
رواية عروس الغريب الفصل الثاني عشر 12 بقلم شاهندة سمير
_كنت فين ياحسان؟ كلمتك كتير قوي.
_كنت مع ناجي بنشتروا الجرارات اللي ناقصانا ومكانش ينفع أرد علي السخام ده، خير ياسعاد! إيه الحاجة اللي مينفعش تتوخر لحد ماأكلمك بالليل.
_هو إحنا لازمن نتكلم بميعاد، فيها إيه يعني لما اتوحشتك وحبيت أسمع صوتك؟ أبقي غلط ولا عملت حاجة عفشة إياك؟
_لاه معملتيش بس آدام مرديتش عليكي من أول مرة يبقي أكيد مشغول فبلاه الزن اللي ملوش عازة ده.
_أني عاودت دارنا.
قطب جبينه يتطلع إلي محيطها عبر شاشة الفيديو في هاتفه قائلاً:
_إيوة صوح.. عاودتي بكير ليه؟ انتِ مش بتقعدي حدا أهلك لمن أعاود من السفر؟
_قولتلك اشتقتلك فعاودت الدار.. مش اهنه ذكرياتنا وحياتنا برديك؟
_مالك ياسعاد إنتِ مش زي عوايدك، حوصل حاجة إياك؟
ارتبكت قليلاً قبل أن تتمالك نفسها قائلة:
_لاه محصولش.. ميتا هتعاود؟
_ماانتِ خابرة.. بعد يامين، هي أول مرة ولا إيه؟ إش حال ماكنت بسافر كل شهر ياولية.
_متبقاش تهملني بعد إكده، إبقي خُدني وياك.
_أخدك فين أُمّال؟أني بقعد طول النهار وسط الرجالة والمصانع والأرض.. هاخدك تقعدي وسطيهم إياك.. شكلك اتخبلتي يابنت همام.
قالت بعصبية:
_إيوة اتخبلت..ماأني بقعد كل شهر سبوع بحاله لحالي.. مين المرة اللي تقدر تستحمل كل ده؟
_انتِ بتقعدي حدا أهلك ياسعاد وبعدين كاتير زييكي بيقعدوا لحالهن لما اجوازاتهم بيسافروا عشان يشتغلوا،بقولك ايه أنا مش فاضي للدلع الماسخ ده، حيلي مهدود طول اليوم ورايد أتسبح وأنام.
_عتقول علي شكوتي دلع ماسخ ياحسان.. إيوة ما أني كلامي عمره ما لد عليك.. ماانت اتجوزتني غصب مش إكده؟ لو كنت اتجوزت ثريا حبيبة القلب كنت هتهملها إكده ولا تقول علي حديتها دلع ماسخ.
العيون مرآة القلب وانعكاس لمشاعره وجحيم قلبه لذكر اسمها أطل منعكساً الآن بمقلتيه ليثير الحقد بقلبها أكثر خاصة حين قال بصوت أجش:
_أني مش هرد عليكي دلوكيت عشان ردي هيزعلك يابت الناس، كل اللي هقولهولك متخربيش علي حالك وتفضلي تهري في روحك علي الفاضي، الماضي ولي وانتهي ولو ضليتي تجيبي سيرته مش هتجني غير الخراب يابت الأصول.
قال كلماته وأغلق الهاتف بسرعة دون أن يمنح لها أي فرصة للرد، لتلقي الهاتف بعزم قوتها علي الأرض تقول بمرارة:
_انت اللي بتجبرني أجيب سيرته ياحسان،انت اللي حاشر طيفها بيناتنا، حتي واحنا في عز فرحنا بيغلط لسانك باسمها، بسد وداني لجل أفرح وبس لكن فرحتي بتكون بطعم العلقم، حتي الخلفة ربنا مرادش يكون لي حتة عيل منك، كيف الأرض البور صرت ورغم اني قدرت أوهمك انك انت اللي معتخلفش واني راضية وصابرة لاجل خاطرك مقدرتش تحبني وتشيلني فوق راسك، أني خابرة إنك محبتش غيرها وإنك اتجوزتني غصب، خابرة انك حتي بعد ماعرفت انها ماتت لسة مش قادر تنساها، خابرة انك عتتمني تكون هي اللي جارك.. مرتك حبيبتك وإن آني اللي أكون مدفونة تحت التراب، خابرة وكاتمة في قلبي عشان بحبك ورايداك وعمري ماحبيت راجل غيرك.. انت في نضري سيدهم وتاج راسهم، بس لو تنساها وتحبني هبابة هكون أسعد الناس.. وكيف راح أكون أسعد الناس وثريا عاودت؟ عاودت في صورة بتها، عيونها اللي عتشبه أمها وروحها كماني عيفكروك بيها ياحسان وأني ماصدقت ثريا تموت، قولت يمكن لما تموت تنساها.. وكيف هتنساها؟ ثريا عاودت ياحسان وأني قلبي قادت فيه النار ومش هيطفيها غير الدم.
