
رواية عروس الغريب الفصل الحادي عشر 11 بقلم شاهندة سمير
تراجع صلاح في مقعده يحدج مراد بنظرة مستفسرة وهو يقول:
_ممكن أعرف حضرتك عايز مني ايه بالظبط؟ من ساعة ماقعدنا وانت نازل فيا أسئلة.. إيه اللي بينك وبين مدام رقية؟ ليه ماارتبطتش بيها؟ لو جاتلك فرصة تكون معاها وتبقي ليك لوحدك هتعمل إيه؟ إيه رأيك لو كسبت خمسين ألف جنيه؟ ورغم اني جاوبتك علي كل أسئلتك إلا إني لحد دلوقت مش عارف انت عايز مني إيه بالظبط؟
مال فم مراد بشبه ابتسامة ساخرة وهو يتراجع بدوره في مقعده قائلاً:
_عايز مصلحتك .
قطب صلاح جبينه قائلاً:
_ومصلحتي تهمك في إيه؟ لا انت قريبي ولا صاحبي ولا حتي معرفة، بقولك إيه ماتسيبك من اللف والدوران وتجيلي دوغري أحسن.
مال مراد للأمام يقول بهدوء مباشر:
_عايزك تاخد رقية من غريب.
رفع صلاح أحد حاجبيه قائلاً:
_هو مش غريب ده يبقي صاحبك برضه؟
مط مراد شفتيه قائلاً:
_أكيد صاحبي بس ده ايه علاقته بالموضوع؟
ضرب صلاح كفاً بكف قائلاً:
_إزاي ياجدع؟ وهو الصاحب برضه يفرق بين صاحبه ومراته.
_لما يكون شايفها مش مناسبة ليه ومش هتسعده.
مال صلاح للأمام يقول بخبث:
_الصاحب اللي بجد وقتها ينصحه مش يلف من وراه ويزق حد علي مراته.. قولتلك يامراد بيه أنا مبحبش اللف والدوران، تعالالي دوغري تجد مايسرك.
_أختي بتحبه وعايزاه وأنا طلبات أختي أوامر.
_قولتلي.. لأ ابن أصول بصحيح، طيب إذا كان كدة أنا معاك، آخد أنا رقية والمودموزيل أختك تاخد غريب وسرك في بير، إنت قولت هتديلي كام؟١٠٠ ألف جنيه.
_لأ قولت خمسين ياخفيف.
_زي بعضه.. رضا قوي.. احنا هننهب.. مقولتليش بقي، عندك خطة ولا تسيب مسيو صلاح يفكرلك في واحدة جهنمية.
_خلي أفكارك لنفسك يامسيو.. أنا بحب كل حاجة تمشي زي ماأنا راسمها وبس.. bien؟
ابتسم صلاح بخبث قائلاً:
. bien mon cheri _
______
النفوس التي لفها السواد تُقبّح كل جمال وتجد الراحة في إسقاط أفعالهم علي الآخرين فالكاذب يصف غيره بالكذب والحاقد يصف غيره بالحقد، إنها طريقتهم المشينة في أن يروا أنفسهم بصورة بريئة لا تمت للواقع بصلة، إنهم مجرمون يحبون إرتداء ثوب عفة لا ولن يليق بهم أبداً.
قالت آمنة(زوجة راضي الإبن الأكبر لهمام) :
_شوفوا مين اللي جاي هناك ده؟ وه وه.. كن رقية صابها مكروه.
قالت سعاد:
_نسوان مبتختشيش صوح، مهملاه يشيلها إكده كدام الخلج، الناس في البلد هياكلوا وشنا.
قالت نجاة بقلق:
_وده وقته ياسعاد.. هموا بينا نشوف حوصل إيه لرقية.
نهضت النسوة بسرعة يتبعن غريب الذي أسرع برقية إلي المنزل يرتقي درجات السلم بسرعة متجهاً إلي حجرتها، وما إن دلف وأجلسها علي السرير حتي بادرته نجاة قائلة:
_حوصل إيه ياولدي؟ مالك يابتي؟
_مفيش ياتيتة وقعت علي رجلي و اتلوت.
