حين استيقظت القلوب
كان باب البيت يُطرق طرقًا متتاليًا أفزع كل من بالبيت، انتفضت الأم إليه، وما رأته جعلها تشهق بصدمة وقلب مفطور. سألت بلهفة بينما تتلقف ابنتها من أيدي الجيران الذين يسندونها:
- فيها إيه؟ مالها؟
- أغمى عليها فجأة على باب العمارة، وبعدين حرارتها عالية أوي يا أم أحمد، خدوها على المستشفى أضمن واتطمنوا عليها.
كان هذا رد إحدى الجارات، بينما وداد كانت في عالم من التيه، تحاول بالماء الذي جلبه أحمد أن توقظ ابنتها، لكنها فجأة صرخت بأعلى صوتها حين رأت شفاهها تتحول للون الأزرق، وبدأ تنفسها يبطؤ. انتزعها أحمد من ذراعي أمه، هرع بها إلى دورة المياه، غمرها بالماء البارد، ثم صرخ في سمية:
- هاتي أي حاجة ألفها بيها!
لفها جيدًا وركض بها خارج البيت. في تلك الأثناء كانت وداد قد ارتدت ثيابها، وركضت خلف أحمد الذي أوقف وسيلة مواصلات، وبينما يتحرك السائق بسرعة فائقة بدأ يخرج من فم هدى فقاقيع بيضاء، ولم تجد الأم بدًا من أن تحاول مساعدتها في إخراج هذه الأشياء من فمها، ومع تلك المحاولات والرهبة والفزع الذي عاشه الجميع تلك اللحظات انتفضت هدى بين يدي أخيها تشهق بقوة، وبدأت أسنانها تصطك ببعضها دون قدرة منها على التحكم، تنظر لكليهما بأعين زائغة، وما إن اهتدت أن التي تجاورها أمها ألقت بنفسها بين أحضانها وأخذت تبكي بقوة، بينما تيبست الأم تمامًا، شعرت بخدل يسري بأطرافها كلها من رهبة الموقف، لكنها تمكنت بعد وقت وجيز من أن تضم ابنتها لقلبها وهي تحمد ربها على نجاتها.
دخلوا بها إلى الاستقبال، وهناك طمأنوهم مبدئيًا، لكن الطبيب المناوب نصح بزيارة طبيب مختص للاطمئنان أكثر، وكان هذا متنفسهم جميعًا، فكل من رأى حال الفتاة تبلد جسده وسكنه الخوف عليها. عادوا إلى البيت صامتين إلا من صوت اصطكاك أسنان هدى ببعضها من أثر البرد، دخلوا بيتهم فتلقفتها سمية وأسماء عارضين المساعدة في تبديل ثيابها، وبالفعل بدلت ملابسها والتفت في غطائها تحاول تدفئة نفسها، بينما تمر عيناها على كل تفاصيل الغرفة التي تخصها وأختيها، كان من الممكن ألا ترى تلك الغرفة مرة أخرى، كادت تفقد الحياة، بل كادت تفقدها الحياة، ففي تلك اللحظات قُبيل فقدانها للوعي كانت تحادث نفسها عن الفائدة من وجودها، والسبب خلف خلقها، كانت تبحث بتمعن داخل عقلها الصغير الذي لم يتجاوز خمسة عشر عامًا عن إجابة أسئلة لم يسعَ امرؤ بعمر الثمانين للتفكير بها يومًا. ولحظة إغمائها شعرت أنها على حافة الموت، وزارها خوف كبير من أن تنتهي حياتها هكذا قبل أن تسعى لأجل رسالة هي سبب وجودها. لا تصدق أنها حية الآن، تتنفس، وتسمع الأصوات حولها، وترى الأشياء والأشخاص، ما زال في العمر بقية، ما زال لديها متسع من الوقت.
طرقٌ على الباب، ودخل بعده والدها، كان متلهفًا لرؤيتها، جسده يرتجف من هول ما سمع منهم عما حدث، حاول التماسك، وتنحنح يجلي حنجرته ليبدو صوته طبيعيًا، مسد على رأسها وهو يسألها سبب ما حصل معها، لكنها لا تملك إجابة، فطلب منها أن ترتدي ثيابها ليذهب بها إلى الطبيب، وخرج ينادي وداد كي تساعدها. وبعد فحوصات وتحاليل مكثفة طمأنهم على صحتها، وقال تبريرًا لما حصل معها:
- دي كانت سخونة، وكتمت فيها.
