رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل السابع والثلاثون 37 والثامن والثلاثون 38 بقلم زهره اللافندر
ترفع رأسها من بين احضان تقي عن سماعها صوت شادي يقول:
"انا اتصلت بهشام صاحبي وبيدور عليه في الأقسام والمستشفيات وهو وعدني انه هيلاقيه ...."
تقول ببكاء :
"محدش هيلاقيه ..يوسف اختار يبعد ..انا السبب ..."
يامن مهدئا اياها:
"ماتحمليش نفسك ذنب ..تلاقيه راح هنا ولا هنا ..هو بس يفتح تليفونه وهنوصله ..."
عامر بهدوء:
"طيب انتو سألتوا معارفوا واصحابه يمكن يكون عند حد منهم ..."
للحظات تتذكر شيئا ما لتقول بلهفة :
"نانسي ؟؟؟؟...انتو سألتوا نانسي ..اكيد تعرف مكانه......"
فتلاحظ نظرات يامن وشادي المبهمة لبعضهما ليقول شادي :"نانسي!!!!!....هو يوسف مقالكيش ......"
فتقف مواجهه له بوجه احمر من شدة البكاء:
"هو لسه متجوزها صح ؟؟..هو ممكن يكون عندها مش كدة...."
شادي بحزن ظاهر :"نانسي للاسف .....ماتت وهي بتولد ابن يوسف ........"
صفعة ..صدمة...لم تشعر بحالها الا وهي مسنده بين ذراع احدهم بسبب الدوار الذي اصابها عند سماع كلمات شادي ...
وتسمع صراخ ملك التي لم تتوقف عن البكاء عند رؤيتها وهي تسقط ...تمالكت نفسها حتي لا تفقد وعيها ....
تقول بصوت مبحوح من كثرة النحيب:
"ماتت ؟!!!!!!......"
فتسمع يامن يكمل :
"ولادتها كانت متعثرة ولدت في السابع ..."
لتسأل غزل بفضول :"وابن يوسف؟؟؟..."
تسمع شادي يجيب بتأثر :"الولد كان مشوه وبعدها بيومين مات ...ساعتها يوسف قال "حق غزل رجعلها اعتبر ان ده قصاص ربنا منه...."
غزل لاتستطع استيعاب ماسمعته للتو ..تذكرت عندما أخبرته انها تريد الانتقام منه وقتها سألها لما لم تسأله عن نانسي ؟!...كان يريد أخبارها ان الله انتقم منه ابشع انتقام ...
....
............
مستلقية بإرهاق فوق الأريكة ...يحاول الكل بث الطمأنينة بقلبها رغم فقدهم لها لقد بحثوا في كل الأماكن التي يمكن ان يلجأ لها ...تحاول استرجاع ذاكرتها للمرة الخمسون تراجع حياتها معه لحظة بلحظة منذ ان رأته للمرة الاولي بالطريق ..
ولكنها تفشل كل مرة لعدم تركيزها وقلة تناولها للطعام وأدويتها التي اهملت في الفترة الاخير من تناولها ظننا منها انها أصبحت افضل بدونها ...
تحت قدميها تفترش بيسان رسوماتها وأقلام تلوينها مع غزل الصغيرة ابنة ملك ..
علمت من الجميع مدى تعلق يوسف بابنة اخته وكيف كان يمطرها بهداياه رغم القطيعة التي حدثت بينهم اثناء اختفائها ..تسمع بيسان تحدث ابنة عمتها تقول بنعومة :
"انا رسمتي احسن منك ..."
لتغضب غزل وتقول بطفولة :
"انا احسن ..انا راسمة شجرة ومراجيح ...انتي رسمة بيت وحش ومش ملونة الرسمة .."
فيزداد بكاء بيسان الطفولي :
"انتي وحشة مش لعبة معاكي تاني .."
ويزداد صرخها مما يجعل غزل تغمض عينيها بقوة اثناء استلقائها بغرفة المعيشة امام التلفاز معتقدة انها ستنال بعض الراحة لتقول لابنتها بلوم:
"في اَي يابيسان ؟..بطلي صريخ عندي صداع..."
بيسان تجري لتجلس بجوار امها ببكاء:
"غزل بتقولي رسمتك وحشة ..الرسمة مش وحشة ..."
تحاول غزل ارضاء ابنتها فتقول بمداعبة :
"وريني كدة ....الله !!...ايه الرسم الجميل ده .."
لتشير بأصبعها علي الرسمة متسائلة :
"بس قوليلي بقي مين دول ؟..."
فتجيبها بيسان بطفولة:
"دي انا وانتي وبابا يوسف ..."
فتشير غزل مرة اخري الرسمة وتقول:
"وايه اللي ورانا ده ؟...."
بيسان وتلعب بخصلات شعرها البنية:
"ده البيت اللي بابي يوسف قالي عليه هيبقي يلعبني فيه انا وانت لما تصلحيه وقالي انه كبييييييير اوي وقدامه بحر ازرق ..."
تشعر بشلل اطرافها تريد التحرك ولكنها عجزت عن الحركة لا تجد سوى صوتها يصرخ مناديا باستغاثة :"ياااااااااامن !!!!....."
