رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثاني والثلاثون 32 الثالث والثلاثون 33 بقلم زهره اللافندر
....ليصدم من حديثه ويترك ملابسه باعين دامعة :
"انت اكيد بتقول كده عشان تحرق قلبي عليهم ..."
يامن بابتسامك باردة :"انت اللي حرقت قلبك بإيدك ...عموما قسيمة الجواز موجوده لو حابب تشوفها ..."
ليفوق يوسف من صدمته ويندلع بقلبه نارا وهو يتخيل ملامسة أخيه لزوجته وحبيبته فيلكمه لكمة قوية نزف يامن عاي اثارها وتناوب عليه بالسباب واقذع الألفاظ واستمر العراك بينهما حتي سمعا صوتًا مدويًا اخترق سبابهما مع تهشم مزهرية كريستال خلفهما الي قطع صغيرة فينظر يوسف الذي كان يعتلي أخيه مستعدا لتسديد له اللكمات إليها بذهول مع رعب يامن ليدفع يوسف عنه بقوة ويقف أمامها متوسلا إياها وهي موجه فوهة السلاح اتجاه يوسف بايدي مرتعشة واعين زائغة ليقول يامن بقلق :
"اهدي ياغزل ..مافيش حاجه حصلت ..انا كويس ..ده خلاف بسيط اهدي وهاتي المسدس ده ..."
ليلاحظ ارتعاشها وازدياد انتفاض جسدها وكان يظهر عليها انها كانت تحارب احدي نوباتها التي تداهمها احيانا نتيجة لأي ضغط نفسي مفاجئ...يحاول الاقتراب منها بهدوء حتي يستطع جذب السلاح منها قبل ان تنطلق رصاصة اخري تصيب هدفها ...فيرفع كفيه أمامه مهدئًا إياها يقول:
"غزل ..بصيلي ..انا يامن مافيش اَي مشكلة ..ده خلاف بيني وبين يوسف ..يوسف اخويا مافيش خوف منه ..."
ليسمعها تهمهم برعب واهتزاز متزايد كلمات مبهمة فيسمع اصطكاك أسنانها وتعرق وجهها مع ازدياد ضربات قلبها وضيق تنفسهاوعند لحظة الوصول اليها ونجاحه في سحب السلاح من بين أصابعها بنجاح .بدأ جسدها في الانهيار الذي كان يخشاه ليحتضنها بقوة مسطحًا إياه ارضًا بطريقة احترافيةليعتليها ويقوم تثبيت جسدها المرتجف يظهرلمن يراه انه معتاد علي التعامل مع هذه النوبات ..فيسرع في نزع غطاء رأسها ليظهر من تحته شعرها البني المعقوص .حتي يساعدها علي التنفس ويضم ذراعيها امام صدرها ويحتضنها من الخلف ليلزق ظهرها بصدره يشعرها بالأمان ويبث الطمأنينة بقلبها حتي يضمن انتهاء النوبة ..كل هذا تحت اعين مراقبة لهما بذهول ممزوجة بتوتر وخوف عليها رغم ضيقة من هذا المشهد فيسمع صوته ينادي بعنف علي خادمته يطلب منها شيئا ما يجهله بلغتها فتهرول من أمامه برعب لتعود بعد ثواني معدودة بشئ ما ..اتضح بعد ذلك انه بخاخ ليساعدها علي التنفس ...يجد نفسه غير قادرًا علي الصمود فقد حل الإرهاق والأسي علي وجهه فيتراجع ببطء ليجلس علي اقرب كرسي بجسدٍ متعب منتظرا الكثير من الأجوبة التي تريح قلبه وعقله ......
........