- سخونة! دي طلع من بوقها حاجات بيضة، أنا بنتي كانت قطعت النفس يا دكتور، وشفايفها ازرقت.
كان هذا رد وداد المتوترة، لكن الطبيب طمأنها بقوله:
- ما تقلقيش يا مدام، التحاليل قدامي أهي، والحمد لله كله تمام، دي كانت تشنجات بسبب الحرارة.
صمت لثواني، ثم تابع بينما يكتب فوق ورقة بيضاء الأدوية المناسبة لحالتها:
- على كل حال لو الحالة تكررت تاني هتدوها حاجة للسخونة، وتأكدوا إنه ما فيش في بوقها حاجة، وحطوها تحت المية.
أغمضت وداد عينيها بتألم من الفكرة، هناك احتمال أن تتكرر هذه الحالة! كيف ستتحمل مرة أخرى حالة كهذه، كاد قلبها يتوقف نبضه. استودعت الأمر كله عند الله، وعادت إلى بيتها بقلب متعب، وطفق تعب قلبها على جسدها فأبدى هزلها جليًا.
رأت بنتيها قد جهزتا الطعام، وقامتا بترتيب البيت على أكمل وجه، اجتمعوا حول المائدة في صمت كأنما الصدمة أثرت على حركتهم وألسنتهم جميعًا. سأل الأب فجأة كأنه تذكر الآن فقط أن المائدة ينقصها فرد:
- أومال باسم فين؟
غصت وداد فجأة ما إن سمعت سؤاله، هل عليها أن تخبره بما حصل؟ بعد ما عاشوه هذه السويعات تخبره بموقف ابنه أيضًا! هذا كثير. ردت وهي تتطلع للطعام دون أن توليه نظرها:
- عنده درس متأخر.. شوية وييجي.
أومأ الأب مصدقًا، فلا سبب ليكون غير ذلك، هو أصلًا لا يعلم مواعيد دروس ابنه، وما دامت وداد تنقل له أخبارًا جيدة فكل الأمور تحت السيطرة والوضع على أتم خير. لكن ما لم يعلمه طوال سنوات عمره مع وداد أنها لا تنقل لها أخبار أبنائه إلا ما لا يغضبه، وتحاول بشتى الطرق أن تحل أزماتهم بحنكة وحكمة لم تكتسبها إلا من كثرة ما وقعت في المشاكل مع أولئك المشاغبين. زفرت بهم وهي تتابع طعامها الذي تمثل أنها تأكله.
______________
رتبت مكانًا قرب نافذة الغرفة، يتيح لها هدوءًا نسبيًا، هذا الهدوء الذي يمنحها شعورًا بالحرية التي تفتقدها داخل جدران هذا البيت. ألقت نظرة على الباب الذي توارت عنه خلف خزانة الملابس، قيمت المكان جيدًا قبل أن تشرع في فتح كراسة الرسم ذات الأوراق المقواة، وفتحت علبة بلاستيكية تحوي عددًا من أقلام الرصاص مختلفة الأشكال والاستخدام، ارتسمت دون وعي منها بسمة فوق شفاهها، تلك البسمة الشغوفة لما هي مقبلة عليه، لمس رأس القلم لُب الورقة برقة، وبدأ يخطو فوقها خطوات محسوبة ومدروسة ودقيقة، لم يمضِ من الوقت غير دقيقة حتى بدأ القلم ينافس نفسه، لا يفصله عن الورقة غير لمحة من عيني سُمية إلى صورة في هاتفها الخلوي، ثم تعود لتسمح للورقة بمعانقة قلمها، عناق من نوع خاص، يشبه عناق الأم لابنها المغترب لسنوات، أو للدقة، هذا حالها هي، عادت لتعانق الرسم بكل حب وشغف، لطالما حُرمت من ممارسة تلك الموهبة، ولطالما نامت مُنغصة القلب لرفض مستمر من أبيها. اليوم وبعد أن أشاد جمع كبير من زملائها على رسمها، بل وطلب واحد منهم أن ترسم خطيبته ليهدي الرسم لها كهدية، بل وبالسعر الذي تريده، الأمر الذي جعل الشغف والإصرار يسكناها ويتربعان داخل تجاويف عقلها وقلبها، ضاربة بكلمة أبيها ووعدها له عرض حوائط البيت كله، رغم صراع يدور بداخلها كلما لامس سن القلم ورقتها، كأنها تشعر بخيانة من نوع ما، لكن الشغف للرسم انتصر، والرغبة في الشهرة غلبت، والسعي للتميز قضى على كل شعور قد يكون حائلًا بينها وبين إتمام رسمتها.