................
اثناء الطريق تناجي ربها ان يكون هناك علي الرغم من ان هذا البيت يمثل لها اسوء الأماكن الا انها لم تفكر مرتان عندما سألت يامن والجميع هل بحثوا بشالية الساحل ام لا ؟!...وكانت الإجابة غير متوقعة ...
لتقول وهي تفرك أصابعها:
"بسرعة يايامن ..انت بطيء ليه؟..."
يخفض نظرة لعداد السرعة قائلا:
"بطيء؟!.....انا سايق على ١٤٠ الرداد لقطني مرتين ....."
تضع أحلامها في إيجاده باخر مكان تتمني ان يجتمعا به فتسأله :
"تفتكر هنلاقيه هناك ؟!....انا مش قادره استحمل فكرة انه مش هناك...."
يامن بعقلانية:
"ان شاء الله هنلاقيه ..وبعد من نلاقيه ليا كلام تاني معاكي ...بخصوص عامر .....افتكر الخطوبة مابقاش ليها معني بعد اللي انا شايفه منك ..."
........
وقفت امام بابه بأرجل مرتعشة يمسك يامن بكفها يبثها الأمان والأمل يشعر بارتعاشها ..فهذا البيت له ذكريات سيئة معها اكثر من السعيدة ...
فينظر لعينيها ليقول بشجاعة :
"مستعدة تدخلي .؟...."
لتهز رأسها بسرعة بالموافقة ....يفتح باب البيت فيقابله الظلام المحيط بالمكان يفتح ويغلق كلاهما عينيه حتي يعتادا علي ظلمة المكان وتتضح الرؤية ليلاحظا ان المكان خالي .....يصدح صوت يامن مناديا بقوة:"يووووسف!!!...يوووسف!!"
فتقول له لعلها لم تفقد الأمل بعد:
"الاوض!!...."
يصعدا بسرعة يبحثا بالحجرات ليجدنها فارغة فتقف امام باب الحجرة الأخيرة التي كانت تشاركه فيها والتي شهدت اسوء لحظاتها ...ترفع يدها بشجاعة تمسك مقبض الباب وتدفعه ..فتجول بنظرها حول اركان الحجرة التي شهدت ألمها وتعذيبها ....لتقع عينيها علي شئ ما ساقط ارضا غير واضح بسبب الظلمة الجزئية بالحجرة تقترب بخطوات متمهلة ..تتتسارع ضربات قلبها كأن سهما ضرب به وتجحظ عينيها بشدة مما شاهدته ...صرخة جرحت حنجرتها وقلبها ..صرخة باسمه عندما وجدته ملقى علي جانبه الأيمن والدماء تخرج من فمه وأنفه ..كان مشهدا يشل العقول ..لتجلس علي ركبتيها بجواره تسحبه الي أحضانها تحاول إفاقته متوسلة إياه أن يجيبها ويطمئنها ..تقول بصراخ :
"يوسف ...رد عليا...رد ياحبيبي ..انا جيت اهو ..مش انت كنت عايزني أكون معاك .....قوم كلمني ارجوك ..متعملش فيا كدة .......يوووسف ......."
فتشعر بيد يامن يسحبه من احضانه وسط دموعه يناديه ويتحسس أوردته للتأكد من وجود نبض ..فتجده يسرع بسحب هاتفه من سرواله لطلب الإسعاف .......
خلال فترة نقله اصرت الركوب بجواره ..تمسك كف يده لاتريد ان تفلته لتتفاجأ في بداية الامر بضم قبضته علي شئ ما بصرامة ..فتحاول فك قبضته
لتجد سلسالها اللامع الذي فقدته من مدةكبيرة ....
فترفعها أمام اعينها بتأثر فتنقل نظرها اليه ..توعده بانها لن ترتديها الا بيده ....
.........
وقف يامن يراقبها وهي جالسة أمامه تنظر للفراغ بشرود غريب وبثبات اغرب ..ليرفع عينه على حجابها ومظهر ملابسها الغير مهندمة بداية من حجابها الذي ظهر من أسفله بعض
الخصلات البنية الهاربة منه ووجها الأبيض الحليبي المختلط ببعض الحمرة من شدة توترها رغم شحوبها وضعفها ...يخاف من سكونها وثباتها فهي لم تذرف دمعة واحدة كأنها تتحدى اعينها ان تضعف ....يقترب منها بهدوء ليجلس بجوارها ولكنها لم تهتز لاقترابه ثابتة كالتمثال الصخري ليجلي صوته :
"غزل .!!!...قعدتك هنا مش هتفيد ..قومي أوصلك عشان كمان بيسان ....."
عندما طال ثباتها وصمتها ظن انها لن تجبه فيسمعها تقول:"عايزني امشي!!!...امشي واسيبه ..بعد اللي سمعناه من دكتوره ....!!مش هسيب يوسف يايامن ..كفاية ......كفاية بعد مابقاش في وقت "
ليتنهد بألم لايستطع أخبارها بما قاله له الطبيب ليقول :
"يوسف ...هيطول هنا ..ومش معقول هتفضلي بلبسك ده على طول ،.حتى روحي غيري هدومك وأنا هنا...."