______
_من يوم ما سافروا مفيش حس ولا خبر عنهم، هي مكالمة واحدة يتيمة لنعمات كانت بتطمن فيها المحروسة عليها وبتطمنها علي نفسها ومطولتش، الظاهر الشبكة ضعيفة باين ولا مش عارفة تتكلم براحتها مخدتش بالي.
_يعني الهانم كويسة وبخير أهي وأنا اللي قولت انهم خلصوا عليها وخلصنا منها.
_آه والله ياست نفين، ده كان في الرجالة اللي خدوها دول واحد قولت انه هيشرب من دمها أول ماينزل البلد.. تلاقيها سحرتله هو كمان زي ماسحرت لعزيز باشا وغريب بيه.
رمقتها نفين بحنق قائلة:
_سحر ايه؟ انتِ هابلة يابنت انتِ، هي بس اللي محظوظة حبتين، بكرة حظها يخلص ومتلاقيش اللي ينجدها من اللي ناويالها عليه.
قالت تحية بفضول:
_وانتِ ناويالها علي ايه ياستي؟
_وانتِ مالك انتِ، امشي يلا غوري وأي حاجة تعرفيها تيجي علطول تقوليهالي مش لازم كل مرة أنا اللي أتصل بيكي.
قالت تحية بحنق:
_حاضر ياست نفين.
لتسير هامسة بغيظ:
_دبيت المشوار علي الفاضي، إلا حتي ماقدمتلي شوية مية ولا حبة عصير.. ولاد أكابر قال، دول ولاد.....
احتبست باقي الكلمات بصدرها وهي تواجه مراد الذي دلف للتو، أشارت له برأسها تبتسم ابتسامة مهزوزة فتجاهلها كلية متجهاً إلي الداخل لتعود وتلعنهم مجدداً في سرها، تنوي أن لا تتحرك بعد الآن قيد أنملة قبل أن تقبض الثمن وتجعل هؤلاء الأوغاد يدفعون.
اتجه مراد إلي حيث أخته يقول بحنق:
_مش هتبطلي شغل الخدامين ده؟ انتِ ليه مصرة تقللي من نفسك وتصغريها؟
_شغل الخدامين اللي مش عاجبك ده هو اللي كان بيجيبلك الأخبار أول بأول..ولا نسيت؟
أشاح بيده وذهب ليجلس علي الأريكة يمد قدميه أمامه ويعقد كفيه واضعاً إياهما خلف عنقه مغمضاً عيناه، نادته نفين فلم يجبها، نهضت وتقدمت منه تقف جواره، تهز ذراعه قائلة:
_مراد.. رد عليا.
قال دون أن يفتح عيناه:
_نعم.. عايزة ايه يانفين؟
_عايزاك ترد عليا.. عملت اللي اتفقنا عليه؟
_عملت.
_والتنفيذ امتي؟
_لما يرجعوا من البلد.
_وأنا لسة هستني؟
_نفين!
هدر بها وهو يستقيم جالساً ويفتح عينيه قبل أن ينهض ويقول بحنق:
_أنا طالع أوضتي هنام شوية، مش عايز حد يصحيني، أنا هقوم من نفسي.. مفهوم؟
لم تجبه بينما تجاهلها هو وهو يتجه إلي حجرته بينما تهمس حانقة:
_روح نام.. ماانت ولا علي بالك.. رخم وبارد، بتفكرني بيه وأنا مكرهتش في حياتي قده.. تعرف.. لولا دماغك وأفكارك الجهنمية،أنا كنت خلصت منك ومن كلامك السم من زمان..لو بس غريب يقع في ايدي تاني.. أوووف.
