
_قولتلك مليش نفس ياسوزان، روحي انتِ وسيبيني في حالي.. أووف.
_انتِ بتتنرفزي عليا يانفين؟ أنا غلطانة أساساً إني محبيتش أروح للشلة من غيرك، أنا قايمة ماشية.. ومن غير باي كمان.
سارت سوزان مبتعدة بإتجاه بوابة النادي بينما تابعتها نفين بعيون حانقة.
_نفسي أعرف إزاي أنا وانتِ إخوات من أم واحدة وأب واحد.
جلس مراد جوارها يقول بلهجة ساخرة فطالعته بحنق قائلة:
_تصدق إن أنا كمان بسأل روحي نفس السؤال.. ازاي أنا وانت إخوات بجد؟
مال يقول لها بسخرية:
_بختي المايل.
_بقولك إيه أنا مش ناقصاك أساساً.
لتنهض بعصبية قائلة:
_أنا ماشية وسايبالك النادي.....
قاطعها وهو يسحب ذراعها ويجلسها قائلاً بصرامة:
_أقعدي بقي وبطلي تسرعك الغبي ده.. خسرتي بسببه كتير.. خسرتي غريب و غير غريب.. وبتخسري دلوقتي صحابك ويمكن تخسريني أنا كمان لو سمعت كلمة واحدة أو فضلتي عنيدة ومتسرعة زي ماانتِ.
طالعته دون أن تتفوه بحرف فترك يدها وتراجع في مقعده قائلاً:
_أيوة كدة.. شغلي عقلك شوية.. مش معقول اللي انتِ فيه ده.. مش كل حاجة يترد عليها بعصبية وتسرع.. مليون مرة أقولك عشان متخسريش لازم تبقي هادية وتفكري كويس قبل أي خطوة بتعمليها.
_وتفتكر نصايحك الغالية وصلتنا لفين.. زي ماانت شايف.. ولا أي حاجة.. غريب واتجوز.. لأ وكمان رايح يعمل فرح للهانم مراته في بلدها.. وقربنا خلاص نعلن افلاسنا ونتفضح مابين أصحابنا ومعارفنا.. بعد ده كله عايزني هادية.. أهدي ازاي بس وأنا شايفة حياتي بتضيع مني وللأسف مش عارفة أعمل أي حاجة.
_الموضوع مش سهل وفعلا اتعقد بس علي فكرة تعقيده ده في صالحنا، غريب بدأ يحب مراته.
قالت بسخرية:
_ياراجل.. انت لسة بتاخد بالك؟
طالعها بنظرته الصارمة فأشاحت بوجهها بحنق ليقول هو بهدوء:
_حبه ليها هيخلي صدمته فيها كبيرة ومش هيستني لحد مايتأكد من برائتها، هيرميها للشارع اللي جت منه من غير مايفكر ولا يتردد.
_وده هيحصل امتي إن شاء الله؟ الوقت بيسرقنا يامراد واللي انت بتفكر فيه عايز وقت وطولة بال.
مط شفتيه قائلاً:
_بتهيألك.. الموضوع بسيط ويخلص بسرعة بس محتاجين ندور علي الضحية اللي هتقوم بدور العشيق.
_وده هنلاقيه فين إن شاء الله؟
_هندور في محيطها وبنت زيها أكيد بيحوم حواليها بدل الراجل اتنين وتلاتة، تعرفي لولاكي ولولا اني مش عايز أخسر غريب.. كنت قومت بالدور ده بنفسي.
طالعته بحنق قائلة:
_أنا مش قادرة اعرف فيها إيه البنت دي مخليكم تتمنوها بالشكل ده؟
بها كل ماليس بكِ ياأختي العزيزة..
_سيبك منها وقومي حصلي سوزان وصالحيها..
_اشمعني؟
_محتاج نبيل أخوها في مصلحة.. قومي متبصليش كدة..أهي حاجة تظبط أمورنا لحد مانشوف هنعمل ايه مع غريب.
نهضت نفين علي مضض تأخذ حقيبتها وهاتفها ليوقفها صوته وهو يحذرها قائلاً:
_مش محتاج أوصيكي، المصلحة دي لو باظت زي اللي قبلها يبقي تنسي موضوع غريب وتستعدي للسواد اللي جاي.
