رواية عروس الغريب الفصل السابع 7 بقلم شاهندة سمير

              

رواية عروس الغريب الفصل السابع 7 بقلم شاهندة سمير
الفصل السابع

انحدرت دمعة من عينيه تلتها المزيد من العبرات وهو يتطلع إلي وجه والده الذي بدا مُنيراً ومطمئناً كما لم يبدو قط،لقد جاء إلي حجرته منذ قليل ليطمئن عليه فوجده علي هذه الصورة،ظنه نائماً فلم يُرد ازعاجه ولكنه أراد فقط أن يقبل جبينه كما اعتاد كل يوم، رجفة سرت في قلبه وارتعشت أوصاله وهو يستشعر برودة بشرة والده، استقام بسرعة يتطلع إلي وجه الأخير بصدمة قبل أن يسرع بتناول يده وتحسس نبضه ليتأكد هاجسه ويدرك أن والده وافته المنية.. لم تستطع قدماه أن تحملانه فخر راكعاً جوار السرير،ينعي أباه بصمت بينما أراد الصراخ بأعلي صوته..

أبي..
بالله عليك استفق.. افتح أهدابك المغلقة وتطلع إليّ بمقلتيك الحانيتين.. لا ترحل سريعاً هكذا وتتركني وحيداً.. 
اللهم إليك المشتكى..
كيف أصبر علي الفراق وقد كان لي كل شيء؟
كيف أخبر قلبي المحترق أنه لن يستطيع البقاء في كنف هذا الرجل العظيم بعد الآن؟
كيف أستطيع أن أواريه الثرى وأنا دونه لا شيء؟
مجرد حطام مبعثر الروح والوجدان وقد كان أبي ولا أحد غيره القادر علي لملمة مشاعري المتناثرة، هو دون غيره من يستطيع احتواء ثوراتي وأعاصيري..هو الملجأ والوطن.. فإلي أين المفر؟ 

حمل يده الباردة بين كفيه ومال يلثمهما بحنين جارف وحزن كلهيب الجحيم.

طرقات علي الباب ثم دلوفها إلي الحجرة تقول بمرح:
_مساء الخير علي أحلي عم عزيز في الد.....

أخرسها إلتفاته إليها بدموع أغرقت وجهه، فاتسعت عيناها بهلع وهي تنقل بصرها بين المتمدد في سريره وبين هذا الرجل الذي نهض ببطء يتطلع إليها.. عادت ببصرها إلي العم عزيز وقد اغرورقت عيناها بالدموع، ثم عادت تتطلع إلي غريب تهز رأسها برفض تام لإدراكها حقيقة موته،تهدلت كتفيه و أطرق برأسه فاقتربت بخطوات بطيئة من سريره تقول بصوت مذبوح من الألم:
_عمي عزيز.. عمي..

هزته برفق فلم يستجب أردفت تقول بمرارة:
_اصحي ياعمي وبطل هزار، انت عارف اني مبحبش الهزار في الحاجات دي.

وجدها غريب تمسك يده فجأَة وتسحبه فشعر بالصدمة وهي تقول من خلال عبراتها:
_قوله ياغريب، قوله كفاية هزار.. أنا مبحبش الهزار في الحاجات دي.. قوله يفتح عينيه ويبصلي.. قوله يرد عليا.. انت ابنه وهو بيحبك قوي وهيسمع كلامك.. مش كدة؟

لم يدري بم يجيبها وقد رأي الحزن يطل من ملامحها وعبراتها وصوتها، يعتصر قلبها كما يعتصر قلبه، أدرك في هذه اللحظة ولأول مرة أن هذه الفتاة قد أحبت والده بصدق، فلا أحد يستطيع التمثيل بتلك البراعة، وللمرة الثانية يجد نفسه حائراً لا يستطيع سبر أغوار الشخص الذي أمامه.. أتُراها مخادعة حقاً أم بريئة ألقتها الظروف في طريق والده فأعدته كوالدها؟أو ربما هي الإثنين.. شيطانة أتابها الحب.

أفاق من أفكاره علي صوتها الملتاع وهي تترك يده وتخر جوار والده قائلة بهذيان:
_أروح فين دلوقت وأعمل إيه من بعدك؟ ده أنا ماصدقت يبقالي حد يحبني ويخاف عليا، حد يعوضني أمي اللي راحت مني.. انت مش قولتلي هفضل جنبك ومش هسيبك أبداً يارقية، سيبتني ليه دلوقتي؟ أنا لسة محتاجالك.. لسة مشبعتش منك ومن حنيتك عليا.. قوم عشان خاطري.. مينفعش كل حد أحبه يروح مني بالشكل ده.. قوم بقي وبطل هزار.. قوم ياعمي.