اندمجت في الرسم لدرجة لم تعد تشعر بالحياة من حولها، هي والرسمة فقط يتنفسان في هذا العالم. توقفت للحظات، تنظر لما أنجزت بعين الفخر بذاتها، تبتسم لما حققت من رسم أشبه بالطباعة، وضعت القلم جانبًا، والتقطت واحدًا آخر، بدأت تضع بعض لمسات تعلمها وتعرفها جيدًا، وألحقته بما قبله قبل أن تلتقط واحدًا ثالثًا، وأيضًا بضع لمسات على الخلفية جعلت الرسمة كما لو كانت حية: نظراتها، بسمتها، عيناها، خصلاتها البسيطة التي تظهر من حجابها، تلك الحسنة عند جانب وجهها، وحتى انحناء بسيط لكنه ملحوظ في طرف أنفها، وكأنه حادثًا قديمًا ما زال أثره عليها، لم تترك تفصيلًا بسيطًا إلا وأبرزته بكل عناية ودقة.
مررت أناملها فوق الورقة بحذر، وبسمة احتلت عينيها جعلت من روحها ترنو بسعادة كما لو أنها حصلت على جائزة ما. التقطت قلمًا آخر، مخصص فقط لإمضائها، وبكل عناية وضعت اسمها منقوشًا بحرية وحيوية في جانب مناسب من رسمتها، ليضفي عليها جمالًا خالصًا خاصًا. كادت تغلق كراستها إلا أن صوت الباب يُفتح جعل التوتر يزحف إلى قلبها وهي تدفع الأقلام والكراسة إلى أسفل الخزانة، وقد سكن الفزع ملامحها وقلبها ولسانها!
_____________________
منذ دخل بيت جدته لم يتحرك من مجلسه القريب من المدفأة الصغيرة في ركن الصالة، تقابله جدته الجلوس، حينًا تتحدث معه عن ماضي جده، وآخر عن أفعال أخواله، يضحكان بقلبين صافيين، لكن جزءًا من قلبه عكر لما آلت إليه أموره، لم يلحظ ما هو فيه إلا خالته التي تجيد قراءة العيون، بل وتجيد سكن القلوب. جلست معهما بعد أن أنهت ما عليها إنهاؤه، قالت بنبرة مرحة وهي تضرب باسم على فخذه بخفة:
- والله منورنا يا باسم ومغير جو البيت علينا، ما بتجيش على طول ليه يا واد؟
- ثانوية بقا يا خالتي.
- آه يا بني أنت هتقول لي؛ دي أيام الثانوي دي الواحد بياخد نفسه بالعافية، ربنا يعينك يا حبيبي وينجحك.
نظر إليها بطرف عينه، قال بينما يبتسم ابتسامة جانبية فيها بعض حنق:
- ينجحني! ما هو ممكن ينجحني بس بمجموع ما يطولش كلية، ادعي بضمير يا خالتي.
ضحكت خالته وجدته لما قال، لتضربه جدته على مؤخرة رأسه قبل أن تقول وما زالت تضحك:
- أهو ده اللي أنت فالح فيه: شقي وبراوي زي أخوالك.
تنهدت قبل أن تقول بينما تستند إلى الأرض لتقوم:
- أنا هروح بقا آخد دوايا، وأريح لي شوية، وأنت يا واد ما تمشيش قبل ما تتعشى معانا.
ابتسم لها، ود لو يخبرها برغبته في المبيت، لكنه لم يجرؤ، فقد سبق وأخبرته أمه أن وجود ابنتي خالته بالبيت يحول دون مكوثه ببيت جدته، فهما قريبتين من عمره. أخرجته خالته من عمق شروده بسؤالها:
- مالك بقا؟ أنا ما رضيتش أسألك قدام جدتك عشان ما أحسسهاش إن فيه حاجة، بس دخلتك علينا النهار ده مش طبيعية كده، فيها حاجة غلط، مش باسم اللي بيعمل دوشة وزيطة كده.