مرت ساعة كاملة علي وجوده بالغرفة حث نفسه علي التماسك والثبات حتي لايصعد الي غرفتها ويعرف مايحدث بداخلها منذ ان حملها يامن أمامه تاركا إياه بدون كلمة وهو يقاوم رغبته في الصعود ويحدث مايحدث ......بعد لحظات بدأ يشعر انه مراقب من مكان ما ليرفع عينيه فتقبض علي جوز اعين رمادية تراقبه خلسة من خلف الحائط فيضيق عينيه اكثر ..ليجدها طفلة صغيرة تنظر له بخوف ثم تخفي حالها مره اخري خلف الجدار ..فيظن انها تابعة للخادمة لتعتلي الابتسامة وجهه ويرفع يده مشيرا لها بدعوة منه ..فيجدها متخوفه من التحركً..فيفكر في طريقة تجعلها تأتي له ليقول :
"ممكن تجيبي لي عكازي الواقع عندك ؟....."
تنظرر ببراءة لما يشير له وتجري بأرجلها الصغيرة وتحمل بيديها الصغيرة ما أشار اليه وتخطو بخطوات متعثرة وتصل إليه ..يشكرها علي مافعلت فيتأمل ملامحها عن قرب من بداية شعرها البني الطويل لاعينها الرمادي وبياض بشرتها الثلجي المشبع بالحمرةويحملها علي أرجله لتكون في احضانه ليقول :
"اسمك ايه؟!....."
فلا تجبه فيظن انها لا تفهمه...ليتفاجأ بقولها:
"بيسو..."
.يبتسم لإجابتها فيكمل:"بيسو اسم جميل ..مين اللي سماكي الاسم الحلو ده ؟!..."
لتجيبه وهي تداعب لياقة قميصه دون النظر اليه :"بابي ..."
يوسف بمداعبة لشعرها :
"تعرفي ان اسمك حلو اوي ..بس انتي شطورة بتتكلمي عربي كويس ...مين علمك بقي ؟!..."
قبل ان تجبه وجدها نزلت من فوق أرجله وتركض وتهلل:"بااابي ....."
حتي وصلت لأرجل يامن متشبثة به فرفعها بدوره واحتضنها لتقول بطفولة :
"هي مامي نامت تاني ...ومش هتلعب معايا.."
.فيبتلع يامن ريقه بصعوبة ويرفع .نظره ليوسف المصدوم من الواضح انه يوم الصدمات العالمي ...ليقول يامن لبيسان :
"معلش يابيسو انتي عارفة ان مامي تعبانة ..اتعرفتي علي عمو يوسف !!...."
فيقترب بخطوات متمهلة ليقف أمامه بتوتر :
"اعرفك بيسان .....بنتي ووو..بنت ..غزل ...."
ويقطع تفكيره قبل ان تندلع النيران في حدوث الطفلة ليقول:
"احنا مش هينفع نكمل كلامنا هنا ..يستحسن نكمله بره ..."
ليأمر يامن عائشة بأخذ بيسان من يديه ويراقب توديع بيسان لاخيه بطفولة ولكن الاخير لا يبدو عليه انه لم يسمعها بسبب شروده فيما صدمه..........
..................................
يصعد الدرج يجر نفسه بإرهاق بادي عليه فمنذ الصباح لم يذق للراحة طعما ..كان اليوم ملئ بالأحداث الغير مرحبة له ...يناجي فراشه لعل جسده يأخد بعض الراحة ..ليزداد دوار رأسه ويشعر انه يصعد جبلا منيعا وكأن هذا الدرج ازداد طولا كهمومه الغير منتهية ...بعد انصراف أخيه ...ومواجهتهما وأخباره بحالة غزل التى آلت اليها ا ...وطلبه منه الابتعاد و تركها لحياتهاالجديدة فهي زوجته ولن يسمح له بالاقتراب منها........ .كان عليه الا يقبل دعوة تلك المرأة لتناول المشروب المُسْكِر كتحية منها له ..لعلها احدي مريضاته ..ولكن بعد تناول اول كأس أراد المزيد والمزيد ..وهو ليس من عاداته تناول الخمور فهذه اول مرة....حتي شعر ان عليه التوقف....فيصل اخيرا لحجرته ويدفع الباب ويضئ الإنارة ويدخل ليلقي جسده علي الفراش ويقوم بتحرير أزرار قميصه ويرفع يديه بإرهاق واضعا رأسه بينهما ...ليجد من تدخل مندفعه اليه لتجلس أمامه علي ركبتيها بقلق وتقول بصوت مهزوز:
"ايه اللي اخرك كده ؟...انت كنت فين كل ده ؟!...انا كنت هموت من القلق عليك ..."