_ألف سلامة عليكي يابتي.
مطت سعاد شفتيها تقول بهمس ساخر:
_تيتة.. دلع بنتة ماسخ صوح.
وكزتها تهاني(زوجة صالح الابن الأوسط لهمام) بينما قال غريب:
_من فضلكم عايز حتة قماش نضيفة وشوية مية باردة عشان أعملها كمادات علي رجليها.
_ماتسيب شغل النسوان للنسوان يااخوي.
قالتها سعاد فحدجتها نجاة بنظرة رادعة قبل أن تقول لتهاني:
_همي يا تهاني هاتيله اللي قال عليه.
أسرعت تهاني تلبي طلبات غريب بينما قالت نجاة:
_احنا برة ياغريب ياولدي، لو احتجت حاجة قولنا، وانتِ يارقية ارتاحي يانضري، هي عين وصابتكم.. مش عارفة جاتكم منين؟
لتحدج ابنتها بنظرة حانقة وهي تسحبها من ذراعها للخارج قائلة:
_بالإذن.
تبعتهم آمنة وما إن خرجوا حتي قالت سعاد بحنق:
_ماتسيبي يدي ياأما، عتسحبيني كيف الجاموسة كدة ليه؟
_عشانك كيفها صوح يابت بطني، انتِ كيف عتتدخلي بين المرة وجوزها، انتِ نسيتي إنه جوزها علي سنة الله ورسوله؟ من ساعة ما البنية عاودت البلد وانتِ حاطة نقرك من نقرها كيف الضراير، انتِ نسيتي إنها بت أختك ثريا الله يرحمها وحفيدتي ولا غيرانة من حب جوزها ليها واهتمامه بيها؟
قالت سعاد بحقد:
_وأني هغير منها ليه ياأما؟ أني بايرة ولا مليش جوز عيحبني إياك؟و لاه منسيتش، منسيتش إنها بت ثريا، فاكرة ثريا ياأما؟فاكرة بتك حبيبتك وضي عنيكي من جوة؟
تركت نجاة يدها وعيونها تترقرق بالدموع وذكري ابنتها تطل بعقلها وتدمي خفقات قلبها.
_ثريا بتك اللي كنتي انتِ وأبوي وخواتي عتحبوها أكتر مني وتفضلوها عليّ، بتك اللي هربت منيكم وجابتلكم العار.. سامحتوها مش إكده؟ أول لمن عاودت بتها للبلد سامحتوها والحب اللي كنتوا عتحبوه لثريا بقي لبتها وأني هرجع تاني مليش مكان وسطيكم.. أقولك حاجة.. أني هفوتلكم الدار وماشية، هعاود لدار جوزي وأستناه لحد مايعاود من سفره.. أحسن ماأطق من القهرة وكسرة النفس إياكش ترتاحوا كلياتكم.
تركتهم وهرولت بإتجاه حجرتها تناديها آمنة فلم تجب لتقول نجاة بألم:
_همليها ياآمنة، هي سعاد إكده، طول عمرها قلبها إسود ومتعرفش غير الكره، عمرنا مافرقنا بينها وبين خواتها، علي يدك كل حاجة كانت بتتقسم بيناتهم بعدل ربنا بس هي اللي كانت رايدة كل حاجة،حتي الراجل اللي كان رايد أختها حطت عينها عليه ومرتاحتش غير لما خدته منيها، النفس الطماعة الحاقدة عمرها ماتكسب واللي بيعوز كل حاجة بيخسر كل حاجة يابتي.. خليها تعاود لدارها.. إكده أحسن برضه ليها ولينا قبل مانفسها الأمارة بالسوء تطاوعها وتإذي رقية.
_مش للدرجة دي ياحاجة.. سعاد صوح طول عمرها إكده.. عتغير من خلجاتها بس متإذيش حدا واصل.
