رواية عروس الغريب الفصل التاسع 9 بقلم شاهندة سمير

          

رواية عروس الغريب الفصل التاسع 9 بقلم شاهندة سمير


وقف علي عتبة الباب يتأملها في صمت،لقد جاء إلي المطبخ ليتحدث معها عن ماسمعه من حديثها بالأمس.. للحظة ظنها زوجته الراحلة بقامتها المتوسطة وشعرها البني الذي لملمت خصلاته في ذيل حصان تاركة بعض الخصلات المتمردة حتي انتبه إلي صوتها الذي تغمغم به وكأنها تحدث نفسها، تلومها علي الأغلب، أخرجه صوتها من لهفة اجتاحت قلبه وقد ظن أنه يعيش احدي أحلام يقظته مع حبيبته الراحلة. 

كانت تقلب محتويات الطنجرة، تعاتب قلبها علي لحظات يأس اجتاحتها البارحة، حتي أنها كادت أن تطلب من بدر أن يطلق سراحها فتنجو من جحيم قربه، لتدرك بعد ليلة لم  يغمض لها جفن فيها أنها لن تستطيع الابتعاد عنه حتي وإن كان قُربها منه عذاب لا يحتمل، وصل إلي مسامعها صوت حمحمته ،استدارت بسرعة تجاه الصوت فارتطمت يدها بالطنجرة وسقطت علي الأرض، أسرعت تبعد قدميها بسرعة عن الفوضي الساخنة، بينما كان بدر بجوارها في لحظات يسألها بقلق عارم:
_انتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟

هزت رأسها بلا لتنسحب أنفاسها كلية وهو يسحبها من يدها ويُجلسها علي الكرسي القريب منها ثم يركع جوارها ويمسك قدمها يتفحصها باهتمام، شعرت بنبضاتها تكاد تتوقف من جنون خفقاتها،أغمضت عينيها تشعر أنها علي حافة الإنهيار ثم فتحتهما تحاول أن تُجلي صوتها الذي بحّت نبراته وهي تقول:
_قولتلك اني كويسة، مفيش حاجة جت علي رجلي.

ترك قدمها وهو يرفع إليها ناظريه، يقول بنبرة عميقة ظهر بها اهتمامه:
_كان لازم أطمن بنفسي.. الحمد لله.. خدي بالك ياقمر من نفسك.. انتِ أمانة في رقبتي.

أصابتها خيبة الأمل وهي تدرك سر اهتمامه بها.. مجدداً واجبه تجاهها،هي ابنة خالته التي يُعدها كأخت له.

طالت نظرتهما وتعملقت مابين رجاء أطل من مقلتيها أن يشعر بها قلبه ويرأف بحال قلبها المتيم به وبين بدر الذي بدأ يتأمل ملامحها، لا يدري لمَ جذبته إليها اليوم بالتحديد،ربما لأنه لم يكن يوماً بهذا القرب منها، حتي أنه لم يلحظ يوماً حاجبيها الرقيقين وطول أهدابها البنية وعيونها العسلية التي تحددها خطوط ذهبية، أو تلك الحسنة أسفل ثغرها.. هل يرتعش ثغرها مجدداً؟ تري هل يسبب لها قربه توتراً كما يفعل به قربها؟ أشاح بدر بناظريه عن وجهها وهو ينهض قائلاً بتوتر:
_أنا هجيب حاجة ألم بيها الأكل اللي علي الأرض ده.

نهضت بدورها تقول بارتباك :
_وأنا هعملنا أكل تاني بدل اللي وقع.....

قاطعها قائلاً:
_متتعبيش نفسك.. أنا هطلب بيتزا.

_أنا بحب البيتزا قوي.

_عارف.

قالها بلهجة حانية مست قلبها فتطلعت إليه بنظرة أربكته مجدداً ليبعد ناظريه عنها وهو يبحث عن المكنسة اليدوية كي ينتهي من تنظيف المكان ويغادره وقد بات قربها مؤخراً محير ومربك لسبب لا يدركه.. أو أنه يخشي إدراكه.

______

_ما خلاص يامراد.. قولتلك إني مش زعلان، نفين اعتذرت لرقية وده بينهي عندي الموضوع كله، لو خلصت كلام يبقي يلا نخرج نقعد معاهم، ميصحش نسيبهم كل المدة دي لوحدهم. 

رفع مراد حاجبه وهو يردد قائلاً:
_ميصحش.. قولتلي.. ممكن برضه. 

