رواية حين أضاء قلبي الفصل الخامس 5 والسادس 6 بقلم يارا زين

           

رواية حين أضاء قلبي الفصل الخامس 5 والسادس 6 بقلم يارا زين


 الفصل الخامس .. حين تشتد العواصف

_______

         << صراع داخلي >>


في صباح يوم جديد كانت أشعة الشمس تتسلل عبر الزجاج العريض لمبنى الشركة ، تلقي بوجهها الذهبي على الأرضية اللامعة بين المكاتب المنظمة والموظفين الذين يتحركون بجدية، جلس حمزه خلف مكتبه الجديد في قسم الإدارة المالية والمحاسبه، يتفحص بعض التقارير بإمعان.


لم يكن الأمر سهلاً عليه لقد بدأ العمل للتو، هو الذي اعتاد حياة اللهو والترف، وجد نفسه مضطرًا لدخول هذا العالم الجديد، عالم الأرقام والميزانيات، لم يكن سعيدًا بوجوده هنا، لكنه لم يكن يملك خيارًا آخر فوجوده في الشركة كان بأمر من والد ضيّ، وكان دوره واضحًا وهو أن يكون قريبًا منها  ولذلك أجبر نفسه على التركيز حتي أظهر كفاءة سريعة في التعامل مع الأرقام والتقارير المالية، بفضل دراسته في كلية تجارة إنجليزي ولهذا تم تثبيته سريعاً بالشركه .. 


تذكر كيف وقف أمام والد ضيّ، الرجل الذي تسبب في سجن والده، يطلب فرصة عمل ليس لأنه أرادها، بل لأنه كان مضطرًا لسداد الدين الذي حطّم أسرته؛ للمره المليون التي يتذكر فيها كيف تم القبض علي والده فقبض على القلم بين أصابعه بقوة، وكأنه يواجه حربًا داخلية بين كرامته وكبريائه، وبين حاجته إلى البقاء هنا.


وفي تلك اللحظة، وفي خضم أفكاره المشتتة، انفتح باب المكتب فجأة، وتسللت منه ضي؛ وقفت أمامه بثبات تحدٍ واضح لكن نظرتها تحمل مزيجًا من الحيرة والريبة قائله ببرود:-


"حمزه انا عايزه اعرف إنتَ ليه ممشتش من هنا ؟ "


رفع رأسه إليها ببطء ولم يبدُ عليه التوتر، نظر في عينيها اللتين تلتمعان بتحدٍّ واضح، ثم ألقى القلم من يده واستند إلى كرسيه باسترخاء مصطنع، قبل أن يرد بنبرة هادئه :-


- " قولتلك اني جاي هنا علشان اشتغل زي أي موظف ."


ضيّ لم تصدقه للحظة، تقدمت نحوه بخطوات ثابتة، وضعت يدها على المكتب ونظرت إليه مباشرة، لتقول بصوت خافت لكنه يحمل حدة لا تخطئها الأذن


"أنا مش غبية، وعمري ما كنت ولا هكون؛ انا فاهماك اوي، وأنت عارف ده كويس  ."


لم يتحرك حمزه لكنه التقط قلماً وبدأ يديره بين أصابعه للحظات، وكأنه يقيس كلماته قبل أن يتحدث، ثم رفع حاجبه بسخرية قبل أن يقول:


" ولو كنتي ؟"


ضيّقت عينيها قليلاً، تشعر أن هذا الرجل يخفي أكثر مما يظهر منذ اللقاء الأول بينهما، لم يكن الانطباع عنه جيدًا، ثم تقدمه لخطبتها والآن وجوده في نفس المكان الذي تعمل فيه، كل هذا جعل الشكوك تتسلل إلى عقلها.


تراجعت خطوة للخلف، وضمت ذراعيها أمام صدرها، قبل أن تقول بحدة:


- أنا مش هسكت لحد ما اخليك تمشي من هنا ،  وصدقني.. لو كنت فاكر إنك هتضحك عليا، تبقى متعرفنيش كويس.


لمعت عينا حمزه للحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة قبل أن يرد بصوت منخفض:


"أُمال ليه حاسس إنك خايفة؟"


شدّت قبضتها، لكنها لم تمنحه ردًا نظرت له نظرة أخيرة قبل أن تستدير وتخرج من المكتب، مغلقة الباب خلفها بقوة.


تركها حمزه تذهب، لكنه شعر بغصة غريبة في صدره. لم تكن هذه الفتاة سهلة كما توقع، وهي بالتأكيد ستكون عائقًا أمام خططه؛ لكنه لن يسمح بذلك... لن يسمح لأي شيء بإيقافه عن هدفه.


"اللعبة بدأت ياضي .. بس خلي بالك، مش كل اللي بيبان قدامك هو الحقيقة."


همس بها لنفسه، قبل أن يعود لتقليب الأوراق أمامه، وعيناه تحملان بريقًا غامضًا لا يعكس سوى بداية صراع جديد بينهما.


         ***  ما بين الماضي والحاضر ***

    

خرجت ضيّ من مكتب حمزه بخطوات سريعة، تحاول أن تهدئ من غضبها. لم تفهم لماذا وجوده هنا يثيرها بهذا الشكل، لكن حدسها يخبرها أن هناك شيئًا خاطئًا.


استنشقت الهواء العليل الذي يمر عبر النوافذ الزجاجية الطويلة، لكن قلبها مازال ينبض بعنف. حاولت أن تبعد كل شئ عن عقلها، لكن أثرها مايحدث محفورًا في داخلها. 


في نفس اللحظة، كان حمزه جالسًا في مكتبه، لكنه لم يكن يقرأ التقارير كما يبدو. عيناه كانتا معلقتين بالسقف، وعقله غارق في ذكرياته الخاصة.


🔻 فلاش باك - قبل اربع سنوات  🔻


ركض حمزه عبر المستشفى، يبحث عن الطبيب بعينين مذعورتين. عندما وصل إلى غرفة الطوارئ، رأى والدته جالسة على الأرض، عيناها مليئتان بالدموع، تحتضن جسدها كأنها تحاول منع نفسها من الانهيار.


تقدم إليها قائلاً : "ماما؟! مالك في ايه ؟!"