"أنا عارفة كل حاجة يايامن ..سمعت الدكتور وهو بيتكلم معاك ...عرفت انه مصاب من مدة ورفض العلاج ..عارف رفض ليه يايامن ؟!...عشان أنا السبب ..السبب انه يرفض الحياة ..أنا قولتله انت ميت يايوسف وفعلًا كان بيموت وانا غبية ماحستش بيه ...."
يامن بتأثر وحزن :
"هيبقى كويس صدقيني ...هو خد اول جلسة ..وهيبقى كويس ..."
"يارب"
............
تجلس بجواره فوق الفراش تتأمل ملامحه الشاحبة وذقنه الغير حليقة تداعب خصلات شعره الطويلة السوداء ..اول مرة تدقق في ملامحة بهذا الشكل فتخفض نظرها لشفتاه لتلاحظ تشققهما وجفافهما الشديد ..لترفع اعينها مرة أخرى لوجهه لتجد عينان صقريتان ينظران اليها نظرة جديدة وغريبة لم تراها بهما من قبل ...نظرة خزي وانكسار ..نظرة ضعف وألم.لتقول بسعادة لإفاقته:
"يوسف ...يوسف اخيرا فوقت ....الحمد لله "
لتجد ظهور غلالة من الدموع المنحبسة مع احمرار طرأ على عينيه لتسقط دمعة من جانب عينيه بصمت ...فتسرع لمسحها بأناملها وتمسك وجهه بين كفيها تقول :
"أنا جنبك ومش هسيبك ...أبدا...وإياك اشوفك ضعيف بالشكل ده ..يوسف الشافعي ما يكونش ضعيف أبدا..انت فاهم"
لتجد انفراج شفتاه الجافتان لينطق بأصعب الكلمات التى ألمتها:
"ربنا بياخدلك حقك مني ..ياترى دلوقتي سامحتيني ...وغفرتي لي "
"اسكت ...اسكت ..انت مش فاهم حاجة .."قالتها بترجي بوجهه ...
"ربنا انتقملك من زمان من زمان اوي ياغزل ...انتقملك يوم ماحكم عليا بموت ابني من نانسي قبل مااحضنه وحرمني منه وحرمني من ان ان اشوف بنتي بتكبر قدام عيني ...انتقملك لما خلاني عاجز برجلي اللي ألمتك ...انتقملك وخلاكي شيفاني دلوقتي والمرض بياكل فيا ...ياترى بعد كل ده لسه ماسامحتنيش ؟!..."..
تحارب دموعها لا تعلم مااصابها هل مازالت تحبه رغم متصدر منه ؟!....ليكمل بإرهاق:
"انت قولتي انت عيشت حياتك ..لا ياغزل حياتي وقفت يوم مافقدتك ..أنا انفصلت عن نانسي بعدها بس حكمة ربنا ان يعطيني ابن ما أفرحش بيه"
غزل في وسط دموعها:
"اسكت ...كفايةً..انت مش فاهم حاجة"
ليغمض عينيه ويرفع كفه يحيط بكفها ليلامس خاتم خطبتها لتنتقل عيناها علي أنامله التى تداعب خاتمها ....
لتسمعه يقول بصوت هادئ:
"حددتوا ميعاد الفرح ؟!..".....
لم تستطع إجابته ..اي فرح يسأل عنه ؟....هل المرض اصاب قواه العقلية أيضًا ..ايعقل ان تفكر في مثل هذه الأمور ....لتقول متوسلة اليه :
"يوسف ...ارجوك تسمعني ...أنا وعامر حكايتنا مكتوبلها الفشل ..أنا هفسخ ال.......ليقطع حديثها فصرامة كلمته
"لا...اياكي تفكري في اللي عايزه تقوليه ....عامر مكتوبلك من زمان من زمان اوي ...وبسببي وبسبب انانيتي فرقتكم عن بعض زمان ...لو ماعملتش كدة كان زمان حياتك احسن معاه ..الوحيد اللي يستحقك هو ...هو هيحافظ عليكي كويس وهيحب بيسان زي بنته من بعدي"
فتنظر لعينيه لعلها تستشعر الهزل بحديثه لتجد اصرارا غريبا مختلط بكثير من الحزن والحسرة ..تعلم ان كل ذلك نتاج حالته الصحية المتدهورة لذا لن تحادله في مثل هذه الأمور الان ..فاكتفت بالصمت على حديثه لتتتكلم :"بيسان بتسأل عليك من وقت ما اختفيت ..وكل يوم بتعيط وقت النوم عشان كنت بتنام جنبها من ورايا"
"بيسان ما تستحق تحارب عشانها؟!..."
ليجيبها بدون تفكير :
"بيسان ماتستحقش يكون في حياتها أب زيي"
لتهز رأسها بالرفض وتمسك وجهه بكفيها تقول بإصرار:"انت اعظم اب وبيسان محتجالك ..."
"أنا أسوء أب !!...ولو فضلت في حياتها هتعيش تعيسة زي امها معايا ....أنا نقمة على كل اللي دخلت حياتهم ...."