ليبتسم وسط حزنه يسألها:"انتي ايه اللي مصحيكي لحد دلوقت !..مش المفروض يكون المهدئ منيمك؟!..."
غزل بلوم من كلامه:
"انت بتهرج يامن ...بقولك كان هيجرالي حاجة من القلق عليك ...."
لترفع نفسها وتتمسك بأطراف قميصه المفتوح لتكمل بتساؤل:"انت مخبي عني ايه تاني يامن ؟....البني ادم ده فعلا اخوك ..كان بيتخانق معاك ليه "
فيرفع أعينه لتصطدم بأعينها العسلية ويسرح بيهما ..كأن لأول مرة يلاحظ سحرهما وحلاوتهما ..
ليقول هامسا:"مافيش حاجه مخبيها عليكي......"
ويرفع أنامله يمررها فوق وجنتها فيلمس نعومتهما ويزداد تورد وجهها .قائلا:
"انتي عارفه ياغزل ..انتي شبه ايه ؟...شبه (غَزْل البنات)..بس بالفراولة ..كنت دايما كل ما اشوفك احس ان غزل البنات حل عليا بس دايما كان في حاجه ناقصة اللي هو الفراولة...تخيلي يكون طعمك غزل بنات بالفراولة ..!!!!.."
لتقول بخجل من كلماته :"فراولة !!!.انا ؟!!.."
فتشعر بدغدغة تسري بروحها من غزله بها ولكن يشوب هذه السعادة بعض القلق من حالته وتشم رائحة نفاذة صادرة منه لتسأله:
"هو انت سكران ؟.....انت من انتي بتشرب؟
..ااانا هقوم اعملك فنجان قهوة يفوقكً عقبال ماتاخد حمام سخن ..."
تتحرك خطوة الا ان يده التي قبضت علي كفها لتعيدها فتسقط بأحضانه الدافئة وتستقر فوق ساقيه وتخرج منها شاهقة عالية من تصرفه ..وقبل ان تعترض تسمعه يقول:
"ماتروحيش في اَي حته خليكي جنبي ؟...مش ده اللي كنتِ بتتمنيه !!..."
فتحاول تمالك نفسها وتهدئ من ضربات قلبها المتلاحقة وتعترض لتجدأصابع يده فوق شفتيها مانعا أيها عن الاعتراض ...وتجد كفه الأيمن يرفع ليستقر خلف عنقها واليد الاخري تتحرك علي شعرها وظهرها مع اقتراب انفاسه المُحبّبة لها فتغمض عينيها لتغوص فيه ولا تستيقظ من حلمها ...ليلتهم ثغرها بقوة كأنه يعوض سنين حرمانه منها لم يتركها الا طلبا للهواء ليكرر مافعله مرة بعد مرة فيشعر ذراعيها تلتف حوله وتهمس باسمه في لوعة ..لم يجد بدا الا ليحملها لتستقر فوق الفراش وهو معاها ليتسأل وسط انفاسه اللاهثة :
"ممتأكدة انك مش هتندمي ..علي اللحظة دي؟.."
.لتجيبه بهيام :"عمري !!!!...."
ليقوم بتقبيل وجهها بنهم من أعينها لوجنتيها لفمها بقوة مع تحريرها من ملابس نومها ليتلاحما جسدهما العاري ويغرقها معه في أحلامه ومتعته المحظورة عليه منذ سنوات
........
..........
لحظات تمر علينا نظنها اسعد الأوقات وأمتعها وكلما ازداد حرماننا ازاد اشتياقنا وسعيينا خلفها وتذليل كل عائق يواجهنا ..مع دهس القليل من المبادئ وتسكين ضمائرنا من اجل متعة غاياتنا لنجد أنفسنا نخسر احبابنا قبل أنفسنا .......رغم انها لم تكن سوي لحظات!!!....