رفعت رأسها إليه، ونطقت بصوت مرتجف:


"حمزه... أخوك مات."


تجمد في مكانه. شعر كأن الهواء يُسحب من رئتيه، وكأن العالم كله أصبح بلا صوت.


نطق بصدمه " لا، مستحيل!"


لكن الحقيقة كانت أمامه. سيف، شقيقه التوأم، رحل بسبب مرضه، بسبب عملية لم يكن لديهم المال الكافي لإجرائها.


في تلك الليلة، قرر حمزه شيئًا واحدًا: لن يسمح للفقر بأن يكون سببًا في خسارته لأي شخص آخر.


🔺 نهاية الفلاش باك 🔺


عاد للحاضر، قبض على يده بقوة. هو لم يكن سيئًا، لم يكن شريرًا، لكنه تعلم بالطريقة الصعبة أن العالم لا يرحم الضعفاء. والآن، كل ما يريده هو الانتقام، ليس فقط من ضيّ وعائلتها، بل من الحياة نفسها.


ولكن ما لم يكن يعرفه، هو أن القدر كان يجهز له طريقًا مختلفًا تمامًا... طريقًا لم يكن يتوقعه أبدًا.

   

                           **********


في المساء، كانت ضيّ تجلس مع صديقتها هنا، تحاول أن تشتت عقلها عن أفكارها المزعجة.


"بجد يا ضيّ، مش قادرة أصدق إن انتي وهو شغالين في نفس  الشركة! ده أنا كنت فاكرة إنك عمرك ما هتشوفيه تاني ويومين وهيزهق ويمشي "


شردت للحظة قبل أن ترد: "وأنا كمان، بس واضح إنهم بيختبروا اعصابي "


ضحكت هنا ، لكنها سرعان ما صمتت عندما رأت شخصًا يدخل المقهى. نظرت إلى ضيّ بقلق وهمست:


"ضيّ، بصي مين دخل."


التفتت ضيّ ببطء، ورأت حمزه يقف عند المدخل، يبحث بعينيه عن طاولة.وبالطبع، التقت عيناه بعينيها.


في تلك اللحظة، أدرك كلاهما شيئًا واحدًا... هذه لم تكن مجرد صدفة، بل بداية لشيء أكبر بكثير.


التقت عينا ضيّ بعيني حمزه للحظة، لكنها شعرت وكأن الزمن قد توقف، وكأن الهواء في المكان قد أصبح أثقل.


لم يكن في نظراته أي دفء، بل كانت تحمل شيئًا أقرب إلى التحدي، إلى الانتقام المدفون خلف قناع البرود الذي اعتادت رؤيته عليه.


همست هنا وهي تحاول أن تبقي صوتها منخفضًا:

"يا نهار أبيض! هو حمزه بقى بيطاردك رسمي ولا إيه؟"


أبعدت ضي عينيها عنه، تنهدت بضيق وهي ترد بصوت منخفض:


" اكيد لاني حاسة إنه مش صدفة خالص إنه يبقى هنا."


كانت تحاول تجاهل وجوده، لكن حمزه لم يكن ينوي منحها هذه الفرصة. بخطوات ثابتة، تقدم نحو طاولتهما، وقف بجانبهما للحظة قبل أن يبتسم ابتسامة ساخرة وهو يوجه حديثه لضيّ:


"واضح إن الدنيا صغيرة أوي يا آنسة ضيّ، كل يوم بشوفك في مكان مختلف… عندي فضول أعرف، أنتي بتطارديني ولا ايه ؟"


رفعت عينيها إليه، لم يكن في وجهها أي تعبير يدل على الارتباك، بل واجهته ببرود مماثل وهي ترد بنبرة جافة:

"بصراحة؟ لأ … لأني مشغولة بحياتي ومش فاضية أهتم أنت بتقابلني فين."


ضحكت هنا بخفّة تحاول كسر التوتر، لكنها سرعان ما صمتت عندما وجدت أن الجو بينهما يزداد توترًا.


"عن إذنكم، واضح إنكم مشغولين في حرب شخصية، وأنا ماليش في الحروب، هروح أطلب حاجة أشربها!"


تركت الطاولة بسرعة، تاركة ضيّ وحدها أمام حمزه  نظرت إليه بضيق، ثم قالت بحدة:


" لو عندك حاجة عايز تقولها، قولها من غير لف ودوران."


_ أنا ولا أنتي 


رفعت حاجبيها باستغراب: "مش فاهماك."


اقترب منها قليلًا، نبرته أصبحت أكثر برودًا وهو يهمس بصوت منخفض، لكن كلماته كانت تحمل تهديدًا واضحًا


"فاكرة لما قولتلك إن الدنيا صغيرة؟ خلي بالك يا ضيّ، لأن الصدف أحيانًا بتكون مجرد لعبة قاسية من القدر… ولما القدر يلعب، محدش يعرف إيه اللي ممكن يحصل."


تركها بعدها، ومضى إلى طاولته كأن شيئًا لم يكن، بينما ظلت ضيّ جالسة مكانها، تشعر أن شيئًا خطيرًا يقترب منها… شيء لا تستطيع إيقافه


♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️


صرخة ضيّ ترددت في أرجاء المنزل، جعلت شقيقها كريم يرفع رأسه من هاتفه بسرعة وكأنما سمع إعلان حرب، بينما جلس شقيقها الآخر محمود على الأريكة، يهز ساقه بعصبية وينظر للأحداث وكأنه يشاهد فيلم أكشن مثير.


أما والدهم، فقد جلس في منتصف الصالة بكل هدوء، يحتسي القهوة وكأن ابنته لم تصرخ للتو وكأنها أُعلنت خطوبتها في مزاد علني.


"أنت حددت خطوبتي من غير ما تسألني حتى؟!" قالت ضيّ وهي تحدق في والدها بذهول.


ألقى هاني نظرة جانبية إلى زوجته منى، التي كانت تحاول أن تتظاهر بأنها مشغولة بترتيب بعض الأوراق على الطاولة. ثم تنهد بهدوء وقال:


"أيوه، لأنه قرار العيلة، وأنا مش هستنى لحد ما تقعدي تفكري وتأخري الموضوع."


"قرار العيلة؟!"  وضعت يديها على خصرها وهي تكاد تنفجر غضبًا. "وحضرتك مش شايف إن قرار زي ده المفروض أنا اللي اخده ؟!"