"سواء أب سئ أو كويس هتفضل ابوها اللي لا يمكن تشيلوا من شهادة ميلادها...رفضت هي أو رفضت انت"
فيقطع حديثهما رنين هاتفها لتتركه لتجلب هاتفها فتتوتر عند رؤية اسم المتصل لتحوله لوضع الصامت ليقول مبتسما :"عامر مش كدة ؟"
رفضت ان تجيبه ليقول بثبات:
"ردي عليه من حقه يطمن عليكي .."فيشير لها بعينيها لهاتفها مشجعًا إياها للرد ....
ترفع هاتفها ببطء مع ثبات عينيها على المبتسم ابتسامة ألم تجيبه بخوف من مجهول منتظرهم......
يتبع
الفصل الثامن والثلاثون
............
فيقطع حديثهما رنين هاتفها لتتركه لتجلب هاتفها فتتوتر عند رؤية اسم المتصل لتحوله لوضع الصامت ليقول مبتسما :"عامر مش كدة ؟"
رفضت ان تجيبه ليقول بثبات:
"ردي عليه من حقه يطمن عليكي .."فيشير لها بعينيها لهاتفها مشجعًا إياها للرد ....
ترفع هاتفها ببطء مع ثبات عينيها على المبتسم ابتسامة ألم تجيبه بخوف من مجهول منتظرهم......
...........
مر شهرا كاملا كان من اصعب الأوقات على الجميع وبالأخص هي كانت دائما التواجد بالمشفى بمرافقته مع تبديل الأيام مع يامن ...لتشعر بالضعف والهزل الذي اصابها بسبب اهمالها للطعام والأدوية في الفترة الأخيرة ... زادت حدتها وعصبيتها على الجميع كأن شخصيتها تبدلت للنقيض عنيفة التصرفات حادة الطباع لا تقبل مناقشات ...قراراتها صارمة ...تذكرت عندما حلت كارثة بالشركة في الفترة الأخيرة عند هبوط الأسهم بشكل مبالغ فيه مهددا باطاحة الشركة التي حارب هو كثيرا من اجلها..فتسبب تخلي الموظفين عن وظائفهم وتقديم استقالتهم ..خوفا من انهيارها لتجد نفسها متجهه الي الشركة بشكل فجائي صدم الجميع من تواجدها ...لتطلب اجتماعا على وجه السرعة تترأسه تحت نظر ومراقبة الجميع من مصدوم لرجوعها بعد اختفائها ..لمتعجب لناقم ....
فتدير اجتماعها باحترافية جديدة لتحذر وتهدد مع وعودها بانها ستنهض بشركتها مرة أخرى وان هذه كانت عثرة لتغربل الموجودين ذات الولاء المزيف لشركتها ...تقف كالصقر تخير الموجودين ببقائهم أو الاستغناء عنهم ...ليتراجع الكثير عن قراراتهم ..وتستقر الأمور نوعًا ما ......
،..........
دخلت المشفى بأرجل مهتزة لاتعرف سبب رفض يامن لحضورها فعندما قامت بإخباره هاتفيًا انها بالطريق اصر علي عدم حضورها ..شعورها بأنه يخفي شيئًا قلقها ...تلمحه بمكانه الذي اعتاد عليه مؤخرًا فتزداد سرعتها لتتجه اليه :"في ايه يا يامن .؟؟!...انت طلبت مني مااجيش ليه؟.."
"هو أنا طلبت منك ماتجيش عشان تيجي ولا عشان تلتزمي بكلامي"قالها يامن بحدة غريبة عليه ..
ولكنها لاتهتم بثورته ما يهمها هو هو فقط...لتقول مرة اخري:"يوسف في حاجة ؟..حصله حاجة"
لتهرب أعينه من مواجهتها قائلا:
"يوسف ..طلب مني ان امنعك انك تيجي المستشفى او انك تزوريه؟..يا أما هيمتنع انه ياخد جلسات الكيماوي ..."
لتهز رأسها بالرفض غير مصدقة حديثه بعيون غائرة وفم منفرج ..لتقول بعد لحظات:
"مستحيل ..مستحيل يكون طلب منك مستحيل يطلب انه مايشوفنيش...اكيد في حاجة انت مخبيها ..أنا داخله له..."
لتندفع تتحرك باتجاه غرفتها فتوقفها يد يامن الممسكة ذراعها بقوة ..فتتعجب من إصراره على منعها وتسمعه يقول بصوت مهزوز:
"للأسف ....شعره بدأ يقع..هو مش حابب تشوفيه بالوضع ده"
لتصدم من كلماته وتظل على وضعها لعله يكذب ماقاله لتتقوس شفاها للأسفل كالأطفال تحارب البكاء ..يجب ان تكون قوية من اجله وتترك الضعف التي اعتادت عليه ...
..............