_متخافش مش هبوظها.. سلام.
تابعها تغادر بنظراته قبل أن يتراجع في مقعده يجلس بأريحية عاقداً ذراعيه خلف رأسه وهو يقول:
_أهو أنا مبخافش غير منك انتِ يانفين.. عملي الإسود اللي خلاكي أختي من لحمي ودمي.. مش عارف طالعة غبية لمين؟
ليبتسم بسخرية وهو يردف:
_وهنروح بعيد ليه؟ أكيد طالعة لأبوكي اللي ضيع ثروتنا علي القمار بغبائه.. بس أنا مش هسمحلك تضيعي اللي جاي زي مابابا ضيع اللي فات.. ووراكي لحد ما الحظ يضرب ونفوز باليانصيب وناخد الجايزة الكبيرة..ثروة غريب المنياوي كلها.
لتلمع عيناه بتحدي.
______
_غريب أنا.. أنا خايفة.
لايدري ماالذي هز كيانه بالكامل وبعثره، نبراتها المرتجفة أم إلتصاقها به ماجعله علي الفور ودون تردد يمد كفه ويحتضن يدها يتخلل أصابعها بأصابعه ويتمسك بهم بينما يميل عليها لتلتقي عينيه بعينيها وهو يقول بنبرات واثقة حانية:
_متخافيش أنا جنبك ومش هسيب ايدك مهما حصل.
تعلقت عيناها بعينيه في نظرة طويلة سارعت من خفقاتها حد الجنون، لم يستطع بدوره الإبتعاد بناظريه عن مقلتيها الجميلتين البريئتين المستغيثتين بمروءته حتي قطع تواصلهما صوت همام وهو ينادي بعض النسوة اللاتي جئن بسرعة يلبين النداء بينما يتأملن الأغراب بفضول ماعدا واحدة تأملت رقية ببرود وقسوة أثارا الرجفة في أوصال الأخيرة فزاد تمسكها بيد غريب الذي ضم يدها يؤكد لها أنه لن يبرح مكانه قط.
قال همام بصوت عبر عن ارتياح لم يظهر علي ملامحه الهادئة :
_عارفين أني جاي النهاردة وجايبلكم مين؟
قالت من تبدو أكبرهم سناً:
_مين ياحاج؟
لتقول من أثارت النفور في نفس رقية، من كانت تطالعها بنظرات لم ترق للأخيرة مطلقاً:
_بت ثريا.. مش إكده يابا الحاج؟
قال همام :
_إكده ياسعاد.. رقية بنت ثريا يانجاة.
ظهرت الفرحة علي وجه السيدتين اللتان جاورا نجاة بينما أسرعت السيدة الكبيرة تلتقط نظارتها الملقاة علي صدرها وترتديها بلهفة ثم تقترب من رقية وهي تقول:
_انت عتتكلم جد ياحاج؟بت ثريا؟
توقفت أمامها تماماً تتأملها بعيون جرت علي ملامحها بلهفة وحنين لتدمع عيناها وهي تقول:
_إيوة هي صوح، نفس العيون ونفس النظرة.. هي بت بتي وحتة منيها، تعالي في حضن جدتك يابتي.. تعالي لجل ماأشم ريحة أمك وأضمها بضمتك.
ترك غريب يدها وهو يشجعها بعينيه فسمحت للعجوز بضمها.
هل يشعر الإنسان بالحب و تنتقل إليه كل مشاعر العطف و الحنان بعناق حان ؟وهل يكتمل الإنسان ويشعر بكل شيء افتقده حين يحتويه شخص يشبه عزيز لديه؟ هذا ماشعرت به رقية ماإن احتوتها تلك السيدة الطيبة، كانت تضمها بحنان وتنادي باسم أمها بلوعة بينما تمرر يدها علي شعرها الحريري، وجدت رقية الدموع تجري في مقلتيها وتنسكب علي وجنتيها تزامناً مع دموع جدتها، أغمضت عينيها تستشعر كل ماحُرمت منه حين حُرمت من والدتها وحين فتحتهما وجدت أن الجميع يشاركهم تلك اللحظة مابين نسوة سكبن دموعهن بدورهن ورجال ظهر الحنان والعطف بمقلتهم ماعدا تلك السيدة التي أطل الحقد بعينيها وأحد الرجال الذي ظهر نفاذ الصبر علي وجهه،لم تهتم بهما وعيونها تنتقل إلي غريب الذي رأت نظرته المطمئنة لها وابتسامة هادئة حانية تطل علي ثغره، ارتعش ثغرها وهي تحاول أن تبادله ابتسامته بينما ربت همام علي كتف زوجته قائلاً:
_كفاية يانجاة،الأيام جاية كاتير والبنية وجوزها أكيد تعبانين من السفر ومحتاجين يرتاحوا.