ابتسم والدها ابتسامة صغيرة وهو يضع كوب القهوة جانبًا:


"أنا أبوكِ، ودايمًا باخد قرارات لصالحك، وده واحد منهم."


هنا تدخل كريم أخيرًا، بعد أن شعر بأن الأمر خرج عن السيطرة:


"طب يعني إحنا كده فجأة هنلاقي نفسنا في خطوبة ؟! عادي كده؟! حتى من غير تدريبات نفسية؟!"


هنا ضحك محمود الذي كان صامتًا، ضحكة خافتة قائلاً: "أنا بس نفسي أشوف وش ضيّ وهي واقفة جنب حمزه… حد يجيب كاميرا يا جدعان!"


أطلقت عليه نظرة حارقة جعلته يسكت فورًا. ثم استدارت إلى والدها قائله بحدة:


"أنا مش هحضر أي خطوبة، ولو حمزه ده آخر راجل في الدنيا برضه مش هرتبط بيه!"


لكن رد والدها كان بسيطًا، وقاطعًا:

"هتحضري… وغصب عنكِ كمان."


🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍


في اليوم التالي، بينما كانت ضيّ تحاول أن تستوعب ما حدث، فوجئت بدخول الخادمة إلى غرفتها وهي تخبرها أن هناك ضيوفًا في الصالة بانتظارها .. 


نزلت ضيّ إلى الطابق السفلي، وقبل حتى أن تصل للصالة، سمعت صوتًا نسائيًا مرحًا يقول:


"يا حبيبتي والله كنا مستعجلين نشوفك… إنتِ عارفة، لازم نتعرف على القمر اللي هتبقى فرد من العيلة!"


عندما اقتربت ، وجدت نفسها أمام سلمى، شقيقة حمزه، ووالدتهما أمينه.


كانت سلمي شابة جميلة، تمتلك ملامح هادئة وابتسامة دافئة، بينما والدتها كانت تبدو سيدة قوية الشخصية، بعينين حادتين ولكن بابتسامة واسعة توحي بأن لا شيء في العالم يمكن أن يربكها.


"أهلًا وسهلًا بيكم." قالتها ضيّ بصوت جاف وهي تحاول أن تتحكم في غضبها.


ابتسمت أمينه قائله "أنا جايّة أشوف عروسة ابني اللي هتبقي بنتي التانيه واتعرف عليها!"


رفعت حاجبها ببطء قائله بسخرية: "عروسة ابنك؟ هو أنا سمعت غلط ولا في حاجة غريبة بتحصل هنا؟!"


ضحكت سلمى بخفة قائله "بصي، بابا الله يرحمه غلط منقدرش نقول غير كده يعني مهما كان محتاج كان المفروض ميعملش اللي عمله احنا مش محملينكم سبب موته كله قدر ومكتوب الله يرحمه .. وإحنا عارفين إنكِ مش مبسوطة، وحمزه برضه مش طاير من الفرحة، بس خلينا نقول إنها تجربة مثيرة! أهو بدل ما نعيش حياة مملة، على الأقل هيبقى فيها أكشن!"


لم تستطع منع نفسها من الابتسام قليلًا، لكن بسرعة أخفتها قائله بجدية:


"أنا مش شايفة إن في حاجة مثيرة في الموضوع غير إني مضطرة أتجوز واحد مش طايقني ولا طايقاه."


نظرت إليها أمينه بتمعن قبل أن تقول:


"عارفة ياحبيبتي ، بس أحيانًا القدر بيحطنا في مواقف غريبة، وساعات بنكتشف إنها أحسن حاجة حصلت لنا… جربي تدي حمزه فرصة، يمكن تكتشفي فيه حاجة مختلفة انتي مش شايفاها ."


تنهدت بصوت مسموع وهي تدرك أنها عالقة، سواء أرادت ذلك أم لا…


🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿


في اليوم التالي جلس حمزه في سيارة والده القديمه .  أمام منزل ضيّ، ينتظرها بنفاد صبر لم تكن هذه الخطبة تعني له أي شيء سوى أنها مجرد صفقة عليه إنهاؤها بأقل الخسائر، لكن، كما توقع، لم تكن ضيّ من النوع الذي يمكن التعامل معه بسهولة.


عندما وصلت، لم تركب السياره بجانبه فترجل حمزه وذهب إليها فنظرت إليه نظرة حاده قبل أن تقول بوضوح:-


-أنا مش عايزة أطول في الموضوع ولا عايزه تفاصيل… خلينا نتفق على الأساسيات.


رفع حاجبيه بسخرية: "أساسيات إيه بقى؟ مش إحنا هنتخطب؟ المفروض نمشي على العادات والتقاليد، ولا إنتِ عندك أفكار تانية؟"


لم تهتم بسخريته، بل أكملت ببرود:


"أنا هدخل في اللعبة دي بس علشان أحقق هدفي، وأظن إنك كمان عندك هدف مش كده؟"


أمال رأسه قليلاً وهو يدرس ملامحها، ثم قال بلهجة أكثر جدية:


"فعلاً… أنا داخل اللعبة دي علشان أسدد دين والدي، وأنتِ علشان تتخلصي من سيطرة والدك."


"كويس إنك فاهم، يبقى مش هنضيع وقت بعض."


ظل يراقبها للحظات قبل أن يقول بنبرة منخفضة:


"بس في شرط واحد… لازم نكون مقنعين. لازم الكل يصدق إننا فعلاً مرتبطين ومخطوبين بجد."


نظرت إليه بحدة، ثم تنهدت قائلة: "موافقه."


مد يده لها ليصافحها قائلاً  "اتفقنا "


اشاحت بنظرها عنه قائله " مبسلمش علي رجاله "


لم يجيبها ولم يدرك كلاهما أن هذا الاتفاق الذي بدا منطقيًا الآن، سيكون أكبر اختبار لمشاعرهما لاحقًا.


💛💛💛💛💛💛💛💛💛💛💛💛💛💛


في مساء اليوم نفسه، زارت ضيّ مع والدتها واخيها كريم منزل حمزه لأول مرة، بناءً على دعوة من والدته ، التي أصرت على استضافتها كنوع من الترحيب الرسمي بها.