بعد ان انفجرت في نوبة بكاء لاتعلم سببها ..بل تعرف سببها ،..ولكن كثرة الضغوطات التي لاحقتها جعلتها لاتستطع تحمل هذا الخبر رغم توقعها لحدوثه...وبعد إصرارها على مقابلته ...ها هي تجلس بجواره على المقعد المقابل له .تراقبه في نومه منتظرة إفاقته ...لقد انصرفت بعد منعها من الدخول على يد يامن لتذهب وهى تعلم وجهتها وقرارها التي اتخذته ..ليتفاجأ بعودتها مرة أخرى بعد اقل من الساعة حاملة بعض الأغراض في حقيبة بلاستيكية ..صعب عليه استنتاج مابداخلها وتنتظر بجواره حتى تتأكد من نومه لتستطع الدخول دون اعتراضه ..وها هو ينعم بالنوم بوجه شاحب وذقن غير حليقة لقد طالت مؤخر اكثر من اللازم ..وشعره الذي بدأ يظهر به الفراغات اثر التساقط ..شردت في أيامها السابقة وكيف تقدم له يد العون رغم رفضه الشديد لذلك . تذكرت يوم أعددت له الطعام لتحاول إطعامه رغم رفضه الشديد بسبب فقد شهيته وألم معدته الذي لم يبارحه لتتفاجأ بإفراغ مابمعدته علي ملابسها وهي تساعده في الاستلقاء لينهار بعدها في صراخ وبكاء كالأطفال يطلب منها الابتعاد عنه والامتناع عن حضورها مرة اخري............
تتحرك من مكانها لتجلس بجواره فوق فراشه تمسك بكف يده المتصل بها المحلول المغذي الذي يمده ببعض المقويات والمسكنات لتخفف عنه بعض آلامه ....فترفع كفه ببطء تودعه قبله خفيفة مع شعورها باحتراق اعينها التي تحارب منذ مدة إظهار ضعفها وهشاشتها ..فالموقف اكبر من احتمالها ...لتجد نفسها تمدد اناملها تمررهم فوق وجنته وشعر ذقنه بنعومة تهمس بأسمه في محاولة منها وإفاقته ليتململ في نومته ويفتح أعينه الصقرية التي تملكهما المرض والإرهاق غير مستوعب وجودها قريبة منه بهذا الشكل المهلك له ..لقد تحررت من حجابها وأطلقت خصلات شعرها حول وجهها كسابق عهدها به ليرفع كف يده باهتزاز يلمس شعرها محاولًا التأكد من وجودها ويبتلع ريقه الجاف بصعوبة يقول بصوت متقطع :
"انتي هنا؟!....هو أنا بحلم زي كل مرة ..ولا ده اثر المسكنات وبهلوس!!!.."
"أنا هنا ..جنبك ومعاك ...وحقيقة مش حلم..بس أنا زعلانه منك ...."
ليتسأل وهو يغمر أصابعه بين خصلاتها التي استطال كثيرًا عن قبل مبهورًا بنعومته التي حرم منها لسنوات .:"ليه زعلانه؟!!.."
لتزم شفتاها بغضب مصطنع :"عشان عرفت ان حضرتك رافض تاخد جلسات الكيماوي.."
فتتوقف أصابعه عن الحركة لينظر اليها بألم قائلا:
"مالوش لزوم للكيماوي كلنا عارفين انها كلها أيام ..."
يؤلمها كلماته وانهزامه وعدم مقاومته لمرضه وعندما طال صمته قالت بمرح :
"انت اتصلت بعامر عشان نعجل بميعاد الفرح من ورايا مش كده؟!...وكنت قايله مايبلغنيش بطلبك..."
ليهز رأسه بإبتسامة :
"عامر ده شكله مابيتبلش في بوقه فولة..."
لتبتسم بمرارة :
"ليه يايوسف ؟؟..ليه مصمم اننا نبعد وأنا بقولك أنا عايزة ارجعلك ...إدي لحياتنا فرصة"
"مابقاش ينفع ..مابقاش ينفع اخرب حياتك اكتر من كدة ..صدقيني هكون مستريح وأنا مطمن عليكي مع عامر ..طول ما أنا شايفك سعيدة ..هكون سعيد.."
ارادت ان تستغل الحوار لصالحها :
"عايزني أكون سعيدة تنفذ شرطي"
"ايه هو ؟!..."
تأخذ نفسًا محاولة السيطرة على سرعة ضربات قلبها :
"انك تبدأ تأخذ جلسات الكيماوي المحددة ليك ...عشان تقدر تحضر الفرح ...مش ده اللي انت عاوزه؟..."
وعند ملاحظتها لصمته اكملت بدأت تتحرك باتجاه الطاولة لتخرج من الحقيبة البلاستيكية الطعام التي قامت بإعداده بنفسها عند انصرافها وتقترب منه تقول :
"أنا عملتلك شوربة خضار هتعجبك ...دوق وقولي رأيك ...."
............
جالس مغمض العينين بإرهاق أمام حجرة أخيه يستمع لحركة الممرضات والأطباء من حولها السريعة فكل يعمل علي قدم وساق ...ليطرأ على سمعه خطوات بطيئة تقترب من المكان تدل على خفة صاحبها وتتوقف بالقرب منه ليفتح أعينه المرهقة ويتفاجأ بوجودها واقفة بجواره بخجل فيعتدل بجلسته باهتمام يقول بخوف:"تقى !!!!...ايه اللي جابك هنا ؟؟..في حاجة حصلت؟"
تبتلع ريقها بإحراج وتهرب من أعينه لتقول له انها أتت لرؤيته أم للاطمئنان على أخيه ؟!....لينقذها من حيرتها وقوفه باهتمام يقول :
"أكيد جاية تطمني على يوسف مش كدة؟!...."