أطلت ذكري في مخيلة نجاة جعلتها تقول بحزن:
_ربك يعدي الأيام دي علي خير ياآمنة.. ربك يعديها علي خير.
_______
حاولت أن تفتح عيناها فلم تستطع، تشعر بثِقل أجفانها، فتحت أهدابها بصعوبة تإنّ بضعف وقد حاولت تحريك جسدها فآلمها، إتسعت عيناها بدهشة وهي تراه يجلس علي الكرسي جوارها يسند رأسه إلي الوراء مُغلقاً أجفانه.. هل هو نائم حقاً جوارها أم أن ماتراه هو أحد أحلامها؟ فركت عيناها بإعياء ثم نظرت إليه مجدداً، لم يزل كما هو لم يتحرك قيد أنملة، كادت أن تناديه ولكنها تمهلت قليلاً، تتأمل ملامحه بحنان، وسيم هو ذو بشرة سمراء لوحتها الشمس،حاجبين كثيين يعلوان أهداب بنية كلون مقلتيه، وشاربه العريض يعلو شفاه غليظة تكشف عن أسنان ناصعة البياض حين يبتسم، وتلك النغزة بذقنه تسحرها وتجذبها بقوة، تجعلها راغبة دوماً في أن تمرر أناملها عليها وفي بعض الأحيان يجنح بها خيالها فتقبلها بحب، فتح عيونه في تلك اللحظة فتعلقت عيناها بعينيه ثم خُيل إليها للحظة أنه يبادلها نظراته المتأملة.. يطوف بعينيه علي ملامحها ثم يعود إلي عينيها، بضع ثوان قاموا بجبر أوجاعها بل ومحو كل أنّة ألم كانت تشعر بها، بضع ثوان منحوها شعور ألذ من آيس كريم الشوكولاتة خاصتها والذي كان لا يضاهيه عندها أي شيء في العالم سواه وسوى نظراته الحانية.. وكأنه استفاق من حلم حيث قطب جبينه فجأة واستقام يقول بجدية لم تعدها قبلاً فيه:
_محتاجة حاجة ياقمر؟ أجيبلك تشربي؟
قاومت شعورها بالإحباط مع عودة الألم لكل كيانها وهي تجلي صوتها محاولة الاستقامة بدورها قائلة:
_أنا.. آه.
أسرع إليها يسندها في نفس اللحظة التي سقطت فيها علي السرير فجذبته معها، أسرع يسند كفيه علي كلتا جانبي السرير جوارها كي لايسقط بجسده عليها، حبست أنفاسها كلية وعيناها تواجه عينيه القريبتين جداً منها، تدرك انها لو أطلقتهم لتداخلوا مع أنفاسه الحارة والتي لفحت وجهها فأنّ قلبها توقاً، خاصة حين تركز بصره علي ثغرها المرتعش، إن تركت قلبها يقود الآن ربما ستبادر هي وتُقرب ثغرها من ثغره تبغي رشفة حياة حلمت بها منذ أن أدركت أنها عاشقة له حتي النخاع، رأت توتراً يغزو ملامحه قبل أن يستقيم بصعوبة، قائلاً بارتباك:
_أنا آسف مكنش قصدي.
لم تستطع التفوه بحرف، أنقذتها طرقات علي الباب فأسرع يقول وهو يشير للخارج:
_دي أكيد خالتي جاية تطمن عليكي، هروح أفتحلها الباب.
هزت رأسها فغادر، قطبت جبينها وهي تستوعب كلماته، أمها جاءت لتطمئن عليها.. لماذا؟ هل هي مريضة؟ ربما يفسر هذا تلك الآلام الموجودة بجسدها، قطع أفكارها دخول والدتها الحجرة والتي ماإن رأتها حتي أسرعت إليها تحتضن يدها في لهفة قائلة:
_بنتي حبيبتي بركة إنك بخير ياقمري.