عندما دخلت، استقبلتها أمينه بابتسامة دافئة، واحتضنتها بحرارة قائلة:


"أخيرًا، عروسة حمزه تحت سقف بيتنا!"


شعرت ضيّ ببعض التوتر، لكنها لم تستطع إنكار الراحة التي غمرتها بسبب ترحيب أمينه، لم تكن هذه السيدة تشبه والدتها في شيء، بل كانت طيبة، دافئة، تشعر معها وكأنها جزء من العائلة بالفعل.


- تعالي، تعالي، لازم تتعشوا معانا، وإلا هزعل منكم!


قالتها أمينه بحماس وهي تسحب ضيّ نحو السفرة، حيث كان حمزه يجلس بوجهه الجامد المعتاد، لكنه كان يراقب الموقف بصمت.


لم يستطيعوا الرفض فجلس الجميع وبينما كانت ضيّ تتناول الطعام، لاحظت كيف كانت أمينه تهتم بكل تفصيلة، تسألها عن أكلها المفضل، تحكي لها عن طفولة حمزه ، وكيف كان مشاغبًا، شعرت ضيّ لأول مرة منذ فترة طويلة أنها بين أشخاص لا يريدون السيطرة عليها، بل يرحبون بها بصدق.


قالت أمينه بحنان وهي تمسك بيد ضي 


- أنا حاسة إنكِ بقيتي بنتي،  مش بس خطيبه ابني ومراته المستقبلية.


شعرت ضيّ بارتباك، لكنها ابتسمت بخفة وهي تنظر الي والدتها قائله : "أنا مش متعودة على الحنية دي الحقيقة…"


حمحمت أمينه قائله باحراج " يبقى لازم تتعودي، لأنكِ مش هتشوفي مني غيرها."


نظرت ضيّ سريعًا إلى حمزه ، الذي كان يراقب المشهد بصمت. لم يكن يتوقع أن تتكيف ضيّ مع والدته بهذه السرعة… لكنه لم يكن يعلم أن هذا الأمر سيربك حساباته لاحقًا.


                   ****************


بعد العشاء، خرجت سلمى، شقيقة حمزه ، مع كريم، شقيق ضيّ، إلى الشرفه 


كانت سلمي تنظر إلى ضيّ بفضول، قبل أن تلتفت إلى كريم قائلة:


- إنت شايف إنهم مناسبين لبعض؟


ضحك كريم قائلاً:-


- الحقيقة؟ لا، انا شايف ان في كارثة منتظرة! 


ضحكت سلمى معه، ثم أردفت :-


- أنا بقى عندي إحساس إنهم مناسبين أكتر ما احنا فاكرين.


نظر كريم إليها لثوانٍ قبل أن يبتسم قائلاً:-


-إنتِ متفائلة زيادة عن اللزوم.


-وأنتَ متشائم زيادة عن اللزوم!


تبادلا النظرات للحظات، ثم قال كريم وهو يرفع حاجبه:-


- طب إيه رأيك نتفق ونتراهن؟


عقدت ذراعيها أمام صدرها قائله بتحدٍّ:-


-على إيه؟


- نتفق اننا نحاول نجمعهم فعلاً… ونشوف مين فينا اللي هيكسب!


ضحكت سلمى قائله :-


-اتفقنا، بس لو أنا اللي كسبت، هتعزميني علي غدا فخم !


- ولو أنا اللي كسبت، هخليكي تعترفي إنكِ كنتِ غلطانة ومش هتكابري !


ضحكا معًا، لكن كلاهما لم يكن يعلم أن محاولتهما للتوفيق بين ضيّ وحمزه لن تكون سهلة أبدًا… بل ستكون مغامرة غير متوقعة على الإطلاق.


🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃


بعد انتهاء العشاء، وبينما كانت ضيّ وعائلتها يستعدون للرحيل، اقترب منها حمزه قائلاً  بصوت منخفض:


- أمي حبتك جداً 


نظرت إليه باندهاش:- " إيه المطلوب مني يعني؟ "


أدار حمزه عينيه بضيق قائلاً : "المطلوب إنكِ متكسريش قلبها… حتى لو كانت خطوبتنا مجرد صفقة، ما أظنش إنها تستاهل تتأذي في النص او يتكسر قلبها ."


للمرة الأولى، شعرت ضيّ أن هناك شيئًا مختلفًا في نبرة حمزه… وكأن اهتمامه بوالدته كان الشيء الوحيد الحقيقي في حياته.


تنهدت بهدوء قبل أن تقول: "أنا مش هأذيها يا حمزه… بس المشكلة إننا إحنا اللي هنأذي بعض."


ابتسم حمزه ابتسامة صغيرة قائلاً  " اكيد في حد فينا هيبقي كسبان، يبقى نشوف مين اللي هيكسب في الآخر!


استدارت ضيّ مبتعدة، لكن في داخلها، كانت تعلم أن هذه الحرب لن تكون سهلة… خاصة بعدما دخلت فيها شخصيات جديدة، مصممة على جعلها حقيقية أكثر مما توقعت.


ولكن… هل سيظل هذا الاتفاق مجرد صفقة؟ أم أن القدر يخبئ لهما شيئًا آخر؟


 الفصل السادس .. بين خطوط النار 

________

في اليوم التالي كان الوقت يقترب من الغروب، والسماء قد اكتست بلونٍ برتقاليٍّ دافئ، تتخلله خيوط شمس خجولة في طريقها للغياب. في الحديقة الصغيرة التابعة للشركة، جلست ضي على مقعد خشبي بسيط، ترتدي حجابًا بلونٍ هادئ يليق بهدوئها الداخلي، وفي يديها كيس يحتوي على وجبات مرتبة.


وقف حمزة على مسافة غير بعيدة، يراقبها بصمت كانت تعطي الطعام لعامل نظافة، تبتسم له، وتتحدث إليه بود حقيقي،لكن لم يكن هذا المشهد مألوفًا بالنسبة له.