تهز رأسها بنعم فيبتسم لصمتها ويقول بمداعبة :
"طيب هو يامن الغلبان مالوش نصيب تطمني عليه ...شكلى كده ماليش حظ"
لتسرع مدافعة عن خالها :"أبدا والله ..أنا كنت جاية اطمن عليك كمان ..."
فتلاحظ تبدل ملامح وجهه من الحزن المصطنع للمكر:
"أنا على كدة محظوظ جدا أنك فكرتي فيا ...عموما كويس انك جيتي أنا كنت هتصل بيكي لان يوسف طلب إن يشوفك..."
تتوتر من كلماتها لتقول بتجهم:"يشوفني ..يشوفني ..أنا !!!"فيهز رأسه بتأكيد وعلى وجهه ابتسامه لا تفارقه ....
..........
تضحيات صغيرة تصدر منا تشكل فارقًا كبيرًا في حياة الآخرين ..ولكن عند تقديمها يجب معرفة هل ستستطع مواصلة حياتك بهذه التضحية ام ستظل عقبة لاستمرارها....فعليك ان تختار!.....
.........
بعد الانتهاء من إطعامه وهو مسحور بشعرها الطويل ينظر اليه بسعادة غريبة كأنه يوم زيارة الملاهي ...ليلوم حاله هل هذا الشعر الذي اقدم عليه من قبل منذ سنوات وقام باغتياله بكل قسوة كإنتقام اعمى منه
فتلاحظ مراقبته لحركاتها بسكون غريب عليه وتعلو ابتسامة قصيرة وجهه ..فتتجه الي حقيبتها الشخصية تسحب سحابها وتخرج شيئ ما ...ليضيق عينيه بفضول لعله يعرف مايقبع بيدها ..فتتحرك ببطء اتجاهه قائلة بثقة :"الشرط الثاني مستعد تسمعه ؟؟.."
"شرط ايه ؟!"
تجلس بجواره وتقترب منه لتلفح انفاسها انفاسه وينسدل شعرها البني فوق جسده :
"شكلك نسيت ...ان أنا طلبت منك تكمل جلسات عشان تقدر تحضر الفرح ..ده الأول ..أما الشرط الثاني ..انك تخليني احلقلك شعرك بنفسي "
لترفع يدها أمام وجهه الشاحب المصدوم ليظهر ماكينة لحلاقة الشعر تعمل بالبطارية
فيمرر عينه بينها وبين مايقبع بيدها ويهز رأسه بالرفض:"مستحيل.."
فتتساءل ببرود:"ليه؟!....انت مش قبل كدة قصيت شعري بايدك وأنا كنت رافضة ده....ايه الجديد؟"
يبتلع ريقه بصعوبة يقول بتألم من هذه الذكري التي تشينه:"ليه حاسس دايما انك ماسمحتيش من قلبك ..حاسس انك بتقصدي تألميني "
تضحك بسخرية بخلاف مابداخلها :
"تقصد عشان مصممة على حضورك فرحي وأنك تشوفني وأنا ملك حد غيرك ..ولا عشان فكرتك بجريمتك"
"عايزة ايه ياغزل ؟!..كفاية تعذيب فيا اكتر من كده"
"عايزه احلقلك شعرك ..صدقني شكلك يكون الطف ..."
تتنهد وهي تنظر للبعيد بابتسامة مغتصبه :
"عارف يايوسف أنا قد ايه بحب شعري ...بحبه لدرجة أني ممكن يجرالي حاجة لو فقدته تاني "
ليقول بصرامة :
"لو دي الطريقة الوحيدة اللي هتخليكي تنسي اللي عملته فيكي ...احلقيلي شعري ياغزل يمكن تسامحيني بجد"
ولكن على مايبدو انها ارادت إجابته لتستمر في حديثها وهي تلاعب خصلاتها بمكر مقصود ..لتتوقف فجأة تنظر له بجدية غريبة وتكمل:
"مش عايز تمسك شعري للمرة الأخيرة ؟!..."
تقترب منه ليسقط شعرها فوق وجهه فيستنشق عبيره باستمتاع ولكن شئ داخله يؤرقه من حديثها المبهم ليقول :"تقصدي ايه بالمرة الأخيرة ؟"
فيجدها تبتعد عنه وتستقيم في وقفتهاوتنظر له بعيون متألمة تنحبس بهما الدموع ..فيغفل من حركتك يدها التي امتدت تحمل ماكينة الحلاقة القابعة بجواره علي المنضدة ..ليعقد حاجبه ويحاول التحرك من فراشه متسائلاعما تنوي ..لتشق ابتسامه حزينة وجهها مع تحرر دموعها من عينيها ..ليراها تنصرف بصمت متجهه الي باب دورة المياة الخاص بالحجرة وتدخله لتودعه نظرة لم يستطع تفسيرها قبل ان تغلق بابه في وجهه ويسمع صوت قفل الأمان من الداخل ....لحظة اثنان لم يستوعب مقصدها ..ليعتصر قلبه مصدرًا ألمًا شديدًا بصدره لما استنتجه ...لينتفض من فراشه محاولًا التحرك بصعوبة لقد تيبس جسده من كثرة التسطح فوق فراشه لينزع المحلول المغذي بقسوة صارخا باسمها :"غزل !!!..لا ...لا ..اياكي تعمليها .."