حاول أن يبتسم، لكن شفتاه خانتاه حين سمحت لكلماته بالخروج فورًا دون تزيين:
- أهلي بيعاملوني كأني عيل في ابتدائي، ما حدش مقتنع إني كبرت، ولا حد معترف إني المفروض يكون ليا كرامة قدام الناس أو يهتموا برأيي، أقول لك إيه ولا إيه يا خالتي بس!
زمت شفتيها بحيرة قبل أن تسأل بروية وحكمة:
- ويا ترى اللي جابك النهار ده نية هروب من البيت ولا فاصل زمني بسيط عن دوشة أفكارك؟
نظر إليها بجانب عينه، يشعر أنه فُضح أمامها، رد بنبرة مترددة:
- الاتنين.
- طب احكي لي، يمكن أقدر أفهم المشكلة فين، ولو حطينا إيدينا على المشكلة واعترفنا بيها هنحلها بسهولة جدًا.
التقط شهيقًا طويلًا أخرجه على مهل مع حديثه، حكى لها ما حصل في درس الفيزياء، وما حدث بعده، وموقف أمه، كان كلما تكلم ازداد انفعاله، حتى انتهى من سرد الموقف، وتوقف يلهث كما لو كان يسير بخطى سريعة، زفر زفرة قوية كأنما يبتغي تفريغ ما بقلبه معها، لكن الأمر أصعب من ذلك. لم تشأ خالته أن تربت على كتفه حتى لا يظنها قد أشفقت عليه، ولم ترد أن تخبره أنه جعل الأمر أكبر من حجمه فيظنها تستهين بمشاعره، لطالما كانت حنان مثالًا للمرأة المتزنة في قولها وفعلها وحتى في نظرتها للأمور، خاصة وأنها قرأت من الكتب ما يكفي لجعلها سيدة مجتمع مثالية، بل يهيئها لأن تكون امرأة بمجتمع كامل من العلم والثقافة والتدين.
فكرت قليلًا قبل أن تقول بنبرة خفيضة وعيناها تنظران لشيء مجهول في الأرضية أمامها:
- عارف يا باسم؟ أنا أحيان كتير بزعق في ملك ومريم من غير سبب، ممكن مثلا عشان مريم قلعت الجاكيت في الصالة أو ملك سابت نور الأوضة مفتوح، بس لما بزعق في واحدة فيهم مش بيكون تقليل منها أو كره ليها أو استصغار، بس بكون مضغوطة طول اليوم، والغلط اللي عملته واحدة فيهم بيكون هو المتنفس اللي بخرج فيه ضغط اليوم، يقوم تيجي فيهم. بس عارف إيه أحسن حاجة فيهم؟
كان قد ولاها كامل تركيزه واهتمامه، حتى إذا ما سألت سؤالها أومأ برأسه متسائلًا، تابعت تجيب على نفسها:
- إنهم فاهمين مشكلتي، مش بيثوروا ولا بيغضبوا، هما بس بيعدلوا الحاجة اللي مضايقاني ويحاولوا يتلاشوا غضبي باقي اليوم، وده بيخليني أكون ممتنة ليهم لأنهم سابوا لي مساحة لغضبي المكتوم يخرج، وكمان لأنهم ما بيحاولوش يزودوا الضغط عليا، وأول ما يشوفوني هديت ورجعت لطبيعتي بيتعاملوا معايا كأن ما فيش حاجة حصلت خالص، وده بيجبرني أعتذر لهم على غضبي عليهم أو على أي حاجة حصلت مني وقت ضيقي.
رسمت ابتسامة عريضة وهي تسأله من جديد كأنما تستحضر عقله وتنبه قلبه:
- عارف بعتذر ليه رغم إنهم بيكونوا غلطانين؟
- ليه؟
سأل بتلهف للإجابة، ولم تبخل عليه بسرعة الرد:
- عشان ما كبروش المشكلة، بالعكس واجهوها، وامتصوا غضبي عليهم بهدوء، وحتى لما هديت تعاملوا معايا كأن الغضب من حقي، وفي المقابل أنا بعتذر، عشان ببساطة هما قدَّروا ضغوطي.
زم شفتيه ونظر أمامه، كأنما يزن كلامها داخل عقله، قال بعد فترة صمت:
- ماما شايلة كتير فوق راسها، حتى ما بتقولش لبابا على مشاكلنا عشان ما يعاقبناش عقاب وحش بالضرب والشتم.