_جوزها ! هي رقية اتجوزت؟
_أبااااي.. بالإذن ياحاج.. أني ورايا شغل ولازمن أمشي.
حدجه همام بنظرة صارمة وهو يقول:
_استني يامنصور أني عايزك.
ثم وجه حديثه لزوجته وهو يقول:
_خدي رقية وجوزها للجناح الشرقي، هيقعدوا في الأوضتين اللي هناك.
ليلتفت إلي رقية و غريب قائلاً:
_انتوا صحيح متجوزين بس لحدمن نعمل فرحكم كدام أهل البلد كلياتهم هيفضل كل واحد منيكم في أوضة، البيت فيه خدم والخدم شغلتهم الحديت اللي ملوش عازة.
_أيوة بس....
قاطعه همام بعد أن تطلع إلي كفوفهم التي تشابكت مجدداً قائلاً:
_أني خابر إنها مرتك وشكلك عتحبها ومتقدرش تبعد عنيها بس كل الحكاية يامين بالكتير ونعمل الفرح وترجع مرتك حدك.
هز غريب رأسه بهدوء ليقول همام:
_همي يانجاة، ورانا كاتير.. مش كل يوم كبير أبو جبل هيجوز حفيد من أحفاده.
أسرعت نجاة تنفذ أوامر زوجها بينما يتبعها غريب ورقية، وعيون أخرى أطل الكره فيهما قبل أن تتجه صاحبتهما إلي المطبخ تروح جيئة وذهاباً بحقد قبل ان تتوقف وتمسك سكيناً تغرزه بقوة في تلك الطاولة الخشبية أمامها.
_______
فتح الباب ودلف إلي المنزل بهدوء، وجده ساكناً لقد غادرت المنزل إلي عملها كما يأمل، أغلق الباب وتطلع إلي ساعته، لقد تجاوزت السادسة صباحاً بثلث ساعة، هي تستيقظ في الفجر، تصلي فرضها وتعد الطعام ليأكلا سوياً، ترتدي ملابسها وتستعد للذهاب إلي المدرسة حيث تعمل ثم تغادر المنزل في تمام السادسة، لهذا لم يعد إلي المنزل حتي تغادر هي، لم يقوى علي مواجهتها بعد البارحة.. لقد غادر المنزل وهو في حالة من الضيق لم يشعر بمثيلتها منذ رحيل سارة عنه، سترحل هي بدورها ويعود وحيداً كما كان، لم تضايقه وحدته من قبل فلماذا الآن؟ هل اعتاد وجودها في حياته؟ هل أمل في أن تستمر زيجته بها؟ هل يخشي أن تعود والدته وتصر عليه تبغي تزويجه بأخري؟ أين هي من سيشعر معها بالراحة كما فعل مع قمر؟ إنها كالنسمة تضفي علي حياته بهجة وتحمل سكينة.. هادئة وغير متطلبة.. تدعه وذكرياته لا تحاول التعدي عليها ولا تُحمله مالا طاقة له به، إنها إبنة خالته وأخته التي يُكن لها كل احترام. توقف عند هذه النقطة يتساءل بتردد.. هل جلّ ما يجمعه بها الأخوة والاحترام كما يخبر نفسه دوماً؟ إذا لمَ هذا الشعور بالضيق لمعرفته أنها سترحل عنه لآخر؟ لمَ شعر بالاختناق حين أخبرها أنه سينهي زيجتهم اليوم؟ ولمَ ظل يدور بسيارته علي غير هدي في طرقات المدينة يحاول أن يبحث عن شيء يُعيد إليه سكينته فلم يجد سوى العودة إلي المنزل الذي جمعه بها سبيلاً؟ ورُغم أنه تقصّد أن يعود إليه بعد رحيلها إلا أنه يتمني الآن لو عاد مبكراً ليراها حتي وهي ترحل فقد افتقدها بشدة، يعلم أنه فعل رُغم محاولات عقله المستميتة أن يخبره أنه لا يفعل ولكن خفقات قلبه المتألمة عارضته وبقوة.. تنهد لا يود الخوض في فهم مشاعره أكثر وإلا سيدرك أنه يفعل ماأقسم دوماً ألا يفعله.. خيانة ذكرى زوجته ووفاءه لها.
