رواية عروس الغريب الفصل الثالث عشر 13 بقلم شاهندة سمير

            

رواية عروس الغريب الفصل الثالث عشر 13 بقلم شاهندة سمير


هرج ومرج بالمشفي أمام حجرة العمليات، الجميع علي أهبة الإستعداد، هناك ممرضة تهرول إلي داخل الحجرة وأخري تخرج منها بينما يجلس همام علي المقعد متكئاً علي عصاه وقد شاخت ملامحه في هذه السويعات الأخيرة، بينما يقف أولاده الاثنين _راضي وصالح_بجواره وقد ظهر عليهما الحزن يتطلعان إلي الفتاة المسكينة التي وقفت جوار الباب بفستان زفافها الأبيض تبكي بصمت، تلطخت وجنتاها بنهرين من الدموع المختلطين بكحل زينتها، تتعلق عيناها بباب الغرفة كتعلق روحها بأي كلمات تحمل إليها خبراً ينقذها من هذا الألم بوجدانها، تخشي أن تفقده كما فقدت أحبتها من قبل وكأنه كتب عليها أن تعيش مرارة غياب كل من يتعلق به قلبها ويكون لها كروحها تماماً، ربتت آمنة علي كتفها تطلب منها الجلوس، تخشي أن تخور قواها وقد شحب وجهها وابيضت شفتاها وكأنها علي وشك السقوط وبالفعل لم يستطع جسد رقية تحمل مخاوفها وآلام بعثتها الذكريات في قلبها فشعرت بهوة سحيقة تسحبها إليها قبل أن يلفها السواد وتسقط أرضاً وسط صراخ النسوة حولها.

______

_تفتكر إنها حامل يابوي؟

تفوه صالح بهذه الكلمات فرمقه همام بحنق قائلاً وهو يتلفت حوله:
_اكتم خاشمك ياولد لحدا يسمعك.. حامل كيف وهي بتياب العرس.

همس راضي:
_بس هي متجوزة يابوي علي سنة الله ورسوله وانت خابر ان الفرح ده لجل......

قاطعه همام قائلاً:
_قولت تسكروا خاشمكم دلوكيت، احنا خابرين بس مفيش حدا من البلد خابر.. أني مش عارف ربنا مبتليني في ولادي كلياتهم ليه؟طب حدا منيكم يبقي ناصح ان شا الله.

تطلع كل من راضي وصالح إلي بعضهما البعض بحنق قبل أن يشيحا بوجهيهما، بينما خرج الطبيب من الحجرة فتوجه إلى همام_كبير البلدة_قائلاً باهتمام:
_حفيدتك بخير ياحاج، ضغطها وطي شوية من اللي شافته،هي فاقت وبخير بس نفسيتها تعبانة هبابة، أني اديتها حقنة مهدئة لجل تنام وترتاح وتبقي أحسن.

_متشكرين ياداكتور.

ظهر التردد علي محيا الطبيب فاستحثه همام قائلاً:
_خير يادكتور،  مش قولتلي إن جوز حفيدتي بخير وإن الطلقة عدت من جسمه من غير ماتصاوب حاجة؟ وحفيدتي كمان بخير أهي؟ يبقي ليه حاسس ان فيه حاجة مخبيها عليّ؟

عدل الطبيب من وضع نظارته وهو يقول متلعثماً
_الممرضة يعني سمعت حدا بيقول ان جايز العروسة يعني.. تكون.. تكون....

_تكون ايه ياداكتور؟

قالها همام بانفعال فقال الطبيب علي الفور:
_حامل.

نهض همام يتطلع إلي كل من حوله بغضب فأطرقت تهاني برأسها أرضاً بينما شعر كل من راضي وصالح بالخوف ليعود همام بناظريه للطبيب يقول بحذر:
_وهي حامل ياداكتور؟

_أستغفر الله ياحاج، حفيدتك زي الفل.. ولسة عذراء كماني.

فغر الجميع أفواههم بينما قطب همام حاجبيه، اندهش الطبيب الذي توقع أن يُسّر الجميع بهذا الخبر، كاد صالح أن يقول كلمة فأشار له همام بالصمت قائلاً للطبيب:
_احنا متشكرين ليك ياداكتور؟سكرت خشم كل واحد ملوش عازة و بسبب الأخبار الحلوة دي هكتبلك شيك تبرع مني للمشتشفي.. ربنا يبارك فيك ياولدي.