_____
قالت قمر من وسط دموعها :
_مبقتش قادرة أتحمل ياخالتي، انتِ مشوفتيش بيعاملني ازاي، مش ده بدر اللي أعرفه، أنا اتحملت معاملته ليا كأخت رغم اني بحبه من كل قلبي، واتحملت فضفضته ليا كصديقة رغم انها كانت بتوجعني واستحملت حتي حبه لمراته ووفاءه ليها رغم غيرتي واستحملت انه قال علي جوازنا تمثيلية هنكمل فيها عشان خاطركوا رغم انها الحقيقة الوحيدة في حياتي، استحملت كل ده عشان كنت بحس منه اهتمام.. اهتمام كأخت.. كصديقة كشريكة في تمثيلية حتى لكن تجاهله ليا وبروده معايا، أهو ده اللي مش ممكن أتحمله أبداً، أصعب حاجة في الدنيا لما تبصي جوة عيون حبيبك متشوفيش غير فراغ يقتل كل احساس جواكي.. أنا تعبت ياخالتي وخلاص مبقتش قادرة أتحمل.. أقولك أنا خلاص هقوله يفاتحكم النهاردة في موضوعنا.. خليه فاكر اننا لازم ننفصل عشان اتجوز البني آدم اللي بحبه أحسن مايعرف ان هو الإنسان الوحيد اللي قلبي حبه ووقتها من باب العطف هيكمل وأنا مستحيل أرضي بإني أكون في حياة حبيبي مجرد حالة محتاجة عطفه.
_اهدي بس ياقمر ومتتسرعيش يابنتي، أنا مش عارفة ايه اللي حصل بس؟انتوا أكيد خدتوا عين..ده أنا كنت بقول خلاص هانت وقلبه هيحس بيكي ويبادلك مشاعرك.. ماانتِ مشوفتيش كان بيبصلك ازاي، حتي اسمك كان بينطقه ازاي؟ وكأنه ابتدا يشوف اللي كان حبه لسارة مداريه عنه.
زفرت قمر قبل أن تقول:
_أنا كنت فاكرة زيك كدة برضه لحد ماتعبت، من امبارح وهو بيعاملني ببرود وتجاهل وكأني حيطة من حيطان البيت، انتِ عارفة النهاردة وأنا بروق أوضته مسكت صورة سارة، كنت بلمعها.. دخل عليا وشافني ماسكاها شدها من ايدي بقسوة وحذرني إني آجي جنبها تاني، البني آدم اللي شوفته ده خوفني.. ورغم اني متأكدة ان بدر اللي عرفته لايمكن يإذيني بس للحظة خوفت.. اترعبت.. أنا مش هينفع تتهز صورته في عينيا.. مش هينفع أخاف منه أو أكرهه.. وقتها الموت عليا أهون.
_بعيد الشر عنك ياحبيبتي.
_الموت راحة للي زيي، أنا معاه بموت ومن غيره بموت.
_يابنتي بكفاياكي، ربنا مايحرمناش منك.. استغفري ربك ياقمر ووحديه.. هو القادر يجبر قلبك ويريحه يابنتي.
_لا اله الا الله.. أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
أغمض عيناه وأسند جبهته إلي الباب_ من كان يستمع إلي حديثهما_ لايدري ماالذي يجب عليه فعله؟ إن عذابها يقتله، دموعها تقتله، كلماتها تقتله، اليأس بصوتها يقتله.. أراد أن يُفقدها الأمل في نيل قلبه بالتجاهل والبرود فأصاب قلبها بصقيعه وأغرقها في دوامة من المشاعر القاسية وهي هشة رقيقة لن تتحمل، ربما عليه أن يسلك درباً آخر، هل يخبرها أنه يحب أخري؟ ربما حينها تفقد الأمل حين تدرك أنه لن يحبها مطلقا وستشفي جراحها مع مرور الوقت.. تباً.. إلي أين تأخذه أفكاره؟ إلي الجحيم ربما.. فأفكاره حتي الآن لم تجلب له سوى الألم وتوهة القلب.
