكون معاك لوحدنا كده بدون محرم ."
ابتسم حمزه بخبث وهو يرد:
"تمام... بس متتوقعيش مني إني أفضل هادي وأنا شايف حد غيري بيدخل حياتك بسهولة."
شعرت بتوتر لم تفهم سببه... هل يمكن أن يكون غيورًا؟ أم أنها مجرد لعبة جديدة من ألعابه؟
****************
في منزل حمزه ، كانت والدته، تحاول تهدئته بعدما عاد إلى البيت غاضبًا.
"حمزه ، يا ابني، أنتَ ليه عصبي كده؟ مش كل حاجة لازم تمشي بطريقتك."
زفر بضيق، ثم قال بنبرة جافة:
"مش متعود على حد يعاملني بالشكل ده، يا أمي... هي بتتصرف كأنها مش مخطوبالي أصلاً!"
ابتسمت بحنان وربّتت على يده، قائلة:
"وإنتَ مش متعود تحب حد بالطريقة اللي بتطلبها هي، وده اللي مضايقك."
نظر إليها بدهشة، لكنه لم يعترف بشيء... لم يكن مستعدًا بعد لمواجهة هذه الحقيقة.
وفي الوقت نفسه، كانت سلمى تتحدث مع كريم، شقيق ضيّ، الذي بدا وكأنه يهتم بها أكثر مما ينبغي.
"سلمى، إنتِ مش شايفة إن أخوكي بدأ يتغير؟"
"شايفة... ومبسوطة إنه أخيرًا لقى حد يعدّل تفكيره."
ابتسم كريم ، وشعر بأن هناك شيئًا ما يتغير بداخله أيضًا... ربما هذه العلاقة لن تربط فقط بين ضيّ وحمزه ، بل بينهما أيضًا.
*****************
في اليوم التالي، وبينما كانت ضيّ تركز في عملها، جاءتها رسالة على هاتفها... رقم مجهول أرسل لها صورًا لحمزه برفقة فتاة أخرى في أحد المطاعم.
شعرت بضيق غريب، ليس لأنها تحب حمزه ، بل لأنها تكره الخداع.
لم تتردد، وذهبت مباشرة إلى مكتبه، وألقت الهاتف أمامه قائلة بحدة:
"ممكن تشرحلي ايه ده؟"
نظر إلى الصور ببرود، ثم رفع عينيه إليها قائلًا:
"وأنتِ مالك؟ مش إنتِ أصلاً مش مهتمة؟"
تراجعت خطوة للخلف، ثم قالت:
"أنا اه مش مهتمة ، بس مش هقبل أكون جزء من لعبة سخيفة."
كانت على وشك المغادرة، لكنه أمسك بذراعها، ونظر إليها نظرة لم ترها من قبل... نظرة تحمل شيئًا أشبه بالخوف.
- ضيّ، متكونيش إنتِ كمان زيهم... متحكميش عليا من اللي ظاهر بس.
لم تكن تتوقع منه هذا، ولسبب ما، شعرت بأن هناك سرًا خلف تلك الكلمات.
كانت ضيّ لا تزال واقفة أمام حمزه ، تنظر إليه بريبة بعدما قال لها تلك الكلمات الغامضة. كانت تريد أن تتجاهل كل شيء، أن تعود إلى الاتفاق بينهما، لكنها شعرت بأن هناك شيئًا آخر مخفيًّا خلف تصرفاته.
"أولاً سيب دراعي ثانياً يعني إيه متحكميش عليا من اللي ظاهر؟ مش الصور واضحة قدامي ولا انا شايفه غلط واللي في الصوره ده مش انت !"
ترك ذراعها، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يرد:
- مش كل حاجة بتتشاف بتكون الحقيقة... أحيانًا في حاجات بتتحط قدامك صدفه فتوصّلك لاستنتاج غلط.
رفعت حاجبها بسخرية:
- حميل! يعني الصور دي مش حقيقيه ؟ ومش أنتَ اللي قاعد مع البنت دي؟"
تراجع إلى الخلف، مستندًا على مكتبه وهو ينظر إليها نظرة محيرة، ثم قال ببطء:
- أنا مكنتش عايز أقولك حاجة... بس بما إنكِ شايفة نفسك قاضية وقررتِ تحكمي، يبقى لازم تعرفي... البنت دي كانت بتشتغل معايا زمان، ودي آخر مرة شوفتها فيها والكلام ده قبل مانتخطب يعني الصوره دي قديمه وانا خلاص خرجت من الدائرة دي.
لم ترد، فقط نظرت إليه مطولًا قبل أن تأخذ هاتفها، ثم قالت بهدوء:
- أنا مش مهتمة بحياتك السابقه ، بس متحاولش تخليني جزء منها.
وغادرت المكتب دون أن تمنحه فرصة للرد.
*******************
في المنزل، كانت سلمى تجلس مع والدتها تتحدثان عن ضيّ.
"ماما، أنا بحب ضيّ أوي، حقيقي حاسة إنها أختي مش بس خطيبة حمزه ."
ابتسمت برفق قائله :
"وأنا كمان يا بنتي... هي بنت كويسة، بس محتاجة وقت علشان تفهم إن حمزه مش زي ما هي فاكرة."
"بس حمزه فعلًا بيتغير، أنا شايفة ده في كل حاجة فيه، حتى لما بيكون معاها، بيبقى مختلف."
تنهدت، ثم نظرت إلى ابنتها قائلة:
"الحب مش سهل يا سلمى، واللي بينهم مش حب، دي حرب بين عقل وقلب، وكل واحد فيهم مش عايز يعترف بمشاعره."
💛💛💛💛💛💛💛💛💛💛💛
في اليوم التالي، كان الجو متوترًا في الشركه وكانت ضي تتجنب حمزه ، بينما هو كان يحاول كبح غضبه بسبب تجاهلها.
لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد. فبينما كانت ضيّ تعمل في مكتبها، دخلت عليها فتاة لم تكن تعرفها من قبل..