ظهر البشر علي ملامح الطبيب وهو يقول :
_ويبارك فيك ياكبيرنا، بالإذن ولو احتجتوا حاجة أني في أوضتي.

هز همام رأسه بينما غادر الطبيب ليقترب منه راضي قائلاً بحيرة:
_ازاي ياحاج......

قاطعه همام قائلاً بصوت خفيض:
_دلوكيت غريب يفوق ونفهم منه كل حاجة، المهم ان اللي حوصل جه في مصلحتنا واللي كانوا حاضرين كشف الداكتور علي بتنا هيذيعوا في البلد انها طاهرة وده هيموت كل الحديت الماسخ اللي كان داير عليها في البلد وهيخلينا نرفع راسنا وندب صوابعنا في عين أي حدا هيجيب سيرتنا بالعاطل ياولد همام.

_______

للمرة الثالثة تهاتفها ولا تجيب، قطبت جبينها.. أمازال الفرح قائماً؟ ألا تزال مشغولة بعُرسها؟ أو ربما هي مع غريب الآن.. تُري كيف حالها معه وللمرة الأولي تجمعهما غرفة واحدة؟ هل تنام علي السرير بينما اتخذ غريب منامته علي الأرض بشهامته كالمسلسلات التي اعتادت هي ورقية مشاهدتها؟ تكاد تُجن من فرط قلقها علي صديقتها، تنتابها العديد من الأفكار كلما فكرت في حالها ولكنها أفضل بالتأكيد من أن تنشغل بحالها هي وتفكر ببدر ومعاملته الباردة لها القاسية ببعض الأحيان، سمعت صوته يتحدث بالقرب من المطبخ حيث تعد هي بعض القهوة لتعالج صداع رأسها.. اقتربت من الباب تقف علي أطراف أناملها تحاول أن تستبين محدثه في هذه الساعة المتأخرة، تجمدت للحظة وهي تسمعه يقول:
_تمام ياحبيبتي.. لأ أنا كويس متقلقيش.. آه هشوفك بكرة باذن الله.. متتأخريش، مش هفطر غير لما تيجي.

لم تستطع التحمل أكثر وصاعقة من البرودة تجتاح جسدها، لتفتح الباب علي مصراعيه وتواجهه، تظاهر بدر بالدهشة وهو يتطلع إليها بارتباك مفتعل يقول:
_سلام دلوقتي.

رمقته قمر بعيون قهرها الألم تإنّ بعتاب معذب وهي تقول:
_كنت بتكلم مين يابدر؟

قال دون مواربة:
_مروة.. زميلتي في الشغل، الحقيقة ده الموضوع اللي كنت متردد أكلمك فيه.

قطبت جبينها بألم وشعور بالحسرة يتسلل إليها، تخشي كلماته القادمة ولكن يبدو أنه لا مفر من سماعها. 

_الحقيقة أنا و مروة فيه بينا اعجاب متبادل محستش بيه غير لما اتقدملها زميل لينا، الغيرة خليتني متأكد من مشاعري، خليتني بدون تردد أفاتحها في الموضوع ووافقت.. بتهيألي كل واحد فينا دلوقت بقي عنده حافز عشان ينهي الجوازة دي.. ايه رأيك نكلم ماما وخالتي بكرة في الموضوع؟ خير البر عاجله زي مابيقولوا.

بل جُرح الحب قاتله، ولقد ارتكبت للتو ياحبيبي جريمة قتل ضحيتها قلبي المعذب بحبك،فاجئتني بحبك لغيري فتحملت، أخبرتني مراراً كم تحب زوجتك وتحملت.. ارتأيت منك وفاء لذكراها فتحملت، يإست من أن تفتح قلبك لي وتهواني كما أهواك وتحملت.. والآن تفاجئني مجدداً بحبك لأخري.. اذا قلبك قد يدق للجميع سواي،حسناً لم أعد أستطيع التحمل سأدعك تحيا بينما أرحل أنا في صمت.