....................
مستيقظة تحاول لملمة مشاعرها المبعثرة بعد هجماته العاطفية الجديدة عليه و التي انجرفت معها باستسلام ....تحاول تنظيم طريقة تنفسها المتوترة حتي لايشعر بها ...لا تعلم كم مر من الوقت وهو بجوارها مراقبا لها كأنها لوحة فنية تشعر بنظراته تخترق ظهرها العاري ..تناجي ربها ان يتحرك او يخرج من غرفته حتي تستطيع التحرك والبحث عن ملابسها..فبعد ماحدث بينهما... تخجل من مواجهته كيف تظهر له كإمرأة تفتقد العاطفة وتشحذ الحب والاقتراب ...ليتصلب جسدها عندما سمعت صوته الرجولي الآمر:
"قومي ياغزل ...انا عارف انك مش نايمة ....."
تبتلع ريقها بصعوبة بسبب خجلها مما حدث ولم تقوَ علي مواجهته فتشعر بأصابع كفه يمر فوق كتفها العاري فتلعن ضعفها للمساته وتجد جسدها يسحب بقوة ليلتزق ظهرها بصدره العاري ويطبق قبلة فوق عنقها ليقول آسفا:
"انا اسف ...علي اللي حصل بينا ....صدقيني مقدرتش ...في حاجات كتير انتي مش فاهماها مانعة انك تكوني ليا ...صدقيني لو كان الوقت غير الوقت كنت هبقي اسعد إنسان في الدنيا ....."
غزل بأسى واضح:
"يامن هطلب منك طلب اعتبره طلبي الاخير"
..فتستلقي علي ظهرها لتواجه عينيه حتي تري ردة فعله :
"رجعني ...لازم ارجع بلدي....."
لا يعلم اهو إقرار لا مناقشة فيه ام طلب منها ليقول بصدمة :
"انتي اكيد اتجننتي ...."
لينتفض من جوارها يبحث عن ملابسه ويرتديها بغضب مستعر قائلا :
"بقي انا بحاول احميكي من كل حاجة وموقف حياتي عليكي .. وأخسر اقرب الناس ليا ..حتي ..حتي باحميكي من نفسي وانتي عايزة ترجعي للخطر برجليكي...قوليلي سبب يخليكي تطلبي ده سبب واحد...."
غزل بألم :
"لازم افتكر ..حقي!!!!.."
فيمسكها من ذراعيها بقوه صارخا:
"ليه !!!..هتستفادي ايه لو افتكرتي ..غير انك هتتعذبي وتتألمي وتندمي ...انت كده افضل .....هتستفادي ايه؟!..."
غزل بقوة:"انت!!!!..."
"انا!!!!"
"ايوه انت ..انت مش عايش حياة بتاعتك ..انا مابقتش عارفة انت يامن اللي وقف جنبي ولا ابن عمي ولا جوزي...كل يوم بيعدي بيأكدلي انك عايش دور مش دورك ...."
يامن بغضب :
"مافيش سفر ياغزل وده اخر كلام عندي .."
غزل بتحدي :"بصفتك ايه بتمنعني ؟!..."
.يامن بسخرية:"بصفتي جوزك ....."
لتختفي من عينيه نظرة السخرية عندما لاحظ نظرة غريبة عليه منها فتقول :
"متأكد؟؟..."
فيفهم مقصدها علي الفور ..يقترب منها جالسًا علي ركبتيه ممسكا بهايقول ناظرا لاعينها المتحدية :
"لو كان اللي فهمته هو سبب قرارك المجنون ..انا مستعد تبقي مراتي دلوقتي حالا لو ده هيخليكي تتراجعي عن اللي في دماغك .."
فيحاول ضم جسدها لصدرة وتقبيلها لعلها تتراجع عن افكارها فتدفعه فقوة غريبة عليها وتقول :
"لا .......انا لما احب أكون مراتك فعليا مش هيكون بقرارك انت ..بعد كده هيبقي قراري انا ...."
يامن بتساؤل :"يعني ايه ؟...."