إتجه إلي حجرة الأطفال حيث ينام كل يوم يود أن يلقي همومه جانباً ويستسلم للنوم علّه يريحه من زلزال أفكاره العاتيّ، صوت همهمات تأتي من حجرتها التي اعتادت النوم بها بدورها جعله يتوقف أمام باب الحجرة الموارب عاقداً حاجبيه؟ يتساءل بحيرة.. ألم تغادر بعد؟َكاد أن يسرع إلي حجرته ولكن ندائها الواضح المتكرر باسمه استوقفه، نبرات صوتها الضعيفة المتألمة مست قلبه.. أتُراها تستنجد به؟ هل حدث لها مكروه وهو بالخارج؟ عند هذه النقطة لم يستطع فعل أي شيء سوى الدلوف إلي الحجرة ودون استئذان يدفعه قلقه العارم عليها، وجدها في السرير، قطب جبينه وهو يقترب منها منادياً إياها، لم تجبه.. تهمهم مجدداً.. لم يستطع فهم همهماتها، إنها تحلم علي مايبدو.. ربما تري كابوساً.. كاد أن يستدير ويغادر الحجرة غير راغب في التدخل فربما يسبب لكليهما إحراجاً لا داع له إن أيقظها، وجد نفسه يتسمر في مكانه غير قادر علي المغادرة، يتأملها بصمت، جميلة هي كما كانت دوماً رقيقة وزادها النوم رقة، يسترسل شعرها الحريري حول وجهها علي الوسادة بينما تورد وجهها بفعل النوم، هل تسيرا قدماه مقتربتان من مخدعها دون ارادة منه؟ إنهما يفعلان بكل تأكيد توقف أمامها تماماً، باتت همهماتها مفهومة الآن رغم ضعفها..
_متسيبنيش..عشان خاطري.. أنا من غيرك أموت.
أغلق عيناه يود لو يصم آذانه عن صوتها..
تتوسلين إلي حبيبك ألا يرحل عنكِ.. لن يرحل.. سأطلق سراحك ألم أخبرك بذلك؟
_بدر..بدر..
فتح عيونه علي ندائها المتكرر باسمه.. تطلع إليها بألم..
هل تتوسلين إليّ الآن أن أطلق سراحك؟سأفعل.. ألم أخبرك بذلك؟
_ازاي هنت عليك بالشكل ده؟ انت مش عارف أنا بتعذب قد إيه وأنا جنبك.
سمعتك تخبرين صديقتك بذلك.. لذا سأطلق سراحك.. ألم أخبرك بذلك؟
_ماما هتزعل قوي وخالتي كمان.
أعلم.. ولكني مضطر .. لقد صرتي عاشقة لذا أنا مضطر لإطلاق سراحك.. ألم أخبرك بذلك؟
_متسيبنيش.. أنا مقدرش أعيش من غيرك.. أنا بحبك قوي.
تُحبينه كثيراً.. يالحظه.. لا تتألمي بالله عليكِ.. سأطلق سراحك لتكوني معه إلي الأبد.. ألم أخبركِ بذلك؟
_بدر.. بدر..
لماذا يتردد اسمي علي لسانك؟ هل أؤلمك لهذه الدرجة؟ حسناً ستتخلصين مني اليوم.. سأطلق سراحك.. ألم أخبرك بذلك؟
_أنا عمري ماحبيت حد في حياتي قد ماحبيتك.. أنا طول عمري وأنا بحبك.