- ده بالظبط اللي عايزاك تفهمه يا باسم، الأم بالأخص بتبقى شايلة حمل كبير، ومن وقت للتاني الضغط بيخليها تتصرف تصرفات ما تقصدهاش، أو تيجي على أولادها في لحظة ضيق، مش كره ليهم، بس مش قدامها غيرهم، لكن لما تهدى بتعوض.
صمت مجددًا، تنهد قبل أن يقرر بهدوء غريب عليه:
- أنا هروح بقا، زمان بابا رجع البيت وهيسأل عليا.
- لو حابب تبات هتصل بيهم و...
- لا يا خالتي، هروح أفضل، عندي دروس أصلا لازم أذاكرها وما عيش الكتب.
- ربنا يوفقك يا حبيبي.
صافحها بود، وغادر متجهًا لبيته، داخله يتضارب، والكثير من المواقف تحضره في تلك الأثناء، إذ يحمل بقلبه بعض ضغينة على أبيه المنغمس في عمله دون مراعاة لهم، ويوم يلتفت إليهم يكون بالضرب أو السب لأخطاء ارتكبوها، أما أمه فمسئولياتها أكبر من أن يضع عليها عبء الذنب، فحقًا أي منهم جميعًا ستسعى خلف رضاه! نفض عقله حين وصل إلى باب العمارة، ودخل يجر مع قدميه ضيقًا يعرف سببه، لكن لا يعرف له حلًا، فقط سيترك كل الأمر للوقت، وهو كفيل بكل شيء.
طرق الباب ففتحته والدته، وما إن رأته اختلطت المشاعر والتعابير داخل عينيها: عتاب، واطمئنان، وحب، قرأ كل ذلك في نظرة واحدة، لكنه تجاهل الأمر برمته، ودخل ليصطدم بعيني والده الجالس أمام شاشة التلفاز يتابع نشرة الأخبار، ويحتسي كوب شايه المسائي، سأل دون اكتراث كأنه يقوم بواجبه لا أكثر:
- كنت فين لحد دلوقتي؟
- رحت لتيتا شوية.
أومأ وهو يتابع النشرة دون أي إضافة، فألقى نظرة على أمه التي نفت برأسها وعينها، تطمئنه أنها لم تخبره بشيء، والغريب أنه لأول مرة لم يهتم، علم والده أو لم يعلم ما عاد يهمه. دخل مباشرة إلى غرفته وأخيه أحمد، وجد أحمد يجلس في ركن فراشه يستذكر دروسه، لم ينظر تجاهه أو يرفع عينيه عن كتبه، فدخل باسم يبدل ثيابه بصمت تام، الصمت الذي أجبر أحمد على رفع رأسه عن أوراقه، قال بحاجب مرفوع:
- لا أسكت الله لك حسًا يا أخ باسم!
نظر إليه بطرف عينه، ثم أشاح بوجهه يتابع ما يفعل، عقد أحمد ما بين حاجبيه متعجبًا، سأل بفضول:
- مالك يا باسم؟ حد مضايقك؟
- لأ، بس فيه درس في الفيزيا ما فهمتوش من الدرس ولا المدرسة.
- سهلة يا بني، روح لسمية هتشرح لك، أنت عارف إن روحها في الرياضة والفيزيا.. وبعدين تعالى هنا! من إمتى بتتضايق عشان دروس المدرسة؟ أنت متأكد ما فيش حاجة تانية؟
زفر باسم بضيق، وقال بانفعال:
- ما تخليك في كتبك أحسن، شاغل دماغك بيا ليه! يوه!
أنهى قوله مع سحبه كتب الفيزياء ومغادرته الغرفة، تاركًا خلفه أحمد مبتسمًا وهو يقول في سره: أهو ده باسم اللي أعرفه، مش الصامت العاقل!
بينما اتجه باسم إلى غرفة البنات، وقبل أن يطرق الباب أتاه صوت أسماء الخارجة من المطبخ، تسأل باهتمام:
- تشرب معانا نسكافيه؟
- ياريت، بس بتعملي لمين؟
- أنا وهدى، هنشربه في البلكونة. هتيجي؟
- لأ، ابقي هاتيه هنا، هخلي سمية تذاكر لي فيزيا، واعملي لها معايا.
زمت شفتيها بضيق، قالت باعتراض:
- أعمل لك أنت آه، هي لأ، لو عايزة تقوم تعمل لنفسها يا خويا، دي ما بتساعدش حد ولا بتعمل حاجة لحد، ومش هترضى تشرح لك أصلًا، من إمتى الكوباية المكسورة بتسقي ميه!