فبدأ حمزه يحدث نفسه بصوت داخلي قائلا :-


- يعني إيه حد يبقى لابس نضيف وشيك كده وشكله جميل وريحتُه مسك، وشغال في شركه معروفه وابن رجل أعمال ويفرّغ وقته علشان يساعد الناس؟ يعني إيه واحدة شابه تضحك لراجل بسيط فالشارع  كأنه إنسان عظيم و ليه قيمة كبيره ؟ دي مش زي البنات اللي أنا كنت أعرفهم... دي شكلها من عالم تاني أكيد وكأنها جايه من الجنه ..


اقترب بخطواتٍ مترددة، وجلس على طرف المقعد، واضعًا يده في جيبه، متجنبًا النظر إليها مباشرة


- إنتِ دايمًا كده؟ بتساعدي الناس من غير ما حد يطلب؟


اجابته بهدوء


- هو لازم حد يطلب علشان نساعد؟ ربنا بيحب اللي بيحن على عباده ويساعدهم ويعطف عليهم 


سكت قليلًا، وعيناه لا تزالان تبحثان عن تفسير لتصرفاتها التي لم يعتدها، ثم أكمل


- باين انك مش زي البنات اللي عرفتهم قبل كده.


ساد الصمت لثوانٍ، وكأن الوقت توقف. ثم نهض حمزة فجأة، كأن شيئًا داخله يدفعه للهرب من اعترافٍ لم يرد أن يواجهه بعد.


لكنه قبل أن يبتعد، نظر إليها طويلًا، وهمس في نفسه:-


- في ايه هو أنا  بطاردها في كل مكان ولا ايه وليه مش قادر اشيل عيوني عنها هل فعلا علشان ابوها طلب من كده ولاااا ؛ اكيد لأ أكيد انا موقعتش في حبها؟ أكيد ده مش حب ونظراتي ليها نظرات عادية... دي بقت حاجة تخوف. يمكن دي بداية النور...بس انا مش جاهز أو يمكن... أنا اللي خايف؟


اشاح بنظره عنها وابتعد وهو يفكر في شعوره ونظرته إليها كل شئ بدأ يتغير تجاهها ..


🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸


لم يتحدث معها ولم يرها منذ يومين فكانت منكبه علي العمل حتي انتهي وقت العمل وقرر الذهاب الي منزله .. 


كان وقت المغرب قد اقترب، والسماء بدأت تتحوّل تدريجيًا من الزُرقة الفاتحة إلى لونٍ مائل للبرتقالي، تتسلل منه نسمات خفيفة مشبّعة برائحة المطر.

خرج من الشركه يسير في الشارع دون هدفٍ حقيقي، كأن قدميه تحملانه بينما قلبه مثقل لا يعرف إلى أين.

توقف أمام كشكٍ صغير بجانب الشركه لشراء زجاجة ماء. وبينما يفتحها، سمع صوت الأذان يعلو بهدوء من المسجد القريب... صوت ناعم يحمل شيئًا من السلام.


استدار تلقائيًا نحو مصدر الصوت، وإذا به يراها... ذاهبة تجاه باب المسجد المخصص للنساء، ترتدي عباءة سوداء فضفاضة، وحجابها منسدل بنعومة على كتفها. كانت تمسك بمصحف صغير، وملامح وجهها تنضح بسكينةٍ غير مألوفة، كأنها خرجت للتو من حضرة نورانية لا يراها سواها. 


توقف الزمن.


الشارع لم يعد شارعًا، والناس لم يعودوا يتحركون.


كل ما في عينه هي.


همس، كأنه يحدث نفسه


"هي دي... هي دي ضي؟! سبحان الله... دي طلعِت من نور، مش من دنيا."


ظلّ واقفًا مكانه، لا يعرف أيتقدم أم يتراجع. لم تره، ولم تلتفت. كانت تمشي بخطوات هادئة، عيناها للأرض، ووجهها مليء بالطمأنينة.


تحدث بصوت مكسور ، وهو ينظر للسماء


"يا رب... أوصل لك زي ما هي وصلت ،حتي لو مش عايزها... انا عايز أبقى زيها."


رمقها بنظرة طويلة، ثم تنهد، وكأن شيئًا في داخله انكسر لينمو من جديد.


لم يتقدم نحوها. لم ينادِها.


لكنه لأول مرة شعر أنه يحبها حقًا... لا ليأخذها، بل ليكون أهلًا لها.


☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️☘️


عاد حمزة إلى غرفته في شقتهم الصغيرة. كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة، والهدوء يملأ المكان، لكنه لم يكن يشعر بأي سكينة. جلس على حافة السرير، يخلع ساعته ببطء، ينظر إلى الحائط الفارغ أمامه ..


ما زال يفكر في "ضي"... في طريقتها، في كلماتها، في ذلك النور الذي يسكن عينيها ويخترق قلبه كأن كل شيء فيها يناديه:" ارجع... الطريق لا يزال مفتوحًا " .


نهض وهو لا يدري ما الذي يدفعه، وتوجه إلى خزانته. أخرج سجادة صلاة قديمة، لعلّه لم يلمسها منذ شهور... أو ربما سنوات.


فرشها بتردد، ثم وقف أمامها.


قال هامسًا، وهو يضحك بسخرية:


"أنا... أنا هصلّي؟! بعد كل اللي عملته؟ بعد الكازينوهات، بعد اللي شربته؟ ربنا ممكن يسمعني أصلًا او يغغرلي ؟"


سكت... لكن شيئًا في داخله كان يؤلمه، كأن هناك صوتًا خافتًا في أعماقه يُلح عليه. كان صوتها هي، هادئًا كما لم يسمع من قبل: "ربنا بيحب اللي بيحن على عباده."


انحنى، ثم سجد.


وانهمرت دموعه 


لم يكن يعرف ماذا يقول، ولا كيف يصلي، لكن قلبه هو الذي تحدّث، لا لسانه.


وفي سجوده، همس بلا صوت:


"يا رب، لو هي كانت النور اللي بعتّه، ما تطفهوش... خلّيني أستحقه.


رفع رأسه ببطء من السجود، وضلوعه تتحرك كأنها تحمل ثقل الدنيا. جلس على ركبتيه، محدّقًا في الفراغ. قلبه كان يقرع كطبول لا تهدأ، وصدره يعلو ويهبط، لا يدري: أكان هذا من الخشوع؟ أم من الضياع؟


ضمّ ركبتيه بذراعيه، كأنه يحاول أن يحتمي من نفسه، من أفكاره.