قطب جبينه.. تعشقه منذ زمن بعيد..تطلع إليها يسألها بعينين حائرتين.
ألهذا كنتِ ترفضين كل المتقدمين لخطبتك؟ ولكن إن كنتِ تعشقينه لهذه الدرجة لمَ لم تتزوجيه؟ ماالذي يحول بينك وبينه؟ لقد أصبتني بالحيرة.. حسناً لا بأس.. سأساعدك وأزيل كل الحواجز بينك وبينه..سأجمع بينكما لأسعدك.. أعدك بذلك.. وسأبدأ بإطلاق سراحك.. ألم أخبرك بذلك؟
_بدر أنا بحبك يابدر.. أبوس ايدك متسيبنيش.
تجمدت ملامحه بالكامل بينما تسارعت خفقاته بقوة، قطب جبينه يحاول استيعاب كلماتها.. هل قالت للتو أنها تحبه هو؟ هل توسلت إليه ألا يطلق سراحها؟ يكاد يجنّ.. متي أحبته؟ وكيف؟ ولماذا؟ أسئلة كثيرة تطيح بثباته ولا إجابة لها.. سيوقظها وقد فقد القدرة علي الإنتظار ليتأكد من كلماتها التي قالتها للتو.
توقف....
ناداه عقله..
إن أيقظتها وتأكدت من أنك قاطن قلبها الوحيد كما أخبرتك كلماتها.. ماالذي ستفعله؟إنك تدرك الآن ودون الحاجة لتأكيد أنها تحبك أنت، لطالما كانت مشاعرها واضحة جلية ولكن اعتيادك عليها و حبك لأخري أعماك عن إدراكها،عُد بالزمن إلي الوراء وستجد الحب في كل أفعالها، نظراتها، رفضها للجميع وقبولها بك.. أنت وحدك لا غير.. لقد تغير كل شيء بينكما الآن بعد أن عرفت.. لن تستطيع الاستمرار معها ولن تستطيع الرحيل.. إن استمريت تدرك أنك ستخون ذكري زوجتك وستجبرك مشاعرها وكينونتها الرقيقة أن تستسلم لنداء قلبك وتطرد بحبها ظلمة وحدتك، وإن رحلت ستؤلمها وإيلامها هو شيء لن تستطيع تحمله.. أيهما أهون.. الخيانة والتي ستجعلك شخصاً آخر لا تعرفه أم الجُرح الذي ربما يوماً سيطيب بحب آخر إن فقدت كل أمل في أن تنل قلبك.. ربما جل ماعليك أن تجعلها تفقد الأمل في أن تنل حبك.. نعم هذا ما سوف تفعله، جُرح بسيط ينقذك من أن تقع في بئر الخيانة..ستنقذها وتنقذ نفسك من خطأ كبير كان ليحدث لو استسلمت لنداء قلبك.
مال عليها يتطلع إلي ملامحها الجميلة يعيد خصلة متعرقة إلي خلف أذنها، لسعته حرارتها المرتفعة.. قطب جبينه يدرك أنها مريضة ولا تحلم.. إنها الحمي التي جعلتها تبوح بمكنون صدرها، شعر بالهلع في قلبه من فكرة فقدها.. سيُمرضها.. سيتأكد من أنها ستكون بخير.. سيفعل جل ما في وسعه لتشفي ثم سيتأكد من أنها أدركت استحالة وجودهما معاً للأبد.. هو لن يخون ذكري زوجته وهي لن تكون سعيدة مع الشخص الذي سيكونه إن فعل.. ثم سيطلق سراحها .. إنه مجبر علي الرحيل لأجلها..ولكنه لن يخبرها بذلك.
_____
_والله وجه اليوم اللي أشوف فيه مسيو صلاح عيد قفاه يقمر عيش.
رمق صلاح صديقه بحنق قائلاً بغيظ:
_مش وقت هزارك البايخ ده يافؤاد أنا مش فايقلك.
جلس فؤاد علي الكرسي جواره قائلاً:
_طب بالراحة ياعمنا.. محسسني إنك كنت دايب في دباديبها واتصدمت ياقلب أمك.