غزل بتحدي جديد:
"يعني هرجع ...ولازم اعرف انت مخبي ايه ..وساعتها هيكون اختياري انا ..بايدي انا ..مش انت ......"
..............
في سيارة خاصة التي تفاجئا بانتظارها لتقلهما من المطار بتوصية خاصة من أخيه ..فيبلغه السائق بضرورة التوجه الي الفيلا لاستقبالهما ..رغم اعتراض يامن الشديد الا انه لاحظ اصرار أخيه المخيف اتوجههم اليها بدلا من الفندق ..فيرضخ عندما علم بانتظار أفراد العائلة لاستقبالها بعد غياب.....يشاهدها تتطلع من نافذتها علي الطرقات وتضم لاحضانها بيسان الغافلة ليقول بصوت أجش:
"لو خايفة او تراجعتي احنا ممكن ننزل في اَي فندق و..."
تقاطعه بالرفض:
"لا ..كده افضل ..لينا كلنا ..بس ماتسبنيش خليك جنبي ..."
يبتسم بمرارة:
"ماتخافيش انا معاكي ..وفي وقت حسيتي انك مش قادرة تكملي هنرجع .....يلا قربنا !!...."
.............
في حالة من القلق والشحنات الكهربائية المنتشرة بالأنفس الموجودة بالحجرة ...ونظرة اللوم الموجهة ليوسف الذي يعتلي وجهه الحزن والألم شاردا غير مهتما بالموجودين ..اختار لنفسه ابعد مكان للجلوس والمراقبة عن بعد وكل فرد ينظر الي الاخر بترقب ..لا يعلموا شيء عن حقيقة الرسالة النصية التي ارسلت لهم جميعا بضرورة الحضور لاستقبالها..فبعد انتشار الخبر بوجودها مع يامن إنتابهم الذهول من قدرته علي إخفائها كل هذا الوقت .....
في لحظة وقف الكل في ترقب لدخولها بعد سماع صوت جرس الباب وتهليل هناء وترحيبها لهما ..كانوا يظهروا للعيان كأنهم أعجاز نخل ثابتة باعين ذاهلة ..يدخل يامن بين ذراعه بيسان الغافية بهدوء ناظرا لهما بصمت كأن علي رؤوسهم الطير ...
لتقول ملك باعين مدمعة:
"يامن حبيبي....."
وقبل ان تتحرك لاحتضانه تنحي جانبا لتظهر من خلفه الزهرة الندية ...معذبة القلوب بفستانها الطويل الأبيض المنقوش بزهور صغيرة مع سترة من الجينز قصيرة وحجاب يغطي رأسها ..كانت طلتها بعد هذه السنوات رقيقة ناعمة بل اكثر نعومة آسرة للقلوب والأعين المشتاقة ..لم يخف عن الكل توترها وهروب أعينها عنهم وإلتصاقها بيامن الممسك بكفها بخوف .......ليتقدم محمد مندفعا غير مصدقا رافعا يده لاحتضانها :"غزل !!!..."
.الا ان انكماشها وتراجعها المفاجئ له ولهم منعه من التقدم ..ليقول يامن ملطفاً الأجواء محتضنها بذراعه:"معلش ..غزل متوترة شوية. ....ازيك انت يامحمد ......"
............
تجلس ملتصقة به كالطفل التائه الملاصق لأمه تحت اعين صقرية منكسرة متألمة مراقبة لكل حركاتها بحذر وخوف ..خوف ٍأن يقبض متلبسًا
بفعله ..ليلاحظ عند رفع عينيه مراقبة أربعة أجواز من الأعين له ..ثلاثة منهم يراقبونه بأسي وشفقة علي حاله ...بعد علمهما بزواجها من أخيه والإنجاب منه
كانت اعين ملك اخته وشادي صديقه ومحمد أما الرابعة فنظرتها مختلفة نظرة يامن له كالذي يوصِل له رسالة تحذيرية بعدم تخطي حدود منطقته الخاصة(غزل).....