"إنتِ ضيّ، صح؟ خطيبة حمزه ؟" قالتها بنبرة مليئة بالتحدي.
نظرت إليها ضي ببرود، ثم قالت
"لو عندكِ حاجة تقوليها، قوليها بسرعة، لأني مش فاضية للمسرحيات."
ضحكت الفتاه بسخرية وقالت:
"أنا بس حبيت أقولك إن حمزه مش زي ما أنتِ فاكرة... ولما يزهق منك، هيرجع لي تاني."
شعرت ضي بانقباض في قلبها، لكنها لم تسمح لنفسها بإظهار أي ضعف. نهضت من مقعدها، اقتربت من الفتاة وقالت بهدوء قاتل:
"أنا مش واحدة من البنات اللي بتدخل منافسة على راجل... لو حمزه عايز يرجعلك، الباب مفتوح، بس أنا اللي هخرّجه منه الأول."
ثم أشارت نحو الباب، وقالت بحدة:
"اتفضلي برا!"
تراجعت الفتاه قليلًا، لكنها رمت نظرة أخيرة قبل أن تغادر، وكأنها تحاول زرع بذور الشك داخل ضيّ.
💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜💜
عندما علم حمزه بما حدث، غضب بشدة وذهب مباشرة إلى ضيّ كي يري ردة فعلها، لكنه تفاجأ بها تتحدث مع كريم، شقيقها، في موقف بدا ودّيًا للغاية.
شيء بداخله اشتعل مرة أخرى... لم يستطع منع نفسه من الاقتراب قائلاً بصوت هادئ لكن يحمل نبرة تحذير:
"واضح إنك كويسه مع كل الناس إلا أنا ، شكلك رايقه ا!"
استأذنها كريم وانصرف ليترك لهم المجال كي يتحدثوا فالتفتت إليه ببرود:
"وأنتَ مالك؟ مش المفروض إنك مش مهتم بحياتي؟"
زفر بضيق، ثم قال:
"أنا بس كنت بحاول أفهم... أنتِ فعلاً مش بتغيري؟ ولا بتعرفي تخبي مشاعرك كويس وتتحكمي في نفسك وغضبك وانفعالاتك "
نظرت إليه للحظة، ثم ابتسمت وقالت بنبرة ساخرة:
"يمكن عندي خبرة في التعامل مع اللي زيّك."
كانت على وشك المغادرة، لكنه أمسك بمعصمها بلطف هذه المرة، وقال بصوت منخفض:
"ضيّ، أنا مش الشخص اللي كنت تعرفيه في الأول... ومش ناوي أسمحلك تحطيني في نفس الخانة."
نظرت إليه لثوانٍ، ثم قالت:
"لتاني مره بحذرك تمسك ايدي او حتي تلمسني "
ترك يدها سريعا لتكمل حديثها قائله " لما تثبت لي ده... ساعتها هنعرف نكمل طريقنا."
وغادرت، تاركة حمزه غارقًا في أفكاره... لأول مرة في حياته، لم يكن واثقًا مما سيفعله لاحقًا.
😘😘😘😘😘😘😘😘😘😘
كانت ضيّ تجلس في غرفة مكتبها، تراجع بعض الأوراق دون تركيز حقيقي. منذ الصباح وهي تشعر بشيء غريب، وكأن هناك عاصفة قادمة لا تستطيع تحديد مصدرها.
لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى رنّ هاتفها، نظرت إلى الشاشة، فإذا به والدها.
"عايزكِ في البيت حالًا، في موضوع مهم لازم نتكلم فيه."
لم تكن نبرة والدها تحتمل النقاش أو التأجيل. أغلقت الهاتف وهي تشعر بانقباض في قلبها، هل حان الوقت لفرض سيطرته مرة أخرى؟
تركت ما بيدها من عمل وتوجهت إلي منزلها علي الفور ..
***************
في المنزل، جلست ضيّ أمام والدها، بينما حمزه يجلس على الكرسي المقابل، واضعًا إحدى قدميه فوق الأخرى، يراقب الوضع بصمت.
وضع هاني والد فنجان القهوة على الطاولة، ثم نظر إلى حمزه مباشرة وقال بجدية:
"أنا راجل واضح وصريح... مش بحب اللف والدوران. فانا اتفقت مع والدتك، وحددنا ميعاد الفرح ."
شهقت ضي بدهشة:
"إيه؟! وإمتى كنتوا ناويين تقولولي؟"
ابتسم حمزه بزاوية فمه، مستمتعًا برد فعلها، لكنه لم يتدخل بعد.
تجاهل والدها اعتراضها وأكمل بصرامة:
"الفرح بعد شهرين. ده قرار نهائي."
التفتت إلى حمزه ، وكأنها تنتظر منه أن يعترض، لكنه اكتفى بالنظر إليها بعينين ثابتتين، قبل أن يقول بهدوء:
"مفيش مشكلة من ناحيتي."
لم تستطع إخفاء غضبها، فوقفت بعصبية قائلة :
"طبعًا! إنت اللي كسبان في الصفقة دي!"
نهض حمزه هو الآخر، ثم اقترب منها قليلًا وقال بصوت منخفض:
"وأنتِ؟ مش كسبانة إنك هتبعدي عن تحكم أبوكِي؟"
نظرت إليه بحدة، لكنها لم تجد ردًا. والدها اكتفى بمراقبتهما قبل أن يقول بحزم:
"خلاص، اعتبروها صفقة، بس أهم حاجة عندي إن الموضوع يتم من غير مشاكل."
أدركت ضي أن لا مفر، فجلست ببطء وهي تشعر بأن حياتها تُحسم في لحظة واحدة دون أن تكون لها الكلمة الأخيرة فيها.
****************
في منزل حمزه ، كانت والدته سعيدة للغاية بالخبر، احتضنت سلمى قائلة بحماس:
" أخيرًا حمزه هيتجوز! أنا مش مصدقة نفسي!"