تأمل مراد ملامح غريب النافذة الصبر وكأنه لا يطيق عن زوجته ابتعاداً ثم مال فجأة يقترب من غريب أكثر وهو يتفحص ملامحه باهتمام قائلاً:
_إلا قولي ياغريب.. انت مش كنت قايلي انك اضطريت تتجوز رقية عشان خاطر والدك الله يرحمه وإنك أول ماتتطمن عليها هتطلقها.

هز غريب رأسه دون أن ينطق بكلمة ولكن ملامحه المتوترة أخبرت مراد بما أراد معرفته، ليلعن في سره قبل أن يقول:
_بتهيألي موضوع انها في خطر وأهلها عايزين يقتلوها كانت تمثيلية من عمي عزيز الله يرحمه عشان يدبسك في الجوازة دي.

نهض غريب يقول بنفي:
_معتقدش.. هيدبسني ليه يعني؟

نهض مراد قائلاً:
_انت ناسي انك في آخر مرة اتكلمت معاه قبل ماتسافر لما كان عايز يجوزك بنت شريكه في مصنع الفيوم انت قولتله انك مبتفكرش في الموضوع ده نهائي وان الجواز مبقاش خلاص في دماغك .. نسيت كان زعلان ازاي وانت حاولت ترضيه وتقوله انك هتفكر بس أكيد والدك كان عارف انك بتسايسه وان الجواز بقى بالنسبة لك شيء لا يمكن تفكر فيه.

_لنفترض كلامك صح.. لو بابا عايز يدبسني هيدبسني مع بنت شريكه، ايه اللي يخليه يدبسني مع واحدة تانية؟ 

_انت بتستهبل ياغريب..ما بنت شريكه اتجوزت وانت عارف وبعدين الواحدة التانية دي حتة مارون جلاسيه.... 

قاطعه قائلاً بحنق:
_مراد! 

_خلاص ياسيدي متزعلش.. البنت حلوة وليها سحر،تقدر تنكر إنها قدرت تغير فكرتك عن الجواز في فترة قصيرة جدا وتعلقك بيها... 

كاد غريب أن يتحدث ولكن مراد أشار له قائلاً:
_متنكرش، ده انت مش طايق مني كلمة عليها، الغيرة باينة في عيونك ياصاحبي، المشكلة هنا انك بتسمحلها تدخل قلبك مع ان العلاقة دي نهايتها الفشل.. معقول غريب المنياوي يتجوز واحدة لا ليها أصل ولا فصل جايبها باباه من الشارع، لأ ويحبها كمان؟ 

قطب غريب حاجبيه بقوة وكاد أن يقول شيئاً لولا سماعه لبعض الأصوات العالية بالخارج ليسرع بمغادرة المكتب متجهاً إلي مصدر الصوت يتبعه مراد حانقاً وقد كاد أن يزعزع أركان قصة حب غريب لولا هذا التدخل غير المرغوب فيه. 

______

كانت تجلس صامتة ترمق رقية بين الحين والآخر، تتساءل عن سرها الذي جعل الوالد والابن يتعلقان بها، نعم هي جميلة ولكن لا شك أنها الأجمل، ملابس رقية بسيطة وليست غالية الثمن كملابسها هي، لم تنشأ مثلما نشأت نفين بل جاءت من الشارع.. اذاً ماالذي يميزها عنها؟  منذ اعتذرت لها أمام غريب وأخذ أخاها الأحمق الأخير لغرفة المكتب ليتحدثا قليلاً وهي جالسة هكذا لم تتفوه بكلمة.. وكيف تتحدث مع هذه الفتاة وهي تكرهها بكل ذرة في كيانها تلعن أخاها الذي اضطرها للاعتذار منها، لو علمت صديقتها سوزان مافعلت لوبختها بشدة.

طرق شديد علي الباب أفزعها فنهضت ونهضت رقية بدورها تتطلع إلي الباب بقلق، كادت أن تمنع تحية من فتح الباب ولكنها تأخرت وحين فُتح الباب ظهر الرعب بعينيها وهي تتطلع إلي هؤلاء الرجال الذين دلفوا إلي المكان بعيون ظهر الشر فيهم وهما يتطلعون إلي الفتاتين، ودت لو استنجدت بغريب وقد أطل بعقلها وقلبها في هذه اللحظة ولكنها لم تجد صوتها وما ان وقفوا أمامهما حتي شعرت بأنها علي وشك الموت رعباً.. خاصة حين تأملهما كبيرهم وهو يقول بصوت عميق ظهر التوق ممتزجاً بالغضب في طياته:
_مين فيكم بت ثريا؟

قالت نفين بعصبية:
_انت مين انت وازاي تدخل البيت كدة من غير استئذان.. انت اتجننت؟

_وه وه وه.