________
كانت آمنة تعدل من وضع طرحة رقية بعدما انتهت خبيرة التجميل من وضع اللمسات الأخيرة لمكياجها، ثم تطلعت إليها من خلال المرآة تقول بحب:
_بسم الله ماشاء الله.. فلقة قمر، كيفك كيف أمك صوح.
_كنتِ بتحبيها ياخالة آمنة؟
_عحبها بس، دي كانت أختي اللي أمي مخلفتهاش.. كانت رفيقتي وصاحبتي وكاتمة سري، كنا كننا توأم ولما راضي اتقدملي فرحنا كاتير لجل هنبقي ببيت واحد، هي اللي زينتني يوم فرحي.. كانت ليلة مليحة قوي، ياميها ثريا مبطلتش رقص، كانت روحها حلوة، هي كلاتها علي بعضها كانت حلوة وكان نفسي ألبسها الطرحة كيف مابلبسهالك دلوك...
تنهدت وقد ظهر الحزن بصوتها:
_هقول إيه؟ قضا ربنا بقي.
_وليه محاولتيش تشوفيها طول السنين اللي فاتت دي كلها؟
_شوفتي ليها كان معناها موتها، إيوة يابتي.. بعد ماهربت من البلد وادلت مصر، بوها وخواتها كان جواتهم نار قايدة مكنش هيطفيها غير الدم، علي كد حبهم ليها علي كد جرحهم منيها والعار اللي جابته لكُبرات عيلة أبو جبل كان واعر قوي، لو كان حدا منهم ادلي وراي وشافني وياها كان توانا احنا التانين، أني قولت مع الأيام النار اللي جواتهم هتهدي وهتعاود ثريا لحضن ناسها وأهلها وخصوصاً بعد مادرينا انها اتجوزت وخلفت، مصيلح واد عمنا شافها وياكم في الحسين قبل ماتتوهوا منيه.. لكن النار فضلت مشعللة لحد موت ثريا، الخبر نزل علي جدك كيف السهم اللي صاب قلبه في مقتل من يوميها وهو عايش من غير روح لحدمن عاودتي يارقية وردتيله روحه برجوعك.. كنك بته اللي عاودت لحضنه بعد الغياب، راضي وصالح كماني مبسوطين برجعتك لدارنا والصغار هيفطوا فط من الفرحة، تعرفي لو ولادنا اللي عيدرسوا بمصر عاودوا البلد عيفرحوا برجعتك هم كماني.
_وخالي منصور وخالتي.. ليه حاسة إن رجوعي آذيهم وانهم مش طايقني؟
شردت آمنة للحظات قبل ان تتنهد قائلة:
_كيف مافيه زرعة بتبقي صالحة وزرعة فاسدة في نفس الأرض بيكون فيه ابن صالح وفاسد لنفس الأهل وسعاد كيفها كيف منصور، نبتة فاسدة هتنخر في الأرض نخر لجل تفسد الزرع اللي هيجاورها ويكون زييها بس ربك كريم ولجل خاطر صاحب الأرض الطيب وكرمه بينجيه.. ولإن صاحب الأرض بيحب زرعته كلياتها مبيهونش عليه يقلع الفاسد منيها، بيظن انه قادر يعدل ميلتها بس في الآخر هيجيله يوم ويقلعها غصب عنيه لما تإذيه وتإذي أرضه.
_انتِ قصدك ان خالي وخالتي ممكن يإذوني؟
_لاه يابتي، متوصلش للدرجة دي، دول آخرهم يزعقوا زعقتين ملهمش عازة وبعدين طول ماجدك عايش وفيه الروح.. محدش يقدر يعصاه وياجي جنبك.
_ولو لا قدر الله جراله حاجة.
_قولتلك متقلقيش يابتي اللي بيتحامي في ربه مفيش مخلوق يقدر يإذيه واصل وبعدين هو غريب شوي، ده راجل كد الدنيا ويقدر يحميكي من كل شر.
غريب.. أعادها إسمه إلي هذه الليلة لتدرك أنها بضع سويعات قليلة جداً وتكون معه في حجرة واحدة أعدها جدها وجدتها لهما.. تُري كيف ستتصرف حين تصبح معه لوحدهما..وكيف سيتصرف هو وهل ستستطيع أن تتحمل ذلك ؟
_______
_كان نفسي أكون وياكي وواقفة جنبك يارقية.