ضحكت سلمي وهي تقول بمكر:
"بس ضيّ اكيد زمانها مش سعيدة أوي بالخبر ده !"
زجرتها والدتها مازحة:
"متغلطيش في مرات أخوكِ! دي بنت طيبة، وأنا متأكدة إنها هتحب حمزه مع الوقت."
في تلك اللحظة، دخل حمزه إلى المنزل، فركضت والدته نحوه بحماس:
" حمزه ! مبروك يا حبيبي! أنا فرحانالك أوي!"
- عرفتي منين يا أمي
- أم ضي لسه قافله معايا وقالتلي
ضحك وأمسك بيدها، مقبلًا جبينها بلطف:
"المهم إن إنتِ فرحانة يا أمي."
☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️
في المساء، وبينما كانت ضيّ في شرفتها، تفكر في كل ما حدث، سمعت صوت رسالة على هاتفها. فتحتها لتجد رسالة من حمزه
"مبروك يا عروسة... بس ياريت تنسي شروطك، مش عايز مشاكل ليلة الفرح 😉."
زفرت بضيق، ثم أرسلت له ردًا ساخرًا:
" أوعى تنسى انت إن الجواز مش هيخليك تفرض سيطرتك عليّ."
ردّ بعد لحظات:
"وأنتِي اوعي تنسي إن الجواز هيخلينا سوا طول الوقت... ساعتها هنشوف مين فينا الأقوى 😉."
وضعت الهاتف جانبًا وهي تشعر بمزيج من التوتر والإثارة... يبدو أن الشهرين القادمين سيكونان مليئين بالمفاجآت.
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
في مكتب هاني، والد ضيّ، جلس حمزه بكل ثقة، ساق فوق الأخرى، وابتسامة خفيفة تعلو وجهه. أمامه، لكن هاني كان يجلس بشرود، يدخن سيجاره الفاخر وينظر إليه نظرة متفحصة.
"أنا شايف إن مفيش داعي نستنى لحد الفرح عشان نكتب الكتاب."
كلمات حمزه نزلت كالصاعقة على والد ضيّ. رفع حاجبه ببطء، ثم قال ببرود:
"وإيه اللي مخليك مستعجل اوي كده ؟"
ألقى نظرة سريعة أمامه، ثم عاد لينظر إليه بثبات:
"بصراحة، مش عايز كل مرة أخرج مع ضيّ ألاقيها بتتحجج وتعتذر. طالما اتفقنا على الجواز، يبقى نكتب الكتاب ونرتاح."
ضحك هاني ضحكة خفيفة، لكنها كانت تحمل بعض الريبة، ثم انحنى للأمام قائلًا:
"وأنتَ متأكد إن ده السبب الوحيد؟"
لم يرد حمزه مباشرة، بل اكتفى برفع كوب القهوة إلى شفتيه، رشفة طويلة قبل أن يقول:
"مش ده المهم، المهم إن ده هيبقى وضع مريح لينا كلنا، وأنا واثق إنك مش معترض."
نظر إليه هاني مطولًا، ثم قال ببطء:
"أنا هكلم ضيّ الأول، ولو وافقت، يبقى ما عنديش مانع."
رفع حاجبه في دهشة، لم يكن يتوقع أن يترك القرار لضيّ، لكنه ابتسم بثقة وقال:
"أنا واثق إنها هتوافق."
♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️
في المنزل، استدعاها والدها إلى مكتبه، كانت تشعر بأن هناك أمرًا غير عادي من نبرة صوته الجادة. جلست أمامه بترقب، فبادرها قائلًا:
"حمزه طلب يكتب الكتاب دلوقتي بدل ما نستنى للفرح."
شهقت بصدمة قائله: "إيه؟! ليه؟!"
أمال هاني ظهره على الكرسي، يراقب ردة فعلها:
"بيقول عشان يخرج معاكِ براحة من غير حجج وأعذار ويتعرف عليكي اكتر.."
رمشت ضي أكثر من مرة، غير قادرة على استيعاب الفكرة، ثم قالت بعناد:
"هو مشكلته يعني الأعذار! انا مش مضطرة أخرج معاه أصلًا!"
تنهد هاني بضيق:
"يا ضيّ، خلينا واقعيين... أنتم مخطوبين، وبيشتغل معاكِ في نفس الشركة، والناس كلها شايفة ده وعارفين أنكم خلاص قربتوا تتجوزوا... إيه المشكلة لو كتبنا الكتاب؟"
كانت ضي تعلم أن هذا الطلب ليس مجرد وسيلة للخروج معها بحرية، بل خطوة تجعلها أكثر ارتباطًا به... وهو شيء لم تكن مستعدة له بعد.
"أنا... محتاجة أفكر."
هز هاني رأسه بالموافقة، لكنه قال بلهجة تحذيرية:
"متطوليش... مش عايزين مشاكل ولا وجع دماغ ."
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
في صباح اليوم التالي، وجدت ضيّ حمزه ينتظرها أمام الشركة، مستندًا إلى أحد الأعمده ، يعقد ذراعيه فوق صدره بابتسامة انتصار واضحة.
"واضح إن هاني بيه قالك على طلبي."
عقدت حاجبيها وقالت بحدة:
"بقي السبب الحقيقي اللي مخليك مستعجل هو انك عايز خرج معايا براحتك؟"
ضحك حمزه بخفة، ثم قال وهو يميل برأسه قليلًا:
"حقيقي ده جزء من الموضوع... بس في سبب تاني."
ضيقت عينيها بريبة متسائله "وهو؟"
اقترب قليلًا وهمس:
"أنا مش ناوي أسيب لكِ فرصة للهروب، يا ضيّ."
شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدها، لكنها تماسكت بسرعة وقالت بسخرية:
"وأنتَ فاكر إن الجواز هيخليني أغير رأيي فيك؟"
ابتسم بثقة وقال:
"خلينا نكتب الكتاب ونشوف."