_هو أنا كنت تعبانة ياماما؟ أنا مش فاكرة حاجة، آخر حاجة فاكراها خروج....
تلعثمت وقد كادت أن تقول أن آخر ماتتذكره خروج بدر من المنزل وانهيارها بالبكاء ثم احتضانها لوسادتها ودموعها لم تزل علي وجنتيها ولكنها عدلت عن الحديث وهي تردف:
_خروج بدر للشغل وأنا دخلت نمت.
_يووه، ده انتِ كنتِ تعبانة قوي، حمي يابنتي حمي، جسمك كان مولع نار وبتخطرفي، نزلتلك الصبح عشان أطمن عليكي قبل ماتروحي الشغل لقيت بدر قاعد جنبك بيعملك كمادات ، بيقولي انه لما رجع لقاكي سخنة ومولعة، تصوري يابنتي انه فضل جنبك يمرضك، ابن أختي وحبيبي والله لو كنت لفيت الدنيا عشان ألاقي عريس ليكي ماكنت هلاقي زيه في طيبة أصله وجدعنته وحبه ليكي.
توقفت عن الاستماع لأمها ماإن أخبرتها بما فعل بدر تتساءل بلهفة.. هل ظل جوارها حقاً ليمرضها؟ وأين كانت هي؟ نائمة.. ألا لعنة الله علي نوم حرمها لذة رؤيته وهو يقوم بذلك.
_ياقمر.. روحتي فين يابنتي؟
_معاكي ياماما.
تذكرت شيئاً من حديث أمها أثار هلعها لتقول بقلق:
_هو أنا كنت بقول إيه وأنا نايمة؟
تنادين اسم حبيبك ياعزيزتي، لقد كانت أختي علي حق، لطالما كنتِ تحبينه وكم تعذبتي يافتاتي، الآن قرّي عيناً وقد صار لكِ وصرتي له.. لن أسبب لك الإحراج وأخبرك بما تفوهتي به وأنتِ مريضة، سأدعي الجهل وأدعك وشأنك.
_أهو كلام.. مفهمتش منه حاجة، تلاقيها المادة اللي بتدرسيها دي.. الفرنساوي.
هدأت خفقاتها المتسارعة كما هدأت خفقاته بدورها، لقد كان سيدلف إلي الحجرة حين سمع سؤالها ولكنه توقف وقد أدرك أن خالته ستفسد مخططه وتخبرها بأنه بات يعلم بمشاعرها ولكن يبدو أن القدر في صفه وقد جعل الخالة تنكر ماسمعته، لا يأبه بأسبابها وإنما يحمد الله فقط أنها فعلت.
حمحم وهو يدلف إلي الحجرة حاملاً صينية عليها بعض العصير، قبل أن يضعها علي الكومود جوار السرير قائلاً :
_قوميها ياخالتي تشرب العصير علي ماأعملها لقمة تاكلها عشان تاخد العلاج.
_عنك ياابني، خليك انت وأنا أقوم أحضرلكوا انتوا الاتنين لقمة تاكلوها.
_لأ متتعبيش نفسك، خليكي معاها.. عن اذنكم.
أسرع يغاد المكان فقطبت قمر جبينها وهي تدرك أن هناك خطب ببدر، هو ليس علي طبيعته بالمرة، إنه يحاول تجنب الوجود حدها وكأنه متلهف لأحد يحمل عنه حمل صحبتها،عيناه حزينتان بعض الشيء، لاحظت ذلك الآن.. تُري هل ملّ تمريضها أم أن مرضها يحول بينه وبين إخبار أمها وخالتها عن رغبته بالإنفصال عنها؟ ربما الاحتمال الأخير هو الأصح، أصابها ذلك بخيبة أمل وحزن حاولت أن تواريه وهي تستمع لأمها التي شرعت تحدثها مجدداً عن أخلاق بدر وشهامته ومروئته وطيبة قلبه وحنانه، لا تدرك أنها تعرف كل هذا وأكثر، وأن كينونة بدر وماهو عليه ماجعلها تعشقه دون غيره وجعلها توقن أنها لن ترتضي عنه بديلاً.