"أنا عايز إيه؟ عايز أتغيّر فعلاً ؟ ولا بضحك على نفسي؟، ضي؟ هي فعلًا نورتلي الطريق؟ ولا دي لعبة منها ولا ربنا بيختبرني؟، وأبوها؟ أبوها اللي خلّى أبويا يموت بالحسرة... مش عارف اعمل ايه هل بعد كل ده انتقم من ابوها فيها ولا أسيب ده كله وامشي في طريقها ورا .. قلبي ؟"


وقف فجأة كأن شيئًا قد عضّه من الداخل. مشى في الغرفة مجيئاً وذهابًا، يده تعبث بشعره، وملامحه تنطق بالتيه.


يعني إيه؟ أنسى اللي أبوها عمله  أنسى إنه ركن ابويا في الهامش دايما ومدهوش حقه ؟ انسي إن أبويا مات وهو مقهور وكرامته في الارض وانسي الفضحيه؟

ولا أسامح؟

هل آخدها هي... وأخليها تدفع التمن؟

ولا... أنا حتى مش عارف أنا عايز إيه!"


جلس على طرف السرير، رأسه بين يديه.


كل شيء فيها يبعث على النقاء... وكل شيء فيه غارق في وحل من الشك.


هل يحبها؟

هل يكرهها؟

هل يراها مخلّصًا... أم فخًا آخر من أقدار لا ترحم؟


همس بصوت مرتجف، كأنه يطلب إجابة ممن لا يُخطئ:


"يا رب... لو هي نجاتي، قرّبني منها.

ولو كانت فتنتي، ابعدني... حتى لو .... حتي لو انا حبيتها حتي لو قلبي هيتقطع."


🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿


جاء اليوم الموعود سريعًا أكثر مما توقعت ضيّ. لم تكن تصدق أنها تجلس الآن في قاعة فاخره مزينة بالورود، الأضواء خافتة، والمكان مليء بالزخارف والزينة كانت ضي تجلس على الكرسي بجانب حمزة، وجهها يعكس التوتر والحيرة. كل الأنظار موجهة إليهما،


اجتمع الأهل والأصدقاء حول حمزة وضي للاحتفال بهما لكن الجو مشحون بالتوتر، وضغط الوقت في ظل الظروف التي أحاطت بهذه الخطوبة، التي ليست بدافع الحب ولكن بصفقة مبرمة بين حمزة وهاني الد ضي.


حاول حمزه ان يظهر لها أنه يحتقرها وسينتقم منها هي وعائلتها اشد انتقام اما هي فكانت تعرف أن ما يفعله حمزة لا يتماشى مع مبادئها.


كانت ترتدي فستانا انيق جعلها كالفراشه أما حمزه فقد بدا وسيمًا كعادته، لكن كانت هناك لمعة ساخرة في عينيه وهو ينظر إليها، وكأن هذه اللحظة مسرحية كوميدية بالنسبة له.


همس لها بصوت منخفض حتى لا يسمعه الآخرون:-


- هتفضلي تبصيلي كده كل الخطوبة ؟ 


ابتعدت عنه قليلا وتمتمت وهي تبتسم ابتسامة زائفة للضيوف:


- بلاش تتكلم معايا عشان أنا أساسًا على أعصابي ومش طايقاك !


ابتسم حمزه وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل الكثير من المعاني:


-  الأعصاب المشدودة بتخلي اللحظات أحلى!


كادت أن تخنقه، لكنها اضطرت للابتسام أمام الناس وهي تتمتم قائله : "أنا دخلت نفسي في كارثة رسمية!"


الجميع يترقب لحظة تبادل الدبل، وحمزة يظهر عليه عدم الراحة، بينما ضي تجلس بهدوء، عينيها مليئة بالرفض الداخلي.


ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم مد يده نحوها قائلاً بصوت مسموع للبقيه 


- اللحظة دي، هي لحظة جديدة في حياتنا، مش كده؟


نظرت إليه نظرة حادة، وهي تبتعد قليلاً 


- لحظة جديدة يمكن؛ بس مش بالشكل اللي إنت فاكره. 


تجاهل حديثها ثم بدأ في محاولة إلباسها الدبلة، وهو يبدو عليه التوتر لكنه يحاول أن يظهر وكأنه يتعامل مع الأمر بحذر


- إيه يا ضي! متخافيش، ده مجرد تلبيس دبلة، مفيش حاجة في كده.


سحبت يدها وهي تنظر إليه نظرة ناريه 


- أنا مش هخلي حد يمسك إيدي ولحد ما نكون متجوزين رسميًا متحاولش ياحمزه وعلشان كده انا مش هسمح لك تلبسني الدبلة دلوقتي.


أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا الحفاظ على هدوئه أمام الجميع ثم انحني واقترب منها قليلاً قائلاً :-


- ضي .. إحنا خلاص متفقين دا مجرد شكل، يعني حاجة رمزية.


هزت رأسها بخفة، وتحدثت بنبرة ثابته حاده 


- بالنسبة ليا ده مش مجرد شكل ده في حاجات أهم من كده. في حاجات بينا لازم تبقى واضحة. أنا مش هخلي المسافة دي تتجاوز حدودها، ولا هخليك حتي تلمس ايدي قبل ما نتجوز رسميًا.


هنا بدأ يشعر ببعض الانزعاج، لكنه حاول ألا يظهر ذلك .


نظرت إليه بعينين ثابتتين، ثم أكملت بهدوء .


- أنا عندي حدود ومش هسمح لحد يتعداها، حتى لو كنت خطيبي.


اغلق فمه بحنق وابتلع غضبه واعطاها الدبلة كي تلبسها  وهو يشعر بالرفض والإحباط من الموقف.. 


🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀


بعد أن انتهى الجزء الرسمي من الحفل، جلست ضيّ قليلًا لتلتقط أنفاسها، لكن سلمي اقتربت منها وجلست بجانبها.


- أنا عارفة إنك مش مستوعبة اللي بيحصل، بس بجد، حمزه مش شخص وحش .