نهض صلاح يقول بعصبية:
_أنا قايم وسايبلك المكان كله عشان ترتاح.
_طب اهدي بس واقعد أنا بهزر معاك..اقعد بقي ده أنا فؤش صاحبك وحبيبك.
زفر صلاح ثم قال:
_ماهو برضه صاحبي ميهزرش معايا الهزار البايخ ده وأنا مخنوق بالشكل ده.
_طب خلاص ياسيدي حقك عليا.. اقعد بقي متبقاش قماص.
جلس صلاح فأردف فؤاد قائلاً:
_وبعدين أنا عايز أعرف إيه اللي خانقك قوي كدة.. فيها ايه يعني لو روحت البيت تعزيها لقيتها اتجوزت؟ خيرها في غيرها ياعمنا.
_غيرها ايه بس؟دي أول واحدة تفلت من ايدي وتحلقلي بالشكل ده.. البت حلوة يافؤاد لأ وطلعت غنية قوي كمان.. ازاي فلتت مني أنا لحد دلوقتي مش عارف.. حاسس إني هتجنن من الغيظ.
_كبر دماغك بقي وانساها.
_مش قادر.. صورتها قدامي ليل ونهار.. قلبي محروق قوي.
_قلبك! تكونش حبيتها؟
_مش عارف.. مش عارف يافؤاد.
_اسمع كلامي وإنساها ياصاحبي وسيبك من وجع القلب ده.. احنا ملناش فيه.. أقولك تعالي نسهر النهاردة سهرة تنسيك رقية واللي جابوا رقية.. إيه رأيك بقي؟
كاد أن يجيبه ولكن صوت أحدهم قاطعه وهو يقول:
_مسيو صلاح عيد.. مش كدة!
استدارا إلي صاحب الصوت فتأمل صلاح محدثه.. لقد رآه سابقاً ولكنه لا يتذكر أين رآه.. أتُراه والد أحد طلابه؟ لا.. لقد تذكر الآن.. لقد رآه في عزاء عم رقية.. لقد كان مقرباً من زوجها، يجاوره طوال العزاء، قطب جبينه يتساءل عن سبب هذه الزيارة الغريبة وهو يقول:
_أيوة أنا.. خير يافندم.
_عايزك في موضوع مهم.
ليطالع محدثه فؤاد قبل أن يردف:
_بس ياريت نكون علي انفراد.
قال فؤاد بارتباك:
_أنا همشي دلوقت ياصلاح، عندي حصة.. أشوفك بعدها.
هز صلاح رأسه وماإن انصرف صديقه حتي التفت إلي محدثه الذي مد يده إليه وهو يقول بخبث:
_اسمي مراد.. مراد عز الدين.
________
إذا كان الإنسان مُحباً للهدوء يعشق الطبيعة الخلابة فما من مكان أفضل من الريف وحقوله الخضراء الواسعة ليكون ملاذاً لروحه الهادئة، تسلبه عقله وتُزيح الهموم عن كاهله وتمنحه مالا يستطيع مال الدنيا كله أن يمنحه.. السكينة.
كانا يجلسان تحت ظل شجرة كبيرة تتوسط أرض رقية كما أخبرها جدها اليوم حين جاء بهم إلي هنا ليُريها الأرض التي خصّ بيها همام ثريا من قبل وحرمها منها حين هربت منهم ليقرر اعادتها إلي ابنتها كهدية زواج وقد عادت إلي ديارها مع زوجها.
تأملت رقية الأرض
_أنا مش عارفة أشكرك ازاي علي وقوفك جنبي.
كان يمسك عصا رفيعة في يده يخط بها حروف في الأرض فالتفت إليها وقال بهدوء:
_دي حاجة بسيطة متكبريش المواضيع.. أي حد في مكاني كان هيعمل كدة.
تطلعت إلي مقلتيه تقول بثبات:
_لأ مش أي حد.. أي حد مكانك كان أول ماوالده هيموت بسرعة يجري علي المأذون ويطلقني خصوصاً إني كنت مستعدة أرجعلك كل اللي عمي عزيز كتبهولي وقولتلك الكلام ده قبل كدة.. أي حد غيرك مش طايقني كان هيسيبني ليهم ويرتاح مني بس انت معملتش كدة.. انت حميتني واديتني حاجة محسيتش بيها غير مع اتنين بس وانت التالت.. الأمان.