______
قضمت بأسنانها شفتها السفلي تكتم آهة كادت ان تخرج من ثغرها وأنامل غريب تمر علي كف قدمها بحركات منتظمة، هناك حرارة تسري بجسدها، لا تدري سببها.. هل هو ألم قدمها؟ أم لمساته التي جالت علي قدمها فأشعلت النيران بجسدها؟ لم يصدر عنها أي صوت ولكنه شعر بها فحانت منه نظرة إلي وجهها، تعلقت عيناه بثغرها وأسنانها الصغيرة التي أمسكت بشفتها السفلي،ثم صعد بنظراته إلي عينيها، تعمقت نظراته وأصبحت عيناه كبحر لا قرار له، أكانت تظن أنها تشتعل بالنيران إذا ماالذي سري بكيانها الآن؟ جحيم لا يحتمل.
صرخت عيناها..
تُربكني عيناك حين تنظر إليّ هكذا.. تُرسلني إلي متاهة من المشاعر، لا أدري بأي مكان وُجدت وإلي أين السبيل؟ يتوه قلبي بين ثنايا النبض والإحساس لتأخذني بيدك إلي اللهف فأصبح أسيرة توق بلا أمل.
تنحنح غريب يجلي صوته وهو ينهض قائلاً:
_ارتاحي شوية وحاولي تنامي، هاجي أطمن عليكي بالليل.
قال كلماته وكاد أن يغادر الحجرة علي عجل فاستوقفه صوتها المنادي باسمه، استدار يتطلع إليها فلم تقل سوى كلمتين:
_شكراً ياغريب.
علام تشكره؟ لم يحاول السؤال ولم ينتظر الإجابة، يريد الفرار من لجة مشاعر اجتاحته قربها ولو ترك قلبه ليقوده لأصبحت له الآن يسقيها فيض مشاعره ويرتشف رحيقها المسكر.. ساحرة هي، استطاعت أن تملكه بتعاويذها فسلبت إرادته وصار لها بكل كيانه رغم رفض عقله التام لما يشعر ولكنه صار عاجزاً عن أي شيء سوى حبها، نعم أحبها.. يدرك ذلك الآن ولا سبيل لينكره.
اكتفي بهزة من رأسه ثم غادر بسرعة لا يلوي علي شيء بينما تابعته رقية للحظات قبل أن تتنهد وهي تسحب الوسادة وتضمها إليها بينما جل ماترغبه الآن أن يكون غريب بديلاً عن تلك الوسادة الخالية.
_____
كان يتجه إلي حجرته شارداً في مشاعره الجديدة كلية علي قلبه، ذلك الحب الذي لم يشعر به يوماً،ولم يزلزل كيانه عشق كما فعل عشقه لها.. لمَ الآن ولمَ هي؟إنه حقاً لا يعرف.
تناهي إلي مسامعه صوت هذا المنصور _الإبن الأصغر لصاحب البيت_يقول بغضب:
_كيفها كيف أمها، فضحتنا بنت الفاجرة.
_اقفل خاشمك ياولد.
صمت منصور علي مضض يدرك كيف يكون غضب أباه إن لم يذعن لأوامره ورغم تلك النيران المشتعلة بقلبه إلا أنه حاول تمالك نفسه وهو يقول :
_يابا أعذرني، ماانت مسمعتش اللي أني سمعته، البلد كلياتها ملهاش حديت غير المسخرة اللي عتدور في دارنا وأرضنا، وكيف عريس بتنا عيشيلها كدام الخلج من غير خشا ولا حيا.
_أنا مسمحلكش.