زفرت بضيق، وهي تدرك أن الأمور تزداد تعقيدًا، وأن حمزه ووالدها لن يتركوا لها مساحة للرفض بسهولة.
🪻🪻🪻🪻🪻🪻🪻🪻🪻🪻🪻
مرت ليلة طويلة على ضيّ، وهي تفكر في طلب حمزه لم تكن المشكلة في فكرة الزواج بحد ذاتها، بل في تسارع الأمور وكيفية فرض الواقع عليها. لم تكن تشعر بعد بأي مشاعر تجاهه، وكان الاتفاق بينهما واضحًا... أو هكذا ظنت.
في صباح اليوم التالي، جلست مع والدها في مكتبه، عيناها تحملان إصرارًا واضحًا وهي تقول بحزم:
"موافقة... بس بشروطي."
رفع هاني حاجبه مستفسرًا: "شروط؟"
عقدت ذراعيها وقالت بثقة:
"أه أولا، العلاقة هتفضل زي ما هي... لا لمسات، ولا خروج لوحدنا، و لا سلام بالأيد ولا أي حاجة توحي إننا متجوزين ."
ضحك هاني بسخرية: "إيه الجواز ده؟!"
تجاهلت ضي سخريته وأكملت: "ثانيًا، أنا مش هسيب شغلي، كل واحد لُه حياته."
هز رأسه مفكرًا، ثم قال: "وأنتِ متوقعة إن حمزه هيوافق على ده؟"
رفعت كتفيها بلامبالاة: " براحته بقي دي مشكلته مش مشكلتي."
💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚
كان حمزه يجلس في مكتب هاني الذي كان يتفحص بعض الملفات. رفع عينيه إلى حمزه وابلغه بشروط ضيّ، فانفجر حمزه ضاحكًا:
"بجد؟ بنتك دي شايفة نفسها قوي!"
اكتفى هاني بهز كتفيه، بينما أكمل حمزه بنبرة ساخرة:
"هي عايزاني ابقي زوج على الورق؟!"
لكنه لم يكن من النوع الذي يتراجع، بل رأى في ذلك تحديًا جديدًا... تحديًا لا بد أن يفوز به.
"ماشي يا ضيّ، هنشوف مين اللي هيمشي كلمته في الآخر."
_ وأنا موافق
الفصل الثامن .. بين القبول والرفض
___________
تم تحديد موعد لكتب الكتاب في جلسة في منزل والد ضيّ ..
كانت الفيلا مضاءة بأضواء دافئة، تملأها أجواء الاحتفال البسيط، حيث اجتمعت العائلتان لكتابة عقد القران بين ضيّ وحمزه. الجميع كان متحمسًا، إلا طرفًا واحدًا... العروس نفسها.
كانت في غرفتها بالأعلى، تحدّق في المرآة بتوتر.
كانت ترتدي فستانًا أبيض ناعمًا، طويلًا بأكمام من الشيفون المطرّز، ينساب برقة على جسدها كأنه خُلق لها. شعرها الطويل المموج الذي تتراقص خصلاته بنعومة، لم تتركه ينسدل بحرية كعادتها بالمنزل وانما اخفته تحت حجابها ، بينما زينت وجهها بلمسات خفيفة من المكياج، زادت ملامحها إشراقًا. بدت وكأنها ملاك خرج من لوحة فنية، رقيقة، ساحرة، تخطف الأنفاس.
لكنها كانت خائفة... خائفة من تلك الخطوة التي ستربطها بحمزه رسميًا. صحيح أنهما اتفقا على أن يكون كل شيء مجرد اتفاق بينهما ، لكن هل سيظل الأمر كما هو بعد عقد القران؟!
"يا ترى لما أنزل... هبقى زوجة حمزه فعلاً؟"
🪻🪻🪻🪻🪻🪻🪻🪻🪻🪻🪻
في الأسفل، كان حمزه يقف ببدلته الكحلية الأنيقة، يبدو أكثر جاذبية من المعتاد، لكن عينيه كانتا تتفقدان الدرج بترقب. لم يكن يعرف لماذا، لكنه كان متحمسًا لرؤية ضيّ.
وفجأة... ظهر طيفها أعلى الدرج.
كأن الزمن توقف... كل شيء من حوله تلاشى، لم يبقَ أحد سواها
كانت تمشي ببطء، فستانها يتمايل مع خطواتها، وعيناها الحائرتان زادتاها جمالًا، شعر وكأنها فراشة بيضاء هبطت من السماء، ملاك يتجسد أمامه.
"مستحيل تكون دي نفس ضيّ العنيدة اللي كنت بتخانق معاها!"
لم يدرك أنه كان يحدق بها بذهول حتى همست سلمي بجانبه ضاحكة:
"حمزه ، اقفل بقك!"
رمقها بنظرة جانبية، ثم تمتم: "دي... هتبقي مراتي؟!"
ضحكت سلمي بينما جلس الجميع استعدادًا لعقد القران
⚠️⚠️⚠️⚠️⚠️⚠️⚠️⚠️⚠️⚠️⚠️⚠️
كانت والدة حمزه ، متحمسة بشدة، ولم تفارق يدها يد ضيّ، تربت عليها بحنان وكأنها ابنتها بالفعل. أما سلمي، فكانت تهمس في أذن ضيّ بحماس:
- ما شاء الله عروستنا قمر! بس ليه مكشرة؟!
همست ضي بحدة: "مش وقت هزار يا سلمي!"
' طب ما تحاولي تبقي مبسوطة شوية، أصل حمزه مش قليل بردو ولا وحش زي ما انتي مفكره والله... وأظن إنك بدأتِ تلاحظي ده.
زفرت بضيق، لكن حديث سلمي جعل عقلها يعمل... هل كانت مخطئة في الحكم عليه؟
على الجانب الآخر، كان كريم، شقيق ضيّ، يراقب سلمي بابتسامة خفيفة، مستمتعًا بعفويتها، بينما محمود بدا غير مرتاح، خاصة وهو يرى حمزه يجلس بثقة وكأنه امتلك المكان.