نظرت إليها وسألت بفضول: 


- إنتِ شايفة إنه شخص كويس وطبيعي وبيتعامل عادي يعني  ؟


ابتسمت سلمي قائله : " حمزه كان شخص كويس جداً … بس الحياة لعبت بيه شوية، وخدت منه حاجات كتير. يمكن اللي محتاجه دلوقتي هو حد يساعده يرجع.


لم تجيبها ضي ،  لكنها شعرت أن سلمى قالت شيئًا مهمًا… شيء لم تفكر فيه من قبل.


🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿🌿


بعد انتهاء الحفل، وبينما كانت ضيّ تبتعد عن الضوضاء ، استوقفها حمزه ونظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول بنبرة جدية تمامًا:


- دلوقتي إحنا مخطوبين رسمي… فعايزك ما تفكريش إن ده معناه إنكِ هتبقي حرة لو فاكرة إنك هتلعبي معايا اللعبة بطريقتك، فأنتِ كده مش عارفه أنا مين.


عقدت ذراعيها أمام صدرها قائله بسخرية:


-وأنا كمان عايزاك تعرف حاجه ، لو فاكر إني هكون خطيبة تقليدية، فحضرتك اللي مش فاهم أنا مين!


وقفا متقابلين، كأنهما في ساحة معركة غير مرئية، وكأن كل منهما كان يختبر الآخر…


لم يكن أي منهما يعلم أن هذه الخطوبة لم تكن سوى بداية لحرب طويلة، حرب بين الكبرياء، الغضب، والمشاعر التي ستنقلب يومًا عليهم دون أن يدركوا.


💚💚💚💚💚💚💚💚💚💚


مرت أيام قليلة بعد الخطوبة، وكان اللقاء الأول بين ضيّ وحمزه في الشركة مختلفًا عن اللقاءات السابقة. هذه المرة، لم تكن هناك نظرات تحدٍّ أو كلمات ساخرة، بل اجتماع رسمي بحت.


جلست ضيّ على مكتبها بهدوء وهي تنظر إلى حمزه الذي بدا أكثر ارتياحًا بعد أن أصبح يعمل في الشركة رسمياً .


كان يعلم أن هذه الخطوبة بالنسبة له مجرد مرحلة، لكنها بالنسبة لها كانت شيئًا مختلفًا تمامًا.


- قبل ما نبدأ أي حاجة، لازم نتفق على حاجة مهمة.


قالتها ضيّ بنبرة حاسمة، بينما حمزه رفع حاجبه بفضول قائلاً :-


-وأنا اللي فاكر إننا متفقين خلاص، بس ماشي قولي… عندك شروط ايه جديدة؟"


ضمت ذراعيها وقالت ببرود:


- أينعم إحنا مخطوبين، بس ده مش معناه إنك تفرض وجودك في حياتي أكتر من اللازم. مش هتركب معايا العربية، مش هتمسك إيدي، مش هتكلمني برا الشغل إلا للضرورة، ومش هخرج معاك خروجات شخصية.


ضحك حمزه بسخرية وهو يتكئ على مكتبه:


-إنتِ بتتكلمي كأننا مش مرتبطين! الناس كلها شايفانا مخطوبين، يعني طبيعي يكون في بينّا تعامل.


نظرت له بثبات وقالت:


- التعامل في أضيق الحدود، وإنتَ لازم تحترم ده… وبالمناسبة، أنا بصلي، ومش بحب السهر، ومش محتاجه اقولك اني اكيد اكيد مش بشرب و لبسي زي ما هو مش هغيره ، وأسلوب حياتي مش هيتغير علشان أي حد.


تلاشت ابتسامة حمزه تدريجيًا وهو يتأملها. لم تكن مثل الفتيات اللواتي عرفهن من قبل، لم تكن مبهورة به، ولم تحاول حتى إثارة إعجابه. كانت واثقة، واضحة، وغير قابلة للمساومة.


-واضح إنكِ واخدة الموضوع بجدية زيادة عن اللزوم!


ردّت بلا تردد، "وأنتَ واخده باستهتار زيادة عن اللزوم."


  ثم أضافت بنبرة تحذير: "لو مش عاجبك، الباب مفتوح."


نظر حمزه إليها مطولًا، ثم تنهد وقال باستهزاء:


-يا ساتر… ده أنا شكلي اتورطت معاكِي بجد!


رفعت حاجبها بسخرية قبل أن تجيبه قائله :-


- ده إحساس متبادل، اطمن.


                 ******************


مع مرور الأيام، بدأ حمزه يلاحظ شيئًا مختلفًا في ضيّ. كانت تشبه والدته في بساطتها، تشبه أهله الفقراء الذين لم يكن يرى فيهم يومًا أي شيء مميز… لكنها كانت مختلفة عن كل الفتيات اللواتي عرفهن.


كان يراها وهي تصلي في مكتبها وقت العمل، لم تكن تخجل من التزامها، ولم تحاول حتى أن تغير من نفسها لتناسبه او حتي لتنال اعجابه و لأول مرة في حياته، شعر بأن هناك امرأة لا تخضع لقوانينه، بل تفرض قوانينها عليه.


وفي المقابل، ضيّ لم تكن تهتم بتغيراته، أو هكذا اعتقدت. لكنها لاحظت أنه لم يعد يسهر كما كان، لم يعد يتحدث عن الفتيات اللواتي كان يعرفهن، بل حتى تلك الفتاة التي كان يراها دائمًا، لم تعد تظهر معه.


لكنها لم تكن تعلم أن هذه الفتاة لم تختفِ تمامًا، بل كانت تحاول استعادة حمزه بأي طريقة… وكانت ترى أن ضيّ العائق الوحيد أمامها.


               *******************


كانت تلك الفتاة التي تدعي ريم ، تقف أمام مكتب حمزه في الشركة، مرتدية فستانًا ضيقًا قصيراً وعطرًا فواحًا، محاولة جذب انتباهه كعادتها.


"حمزه ، بقالك فترة مختفي… نويت تبقى عريس ملتزم ولا إيه؟" قالتها بمكر وهي تقترب منه.


ابتسم ابتسامة ساخرة قائلاً "يمكن."


لكن ريم لم تكن مستعدة للتخلي عنه بسهولة، فاقتربت أكثر وهمست بصوت منخفض


"متهيألي أنتَ فاهم إن ضيّ مش من مستواك، ولا شبهك ولا من نوعك حتى، فاكر هتقدر تعيش مع واحدة زيها؟!"