ويقترب من الباب التي تختفي خلفه يضرب بقوة لعلها تتراجع عن فعلتها :"افتحي ..ارجوكي ماتعمليش كدة ....اخرجي كلميني"
لتجحظ عينه وتتسارع انفاسه عند سماعه لصوت الماكينة الذي يدل على عملها فيضرب الباب بكفه عدة ضربات ضعيفة متوسلا اليها ان تتوقف :
"ارجوكي ...ارجوكي ماتعمليش كدة ..ماتزوديش عذابي ...اطلعي وأنا ..أنا هعمل اللي تطلبيه مني ...بس اللي انتي بتعمليه ده لا.."
يبدو انها كانت قد اتخذت قرارها من قبل وعزمت عليه ...ليقف مستندا بكفيه علي الباب منحني الرأس تتسارع انفاسه بقوة ...ليسود الصمت بعد لحظات الا من انفاسه الخشنة ...يتراجع بترقب عند سماع صوت فتح الباب بأعصاب مهتزة وعيون غائرة مثبتة علي الباب لتظهر من خلفه ببطء بهيئة مختلفة عن هيئتها عند دخولها منذ لحظات ...لقد اختفت الهالة البنية الناعمة ذات الخصلات الطويلة لتحل محلها رأسًا حليقة الشعر
كصبي في عمر المراهقة لتنفرج شفتاه بذهول وتدمع أعينه الصقرية من تهورها ليتحول بكاؤه الصامت لتشنجات فينتفض جسده الرجولي بقوة من شدة البكاء ويعلوا نحيبه كطفل ضائع تائه يهمس بين شهقاته:"ليه !!!!....ليييييه!......عملتي كده ..مكانش لازم تعملي كده "
شعر بضعف قوته واهتزاز ساقيه التى ترفض تحمل جسده فيترنح في وقفته بقوة وكاد ان يسقط الا ان ذراعيها التى اندفعت تحيطه بقوة عجيبة منعته من السقوط في محاولة منها لإسناده حتى فراشه لتخطو خطوات بطيئة معه حتى ساعدته في الاستلقاء مرة اخر وتغطيته وعند محاولتها للابتعاد لطلب طبيبه الخاص تشبث بذراعها كالطفل مانعا ابتعادها
"راحة فين ؟!..."
تربت على كف يده بنعومة" هطلب الدكتور عشان يركبلك المحلول ويطمن عليك"
تسقط دموعه من عينيه بضعف متسائلًا:"عملتي كده ليه ؟...ليه تأذي حالك؟!.."
تهمس بكلماتها ببطء كأنها تعلم طفلا حروفها:
"أنا قولتلك ان شعري ده بحبه قوي وممكن يجرالي حاجة لو فقدته !!...لكن ماقولتلكش ان انت أغلى عندي منه واني مستعدة اضحي بيه عشانك انت ...وزي ماانت هتحلق شعرك أنا كمان حلقته ..وهنافس بعض مين شعره هيطول الأول "
يهز رأسه بالرفض :"عامر اكيد هيزعل من اللي عملتيه ده"
تزم شفاها بغضب طفولي:"هو شكلي وحش للدرجة دي "
يضحك بين دموعه:"انا متخيل صدمته لما تقلعي حجابك ويكتشف تهورك ههههه اكيد هيجراله حاجة هههههه"
"حضرتك بتتريق ..طيب اوعى بقى"
ليمسكها مانعا تحركها :"انتي احلى واحدة شافتها عيني في الكون سواء بشعر أو من غير "
.........
وقف مختفيا عن الأنظار يبحث عمن يقرضه سيجارة يشعر بالكبت الشديد والضغط النفسي ..لقد منع عليه تناولها منذ عدة اشهر ...ليزفر بملل...كيف له ان يطلب منها مثل هذا الطلب ...؟!.....مالذي أتى به اليوم ؟يطلب منها ان تكون لغيره ؟.....أهكذا يسدد ديونه لها لتسامحه ...أيقبل ان تكون لغيره وتبتعد عنه مرة أخرى ..ليري شاب بزي مخصص يحمل صنية فضية متجها الي داخل القاعة ليوقفه :"لو سمحت ...معاك سيجارة؟!..."
الشاب بتهذيب:"لا يافندم ...ممنوع التدخين هنا....عن إذنك "
فيزفر بضيق ويرفع يده يلمس رأسه فيشعر ببصيلات شعره التى بدأت في الظهور مرة أخرى ..فيبتسم بشرود على هذا اليوم الذى أقبلت فيه بحلق شعرها والتخلي عنه من اجله ..من اجله هو لتشجعه هو الآخر على إزالة شعره المتبقي برأسه ..لم يشعر اثناء تذكره ببداية ظهور الدموع الحبيسة بعينيه .....دائما هي معطاءة لغيرها ..مضحية ..لا تطلب الكثير أما هو فحدث ولا حرج على النقيض ...شتان بينهما ...ها هو يخطو بيده خطوط نهاية علاقتهما ....بإرادته......يصدح صوت رنين هاتفه ليخرجه من جيبه بملل :"نعم"
يامن بضيق :"انت فين يابني ادم ؟!!..أنا مش بعتلك شادي يبلغك تطلع لغرفة غزل عشان تنزل بيها لعامر لان محمد هينزل تقى ليا ؟!..."