جلس المأذون، بعد ان تبادلت العائلتان التهاني، حتى جاء وقت السؤال المنتظر...
"هل تقبلين الزواج من حمزه عبد الله محمد على سنة الله ورسوله؟"
شعرت ضيّ بجفاف في حلقها، حدقت في عيون والدها الذي كان ينظر إليها بصرامة، ثم في عيون والدتها القلقة، قبل أن تستقر عيناها على حمزه ... الذي كان ينظر إليها بابتسامة ماكرة، وكأنه يعرف جيدًا ما يدور في رأسها.
ثم قالت بصوت ثابت رغم اضطرابها الداخلي: " قبلت."
ابتسم حمزه وهو يوقع على الأوراق، بينما همس لها وهو يميل برأسه قليلًا:
"على الورق بس، صح؟"
رمقته بنظرة نارية، بينما ابتسامته ازدادت اتساعًا فأكمل المأذون الاجراءات وانتهوا من عقد القران وبعد انتهاء الحفله ، استعدت ضيّ للصعود إلى غرفتها، لكنها تفاجأت بحمزه يسير بجانبها، ثم همس بمكر:
"تعالي، نتمشى شوية."
توقفت فجأة، نظرت إليه بحدة: ثم قالت ببرود: "مش هخرج معاك لوحدي."
رفع حاجبه بتحدٍّ: "طب هو مش احنا كتبنا الكتاب؟"
"آه، بس الاتفاق لسه قائم مفيش خروج مع بعض "
ضحك بخفة: " بس إحنا خلاص بقينا متجوزين، المفروض دلوقت تسمعي كلامي خلاص معتش في حجج ولا اعذار ولا تقوليلي حرام !"
وضعت يدها في خصرها بتحدٍّ: "جواز على الورق... فاكر؟"
تنهد دراميًا: " ماشي ياضي بس بوعدك اني هخليكي ... يوم ورا يوم، تبدأي تسيبي الحواجز دي، ووقتها أنا اللي هضحك."
رفعت حاجبها بسخرية: "جرب وحاول!"
ابتسم بمكر قائلاً : "هنشوف."
ثم فجأة، خطف الهاتف من يدها وابتعد ثم ، رفع حاجبه بمكر قائلاً : "لو عايزة تاخديه ، تعالي خديه."
ضيّقت عينيها، ثم زفرت بضيق وهي تتوجه نحو غرفتها بالأعلى، غير مهتمة باستفزازه قائله " خليهولك "
لكنها لم تكن تعلم أن حمزه لن يتركها بهذه السهولة.
⛔️⛔️⛔️⛔️⛔️⛔️⛔️⛔️⛔️⛔️⛔️
بينما كان الجميع مشغولًا بتلقي التهاني، خرجت سلمي إلى حديقة الفيلا لتستنشق بعض الهواء. كانت تشعر بسعادة لأجل ضيّ وحمزه ، لكن عقلها كان مشغولًا بشيء آخر... أو بالأحرى بشخص آخر.
وفجأة، سمعت صوتًا خلفها: "واضح إنك بتحبي الهدوء."
استدارت لتجد كريم يقف هناك، يبتسم بثقة، يضع يديه في جيبيه.
"أنت بتراقبني؟" سألته وهي ترفع حاجبها.
ضحك كريم: "ممكن نقول بلاحظ، في فرق، صح؟"
ابتسمت بخجل فضيّق عينيه، ثم اقترب خطوة وهو يقول بمكر: " عايزاني اراقبك ولا ايه ؟"
احمر وجهها، فلوّحت له بيدها وهي تغادر قائلة: ده أنت شخص مزعج!
ضحك كريم، وهو يراقبها تختفي داخل الفيلا، وكأن الفكرة بدأت تتسلل إلى ذهنه... ربما عليه أن يقترب منها أكثر.
⚪️⚪️⚪️⚪️⚪️⚪️⚪️⚪️⚪️⚪️⚪️⚪️⚪️
دخلت ضيّ إلى غرفتها وأغلقت الباب، كانت تهم بخلع حجابها وهي تفكر بما حدث و قبل أن تستوعب ما حدث بالأسفل منذ قليل ، وجدت الباب يُفتح وحمزه يدخل بكل ثقة، مستندًا إلى الحائط وهو يبتسم بكسل.
"أنتَ بتعمل إيه هنا؟!"
أغلق الباب خلفه، تقدم نحوها ببطء، ثم قال بصوت هادئ:
"مش المفروض نبقى مع بعض دلوقتي نخرج نقعد مع بعض في مكان او نتمشي شويه ولو مش عايزه نخرج خالص معنديش مشكله نقعد مع بعض هنا ؟"
شعرت بقلبها ينبض بقوة، تراجعت للخلف، لكنها اصطدمت بطاولة صغيرة، مما جعله يقترب أكثر.
"حمزه... إحنا متفقين!"
ضحك بخفة وهو يمد يده ويسحب خصله من شعرها قد تمردت وظهرت من أسفل حجابها ثم عبث بخصلة شعرها قائلاً : "عارف، بس عادي، جربي تشيلي الحواجز دي وتقعدي معايا جربي ياضي جربي تقربي .. جربي تعرفيني .. حاولي صدقيني مش هتخسري ."
دفعت يده بغضب، لكن قبل أن تنطق، وجدته يمسك بيدها ويقربها منه، ثم همس لها بمكر:
"متخافيش كده انا مش هعمل حاجة، بس... كنت عايز أشوف مراتي عن قرب."
نظرت إليه بحذر، لكنها لم تستطع إنكار أن نظراته كانت مختلفة الليلة... لم تكن نظرات الرجل الذي وافقت على الزواج منه باتفاق، بل نظرات رجل بدأ يرى فيها شيئًا آخر.
"هتفضلي تبصيلي كده؟" قالها ضاحكًا وهو يقترب أكثر.