نظر إليها ببرود، لكنه شعر بانزعاج داخلي، ليس من كلامها، بل لأنه كان يسأل نفسه نفس السؤال. هل يمكن أن ينجذب حقًا لضيّ؟ هل يمكن أن تتغير نظرته لها؟


قبل أن يجيبها ، لمح ضيّ وهي تعبر الممر، فلمعت عيناه بشيء لم يدركه… لكنه كان متأكدًا من شيء واحد؛ هذه الفتاة تثير داخله شيئًا لم يشعر به من قبل.


🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃


مرت أسابيع قليلة منذ إعلان الخطوبة، وكل يوم كان يشهد مواجهة جديدة بين ضيّ وحمزه  كانت العلاقة بينهما أشبه بمعركة لا تنتهي، كلاهما عنيد، كلاهما متمسك برأيه، وكلاهما يرفض أن يعترف بأن الآخر يؤثر عليه أكثر مما ينبغي.


في أحد الأيام، وبينما كانت ضيّ تعمل على أحد التصاميم الهندسية في مكتبها، دخل حمزه دون استئذان، متكئًا على باب المكتب وهو ينظر إليها بابتسامة ساخرة.


"واضح إنكِ غرقانه في الشغل كأنكِ مش مخطوبة ومش المفروض يكون في بينّا وقت نقضيه سوا."


لم ترفع نظرها عن الأوراق، وقالت ببرود:


"وقتنا مع بعض في أضيق الحدود، نسيت؟"


أجابها بتهكم، قبل أن يقترب أكثر، ليجلس على الكرسي المقابل لها. 


"بالعكس، مش قادر أنسى، خصوصًا إنكِ مش بتضيعي فرصة عشان تفكريني بيه!"


أغلقت الملف ونظرت إليه مباشرة، قائلة


"حمزه ، لو جاي تضيع وقت ، عندك مكتبك، روح ضيّع وقتك هناك، انا وقتي مهم "


ضحك حمزه وهو يهز رأسه، قبل أن يقول بنبرة جادة هذه المرة:


"طب بصي… عندي اقتراح، بدل ما نفضل نتصارع كل يوم، ليه منحاول نعيش طبيعي؟ مش هنكون أعداء طول العمر، صح؟"


عقدت ذراعيها بصرامة:


"أنا مش بعدي حد حدوده، وإنتَ عارف."


"ولو أنا قررت أقرب؟"


"هتلاقي نفسك بتواجه أكبر تحدي في حياتك." قالت جملتها بنبرة واثقة، ثم أضافت بابتسامة جانبية "وجرب ياحمزه علشان تشووف بنفسك."


شعر حمزه ان بداخلها جمرة تحدٍ، لكنه لم يرد التراجع، بل كان يريد أن يعرف… هل يمكن أن تكون هذه الفتاة مختلفة عن كل من عرفهن؟


🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻🤌🏻


بينما كانت الحرب قائمة بين حمزه وضيّ، كان هناك عالم آخر مختلف ينتظرها في بيت خطيبها ، كانت والدته أمينه سيدة حنونة طيبة القلب، لم تصدق أن ابنها أخيرًا وجد فتاة يمكن أن تضع حدًا لطيشه.


في إحدى الزيارات العائلية المتبادله بين العائلتين ، دخلت ضيّ منزل حمزه وكعادة والدته استقبلتها بوجه بشوش وعينين تمتلئان بالحب.


"أهلًا وسهلًا يا بنتي، البيت نوّر بوجودك." قالتها وهي تمسك يدها بحنان.


شعرت ضي براحة غريبة كلما دخلت هذا المنزل ، شعرت بشيء لم تشعر به أبدًا في منزل والدها، حيث لم يكن هناك دفء حقيقي، بل مجرد جدران باردة وقوانين صارمة.


ثم اقتربت منها سلمى، شقيقة حمزه بابتسامة خجولة وقالت


- وأخيرًا بقى عندي أخت! كات نفسي يكون عندي أخت كبيرة تحميني وتكون معايا. 


ابتسمت ضي لها بلطف، ثم قالت:


- وأنا كمان كان نفسي يكون عندي حد قريب مني… يمكن نكون سند لبعض.


كان حمزه يراقب الموقف بصمت، لم يكن يتخيل أن ضيّ، العنيدة الصلبة أمامه، يمكن أن تظهر هذا الجانب اللطيف مع عائلته. كان هذا شيئًا جديدًا بالنسبة له.


لكنه لم يكن الوحيد الذي لاحظ ذلك، فهناك من كان يراقب أيضًا… كريم، شقيق ضيّ، كان يحدّق في سلمى باهتمام، وكأن شيئًا ما بدأ ينمو بداخله دون أن يدرك.


🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼


مرّت الأيام، وبدأت العلاقة بين ضيّ وحمزه تأخذ منحنى مختلفًا. لم يكونا قريبين، لكنهما لم يعودا أعداء كما كانا في البداية.


لكن هناك شيئًا واحدًا لم يتغير… حمزه لم يكن معتادًا على أن تكون فتاة في حياته لا تخضع له بسهولة، ولم يكن معتادًا على أن يشعر بالغيرة دون أن يفهم السبب.


في أحد الأيام، وبينما كانت ضيّ تتحدث مع زميل لها في العمل بابتسامة خفيفة، كان حمزه يقف على بعد خطوات، يراقب المشهد بانزعاج لم يستطع تفسيره.

لماذا يشعر بعدم الراحة؟ ولماذا لا يحب أن يراها تبتسم لشخص آخر غيره؟


عندما مرّ بجانبها، ألقى جملة عابرة بنبرة مستفزة:


"واضح إنكِ أخيرًا بدأتي تنسي شروطك، ولا إيه؟"


رفعت حاجبها بعدم فهم ثم أدركت ما يقصده، فابتسمت بسخرية قائلة:


" حمزه ، أنا مش زيك."


لكن حمزم لم يرد، فقط نظر إليها نظرة غريبة، قبل أن يتركها ويرحل… وهو لا يدري أن شيئًا داخله بدأ يتغير أكثر مما كان يتوقع.

                  الفصل السابع من هنا 

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا

تعليقات



<>