_أنا حاولت أكلمك كتير بس تليفونك كان دايماً مقفول ومش معايا رقم بدر ولا حتي رقم مامتك.
_كنت عيانة قوي، حمي شديدة ويادوب لسة بشم نفسي.
_ألف سلامة عليكي ياقلبي، انتِ كويسة بجد؟
_الحمد لله صحتي أحسن كتير بس قلبي....
صمتت فاستحثتها رقية قائلة:
_ماله قلبك.. فيكي ايه ياقمر؟ متخبيش عليا حاجة.
_مش وقته يارقية لما ترجعي بالسلامة هحكيلك.. صحيح إنتوا هترجعوا امتي؟
_مش عارفة.. هم هيعملوا الفرح النهاردة.. ممكن يومين كمان ونرجع.. مش عارفة لسة دماغ جدي فيها ايه؟
_وانتِ مطمنة لهم يارقية.. متأكدة انهم مش هيإذوكي؟
_الناس هنا طيبة قوي ياقمر وخصوصاً جدي وجدتي.. والست آمنة والست تحية.. وخِلاني و....
صمتت فقالت قمر:
_سكتي ليه؟
_مش عارفة.. خايفة.
قطبت قمر جبينها قائلة:
_من إيه؟
_عندي خالة وخال مش طايقين وجودي هنا أهو هم دول اللي ماما وعمي عزيز كانوا عندهم حق يخافوا منهم، دول بس لما بيبصولي بصة بحس روحي بتترعش مني.
_يبقي ترجعي علطول.
_مش هينفع ياقمر، زي ماما ما هربت وجابتلهم العار لازم أصلح غلطتها وأشرفهم قدام الكل.
_طب وفين غريب من ده كله؟
_غريب.. وهو فيه زي غريب؟ وقف قدامهم كلهم وحماني منهم ولسة واقف في ضهري وبيحميني.
_أمال خايفة من إيه بس؟
_خايفة يسيب ايدي بعد مااتعلقت بيه.. بعد ماسلمته قلبي ورضيت يكون هو الآمر والناهي عليه..خايفة من الفراق ياقمر.
_انتِ حبيتيه يارقية؟
_غصب عني لقيتني بحبه، جمعنا حزن واحد، حزن خلي القشرة اللي حواليه تنكسر وتقع وتبان حقيقته وحقيقته حلوة قوي ياقمر، راجل بجد ممكن يديكي كل اللي اتحرمتي منه، راجل تحسي معاه بالأمان.. بالحب اللي كنتِ بتسمعي عنه وبس.
_بس خلاص.. ده انتِ وقعتي لشوشتك.. طب وخايفة ليه؟
_انتِ ناسية هو بيبصلي ازاي؟
_كان بيبصلك ازاي.. معتقدش غريب اللي معاكي دلوقت هو غريب اللي اتجوزك والدليل حنيته اللي كلمتيني عنها، اهتمامه بيكي ودفاعه عنك.
_مش جايز بيعمل كل ده عشان الوعد اللي اداه لوالده؟غريب يحبني ليه؟ اشمعني أنا؟
_انتِ ليه مصممة تقللي من نفسك، ليه مش شايفة نفسك واحدة ممكن تتحب؟ علي فكرة بقي أنا مشوفتش في حياتي واحدة أجمل ولا اطيب منك.. ولو غريب لسة فعلا محبكيش زي مابتقولي يبقي أعمي وميستاهلكيش ياقلبي.
_تفتكري؟
_أنا متأكدة انه بيحبك وبكرة تقولي قمر قالت.
_ياريت ياقمر.. ياريت..هسيبك دلوقت الظاهر جم ياخدوني.
أغلقت الهاتف وسط طرقات علي الباب تصحبها الزغاريد ثم دلوف جدتها تصطحبها بعض النسوة وهي تقول بابتسامة عريضة:
_يلا يابتي.. عريسك جالك.. بدر منور وانتِ كيف السمس.. ربنا يحلي أيامكم ويسعدكم ويرزقكم بالذرية الصالحة يارب.