وضعت يدها على صدره كي تبعده قائله "حمزه، اطلع بره."
ابتسم وهو يرفع يديه باستسلام: "حاضر، بس متأكدة إنك مش بتتكسفي ولا بتخافي ؟"
احمر وجهها، وقبل أن ترد، كان قد خرج وهو يضحك، تاركًا إياها واقفة في منتصف الغرفة، تضع يدها على قلبها الذي ينبض بقوة، وعقلها الذي لا يكف عن التفكير...
"أنا في ورطة فعلاً !"
👑👑👑👑👑👑👑👑👑👑👑👑
مرت الأيام، ومع كل موقف، بدأ حمزه يرى جانبًا مختلفًا من ضيّ. التزامها بالصلاة، طريقة تعاملها مع الناس، حنانها على والدته وأخته، وحتى مشاحناتها المستمرة معه... كلها أشياء جعلته يفكر أكثر.
لم يكن يتوقع أن ينجذب لفتاة مثلها، لكنها بدأت تسيطر على تفكيره دون أن يشعر.
أما هي، فكانت ترى جانبه الآخر... كيف أنه رغم غروره، كان يحمل بعض الطيبة التي لم تتوقعها.
لكن ما لم يعلمه أي منهما... هو أن هناك من يراقبهما، ويخطط للإيقاع بينهما.
💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
في مساء يوم ما ، في أحد الكافيهات الهادئة في أحد الاحياء الراقيه بالقاهره الازدحام بدأ يقل والجو أصبح باردًا.
كان حمزة جالسًا في الزاوية البعيدة ، مغمض العينين، يحاول ترتيب أفكاره بعد يوم طويل. عينيه كانت تائهة، تراقب الناس من بعيد، لكن فكره كان شاردًا في مكان آخر.
بينما هو غارق في أفكاره، فجأة سمع صوت حذاء خفيف على الأرض قطع تفكيره...
نظر باتجاه الصوت فإذا به يرى ضي وهي تدخل ، مع بعض صديقاتها
همس في نفسه قائلاً :
"هي هنا غير ما اعرف ازاي ؟ انا جوزها ومن حقي اعرف بتروح فين ومع مين وامته كمان ؟! "
لم يكن يريد أن يلفت نظرها إليه حتي لا يتسبب باحراج لنفسه امام الجميع ، فظلّ في مكانه، لكن نظراته كانت لا إراديًا تتابعها، مع أنه لم يستطع أن يصدّق أنه من يجد نفسه في هذا المكان مع ضي، في هذه اللحظة.
اما هي فكانت مشغولة في حديث مع أصدقائها، لكن فجأة، عيناها التقتا بعينيه. قلبها ارتجف، وانفصلت عن محيطها للحظة ثم انتبهت لنفسها وابعدت نظرها عنه بخجل حتي لا يرهما احد اخر
شعر حمزه بشيء من التوتر في داخله. ما كان يتوقع أن يراها هنا، واللحظة كانت مفاجئة بالنسبة له. لكنه سرعان ما أتى بتعبير هادئ على وجهه.
🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼
بعد اللقاء غير المتوقع، مشي حمزه في شوارع المدينة وكانت خطواته خفيفة ، كان غارقًا في أفكاره، قلبه يعج بمشاعر كثيرة، لكنه لم يستطع أن يترجمها بالكلمات.
تحرك في نفسه، وهو يتحرك بهدوء
"هي مش زي باقي البنات. لما بصيت في عيونها، حسيت إن في حاجة بتشدني ليها، بس مش زي ما كنت فاكر. ده مش مجرد إعجاب. ده حاجة أكبر من كده."
عاد إلى منزله ، جلس على الكرسي القديم، وفتح المصحف الذي بدأ يقرأ فيه منذ فترة. لكن اليوم كان يقرأ بشكل مختلف، كأن الكلمات تصل إلى قلبه أكثر من أي وقت مضى.
كان يقرأ آيه مقربه لقلبه
"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ..."
شعر بشيء مختلف داخل قلبه هذه المره كانت الآية توصل بطريقة مميزة، وكأنها تأتي في الوقت المناسب.
تحدث بصوت خافت، وهو يحاول تصديق ما يشعر به
"يا رب، أنا مش زيهم، بس عايز أكون زيهم. زي الناس القريبه منك اللي بتخافك، يارب لو قربي من ضيّ صح وفيه خير لينا .. خليني أمشي فيه للآخر ."
شعر بسكون داخلي، رغم أنه لم يكن يعرف إلى أين سيأخذه هذا الطريق، لكنه كان مستعدًا للمضي فيه بصدق.
هذه المرة، حمزة لم يبدأ التغيير فقط... بل شعر أنه بدأ يعرف نفسه أكثر، وأنه قد يكون في البداية، لكن قلبه أصبح مستعدًا للخطوة القادمة.
💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
في اليوم التالي، كانت الشركة تغرق في هدوء مألوف. رنين الهواتف، طقطقة الكيبورد، وهمسات الموظفين... كل شيء يسير كما يجب، إلا قلب "حمزة".
جاء مبكرًا، للمرة الأولى منذ أن بدأ عمله هناك.
وقف أمام المصعد للحظات، يتظاهر بأنه ينتظر، لكن عينيه كانت تبحث عنها.
ثم رآها.
... واقفة عند مكتب الاستقبال، تتحدث مع إحدى الموظفات، والابتسامة لا تفارق وجهها لكنها لم تكن مجرد ابتسامة هذه المرة.
كانت تحمل شيئًا دافئًا... مألوفًا... شيئًا يتسلل إلى قلبه دون إذن.
اقترب بخطى مترددة، توقف على بُعد خطوات، ثم قال بنبرة حاول أن يُخفي بها ارتباكه:
"جايه يعني بدري ؟ واخدة الشغل جد أوي انتي ."