ليقول بصرامة مزيفة وهو يستقيم في وقفته مستندا علي عصاه :
"انا خليت هناء تجهزلكم الاوض اوضتك انت وغزل زي ماهي والبنت هتنام في أوضة ملك ...ياريت تطلع تستريح عشان عايزك ..عن اذنكم "
ملك بارتباك :
"انا كمان همشي عشان اتأخرت علي غزل الصغيرة ...هجيلكم تاني مع جاسر ..."
شادي بتعب:
"طيب ياجماعة هنمشي كلنا عشان تقدروا تستريحوا يلا يامحمد ...."
فيودعها محمد بنظرات لائمة لم تفهمها لينصرف الجميع ويبقي يوسف ويامن وغزل ...
ليقول :"وصّلها لأوضتها انا خليت هناء تحط شنطها فيها .."
ليقول يامن مع تقريب غزل له بتحدي :
"مراتي مش بتنام بعيد عني ..انا طالع اوضتي وتبقي خلي هناء تبعت شنطها عندي ..عن إذنك ....."
يتحرك يامن وغزل ومعهما ابنتهما تاركين يوسف المهزوم متهدل الاكتاف ..يشعر بخنجر مسموم يُدق بقلبه كل لحظة ..فيُصبر نفسه بأن هذا أسلم عقاب لأخطائه السابقة
..........
ملك بحزن وبكاء :
"مش قادرة اوصفلك منظره عامل ازاي ياجاسر ..ده مش يوسف ابدًا..كلنا كنّا متحاملين عليه وقاطعناه ..المفروض اننا نشمت فيه ..بس اللي شوفته انهاردة واحد مطعون من اقرب الناس اليه ..."
جاسر يتنهد قائلا:
"الحقيقة اللي حكتيه ده مش قادر استوعبه ..يامن يتجوز مرات اخوه ويخبي علينا كلنا ...لا ويخلف بنت منها ...يامن ده طلع مش سهل ..."
ملك بلوم مدافعة:"ماتقولش كده علي يامن ...في حاجة حاسة انها غريبة بس اكيد هعرفها ..غزل مش بتتكلم معانا خالص كأننا غُرب عنها ..وبصراحة ماسكتها في يامن دي مش طبيعية ...."
جاسر :
"طيب عقبال ما تبحثي وتفكري ..أكون انا نمت عشان عندي شغل بدري ....تصبحي علي خيرات ....."
ملك :"نام ياجاسر نام ..ماهو ده اللي فالح فيه من ساعة ما اتجوزنا نام ياحبيبي"
..............
.........
مر شهرًا علي وجودها بالمكان تشعر ببعض الألفة من تواجدها فيه ..وتوالت زيارات ملك ابنة عمها لمساعدتها علي التأقلم من جديد بعد ان علمت بحالتها ...ولكن الحق ان يقال الجميع يبذل جهدا عاليًا حتي يفروا لها سبل الراحة ومساعدتها علي تذكرهم شخصًا شخصًا.....ولكن هناك شخصًا بعينه يزيد اضطرابها دائما رغم عدم محاولته للاحتكاك بها او التودد لها مثل غيره قليل الكلام معها ..لا ينظر لاعينها عند حديثه ..علي عكس ماصدر منه في زيارته المفاجئة التي انتهت بنوبة من نوباتها التي تمقتها ...فهو بمكتبه او حجرته دائما او بمكانه السري يحاول الهروب منها خصوصا مع وجود يامن معها ولا تعلم السبب أليست ابنة عمه ايضًا
ام هناك سببًا اخر تجهله ...عندما سألت ملك عن زوجها الاول وعن اسمه ارتبكت واختلقت اعذارًا واهيةًللانصراف لماذا الكل يحاول الهروب من أسئلتها بخصوص ذلك ....
.........