هزت رأسها برتابة، قُتلت الحياة بعينيها فصارتا جامدتين لاروح فيهما، اتجهت إلي حجرتها تاركة كل شيء خلفها، تابعها بعينيه يشعر بألم في قلبه وكأنه ارتكب للتو الخطأ الأكبر بحياته، لقد آلمها بقوة.. يري الألم يطل بكل عذابه من مقلتيها قبل أن تخلو عينيها من كل روح، ألمها مجدداً يؤلمه بشدة، يعاتبه طيفها.. كيف استطاع فعل ذلك بها وهي أقرب المخلوقات إليه بعد أمه؟ هل صار قلبه صلداً بعد وفاة زوجته كما أخبرته والدته مراراً؟ هل علمته وحدته وشعور الفقد أن يقسو علي الآخرين حتي لا يقتربوا منه أكثر فيصيروا أقرب له مكانة؟ هل صار مريض بالفقد يخشي اقتراب القلوب منه ثم الرحيل؟ نعم لكل ماسبق والدليل مااقترفته يداه للتو.. الدليل ألم بقلبه يخبره أنه أخطأ حين أراد فراق عنها وقد علم مشاعرها تجاهه، أخطأ حين آلمها بينما جل ماكان عليه أن يسمح لهواها باستعماره ومحو الوحشة بكيانه خاصة وقد أدرك تعلق مشاعره بها، لم يكن عليه الشعور بأنه يخون ذكري زوجته فلو عادت للحياة للحظات لأخبرته أن الحياة تستمر وأن عليه أن يفتح قلبه للحب مجدداً كما اعتادت أن تؤكد.. الحياة قصيرة كما تعلم ولابد لنا أن نعيشها بحب.. تلك كانت كلماتها علي وجه التحديد.. ماخطبه ليفعل مافعل وكيف تغلب عليه شيطانه ليؤلمها بهذا الشكل المجحف.. عليه أن يذهب إليها علي الفور ويُقر بجريمته طالباً منها العفو،عليه أن يخر تحت قدميها طالباً منها أن تمنحه فرصة أخري ليكونا معاً، لقد دخلت قلبه دون استئذان فملكته وماعليه الآن سوى أن يمنحها مفتاحه بإرادته مستسلماً لحبها راضياً به، بدأت قدماه بالتحرك باتجاه حجرتها وقد شعر بخفقاته تدفعه دفعاً إلي هناك، توقف فجأة وصوت ارتطام بالأرض يصله، قطب جبينه يتساءل عن الخطب قبل أن يتحرك مجدداً باتجاه حجرتها وقد خر قلبه بين قدميه ينتابه شعور بغيض حاول بكل قوة نفضه عنه دون فائدة، ليتأكد حدسه حين فتح الباب دون استئذان ووجدها هناك، ملقاة علي الأرض مغمضة العينان شاحبة الوجه اقترب منها بسرعة ووجل، خر علي ركبتيه يهزها برفق منادياً إياها فلم تستجب، يرتعش ثغرها ويتفصد جبينها عرقاً، أصابه الهلع حين وجد يدها تقبض علي علبة صغيرة بيضاء عرفها علي الفور، إنه المهدئ الذي كان يستعمله ليستطع النوم بعد وفاة زوجته، فتح يده وأمسك العلبة وبكل ألم الدنيا ارتأى أنها فارغة ليضم جسدها إليه بلوعة وهو يردد اسمها، يصرخ به قلبه بمرارة....
ماالذي اقترفته يداكِ في حق نفسك أيتها الحمقاء؟ أو علي الأحرى ماالذي اقترفته يداك في حق كليكما أيها الأحمق؟

_______

تطلعت نعمات إلي زائرتهم،إنها امرأة خمسينية خط الشيب مقدمة رأسها الظاهرة من شالها المطروح عليه بإهمال متجعدة الملامح، تبدو مألوفة.. نعم.. لقد رأتها من قبل.. لقد جاءت لزيارة سيدها عزيز_رحمة الله عليه_تُري ماالذي تريده هذه المرة؟

_لو سمحتي عايزة أقابل رقية.

_رقية هانم مش موجودة.. مسافرة.. خير ياست......

تركت جملتها معلقة فأسرعت السيدة تقول:
_ألفت اسمي ألفت.

_خير ياست ألفت.

_أنا جارة والدة رقية، الست ثريا الله يرحمها.

ظهرت البشاشة علي وجه نعمات وهي تقول:
_الله يرحمها، ياألف أهلا وسهلاً.. خير ياست ألفت.. أقدر أخدمك بإيه؟أؤمريني.

_الأمر لله ياحبيبتي. 

ظهر التردد علي وجه ألفت وهي تردف:
_أنا كنت عايزة رقية في موضوع خاص ومادام هي مش موجودة يبقي خلاص هجيلها وقت تاني، متعرفيش هترجع من السفر امتي؟

_لأ معرفش.