اعتراضات من قِبل الرجال معه ومنهم من رفع عصاه وكاد أن يتجه إليها ولكن كبيرهم رفع يده يوقفهم فقط باشارة صامتة ثم اقترب من نفين التي بدا الخوف في هذه اللحظة علي محياها وقد أدركت أنهم رجال خطرون لا يتعاملون سوي بأيديهم وعصيّهم.. قال الرجل بصوت عميق حمل وعيد بين طياته:
_المرة اللي تقل أدبها علي راجل حدانا في البلد ملهاش غير قبر يلمها.. تحبي نشوفلك قبر يلمك؟

هزت رأسها بخوف فأردف بعيون تلمع:
_يبقي تسكري خاشمك خالص ومتُنطقيش غير لما أسألك وبس.. مفهوم ولا لا؟

_مفهوم.

قالتها بحروف متعثرة فسأل مجدداً :
_انتِ بنت ثريا؟

_أنا بنت ماما ثريا.. حضرتك مين؟

إستدار الرجل إليها ثم ارتدي نظارته المتعلقة بصدره وعاد ليتأملها مجدداً، خُيل إليها أن عيناه الجامدتين قد رقتا ولكنها عادت إلي جمودها وهو يقترب منها قائلاً:
_كان لازمن أعرف انك بتها، ملامحك عتشبهها، معلاش العتب علي النظر.

_حضرتك مقولتليش انت مين؟ وعايز مني ايه؟

_أني أبقي جدك أم أمك.. ودول يبقوا خوالك.

نقلت بصرها بينهم.. اذاً هم عائلتها التي هربت منهم أمها بالماضي.. لديها كل الحق ان كانت ملامحهم بتلك القسوة فما بال قلوبهم؟ عادت ببصرها إلي جدها تقول بحزم:
_طب وعايزين ايه دلوقت؟ماما ماتت من قهرها.. من خوفها منكم.. من بلدها وحياتها اللي حرمتوها منهم.. جايين ليه بعد مااتحرمت منها هي كمان؟

بينما ظهر الحزن بعين كبيرهم تقدم الرجل الذي يقف علي يمينه وهو يمسك يدها قائلاً بغضب:
_أمك اللي جابتلنا العار ووطت راسنا في الطين.. أمك اللي هربت وجت البلد دي تحذر عزيز منينا.. دلوكيت لازم ناخد بتارنا ونغسل عارنا بيدنا لجل مانعيش مرفوعين الراس كدام الخلج كلياتها.

نفضت يدها تقول بغضب:
_وهتغسل عاركم ازاي ياخالي؟ هتموتني؟ هتقدر تقف قدام ربنا يوم الدين وتجاوبه لما يسألك بأي ذنب قُتلت؟

ظهر التوتر علي ملامحه للحظة قبل أن ينفضه وتتجهم ملامحه يسحبها من ذراعها قائلاً:
_ملكيش صالح بينا وهمي معانا علي البلد، هم يابا.. يلا ياراضي انت وصالح .. خلونا نعاود البلد ونخلصوا من الليلة دي.

ساروا جميعاً خلفه تتابعهم نفين بعيون متشفية، حاولت رقية التملص من ذراع خالها ولكن قبضته الحديدية أبت أن تتركها. 

_استني عندك انت وهو.

صوته الهادر أوقفهم جميعاً، استداروا إلي صاحب الصوت فوجدوه يقف متطلعاً إليهم بوجه غاضب صارم يجاوره رجل يتابع مايحدث بوجه ظهر عليه الفضول، اقترب صاحب الصوت منهم وهو يتطلع إلي رقية يهز لها رأسه يجيب نظرة الاستغاثة بعينيها بنظرة طمأنينة مست قلبها علي الفور، تأهب الجميع وهم يرونه متقدماً تجاههم حتي توقف أمامهم ليقول لمن يمسك يدها بصوت قاس حاد كالسكين:
_سيب ايدها.