ضي بابتسامة صغيره مصطعنه امام الموظفه ونبرة هادئة
"مش أكتر منك... جاي بدري لأول مرة، ايه جاي تفاجأني ولا ايه "
حاول أن يبتسم ، لكن كان صوته مكسور
"لا... دي مجرد صدفة قررت أبدأ يومي بشكل مختلف."
رفعت حاجبها، وبنظرة فيها تساؤل قالت
"شكل مختلف... ولا نية مختلفة؟"
سكت لثوانٍ. عيناه تهربان منها، كأنها تقرأ ما بداخله.
اجابها بصوت منخفض وهو ينظر بعيدًا
"أنا؟ لا... أنا زي ما أنا مفيش حاجة اتغيّرت."
حدّقت في عينيه بثبات
" بس نظرة عينك بتكذّب كلامك.... عن اذنك "
توقف الزمن للحظة. هو لم يتوقع ذلك. ارتبك وكل ما حاول اخفاؤه، ظهر في نظرة واحدة منها.
تراجع خطوة، وحاول ان يخفي ارتباكه ، ذهب خلفها وهو يقول
"مفيش حاجة... وبلاش تفكري إني... اتأثرت ولا حاجة."
ابتسمت بخفة وهي تستدير
_أنا ما فكرتش كده... بس يا حمزة، التغيير مش عيب.
العيب إننا نخاف من النور ونتحجج بإنه ممكن يعمينا ... فنرجع تاني للضلمه ."
رحلت بخطوات واثقة، وتركت خلفها صمتًا أثقل من الكلام.
أما هو، فظل واقفًا مكانه. نظراته تتبعها، وقلبه ينبض بجنون.
كلماتها لم تغادر أذنه، بل استقرت في عمق قلبه، تشتعل شيئًا فشيئًا.
" العيب إننا نخاف من النور ونتحجج بإنه ممكن يعمينا ... فنرجع تاني للضلمه ."
جملة لم تكن مجرد كلمات، بل كانت بداية مواجهة حقيقية مع نفسه.
حدث نفسه قائلا " فعلا العيب اننا نرجع للضلمه بحجة ان النور ممكن يعمينا "
💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚
انتهى وقت العمل، وكانت الشمس قد اوشكت على الغروب، تلوّنت السماء بدرجاتٍ دافئة من البرتقالي والوردي، كأنها لوحة هادئة ترسمها السماء في وداع اليوم.
دخلت ضي المسجد القريب من الشركة، خلعت حذاءها عند الباب، وسارت بخطواتٍ ناعمة على السجادة المخملية، تحملها بهدوءٍ ظاهر، لكن قلبها كان مثقلاً بما لا يُقال.
وقفت في الصف الأول، والسكون يملأ المكان، لا يُسمع فيه سوى صوت خافت لآياتٍ تُتلى من أحد أركان المسجد، كان هناك من يتلو كتاب الله بصوتٍ يملأ الزوايا خشوعًا.
جلست ضي بهدوء، وأخرجت مصحفها الصغير الذي لا تفارقها صحبته، أخذت تقلبت صفحاته ثم توقّفت فجأه ..
مرّ حمزة في خاطرها، كطيفٍ عابر، لكن قلبها لم يضطرب.
كانت السكينة في تلك اللحظة أعمق من أي صوتٍ داخلي، أقوى من كل ما يُقال وما لا يُقال.
فارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة ؛ اغلقت المصحف وهي تدعو بهمس قائله
"يا رب... لو لينا خير في بعض ، قرّبنا من بعض على طاعتك. ولو لا... خلّي قلبي راضي، ومش متعلق بغير رضاك."
سجدت، وسمحت لدمعة أن تنحدر بهدوء، لم تكن دمعة حزن، بل كانت دمعة راحة، كأنها وضعت قلبها بين يدي الله واستراحت.
شعرت حينها بالأمان، بالألفة، بالسكينة التي لا تشبه أي شيء آخر، وكأن كل شيء خارج المسجد لا يعنيها كأنّ طل شئ بالمسجد يمسّ قلبها ويربّت عليه بلطفٍ إلهي.
قامت من سجادتها، وصلت ركعتين، ثم بقيت جالسة في مكانها، تنظر إلى السماء من خلال النافذه ثم تركت زمم امورها بيد خالقها واخذت تقرأ بعض آيات من القرآن ..
💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚
خرجت ضي من المسجد بخطى واثقة هادئة، والسماء ما تزال تتوشّح بضياء الغروب، كأنّ الشمس تمسح على قلوب العابرين وهي تداعب أطراف السماء قبل أن تغيب.
كان وجهها مطمئنًا، وملامحها يعلوها صفاءٌ نادر، وعيناها تحملان بقايا دمعة خاشعة لم تجف بعد.
في الجهة المقابلة من الطريق، كان حمزة واقفًا يمسك بسيجارة لم يُشعلها، وكأنه نسي لماذا أخرجها.
كان شارداً، يتأمل وجوه الناس دون أن يراها حقًا، تائهًا في دوامة من التفكير لا يعلم أولها من آخرها.
وحين رأى ضي تخرج من باب المسجد، توقف الزمن في عينيه.
لم يتحرك.
لم يتكلّم.
كانت تمشي بهدوء، وعباءة الصلاة البيضاء ما تزال تلفّها كغيمة، وطرحتها تنسدل بنعومة على كتفيها.
رآها تبتسم لنفسها، فشعر بشيء يتحرّك داخله، شيء لم يعرفه من قبل.
همس لنفسه قائلاً
"هي بتضحك لمين كده؟"
اقترب خطوتين، دون وعي، ثم توقّف. لم يُرد أن تقطع خطواته نور المشهد أمامه.
نظرت ضي للحظة نحو السماء، وكأنها تشكرها، ثم أعادت بصرها للأمام وأكملت طريقها دون ان تراه.
أما هو، فكان قلبه ينبض بشيء جديد، شيء لم يعرف له اسمًا بعد.