ضحك لجملتها الأخيرة، وقال بينما يفتح الباب غافلًا عن طرقه:
- أنتِ مشكلة.
دخل الغرفة ليرى أمارات الفزع والتوتر على ملامح سمية التي ألقت بشيء ما أسفل الخزانة، وما إن اطمأنت أنه هو الذي أمامها، تنهدت بعمق، وقالت بصوت خفيض غاضب:
- أنت ما بتخبطش على الزفت ليه؟ وقعت قلبي.
أغلق الباب ببطء وهو عاقد الحاجبين، سأل باهتمام:
- أنتِ كنتِ بتعملي إيه مخوفك كده؟
- هعمل إيه يعني! كنت بذاكر، بس اتخضيت لما فتحت الباب فجأة.
- فجأة إيه يا سمية، أنا وأسماء بقالنا ساعة بنتكلم قدام الباب، وصوتنا واصل الجيران، مش معقولة ما سمعتيش.
ألقى نظرة تجاه الخزانة، ثم تابع مشيرًا برأسه إلى أسفلها وهو يسأل:
- وإيه اللي رميتيه تحت الدولاب ده؟
توترت، وفركت يديها معًا قبل أن تجيبه بتردد:
- هقول لك، بس والله لو قلت لبابا يبقى آخر كلام بيننا.
عقد بين حاجبيه، ورد باستفزاز:
- وهتفرق إيه يعني آخر كلام ولا أول كلام!
لوت شفتيها ضيقًا منه، وقالت بنبرة خفيضة:
- دي رسمة برسمها لواحد معايا في الكورس، طلب أرسم خطيبته، وهيشتري الرسمة.
تبدلت تعابير وجهه للذهول، قال وهو يجلس إلى فراشها:
- هتبقي مشهورة يعني؟ طب ده أنا أفرح لك يعني.
زفرت أنفاسًا مطمئنة، لا يبدو عليه غدرًا، سألت وهي تقابله الجلوس:
- عايز إيه بقا؟
- لو خلصتِ عايزك تشرحي لي درس فيزيا، ولو لسه ما خلصتيش هستناكِ، يعني عشان لو حد دخل علينا نداري الموضوع في إنك بتذاكري لي.
نظرت إليه بطرف عينها، لم تقرأ على ملامحه سوى الجدية، سألت بحذر:
- أنت كويس يا بني؟ مش مرتاحة لأسلوبك.
- هتشرحي لي ولا أقوم أنام؟
قالها انفعال، فأشارت بيدها مع قولها:
- خلاص خلاص، يلا هشرح لك وأمري لله.
- لا يا ختي أنتِ مش بتمني عليا، أنتِ هتشرحي لي وأنا هداري عليكِ.
ضحكت قائلة:
- أهو ده باسم اللي أعرفه.
ضحك بدوره قبل أن تشرع في شرح الدرس له، وبدوره فهمه جيدًا، تنهد ما إن انتهيا ليقول مبتسمًا:
- أي وقت عايزة ترسمي عرفيني وهاجي لك بالكتب كأنك بتذاكري لي.
- وده من إيه إن شاء الله!
- تصدقي أنتِ المعروف ما ينفعش معاكِ.
- أكيد فيه مقابل يعني.
- هو أنتِ فاكرة كل الناس زيك يا بنتي؟ مصلحجية! وبعدين وريني الرسمة، عايز أشوفها وأقيمها.
حدجته بطرف عينها رافعة حاجبًا قبل أن تتحرك لتأتي برسمتها قائلة:
- حوش يا بني، أصلك فالح أوي وهتفهم في الرسم.
- بدأنا نشوف نفسنا على الخلق أهو.
ضحكا سويًا ليبدأ بينهما عهد جديد بمعاملة جديدة، وكأن الموقف الذي جمعهما الآن ربط بينهما بشكل ما، ليصبحا في بيت لم يشهد إلا وحدة تبتلع كل فرد في عالم يخصه. اثنان قررا الاتحاد والعيش في فريق يكمل بعضه بعضًا. لكن أيهما لم يحسب حسابًا لأن يكون حديثهما قد تسرب من زوايا الباب المغلق عليهما، لتشهد عليه أذنا مَن لا يرنو لسلام بهذا البيت، ابتسامة خبيثة علت شفاهًا قررت ألا تصمت عما
سمعت، وأن تكون هي مشعلة النار في هذا البيت.