تسمع صوت طرقات الباب فهي في غاية الإرهاق ولا تعلم لما حل عليها التعب ..وتكتشف بعدها فراغ الفراش بجوارها علي مايبدو ان يامن قام بالانصراف مبكرًا ...فمدة الشهر كان يلازمها كظلها لايتركها إلا لدخول دورة المياة أو النوم ...يخاف من شيء لا تعلمه ..دائمًا متحفز للعراك ..علاقته باردة بأخيه ..رغم أن الأخير يحاول توفير سبل راحتهم بكل السبل ..تستقيم لتخرج من فراشها بقميص نومها الكريمي الناعم وشعرها المشعث علي أكتافها ووجهها ..فيطرق الباب مرةاخري ليراها تفتح الباب مغمضة العينين لاتستطع مقاومة النوم ويدها علي مقبض الباب..فتتسارع انفاسه من رؤيتها فهذا الشكل المهلك لأعصابه ..فيذكر نفسه بأنها زوجة أخيه ولا تحل له فيسرع بإشاحة وجهه عنهاويسمعها تقول :
"خلاص صحيت ....كل ده خب........."
لتصرخ وتغلق الباب بسبب رؤيتها ليوسف تقول لنفسها:
"انا غبية غبية ..ازاي افتح بالشكل ده ..بس هو ماشفنيش الحمد لله ..ولا شافني ؟!....انا مش عارفة ... مصيبة لو شافني ."
لتقول بحرج :"ايوة !..كنت عايزة حاجة؟...."
.فيقول وهو يظهر جديته بالحديث:
"لقيتك اتأخرتي في النوم قولت اصحيكي عشان تفطري ....ااانا نازل وابقي حصليني...."
فتلطقت انفاسها وتؤكد لنفسها عدم رؤيته لها لتصعقها كلماته يقول بجفاءمحذرًا:
"غزل !!!.بعد كده ماتفتحيش الباب وانتي بالشكل ده ..فاهمة؟؟؟....."
وينصرف دون انتظار ردها .......لتقول بهذيان :
"شافني ..يانهاري ...شافني !!!...."
..............
ارتدت فستانا قطنيا مع حجابها تبحث عن اَي فرد في غرفة الطعام ولكنها تجدها خالية الا انها استمعت إلي أنغام صادرة من مكان ما حتي اكتشفت مصدرها لتتجه الي المطبخ ..فتجده امام الموقد بملابسه البيتية يدندن مع نغمات هاتفه :
و أنا اللى طول عمرى بقول الحب عمره طويل
أنا اللى طول عمرى بصدق كلام الصبر فى المواويل
من كتر ماكان الحب واخدنا
و كل حلاوة الدنيا فى إيدنا
لا فكرنا زمان يعاندنا
و لا أيام تقدر تبعدنا
و عشنا الحب بل أيام
و كل بكره فيه احلام
و أتارى كل ده أوهام...
و سافر من غير وداع
فات في قلبي جراحه
دبت في ليل السهر
و العيون ما إرتاحوا......
..........
وعند انتهاء المقطع قام باغلاقه .سمعت صوته يحدثها بجفاء:
"هتفضلي واقفة عندك كتير ؟؟..."
لتتسآءل في نفسها كيف عرف موجودها رغم صمتها وعدم أحداثها لأي جلبة مع علو صوت الأغنية ......
لتقول :
"انت عرفت منين اني واقفة..."
فيدور يواجهها وبيده طبق البيض المقلي وكوب ساخن يتصاعد منه الأبخرة ميزت رائحته بسرعة انه مشروب الشكولاته المفضل لديها .متجها الي الطاولة الصغيرة قائلا ببرود:"اقعدي عشان تفطري ...."
لتقول مرتبكة:"لا شكرًا ..مش ع....."
فيحدثها بصرامة:"اقعدي ....وبطلي شغل عيال....."
تجلس بأعصاب محترقة من أسلوبه ولكنها اختار مقعدًا بعيد عنه تاركة مقعد فارغ بينهما ...فيدفع الطعام أمامها مع وضع الكوب الساخن قائلا:
"أنا ملاحظ بقالي مدة انك مش بتكلي كويس ووزنك نازل ...انا عايزك تخلصي الأكل ده.."
لتجيبه بخوف من اسلوبه :"بس انا مش بحب البيض ..."
"عارف .."