أمّن الجميع بينما تأخذها الجدة من يدها وتتجه بها إلي الأسفل تتبعهما النسوة، يغنين بصوت عذب بينما تسارعت خفقاتها بقوة كلما اقتربت من المكان المخصص للعرس.
_______
كانت ليلة رائعة سيتحدث عنها أهل كفر أبو جبل لأيام وأيام.. إنه عُرس يليق بحفيدة كبيرهم، ذُبحت فيه الذبائح وقُدمت لأهل البلدة ثم ظهر العروسين فبدأ التهليل وعزفت المعازف وانطلقت الزغاريد، بدت العروسة ملاك فاتن في ثوبها الأبيض تخلب لب الحاضرين وظهر العريس وسيماً في جلباب العُرس الذي أصر كل من راضي وصالح علي غريب ارتدائه، كانت الفرحة عارمة والبِشر علي وجوه الحاضرين جميعاً ماعدا أحدهم وقف متجهم الوجه يتقبل التهاني جوار والده علي مضض، يتمني أن يختفي من هذا الحفل البغيض حتي ينتهي ولكنه مضطر للحضور وإلا غضب عليه والده، يرى الخطأ كل الخطأ في مسامحة الأخير لإبنة أخته الفاجرة وزوجها، فلو بيده لغسل عاره بالدماء.. ففي شريعته لا غفران للخطيئة وجزاؤها الوحيد إراقة الدماء.. يقول والده أنه لا خطيئة أُرتِكبت.. لقد تزوجت أخته علي سنة الله ورسوله..وماذا يفيد الزواج بعد هروب وفضيحة؟الهروب خطيئة لا يغفرها زواج بل تُقتل الهاربة وزوجها ونسلهم من بعدهم.. إنه قانونه المطلق يضعه جانباً فقط في هذه الحالة مُرغماً إكراماً لوالده.
كانت الصيحات المشجعة تنطلق الآن من أفواه الحاضرين تشجيعاً للعريس الغريب كإسمه عن بلدتهم ولكنه بدا وكأنه منهم تربي وسطهم منذ نعومة أظافرهم، ينافس قرينه في التحطيب بمهارة وابتسامة خلبا لب الجميع، لينسوا كل ماقيل منذ البارحة عن هذا الثنائي بل ويدعون لهم بالسعادة والذرية الصالحة أيضاً.
انتهي التحطيب فعاد غريب إلي مكانه جوار رقية بينما توالت فقرات الحفل حتي جاءت اللحظة التي يستعد فيها العروسين للرحيل إلي منزل العائلة، وبينما يشقا طريقهما وسط الحضور الذين هللوا وباركوا بأصواتهم العالية وزغاريد النساء الفرحة، قطب غريب جبينه وهو يلمح هذا الملثم الذي يقترب منهم بعيون غابت عنها الفرحة وظهر بهم كل حقد وكره، عيون عرفها علي الفور وأدرك مقصدها الذي لن يتردد لثانية واحدة في الذوذ عنه، وبالفعل حين امتدت يد الملثم لتغدر برقية أسرع هو يسحب الأخيرة حتي تختفي في حضنه بينما يمنح الغادر ظهره فيتلقي هو الرصاصة بدلاً منها، ساد الهرج والمرج وسط صريخ وعويل النسوة بينما سقط غريب تنز الدماء من صدره وتفسد لون جلبابه الأبيض، تناديه رقية بجل صوتها المذبوح ألماً المقهور حزناً، تناديه بلوعة ودموعها تتساقط بحرقة تطالبه بفتح أهدابه والنظر إليها فلم يستجب ولم تنفرج عيناه عن مقلتيه السوداويين، وبينما كان صالح يطلب عربة الإسعاف لتنقل غريب إلي المشفي كان راضي يتساءل بغضب عمن جرؤ علي الإتيان بتلك الفعلة فنفي الجميع رؤيته بينما جلس همام علي أقرب كرسي يستند إلي عكازه وقد ظهر الألم علي وجهه فبينما لا يعرف أحد المجرم الذي حاول قتل حفيدته ولم يره مخلوق قط، كان هو الوحيد الذي يعرفه.. الوحيد الذي رآه.. وياليته فقد بصره قبل أن يفعل.