بدأت تهزه بهستيرية وهي تطلب منه النهوض فسحبها غريب من يدها وأنهضها تقف قبالته وهو يقول بألم متطلعاً إلي حدقتيها الزائغتين :
_مش هيقوم.. بابا مات يارقية.. مات خلاص ومش هيرجع تاني للحياة مهما عملنا.

ظلت لثوان تتطلع إلي مقلتيه بهلع قبل أن تغمض عيناها بقوة تبكي في البداية بصمت ثم بدأ يعلو صوت نحيبها كنشيج يقطع نياط القلب، يرتعش جسدها بقوة حتي أدرك غريب أنها علي وشك الإنهيار، وجد نفسه ودون وعي يضم جسدها إليه يغمرها بقوة، تجمد جسدها للحظة قبل أن تستسلم لغمرته، تفرغ كل انفعالاتها داخل صدره، أغمض عيناه بدوره وترك دموعه مجدداً تعبر عن دواخله، يكشف ضعفه لأول مرة لأحد غير والده، زادت ارتعاشة جسدها فوجد يده ترتفع وتملس علي شعرها الحريري مهدئاً إياها وصوته يشاركه تعاطفه معها وهو يهمس في أذنها أن لا بأس من البكاء.. يعدها بأن يكون كل شيء علي مايرام، حتي شعر بثقل جسدها وارتخاءه بين يديه ليدرك بألم أنها استسلمت للحزن حتي غشيها بسواده وجذبها عمقه السحيق.
______

ربتة برفق علي كتفها جعلتها تستدير بالإتجاه المعاكس وهي تسحب الغطاء وتتدثر به مغمضة العينين ، تقول بنعاس:
_خمس دقايق كمان ياماما وهقوم.. أنا صحيت خلاص.

_أنا بدر ياقمر.

فتحت أهدابها تتسع عيناها بصدمة ما إن وصلتها كلماته، تدرك في لحظة أحداث الأمس لتوقن من أن موقظها هو بدر زوجها وليس أمها كما ظنت.. استقامت معتدلة بسرعة تضم الدثار إليها رغم ثوب نومها المحتشم ترفع يدها تُعدل من وضع شعرها المبعثر بارتباك تلعن عدم استيقاظها باكراً لتصلح من مظهرها علي الأقل حتي لا تجد نفسها في هذا الموقف المحرج تتساءل بحنق عن شكلها وكيف يراها الآن.. خرج صوتها متلعثماً تنطق حروفها بصعوبة وهي تقول:
_ص.. صباح الخير.. خير يابدر.. كنت عايز حاجة؟ أ.. أقوم أحضرك لك الفطار؟

هز رأسه نفياً وهو يقول:
_خالتي برة، جايبة صينية الفطار وجاية تتطمن عليكي، قومي غيري هدومك وإلبسي حاجة تناسب عروسة وأنا هحاول أأخرها شوية.

هزت رأسها دون كلمة وقد أصابها الإحراج لتلميحه المبطن عن ملبسها الذي لا يليق بعروس في ليلة زفافها، كيف تخبره أنها اختارت عبائتها تلك لتنفي عن نفسها أي فكرة قد تراوده عنها.. وأنها قطعاً لا تحاول اغراءه وسلب ذكريات زوجته الأولي.. غادر الحجرة فتنهدت، تنفض عبرات تجمعت في مقلتيها عن صباح ليلة زفافها التي لطالما حلمت بها، بين حلم وواقع يحطم القلب إلي فتات وبكل الألم وأنّات القهر لا وقت لديها للملمة حطامه، بل عليها الإسراع بتبديل ملابسها والظهور كعروس سعيدة قضت للتو أسعد ليلة بعمرها.

____

_طمنيني يابنتي.. كله تمام؟

همست إحسان فقالت قمر بخجل:
_قولتلك اطمني ياماما.. كل شيء تمام.

_مش باين ياحبيبة أمك.. هو ده وش عروسة يوم صباحيتها؟ وشك دبلان وعنيكي حمرا لون الدم.. زي ماتكوني بتعيطي طول الليل. 

قالت قمر بارتباك:
_بتهيألك ياماما.. يمكن عشان منمتش كويس.. انتِ عارفة العرسان بقي، بقولك إيه.. كفاية كلام بقي في الموضوع ده.. بدر جه أهو.