قطبت ألفت جبينها تقول بهمس:
_طب والأمانة اللي معايا، أنا مسافرة بعد كام يوم والله أعلم هروح فين وهعرف أشوفها قبل ماأسافر ولا هسافر من غير ماأشوفها وأديلها أمانتها.. ده ايه الحيرة دي ياربي.

رأت نعمات حيرتها فقالت بطيبة:
_مالك ياست ألفت؟ صارحيني يمكن أقدر أساعدك.

تطلعت ألفت لنعمات تستشف فيها الطيبة والحنان والإخلاص لذا حسمت أمرها وهي تقول:
_معايا أمانة لست رقية و.....

أوقفتها نعمات عن الكلام وهي تشير لها بالصمت وقد رأت ظل تحية يقف علي مقربة منهما، تتصنت مجدداً لا تقلع عن تلك الطباع السيئة رغم أنها طلبت منها كثيراً أن تفعل، لتقول بصوت عال:
_تعالي ياست ألفت معايا أوضتي وهناك نقدر نتكلم براحتنا، أصل الحيطان هنا ليها ودان عايزة قطعها.

أومأت ألفت برأسها تتبع نعمات إلي حجرتها بينما ظهرت تحية من خلف الباب تقول بحنق وهي تمسك أذنها:
_أنا برضه اللي محتاجة تنقطع وداني و لسانك ياست نعمات،أخباره إيه؟ أخداها الأوضة عشان مسمعش، مش مهم.. هعرف برضه الحكاية فيها ايه؟ ده أنا تحية بنت فتحية اللي مفيش حاجة في الدنيا تخفي عليها.

______

نعاني ونتألم، نتمرد علي آبائنا، نُخرج صرخاتنا المكبوتة، نبتعد كثيراً ثم نصحوا في يوم ونجدنا نسخة مكررة منهم، نحذو حذوهم ونصبح صورة طبق الأصل.. لطالما اعترضت علي أبي، لطالما كرهت روحه الملتوية، سهره في النوادي الليلية، خيانته الدائمة لأمي، ضربه لها واهاناته المتكررة، دفاعي عنها ونيل حظي من الضرب والاهانة، ابتعدت كثيراً وأنا أظن أنني أبتعد عن مايؤذيني، أنكر كل ماكرهت وأجحده فإذا بي أسير علي نفس الخطي، أتلوي بين أقراني مرتدياً العديد من الأقنعة، أسهر في النوادي وأعاقر الخمر، أتزوج وأهين زوجتي ولكني لم أنجب حتي لا يتعذب أبنائي كما تعذبت، انفصلت عن زوجتي وعدت.. عدت بعدما مات والدي لأدفنه دون حزن، وإن أصابني الحزن فالحزن علي نفس كرهتها ولكن مابيدي حيلة، إنها كينونة فرضتها الظروف علي وكنت من الضعف حتي استسلمت لها ولم أقاومها قيد أنملة..حتي رأيتها هي.

ساحرة.. برائتها تنقيك من كل دنس، نظراتها تجذبك بقوة تستنجد بالمروءة فيك، تُخرجها من حطام روحك، تدرك أنك إن نلتها وصارت شريكة لروحك ستبذل جل جهدك لحمايتها حتي من نفسك، ستصير أفضل لأجلها، مثلها قليلات.. محظوظ هو من تصبح هذه الساحرة من نصيبه.

_روحت فين يامراد؟

انتبه علي صوت مرافقته، تطلع إلي وجهها المصبوغ بالزينة، تاهت ملامحها وسط ملامح أخري تتكون، ملامح ساحرته الفاتنة.. تتطلع إليه بحب خلب لبه، أراد اختطافها في التو واللحظة والرحيل بعيداً إلي جزيرة نائية حيث لا أحد سواهم.. يتوق قلبه بلهفة جعلت خفقاته تإنّ شوقاً فقد انحصرت حياته في أربعة حروف.. رقية.. ولا أحد غيرها قد ينقذه.

_مراد!

أبعد كأس الخمر من أمامه ونهض يمسك علبة سجائره ومفاتيحه قائلاً ببرود:
_أنا ماشي.