"حاضر ..حاضر يايامن طالع .."وقبل ان يغلق الخط يسرع بالقول مقترحا :"طيب ماتخلي محمد هو اللي ينزلها لسي زفت وأنا انزلك تقى"
على الجانب الآخر يمنع يامن نفسه من الضحك:
"احم ..لا طبعًا مش هينفع تقى عايزه اخوها ودلوقت مافيش غيرك فاضي ..انت هترجع في كلامك ولا ايه ؟!..."
"ولا راجع ولا حاجة اهم حاجة عندي انها تكون مبسوطة وسعيدة في حياتها حتى لو مش معايا "
يكمل بحزن "أنا طالع لها "
يأخذ شهيقا لعله يهدي من تسارع دقات قلبه وألمه ويتجه جهة المصعد ليصعد اليها
.........
وقف مبهورا بصورتها الساحرة من بداية حجابها لفستاتها الواسع لتزداد بريقا ولمعانًا كأنها بطلة من ابطال الروايات ..يقطع شروده اصطدام شئ صغير بقدمه ليكتشف انها بيسان تحتضنه من ساقه تقول بطفولة:
"بابي.....أنا فرحانة اوى انهاردة ..ماما بقت عروسة".....
ليبتسم بألم وينحني ليحملها ويضمها بقوة يشتم رائحتها المسكية التي ورثتها من أمها ويقبلها بحنان من وجنتها :"انتي اللي احلى عروسه في الكون..عارفة أني مش هجوزك أبدا .."
بيسان بضيق:"ليه بقى ؟..اشمعنى مامي سبتها تتجوز ..."
فيرفع عينه لتقع عليها وهي مبتسمة لا تحمل همًا ..بالطبع لما تشعر بالحزن وقد ستنال اخيرا الاستقرار مع من يحبها ؟.....
ليقول لابنته:"اهون عليكي تسيبيني أعيش لوحدي ...عموما خلاص أنا موافق بس بشرط أنا اللي اختار عريسك بنفسي ..عشان يحافظ عليكي "
ليتركها تسير مبتعدة تتلاعب بفستانها ويقترب خطوتين بتردد من ساحرته يقول:"خلاص مستعدة ...؟!"
فتنظر لعينيه نظرة عميقة وتهز رأسها بنعم لتقول بإصرار :"بس بشرط"
"شروط تاني ...كفاية ياغزل بالله عليكي ..وفري شروطك لعامر الله يسترك"
تقترب بابتسامه :"أنا راضية ذمتك ..ينفع تاخذني لعامر بلبسك ده "
ليمرر نظرة علي قميصه الأزرق المفتوح وبنطلونه الأسود يقول بعدم اهتمام:"ماله لبسي؟!"
"يوسف احنا في فرح واستحالة اخليك تنزل قدام الناس بالشكل ده ...الناس لازم تشوف يوسف الشافعي بعد رجوعه شكله عامل ازاي ومتنساش ان ده فرحي أنا ويامن يعني العين هتبقى عليك .."
"مايهمنيش ..يقولوا اللي يقولوه ..خلينا نخلص من الليلة دي"
غزل بتحدي :"مش هنزل الا لما تلبس البدلة دي "
لتشير لشئ ملقى فوق الفراش"
..............
بعد ربع الساعة
وقف منتظرًا إياها خارج الحجرة الأسد المجروح ...مرتديا بذلة سوداء أنيقة وقميص ابيض وربطة عنق (ببيون)
يفتح الباب لتطل من خلفه بابتسامتها الهادئة لم تفارقها أبدا....
ليقول بضيق:"خلاص ؟...دي النهاية ؟؟؟"
تهز رأسها بدون اجابة ليقول متهربا من عينيها بخوف :"غزل !!!....أنا مش عارف أقول ايه في الظرف ده ؟...بس كل اللي اقدر أقوله أني فعلا بتمنالك حياة احسن من اللي مرت عليكي ..بس ليا حلم اخير نفسي تنفذيهولي ....أنا ...أنا عايز ....عايز احضنك للمرة الأخيرة ..مرة واحدة بس...ممكن؟"
تصمت بذهول ...لم تجبه ..لم تتوقع طلبه المستحيل ....تطول اللحظة بينهما بين منتظر عاشق ومصدومة متألمة..تبتلع ريقها بعد صمت طال تقول بأسف :
"آسفة !!!..مش هقدر حاليا..لانه مش من حقك."........
يهز رأسه بتفهم ويقترب منها بخطواته العارجة مستندا على عصاه يثني ذراعه الأيمن ليريح كفه فوق معدته :
"يلا عشان اكيد عامر مستنيكي على نار.."
تمسك بذراعه وتقول بسعادة :
"أنا كمان مستنية على نار ...يلا"