في هذه اللحظة ظهر بدر مقترباً منهما يحمل صينية عليها بعض أكواب العصير، وضعها علي الطاولة قائلاً:
_منورانا ياحماتي.

نهضت إحسان من جوار إبنتها وجلست علي المقعد المقابل وهي تقول:
_حماتك إيه دي كمان؟ أنا سونة يابدر.. خالتك ياواد ولا نسيت؟

جلس جوار قمر يضع يده علي كتفها وهو يضمها إلي جواره بأريحية أثارت خفقات قمر وارتعش لملامسته جسدها بأكمله بينما يقول هو بمرح:
_منسيتش طبعاً، انتِ سونة.. خالتي اللي بحبها وبموت فيها كمان.

رأت قمر في عيون والدتها نظرة رضا واطمئنان لحركته العفوية تلك لتدرك سبب فعلته، لابد وأنه رأي نظرات والدتها القلقة وأراد أن يمنحها شعور الاطمئنان علي ابنتها، في حين عجزت هي عن فعل ذلك رُغم أنها من طلبت منه هذا الأداء التمثيلي إلا إنها عاجزة علي مايبدو وليس لها أي قدرة علي التمثيل. أفاقت علي صوت والدتها وهي تقول:
_كريمة باعتالكم السلام.

_شوية كدة وهنطلع نصبح عليها بنفسنا.

_لا.. انتوا عرسان جداد مينفعش تخرجوا دلوقت خالص ياقمر ولا إيه يابدر؟

_اللي قمر تشوفه ياخالتي.. لو حابة نطلع هنطلع.

_أنا خالتي وحشتني قوي وبصراحة أنا عارفة انها مش هتتطمن غير لما تشوفنا بعيونها.

مال يتطلع إلي عينيها وهو يقول بابتسامة هادئة:
_يبقي نطلع ياقمر.

لم تستطع الحيد بنظراتها عنه وقلبها يخفق بسرعة جنونية بينما تعملق الشوق بأحشائها حتي أنها أرادت أن ترتمي بحضنه في هذه اللحظة، تحتضنه بقوة وتخبره كم تعشقه، صوت رنين هاتفها جاء ينقذها من تهورها لتتطلع إلي شاشته تقول بصوت مبحوح:
_دي رقية.. أكيد متصلة تباركلي. 

أخذت هاتفها ونهضت قائلة :
_ثواني هرد عليها وأرجعلكم. 

غادرت المكان بسرعة يتبعها صوت والدتها التي قالت برضا:
_ربنا يهنيكوا ياولاد.. هسيبكم تفطروا ولما تخلصوا ابقوا اطلعوا. 

استندت إلي حائط المطبخ تضم الهاتف إلي صدرها وهي تغمض عيناها، تأخذ نفساً عميقاً قبل أن تفتحهما مجدداً وقد هدأت خفقاتها بعض الشيء، تقول بلهفة:
_رقية..

تفاجأت بصوت رجولي يقول بحزن:
_أنا غريب يامدام قمر..أنا آسف اني بكلم حضرتك دلوقت بس الحقيقة ان والدي مات وحالة رقية النفسية مش تمام، أنا عارف إنك أقرب واحدة ليها وعشان كدة....

قاطعته قائلة بحزن وحزم:
_البقاء لله ياأستاذ غريب.. دقايق وهكون عندكم.

_أنا متشكر قوي.

أغلقت الهاتف وهي تقول بهمس حزين:
_لا حول ولا قوة إلا بالله.. ياعيني عليكي يارقية، ده انتِ لسة مفوقتيش من حالة الحزن اللي عيشتيها بعد وفاة مامتك، أكيد موت عم عزيز فكرك بيها ده غير انك كنتِ بتحبيه زي باباكي وأكتر.. ياتري عاملة ايه دلوقت؟

خرجت إلي الصالة فالتفت بدر إليها وماإن رآها حتي تجمدت ابتسامته وهو يرى دموع مآقيها، نهض مسرعاً يقترب منها قائلاً بقلق:
_مالك ياقمر.. حصل إيه؟

رفعت هاتفها قليلاً تقول بحزن:
_عم عزيز اللي بتعتبره رقية زي باباها مات وجوزها كلمني من تليفونها وبيقول ان حالتها مش كويسة وانها محتاجاني.

لتتطلع إلي مقلتيه برجاء قائلة :
_لازم أروحلها يابدر وأكون جنبها في الوقت الصعب ده.