تطلع إليه الرجل قائلاً بتحدي:
_وان ماسيبتهاش هتعمل إيه يعني؟

اقترب منه يمسك قبضته التي تحيط بذراع رقية ويحررها بسهولة رغم محاولة الخال إحكامها كي لا تفلت ليحررها منه غريب ويسحبها إلي جانبه، كان كبيرهم يتابع مايحدث دون أن يتفوه بحرف بينما استعد الجميع لضرب غريب ورفعوا عصيّهم فتوارت رقية خلفه تتمسك ببذلته بينما تأهب هو للدفاع عنها بحياته إن لزم الأمر ليوقف كل ذلك اشارة من يد كبيرهم قبل أن يتقدم من غريب يتطلع إلي تلك التي توارت خلفه ثم يعود ببصره إلي غريب قائلاً:
_انت مين؟ ولد عزيز مش إكده؟ مش خايف منينا؟ احنا لينا طار حدا أبوك؟ وبنتنا ليه عتتحامي فيك إكده؟

نظر إليه بعيون متحدية وهو يقول:
_أنا فعلاً ابنه ومش خايف منكم.. أنا مبخافش غير من اللي خلقني ورقية تبقي مراتي علي سنة الله ورسوله والراجل لازم يدافع عن مراته وعرضه، دمه ولحمه حتي لو كان التمن حياته.. ولا إيه ياشيخ العرب؟مش رقية تبقي لحمكم ودمكم؟ 

قال أحد الرجال:
_بس دي خاطية بنت....

_اخرس خالص وافتكر ان دي تبقي رقية مرات غريب المنياوي واللي يمسها بكلمة أشرب من دمه.

_ماتتكلم ياأبوي.. انت هتسيبه يهلفط بكلام ملوش عازة إكده؟

نظر همام إلي رقية التي ظهر الامتنان بمقلتيها تجاه هذا الغريب ثم نقل بصره إلي الأخير والذي رغم العداوة التي جمعته بوالده إلا أنه ورُغما عنه لم يستطع سوي الاعجاب بهذا الرجل الذي وقف يدافع عن حفيدته غير مبالياً بكثرة عددهم، ليطرق برأسه أرضا للحظة قبل أن يرفع رأسه ويتطلع إلي أولاده وقال:
_الراجل مغلطش، دي مرته ولازمن يدافع عنها، احنا كنا جايين ناخد بتارنا من عزيز و ثريا.. بتنا اتجوزت من ولد عزيز يبجي خلاص مفيش تار ياولد منك ليه.

_انت عتقول ايه يابا....

قاطعه همام قائلاً بصرامة:
_مش ده عرفنا.. مش دي عاداتنا وتقاليدنا يامنصور، يخلص التار بالدم أو المصاهرة.. مش إكده ياولد همام؟

لم يتفوهوا بحرف بينما ظهر الحنق علي وجوههم.. شعرت رقية بالراحة وهي تُطلق أنفاسها الحبيسة ولكنها ما لبثت أن حبستها مجدداً مع اقتراب جدها منهما حتي صار قاب قوسين أو أدني يتطلع بعيون نافذة إلي غريب قائلاً:
_زواجكم خلصكم من التار صوح لكنه مخلصناش من العار .. جوازكم إهنه ولا يسوى شي أدام متجوزتوش كدام أهل البلد كلياتهم، لجل مانخلص من العار لازمن ينعمل فرحكم إهناك في كفر أبو جبل،هتعاودوا معانا وتعملوا فرحكم إهناك ولا إيه قولك ياابن عزيز؟

_ودي فيها قول يابا.. ان معاودوش معانا بمزاجهم يعاودوا غصبن عنيهم.

رمق غريب قائل هذه العبارة بنظرة صارمة أثارت القشعريرة بنفسه رُغماً عنه ورُغم ادراكه لعنفوانه وشبابه ورُغم كثرة عددهم وقوتهم التي لا يستهان بها واحتمائه بعائلته إلا أنه لم يكن علي يقين بأنهم قادرون علي فعل ماقاله للتو، وجد نفسه يشيح بناظريه عن نظرات هذا الغريب ويقطع بهذا ارتجافاً صار بأوصاله بينما يستمع إليه وهو يقول لأباه:
_إحنا جايين معاكم بس بشرط توعدني ياحاج اننا في البلد وبعد مانرجع منها مفيش مخلوق هيقرب من رقية أو يفكر يإذيها.

مد همام يده علي الفور قائلاً:
_وعد ياولدي من همام أبو جبل، كبير الكفر وكبير عيلة أبو جبل كلياتها.

مد غريب يده فتلاقت الكفوف تشد علي بعضها، وبينما أطل في عيون غريب عزم وقوة ظهر الإستحسان في عيون الجد.