هدر غريب فالتفت إليه الجميع،رغم نبرات صوت غريب الصارمة وعيونه اللتان التمعتا بغضب هادر ورُغم خشية منصور الفطرية منه إلا أن الأخير لم يستطع كبح جماح غضبه وهو يقترب منه قائلاً:
_أني مش عارف ياولاد البندر عتجيبوا البجاحة دي كلها منين؟
كاد غريب أن يشتبك معه ولكن همام وقف بينهما يقول لولده بغضب:
_قولتلك قبل سابق تقفل خاشمك يامنصور..اعمل خاطر لكلمة بوك علي الأقل.
_سامحني يابا بس دي حاجة تفور الدم.
حدجه بنظرة رادعة فأشار إلي فمه بعلامة الصمت بحنق بينما التفت همام لغريب قائلاً:
_اعذر منصور ياولدي، البلد اهنه مش كيف البندر، والبني آدم منينا سمعة برديك.
_وأنا معملتش حاجة غلط.. مراتي ووقعت علي رجليها وكان لازم أشيلها لإنها مينفعش تمشي عليها.. هي الرجالة هنا لو حصل لمراتهم نفس اللي حصل لرقية بيعملوا إيه يعني؟
قال منصور بسخرية:
_إهنه بينادموا الحريم يسندوا الحريم.
_اللهم طولك ياروح.
_منصور قولتلك تخرس خالص لأحلف يمين لا تبقي ابني ولا أعرفك.
أشاح منصور بوجهه بينما قال غريب :
_مكنش ينفع أستني ياحاج همام،أنا كنت عايز أطمن عليها وبعدين أنا في اللحظة دي مفكرتش أساساً.. شوفت مراتي رجلها وارمة ومش قادرة تمشي عليها شلتها وجبتها علي هنا، لو كان ده غلط مني في عرفكم فأنا مستعد للعقاب بس أنا عملت اللي قلبي قالي عليه ولو رجع بيا الزمن لوقتها برضه هعمل اللي عملته ومش هتردد ثانية واحدة.
قال صالح بحماس :
_عفارم عليك ياأخوي.
حدجه منصور بنظرة حانقة فتحاشى النظر إليه بينما حرك همام عكازه قائلاً:
_أني مقدرش ألوم عليك لإنك متربتش في بلدنا ولا تعرف عاداتنا وتقاليدنا وكماني انت جوز رقية وعتحبها واللي عملته ممكن يعمله أي واحد حداكم في البندر والناس تسقفله كماني، لكن احنا مش في البندر، احنا في كفر أبو جبل وكيف ماقولتلك قبل سابق، البني آدم إهنه ميعيبوش غير سمعته وبس، وعشان نخرس كل الألسنة ، عنعملوا الفرح بكرة.. البلد وقتها هتنشغل بالطبل والمزمار والوكل وهتنسي الباقي.
_منلحقش ياأبوي.
قالها راضي فرد همام:
_أني قولتها كلمة ولازمن تتنفذ، فرح غريب علي رقية بكرة وده آخر كلام عندي.
قال كلماته وابتعد، أسرع راضي وصالح إلي غريب يهنئونه بينما حدجه منصور بحنق قبل أن يبتعد مغادراً المنزل بخطوات غاضبة، لتستند رقية إلي الحائط وتضع يدها علي خافقها تهدئ نبضاته المتسارعة، لقد خشيت علي غريب حين سمعت صوته الهادر فأسرعت إلي مصدر الصوت رغم اصابة قدمها، وجدته يتجادل مع الجميع ويؤكد علي حبه واهتمامه بزوجته.. كم من مرة ذكر فيها بكل ثقة أنها زوجته وان من حقه أن يفعل مافعل حتي كادت هي أن تصدق أنها حقاً زوجته التي يحبها، زواجهم بالغد اذاً.. ستتزين مجدداً من أجل حفل زفافهما، ستطل مجدداً بالأبيض ولكن ليست هذه المرة كسابقتها، فلم تعد هي كما كانت ولم يعد القلب خالياً مُرغماً، في الغد حين ترتدي ثوبها الأبيض سترتديه بسعادة من أجل حبيبها.. وزوجها.