شعر بقلبه يتضخم في هذه اللحظة، حين مدت يدها وأمسكت بكفه تقول بامتنان:
_شكراً ياغريب.. شكراً عشان مسيبتش ايدي زي ماوعدتني، أنا عمري ماهنسالك الموقف ده أبداً.
ضم أنامله علي كفها يقول بنبرات خشنة خرجت متأثرة بتسارع خفقات وحرارة اجتاحت جسده، إنها حالة غريبة من النشوة اعترته جراء حركتها تلك ونظرة عيونها ونبراتها التي آلفت روحه :
_رقية.. هو أنا ممكن أسألك سؤال وتجاوبيني عليه بصراحة؟
هزت رأسها وقد عجزت عن الحديث تجتاحها حرارة لمسته ليدها، تلعن اندفاعها الذي جعلها تمسك يده بينما تدرك تماماً تأثيره عليها.
_ ايه اللي كان بينك وبين بابا؟
قطبت جبينها.. أمازال يظن بها السوء بعد كل ماجمعهما؟ ألم يدرك بعد نقاءها وطيبة سريرتها؟ أمازال يعتقد أن ما من شيء قد يجمعها بوالده سوى هذا التفكير المشين.. أمازال يظن السوء بأخلاقها؟ اذاً فليذهب كل شيء إلي الجحيم؟
نفضت يده عن يدها وهي تتطلع إليه بغضب وخيبة أمل ثم تنهض وتغادر مسرعة، لعن في سره تسرعه وسوء ظنه الذي يلازمه دوماً بسبب ماضيه حتي صار مرضاً لابد له من علاج علي مايبدو، نهض وأسرع خلفها يناديها برجاء.. لم تبالي به أو ببعض المارة الذين توقفوا يشاهدون مايحدث ولم يبالي غريب بدوره خاصة حين رأي قدمها تُذل وتسقط أرضاً متأوهة فأسرع إليها يميل عليها قائلاً بلهفة:
_انتِ كويسة.. حصلك حاجة؟
_ملكش دعوة بيا، من فضلك سيبني وامشي.
_مش همشي.. ومن الآخر كدة يارقية بطلي عناد وقوليلي فيه حاجة بتوجعك حصلك حاجة؟
اللهفة والحزم في صوته والألم في قدمها جعلاها تشير إلي قدمها وقد بدأت دموعها تسقط علي وجنتيها وهي تقول:
_رجلي الشمال بتوجعني.. مش عارفة فيها إيه؟
ركع جوارها وأمسك قدمها يخلع عنها الخذاء بروية وقد رآها متورمة.. يتفحصها باهتمام حان وقد رآها تكتم تأوهها حين مس قدمها.. قبل أن يقول:
_الحمد لله.. إلتواء بسيط بس مش هينفع تمشي عليها.
قالت بقلة حيلة:
_وهعمل ايه دلوقت.. البيت بعيد والعربية مش هتجيلنا قبل ساعتين.
_هشيلك لحد البيت.
اتسعت عيناها بجزع تقول بسرعة:
_لأ طبعاً مش هينفع.. المسافة بعيدة.
_مش مهم.. المهم رجلك دلوقت.. لازم تتعمل لها كمادات وتدهن بمرهم قبل مايزيد التورم والوجع.
_قولتلك مش هينفع.. الناس بتبص علينا.. أنا مستحيل أقبل بكدة.
أمسك يدها يقول بحزم:
_لازم تاخدي مسكن بسرعة لإنك شوية ومش هتستحملي الألم.. وأنا كمان مش هستحمل أشوفك كدة.. أقولك هشيلك لحد الطريق بس ومن هناك هنشاور لأي عربية توصلنا لبيت جدك.
تطلعت إلي الطريق.. المسافة ليست بعيدة.. ربما يمكنهما ذلك..
حسناً، قالتها علي مضض.. فأسرع يحملها ويتجه بها إلي الطريق متجاهلاً نظرات بعض أهالي البلدة المستنكرون وغافلاً عن جسدها المرتعش بين يديه مابين خجل وتوق.