رفع رأسه، ونظر نحو السماء ذاتها التي نظرت إليها قبل لحظات، ثم تمتم بصوت بالكاد يسمعه:
"يا رب... مش عايز غير انك تقبل دعوتي يارب علّمني أحبك زي ما هي بتحبك."
لم يدرك ما الذي تغيّر فيه تلك اللحظة، لكنه شعر أنّ قلبه اهتز وأنّ شيئًا ما بداخله استيقظ بعد نومٍ طويل، وأنّ رؤيته لها وهي تخرج من بيت الله، كانت كأنّ الله يمدّ له يدًا خفية، يقول له بها: "اقترب."
ظلّ واقفًا مكانه، يراقبها تبتعد.
لكنّه لم يكن كما كان قبل أن يراها.
♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️
وفي يوم ما ذهب حمزه إلي منزلها كي يصطحبها معه لشراء بعض الأشياء لمنزلهم فأخبرته الخادمه انها بغرفته تقرأ الكتب وكانت ستصعد إليها بكوب من العصير فأخذه منها وصعد إليها ..
كانت ضيّ تجلس علي الأريكه في غرفتها، تقرأ بكتاب عندما سمعت الباب يُفتح دون إذن. استدارت ، لتجد حمزه يدخل بكل ثقة، مستندًا إلى الحائط، وعيناه تلمعان بمكر.
"حمزه انت ازاي تدخل عليا من غير ما تخبط او تستأذن ؟!"
رفع حاجبه، وكأنه يستغرب سؤالها: "مش المفروض إنكِ مراتي دلوقتي؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها، تحاول التظاهر بالثبات:
- يوووووه ، حمزه إحنا متفقين، علاقتنا هتفضل زي ما هي ."
ابتسم وهو يتقدم ببطء: "عارف... بس ده ما يمنعش إني عندي حقوق، صح؟"
تراجعت للخلف، قلبها ينبض بسرعة، لكنها قالت بثبات: "حمزه، مش هسمحلك تتخطى حدودك."
رفع يده بهدوء، ثم قال بصوت منخفض: "مش هعمل حاجة،... أنا بس عايز أشوف حاجة."
نظرت إليه بريبة، لكنه فجأة رفع يده ببطء، وأمسك بطرف حجابها، مما جعل أنفاسها تتسارع.
"حمزه... لا!"
لكنه لم يستمع... وبحركة خفيفة، ترك حجابها ينزلق عن رأسها، ليكشف عن جمال أخاذ، لم يكن مستعدًا له ولم ينتبه له المره الماضيه ..
ما إن وقع نظره على شعرها، حتى شعر وكأنه انفصل عن العالم، وكأن الزمن توقف...
شعرها كان طويلًا جدًا، يتدلى في خصلات متموجة ثقيلة، لونه بني ممزوج بخصلات ذهبية، عكس ضوء الغرفة بطريقة ساحرة.
بشرتها البيضاء الناعمة بدت أكثر إشراقًا، خدودها المتوردة، شفتيها الحمراء كحبات الكرز، رموشها الكثيفة التي زادت من سحر عينيها الزرقاوتين... كل شيء فيها كان أشبه بلوحة فنية، مرسومة بدقة متناهية.
شعر وكأنه يراها لأول مرة... أو ربما يراها بعين أخرى.
"إزاي ما كنتش شايف الجمال ده قبل كده؟!"
كان مأخوذًا، منبهرًا... وقبل أن يدرك ما يفعله، كان قد اقترب أكثر، ورفع يده ليمرر أصابعه ببطء بين خصلات شعرها الناعمة.
"شعركِ تحفة وانتي قمر .." همس بها دون وعي، وعيناه لا تفارق تفاصيلها.
في لحظة ضعف، وكأن عقله توقف تمامًا، انحنى ببطء، يقترب من شفتيها دون تفكير...
لم يكن يدرك ما يفعله، فقط كان منجذبًا، مشدوهًا بجمالها، حتى لم يشعر بنفسه وهو يلامس شفتيها في قبلة خفيفة... خاطفة، لكنها كافية لتشعل جسدها رعشة لم تعهدها من قبل.
عيناها اتسعتا بصدمة، بينما شعرت بدمائها تغلي، ليعود عقلها إلى العمل فورًا...
"حمزه !"
وبدون تفكير، رفعت يدها وصفعته بقوة، صفعة جعلته يعود إلى وعيه في لحظة.
شهق حمزه ، ورفع يده يلمس موضع الصفعة، بينما عينيه متسعتان بصدمة.
اما هي فكانت تلهث، تضع يدها على شفتيها وكأنها لا تصدق ما حدث، عيناها امتلأت بالغضب والخجل معًا، قبل أن تصرخ
"إزاي تجرؤ تعمل كده؟! أنتَ فاكر إنك عشان كتبنا الكتاب يبقى لك الحق تعمل اي حاجه عايزها؟!"
كان لا يزال تحت تأثير القبلة، ابتسم وهو يفرك خده: "طيب ممكن نقول إن دي ضريبة جمالك!"
كادت أن تنفجر، قبضت يديها بشدة وهي تقول: "أنتَ مستفز !"
ضحك حمزه بخفة، لكنه سرعان ما اقترب منها، وعيناه تلمعان بجدية هذه المرة:
"ضيّ... أنا آسف، والله ما كنت اقصد... بس..." تردد للحظة، ثم أكمل بصوت هادئ: "إنتِ فعلاً خطفتيني."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقلبها يضرب بعنف داخل صدرها، لكنها حاولت أن تحافظ على مظهرها القوي وهي تقول بحزم:
"أنا مش لعبة في إيدك، فاهم؟ المرة دي عدت، بس لو فكرت تكررتها تاني... هتندم."
ابتسم حمزه بمكر، ثم انحنى وهمس لها:
"تفتكري هقدر أوعدك بحاجه زي دي ؟"
ثم غادر الغرفة، تاركًا ضيّ واقفة في مكانها، تشعر بأن حياتها لن تعود كما كانت أبدًا بعد هذه اللحظه.