قالت والدتها :
_ياندامتي يابنتي.. عايزة تخرجي من البيت يوم صباحيتك.. الناس تقول إيه؟

أوقفها إشارة يد بدر بالصمت وهو يقول بحزم:
_الناس تقول اللي هي عايزاه.. كلامهم لا هيقدم ولا يأخر.. ده واجب ياخالتي.. الراجل استنجد بيها زي ماسمعتي.. صاحبتها وعشرة عمرها محتاجالها ولازم تكون جنبها، ادخلي غيري هدومك وأنا هوصلك.

طالعته بامتنان من خلال دموعها فهز رأسه بهدوء، استحثت قدماها لتسرع بتبديل ثيابها بينما رددت إحسان:
_لا حول ولا قوة إلا بالله.

____

اشتقت إليك ولم يمر علي رحيلك بضع سويعات
اشتقت للحظاتنا معاً
لضحكاتنا سوياً.. للهو طواه النسيان
اشتقت لمواساتك.. لتشجيعك.. لصوتك الحنون وفيض كرمك
اشتقت لعمر قضيناه معاً وسعادة ظنناها للأبد
إلي أين رحلت ياأبي وتركتني سريعاً؟ 
ألم تستطع الإنتظار قليلاً ؟ 
أنا لم أكتفي منك بعد.. 
كنت لي الظهر والسند.. الوطن والكنف وحين رحلت فقدت كل شيء وصرت وحيداً كما لم أكن قط. 

تنهد بحزن يحتوي الدموع بمقلتيه قبل أن تنهمر ويُظهر ضعفه للحاضرين من مقدمي واجب العزاء، يحاول بكل قوته أن يتظاهر بالجلد أمامهم كما اعتاد طيلة عمره، لم يكن يُظهر ضعفه سوي لاثنين في حياته.. ماتت الأولي_أمه _فلم يشعر باليتم حتي اليوم حين توفي أباه، رفع ناظريه يتأمل الوجوه من حوله حتي استقر بناظريه عليها هي، مطرقة الرأس شاحبة اللون تضم كفيها في حجرها، يري دموعها المتساقطة من عينيها المتواريتين تتلقفهم بكفيها وتضمهم بقوة بينما جلست جوارها صديقتها تربت علي كتفيها بحنان وتلقي علي مسامعها عبارات مواساة كما يبدو.. رفعت وجهها في هذه اللحظة تنظر أمامها فتلاقت عيناها بعينيه، لم يستطع الإشاحة بوجهه وقد تعلقت العيون بنظرة طويلة ظللها الحزن، شعر من بين الحضور جميعهم أنها الوحيدة التي تشاركه حزنه الآن، يتذكر كيف غشيها السواد بين ذراعيه  تتساقط دموعها حتي في غيبوبتها المؤقتة حتي استفاقت تنادي أباه بلوعة حزن غاشم أدركه وشعر بصدى عبراتها المنتحبة في قلبه حتي هدأت تذكر الله وتستغفر ثم توضأت وجلست جوار جسد والده تقرأ القرآن بصوت مس قلبه ليبدأ اجراءات دفن والده وإرساله إلي لحده_مثواه الأخير_بقلب يبتهل إلي الله أن يُحسن تكريمه كما أحسن تربيته.

كانت هي أول من قطع تواصلهما الروحي وهي تنتبه لإحدي النساء اللاتي جئن لتقديم واجب العزاء، تنهد بحزن وهو ينهض بدوره ويتلقي العزاء من بعض الرجال.

______

_هي مين دي؟أنا شوفتها قبل كدة، آه.. يوم كتب كتابك، مش كدة؟ 

رفعت رقية ناظريها تتطلع إلي الفتاة التي تشير إليها قمر بعينيها، وجدتها تتطلع إليها بنظرة حاقدة لم تستطع أن تخفيها علي مايبدو، أشاحت بناظريها عنها وهي تطرق برأسها مجدداً قائلة:
_سيبك منها.

_هي بتبصلك كدة ليه؟ وإيه الفستان الإسود اللي هي لابساه ده.. ضيق وفوق الركبة ولا الميكب الأوفر اللي هي حطاه ده، هي مش آخدة بالها إنها جاية عزا؟

_قولتلك سيبك منها.

_إلحقي دي جاية علينا.

رفعت رقية وجهها فوجدت هذه الفتاة تتجه إليهما بالفعل، تتوقف أمامهما تماماً وهي تقول بسماجة:
_البقاء لله يا.. يامدام.