____

تأمل صورتها بحنان ووجيب شوق.. مد أنامله يمررها علي ملامحها الجميلة..همس قلبه بحنين جارف..
اشتقت إليكِ حبيبتي وتراقصت خفقاتي بين ذرات ألمي توقاً.. رحلتي ولم أكتفي بعد منك، قلبي يناجيكي كل ليلة؟ هل من الممكن أن تعودين؟ أحتاجك.. أشتاقك.. أريدك وأرفض التصديق أنك رحلتي بلا عودة.. تطاردني ذكرياتك في كل لحظة.. لمساتك،همساتك، ضحكاتك، رائحة عطرك، رنات صوتك،أكاد أُجن من فرط اشتياقي لكِ.. بالله عليكِ لماذا رحلتي بهذه السرعة وتركتني وحيداً دونك أبغي لقاء بكِ يحييني، أتضرع إلي الله كل يوم أن يجمعني بكِ ولكن يبدو أن موعد اللقاء لم يحن بعد.. أخشى ضعفي وقوة النسيان، قد أقسمت علي الوفاء فهلا أتيتني في المنام وأشعلتي قناديلي؟ 

أفاق من أفكاره علي صوتها الضعيف الهامس وهي تقول:
_الشاي يابدر.

استدارت تغادر الحجرة فأسرع يمسح دموعه التي سقطت سهواً علي وجنتيه، يعيد الصورة إلي مكانها علي الكومود جواره وهو يناديها، تجمدت للحظة مكانها قبل أن تمد أناملها إلي وجهها ليدرك أنها تبكي بدورها، شعر بحزن دفين.. كليهما تعس يعيش في شقاء، هو يبكي أطلال زوجته وهي تبكي حظها الذي جاءها بشريك العمر بعد زواجها بآخر.

نهض بسرعة واتجه إليها يقف قبالتها ويتطلع إلي وجهها، ظلت مطرقة الرأس فمد أنامله لذقنها يرفع وجهها، تطلعت إليه بعيون أطلت منهما نظرة مست قلبه علي الفور فسارعت من خفقاته دون أن يدري، إنها نظرة حملت العديد من المشاعر التي لم يفهمها ولكنها نظرة ضعف هائلة واستغاثة أطلت من مقلتيها أثارت في قلبه كل المشاعر، وجد روحه تناديه أن يغمرها بعطفه ويضمها إليه، ودون ارادة منه وجد نفسه يسحبها إلي صدره ويضمها بذراعيه بحنان جارف، استسلامها الكامل له جعله يدرك مدي ضعفها وحزنها واحتياجها بدورها لكتف تتكئ عليه، لصدر تفرغ حزنها بين جنباته، همس بحزن:
_عيطي.. متكتميش جوة قلبك.. أنا حاسس بيكي.

 رفع أحد ذراعيه يملس بها علي شعرها وهو يقول:
_انتِ مش مبسوطة، انا سمعتك وانتِ بتتكلمي مع رقية امبارح.

تجمد جسدها بين ذراعيه فتمسك بها أكثر وهو يردف:
_غصب عني والله كنت جاي أناديلك سمعتك وانتِ بتقولي انك بتموتي كل يوم وبتندمي علي جوازك مني.

حمدت ربها أن هذا هو جل ماسمعه ولم يسمع تصريحها بحبه بينما أردف هو :
_أنا ابن خالتك وزي أخوكي يعني أقرب حد ليكي،متخبيش عليا..أنا عارف اني مش هينفع أغصب عليكي تكملي معايا عشان أرتاح من زن أمي عليا بالجواز تاني، وبالنسبة لمامتك مادام هنتفارق وتتجوزي الشخص اللي حبتيه ده هيسعدها أكتر ويخليها تنسي تجربة فاشلة مقدرناش نكمل فيها. 

خرجت من حضنه تتطلع إليه قائلة بلهفة:
_انت فهمت غلط أنا.....

وضع أنامله علي ثغرها يمنعها من الكلام فارتعش ثغرها وهو يقول:
_قولتلك متخبيش عليا، الحاجة الوحيدة اللي تخليكي حزينة من ارتباطنا هو انك مش قادرة بسببه تكوني مع حبيبك.

ليس ارتباطنا السبب وانما عشق واراه الثري ولكنه ظل راسخاً بقلبك حبيبي يحول بيني وبينك.