قطبت مرافقته جبينها قائلة بحيرة:
_رايح فين دلوقت.. احنا لسة جايين؟

لم يجبها وهو يرحل بصمت، يفكر في خطته التي أعدها للتفرقة بين غريب وحبيبته، لم يعد يهمه الآن أن يجمع أخته بغريب ولكن جل اهتمامه أن تكون رقية له وله وحده ستكون. 

______

تثقلني الهموم وتفتت روحي،  لم يكسرني شيء كما كسرني رؤيتها تغتال قلبي وتستبيح دمائي، أو_ليست رقية قلبي ودماؤها دمائي ولولا لطف الله كنت فقدتها اليوم كما فقدت أمها بالماضي، هناك دموع القهر بمقلتي أستطيع أن أدرك الآن أنها لن تغادرها قط، طُعنت بخنجر لاذع في ظهري ولو لم أري بعيني ماصدقت.. ليتني كنت ضرير ولا رأيت مارأيت.

أشار إلي أحد رجاله أن يفتح الباب، تقدم ببطئ إلي الداخل يستند إلي عكازه، كانت هناك تجلس علي كرسي في منتصف الحجرة مقيدة إليه قد تشعث شعرها بعد أن انزاحت طرحتها إلي الوراء، تطالعه بعيون مشتعلة كالجحيم،تزوم من خلال كمامتها شعر بقلبه يإنّ من الألم، أشاح بناظريه عنها وهو ينظر إلي الرجل الذي يجاورها قائلاً بحزم:
_حدا فيكم آذاها؟

_لاه ياسيدنا، كيف ماأمرتنا جبناها هي والفرفر، كانت عتتخبي في بيتها.

_حدا نضركم؟

_لاه بس كانت عتصرخ وتلم علينا الخلق فكممناها.

اقترب منه يرى آثار أظافر علي وجهه أشار لها قائلاً:
_هي اللي عملت إكده؟

هز الرجل برأسه ايماءاً فأخرج من جيبه حفنة من الأوراق المالية أنقده إياها قائلاً:
_راضي الرجالة وروحوا بيوتكم ومتفوتش غير عواد ومرتضي يحرسوا المكان.

_حاضر ياسيدنا.

غادر المكان مغلقاً الباب خلفه بينما تطلع همام إلي ابنته للحظات بصمت، مازالت تحدجه بتلك النظرة النافرة، اتجه إليها وخلع عنها كمامتها لتقول بحقد:
_بقي إكده يابوي، أني سعاد بنت همام كبير أبو جبل تخلي رجالتك يجيبوني علي اهنه كيف الدبيحة؟

_اخرسي... 

هدر بها فتراجعت في مقعدها تطالعه بصدمة وهو يردف :
_بنت همام أبو جبل متعملش اللي عملتيه ياواكلة ناسك، بنت همام أبو جبل متغدرش بأهلها وناسها، متغدرش بأي حدا واصل ، انتِ كيف إكده؟ كيف عياكل الحقد قلبك ويملاه سواد؟ كيف طاوعك قلبك وصوابع يدك تقتلي لحمنا ودمنا.. كيف؟ 

_متقولش لحمنا ودمنا، البت دي مش لحمنا ودمنا دي بت الخاطية.... 

_قولتلك اخرسي، متجيبيش سيرة أختك علي لسانك ده واصل. 

أطل الحقد من مقلتيها وهي تقول:
_إيوة.. لازمن تقول إكده.. ماهي حبيبة القلب،طول عمركوا عتحبوها أكتر مني، مش شايفين قصادكم غيرها، ثريا عملت ثريا سوت ثريا راحت وجت، حتي لما هربت محاولتش تلاقيها يابوي ولا تدور عليها، ماانت لو كنت رايد تلاقيها كنت هتلاقيها، كنت خايف لو لقتوها خواتي يإذوها أو يقتلوها.. مش إكده؟ 

أطرق همام برأسه فأردفت بمرارة:
_طول عمري وأني بغير منيها، شايفة الكل عيحبوها أكتر مني ويعملولها حساب، كبرنا وكبر الحقد جوايا بقيت أزرعه في اللي شبهي.. منصور.. اللي عتفضل عليه راضي وصالح هو كماني، خليته يدور عليها لجل مااخلص منيها، ماأني كان لازم أخلص منيها، أقولك علي حاجة أني اللي لعبت براسها وخليتها تهرب. 