لم تتحرك رقية وهي تهز رأسها بهدوء فأردفت المرأة قائلة:
_قوليلي هي المدام تقرب لآنكل عزيز إيه؟

قالت قمر بغيظ من لهجة هذه الفتاة الساخرة:
_مرات ابنه ياحبيبتي، انتِ مش كنتِ حاضرة كتب الكتاب ولا نسيتي، معلش يهده الزهايمر مش سايب كبير ولا صغير.

_انتِ مين انتِ كمان؟ وإيه الأسلوب البيئة اللي بتكلميني بيه ده؟

نهضت قمر تقول بغضب:
_بيئة.. اقفي عوج واتكلمي عدل ياست انتِ، انتِ اللي مين عشان تكلمينا بالشكل ده؟

نهضت رقية بسرعة تمسك يد صديقتها وهي تقول برجاء:
_عشان خاطري ياقمر، سيبك منها.. عشان خاطر عمي عزيز الله يرحمه.

_انتوا اتجننتوا ولا إيه.. مش عارفين بتكلموا مين؟ أنا نفين عز الدين.. بنت رأفت عز الدين.. تصدقوا ! أنا اللي غلطانة إني عبرتكم أساساً وجيت أعزيكم.

_الغلط يترد وتمشي حالاً من المكان مادام مش قادرة تحترمي أصحابه يانفين.

صوته العميق الصارم جعلهم جميعاً يستديرون إليه، تطلعت نفين إليه بذهول قائلة:
_انت بتطردني عشان شوية الجرابيع دول ياغريب؟ 

صار صوته قاسياً كما لم يكن قط حازماً وهو يقول :
_اللي بتتكلمي عنهم دول يبقوا مراتي وصاحبتها، عارفة يعني إيه تهيني مرات غريب المنياوي، يعني بتهينيني أنا شخصياً وأنا مستحيل أسمح بالإهانة ليا أو لحد من عيلتي.. ثواني وألاقيكي برة بيتي.. مفهوم؟ 

_غريب أنا..... 

هدر قائلاً لمراد الذي أصبح جواره الآن:
_خد أختك من قدامي دلوقت يامراد، أنا لسة عامل اعتبار ليك بس قسماً بالله ثواني وهطردها بنفسي ومش هيهمني أي حاجة في الدنيا.

أسرع مراد يسحب أخته للخارج وهي تردد في هستيرية:
_بقي كدة ياغريب، أنا تطردني من بيتك عشان الجرابيع دول.. ماشي ياغريب.. ماشي.. أنا هوريك.. هوريكم كلكم.

تجاهلها غريب تماماً وهو يلتفت لرقية، يقول بأسف:
_أنا متأسف جداً علي اللي حصل وأوعدك ميتكررش تاني.

_ولا يهمك.. محصلش حاجة.

هز رأسه ثم عاد إلي مكانه بهدوء تتبعه عيناها لتنتبه علي صوت صديقتها وهي تقول:
_الراجل ده حيرني والله بس ملوش حل ، شوفتي طردها ازاي عشانك.. راجل من ضهر راجل.. طالع لأبوه.. مش كدة يارقية؟

_ها.. مش عارفة.. الظاهر كدة ياقمر.

____

_ياهمام بيه.. ياسي همام.. إلحقنا ياشيخنا.

كان يجلس علي كرسيه يستند إلي عصاه ويتطلع إلي الأرض الخضراء الممتدة أمامه بصمت كعادته كل يوم في هذا الوقت حين انتبه إلي غفيره الذي يناديه، فقطب جبينه قائلاً:
_خير ياولد.. عتنادم عليا إكده ليه؟

ناوله صحيفة كانت في يده وهو يقول:
_منصور بيه باعتني ليك بالجريدة دي وبيقولك اقرا الخبر اللي فيها.. لقيناه ياسي همام.. لقينا اللي عتدوروا عليه بقالكم كاتير ومش لاقيينه.

فتح همام الجريدة يتصفحها بلهفة حتي وقعت عيناه علي صورة كبيرة تتصدر صفحة الوفيات، التمعت عيناه بقوة وهو يتطلع إلي ملامح صاحب الصورة ليقول بنبرة توعد :
_والله زمان ياعزيز.. يعني يوم ماالاقيك تكون قابلت وجه كريم.. مش مهم.. فيه ولدك يدفع حسابك وياإما يدلنا علي لحمنا ودمنا اللي ضاع منينا  ياإما يدفع التمن وتكون حياته قصاد كل القديم.

قبض علي الجريدة بقوة والذاكرة تعود به إلي الوراء، إلي خمسة وعشرون عاماً علي وجه التحديد..خمسة وعشرون عاماً من الحزن والهم.... والفقد.


تعليقات



<>