ارتعاشة ثغرها، نظراتها الملتاعة جعلاه يتأكد من ظنه، قطب جبينه وقد راوده شعور غريب بقلبه.. وجد نفسه يغبط حبيبها علي عشقها له، فابنة خالته جوهرة ثمينة تزين مالكها وتسعده، تماماً كما كانت زوجته الراحلة..وجد نفسه يتساءل ماذا لو أحبته هو وأحبها بدوره لصاروا أسعد حبيبن بكل تأكيد، عند هذه الفكرة شعر بالخطر الشديد من مسار أفكاره التي باتت تتمحور حول قمر، فاستدار وهو يقول بتوتر:
_أنا بكرة هكلم ماما في موضوعنا وهمهدلها وانتِ كمان حاولي تمهدي لمامتك.

قال كلماته وخرج مسرعاً لا يلوي علي شيء يتجاهل نداءها الضعيف باسمه، أسرعت خلفه فوجدته قد غادر المنزل بأكمله، استندت علي باب الحجرة تترك لدموعها العنان، تتوسل إليه بقلبها وهمسها الضعيف ألا يفعل، لن تقوي علي الرحيل عنه.. ليس بعد أن كانت بذاك القرب يحكم عليها بالفراق.. راضية هي بعذاب قربه.. راضية برؤيته باقياً علي ذكري زوجته.. راضية بجحيمه، يكفيها أن تحمل اسمه، أن تصحو علي وجوده حدها، أن تعد له الطعام وتشاركه اياه، يكفيها أن تراه باستمرار.. إن أخذ منها وجوده حدها فقد حكم عليها بالموت.. أليس الفراق عن الحبيب ردي لا مفر منه؟

____

_تفتكري احنا غلطنا لما جوزناهم ياكريمة؟

كانت احسان تقف أمام النافذة وتتطلع إلي الخارج بشرود فغضنت كريمة جبينها وهي تقول:
_ليه بتقولي كدة ياإحسان انتِ مخبية عني حاجة؟

إلتفتت إليها إحسان تقترب منها وهي تقول:
_أبداً والله.

_أمال إيه اللي خلاكي تقولي الكلام ده؟

جلست إحسان علي الكرسي جوار سريرها وهي تتنهد قائلة:
_مش عارفة.. مش حاسة إن قمر مبسوطة ومرتاحة زي مابتحاول تبين لنا، عنيها دايماً فيها حزن ووشها أصفر وكأنها مبتعرفش تنام من القهر، دي بنتي وأنا عارفاها، مبتقدرش تخبي مشاعرها مهما حاولت.

_متكبريش المواضيع ياإحسان، بنتك زي الفل، انتِ بس اللي بتحبيها بزيادة و حاسة بالذنب عشان غصبتي عليها تتجوز بدر .

أطرقت إحسان برأسها قائلة بحزن:
_يمكن معاكي حق..

ثم رفعت وجهها تتطلع إلي أختها قائلة:
_بس قلبي بيقولي إني صح وإنها مش مرتاحة، مش يمكن حست إن ملهاش مكان في حياة بدر، مش يمكن حست إنه لسة بيحب مراته وباقي علي ذكراها.

_أنا كنت بفكر زيك بالظبط، كنت حاسة بالذنب اني غصبت علي ابني وظلمته وظلمت قمر معاه لما عملت كدة، بس من أول مرة شوفتهم بعد الجواز والإحساس ده راح من عندي خالص..انتِ مشوفتيش كانت بتبصله ازاي؟ وهو كان مهتم بيها وبراحتها ازاي، ياشيخة ده مهمهوش الناس وكلامهم وسابها تعمل اللي يريحها، فيه في الدنيا راجل هيعمل كدة لو مبيهتمش بمراته وبيحبها؟

_مش عارفة.. مش عارفة .

ربتت كريمة علي يد أختها وهي تقول بحنان:
_ابعدي الشيطان عنك وقومي اتوضي وصلي ركعتين وادعيلهم وبإذن الله أنا واثقة ان ربنا هيجيب دعواتنا وهيقرب بينهم وبكرة تكمل فرحتنا بيهم لما نشوفهم سعدا مع بعض وجايبين لنا حفيد ينور بيتنا.

_يارب ياكريمة.. يارب.

_مستنية إيه؟ قومي بسرعة دي الصلاة والدعوات في الوقت ده مُجابة.

نهضت إحسان بحماس وقد انتقل إليها يقين أختها في رحمة الله بهم واستجابته لدعواتهم بينما تتابعها كريمة بعيون حانية قبل أن تنظر إلي بارئها وترفع يدها بالدعاء بدورها.. تبتهل إليه بقلبها ولسانها.

تعليقات



<>