ررفع همام رأسه يطالعها بصدمة فأردفت بجنون:
_إيوة آني.. كنتوا عتجوزوها حسان واد عمي وأني كنت بعشقه، خليت سعدية الشغالة عنديهم تحكيلها عن شين أفعاله، الهابلة خافت وهربت، افتكرت اني ارتحت منيها بس فضل ضلها محوط عليّ، كان لازم تموت عشان أني أعيش، ولما وصلنا خبر موتها قولت ارتحت وأني اللي هحل محلها في قلوبكم وقلب حسان بس محصولش، فضل طيفها مضلل في قلوب الكل والحسرة في عيونكم لروحتها، قولت الأيام هتنسيكم طيفها، تقوم تعاودلي بيها من تاني طب رايد مني إيه؟ أعاود مراري من تاني، أشوفها وهي بتسرقكم مني من تاني، لاه وألف لاه.. مستحيل هقبل ولو فيها موتي لازمن تموت.. لازمن ثريا تموت يابوي.. لازمن تموت.

_العيب مش في ثريا ياحزينة، العيب فيكي انتِ، انتِ اللي السواد مالي قلبك ومش شايفة غير نفسك وبس، سايبة الحقد ينهش في قلبك كيف الدودة لما تنهش في الأرض وتخليها بور، الكره عماكي وخلاكي خسرتينا واحد ورا التاني وجاية دلوكيت ترمي اللوم علي ثريا، لومي حالك للول، قولي لنفسك خدتي إيه من الحقد والكره غير الخسارة، وصلت للقتل يابت همام.. ضيعتي حالك وضيعتينا، هوديكي فين دلوك.. هسلمك بيدي للحكومة؟طب ازاي؟ وازاي مسوهاش وأني كبير البلد ورايتي العدل؟ حيرتوني وهديتوا حيلي .. انتِ ومصطفي زرعة شينة مع اني عملت كل حاجة زينة لجل تكبروا وتطرحوا الورد.. ليه طرحتوا الحنضل ياولد همام؟ ليه اخترتوا سكة الدم؟

_كان لازم حدا من ولادك يبقي راجل ويقوم باللي انت عاجز تعمله، راضي ملوش في الطين ولا الطحين وصالح زييه، منصور حاول بس خايب مقدرش يخرج عن طوعك، بس أني كفاية.. أني بميت راجل. 

_والراجل في نضرك يإذي حدا من عيلته مهما كرهه، الراجل في نضرك يضرب ويجري..الراجل يقتل نفس بريئة ملهاش أيوتها ذنب. 

_أني مليش صالح.. أني كنت باخد حقي وبس وللأسف فلتت منيها المرة دي بت ثريا لكن المرة الجاية.... 

_مفيهاش مرة جاية، أني هسلمك بيدي للحكومة ويحصل اللي يحصل. 

_مش قولتلك عتحب ثريا أكتر مني، سامحتها ومش رايد تسامحني. 

_لساتك حاقدة ومش شايفة اللي باين كيف السمس، كان ممكن أسامحك لو شوفت في عينك ضي ندم، اعتذار عن اللي حوصل، اعتراف بإنك غلطتي غلطة كبيرة في حق أهلك وناسك، غلطة كبيرة عند ربك، لكن انتِ مصرة علي غلطك كن شيطانك بيسوقك لقضاكي يابت نجاة. 

_أبوس يدك يابوي متفضحنيش، حسان لو درا هيطلقني، أبوس يدك تسامحني. 

_مش هينفع ياسعاد، مش هينفع أفوتك تإذي رقية أو أي حدا تاني، اللي زييكي مبيسلمش اللي حواليهم من آذاهم. 

_إكده يابوي، يبقي انت اللي جيبته لنفسك ولعيلتك، مش هفوتكم كلياتكم ههرب واقتلكم كلكم.. هتشوف يابوي، أني سعاد بنت همام، أني بنت كبير البلد وزينة بناتها، أني محدش يقدر يمسني واصل واللي رايداه راح يصير، هتشوف يابوي.. هتشوف. 

ظلت تردد الكلمات بهستيرية قطب لها همام جبينه، يدرك لأول مرة أن ابنته مريضة نفسية تحتاج للعلاج، ربما هذا هو الحل المناسب في هذه الحالة، سيضعها في مصحة نفسية لعل الطبيب يعالج روحها المهترئة ونفسها شديدة السواد وإن فشل هذا الحل وأصرت علي أفكارها سيفعل ما يجبره ضميره علي فعله ويسلمها للشرطة لتكون نهايتها ونهايته.

 

تعليقات



<>