قالها بتحدي لاعينها التي اتسعت فيفهم مايدور بخلدها فتتحرك يده ليحمل كوب الشكولاته ويقوم بالارتشاف منه مع ثبات أعينه عليها بتحدي لتهمس لنفسها بتذمر:
"ايه الاحراج ده انا كنت فكراها ليا..."
ليقطع همسها قائلا:
"كانت فعلا ليكي ..بس بما ان حضرتك مش عايزه تفطري يبقي مافيش شكولاته سخنة ...."
وتتذمر من بروده ليقول:
"سمعتك علي فكرة ......"
فتتأفأف من تسلطه وجفائه وتمد يدها لتتناول البيض بغيظ لتتساءل :"هي فين هناء ؟!....."
ليقول بلا اهتمام وهو يتصفح هاتفه :
"خدت إذن ومشيت ....عشان ابن بنتها تعبان ....."
ليكمل وهي مندمجة بالأكل :
"علي فكرة بيسان ملك بعتت السواق واخدتها تلعب مع غزل ...."
فتقف قطعه الخبز بمجري التنفس فتسعل بشدة حتي أدمعت أعينها وترتشف بعض الماء بتوتر :
"انت ازاي مقولتليش ان بيسان راحت عند ملك ..كنت لازم تقولي قبلها ...ليرفع حاجبه بتعجب:
"اولا انتي كنت نايمة ...ثانيا مش غريبة انك زعلانة انها مش موجودة مع انك من ساعة ماصحيتي ماسألتيش عليها ودي مش اول مرة اخد بالي انك مش مهتمة ببنتك .."
لتدافع عن نفسها بغضب من وقاحته:
"مش صحيح اللي بتقوله ده ....مش انت اللي هتيجي تقولي اعمل ايه معاها..انت مين انت عشان تكلمني كده؟.....وكمان ده مش مبرر انك تتصرف من دماغك من غير أذني ..."
لتقف بعنف فيسقط الكرسي من خلفها ويصدر ضوضاء عالية ...تقاوم دموعها الا تظهر فتتحرك للخروج الا ان ندائه الصارم الذي يحمل غضبا باسمها أوقفها ..
ليقول:
"من الاحترام لما نكون بنتكلم ماتسبينيش وتمشي وتغضبي زي الأطفال ..اقعدي كملي أكلك ..واطمني انا اتصلت بأبوها استأذنت منه "
لتنتفض من كلمته صارخة بوجهه رعبا ان يكون يوسف ابلغ والد بيسان التي تجهله عن وجودها :"ابوها مين ؟...."
ليضيق عينيه غير مستوعبا السؤال ليقول :
"أبوها ...هي المفروض الواحد ليه كام أب ..."
فتتحرك بصعوبة لتلقي جسدها علي المقعد ليلاحظ جسدها المرتعش ...
لتقول ليوسف برجاء:
"يوسف ؟...اكيد انا عيشت فترة معاكم. هنا صح !!...واكيد عارف اني اتجوزت قبل يامن ....يبقي اكيد عارفه صح ؟....."
لايجد إجابة حقيقية لها فيسود الصمت وتظن انه يريد عدم الإفصاح عن شخصه مثل يامن ..لتقول:
"ارجوك يايوسف ؟..انا عارفة انك مش طايقني ومضايق من وجودي ..بس كل ما اعرف اسرع مشاكلي هتتحل اسرع ..انا عايزه بس اعرف مين هو ؟...."
فتراه يغمض أعينه بألم لاتعرف سببه ويضغط علي الكوب بقبضته ..
لتقول مستعطفة إياه:"انا مش طالبة غير اسمه بس .."
ليقول :"مش هتستفيدي حاجة لو عرفتي ..النسيان نعمة وانتي كدة افضل ..."
ليكمل بألم :"انتي ربنا عوضك بيامن كزوج وبنتك ..خليكي في الحاضر لان الماضي دائمًابيألم "
..فيستقيم في وقفته :
"انا خارج رايح اشتري حاجات ..عايزة حاجة ؟..."
فتندفع بخوف قائلة:
"انت هتسبني لوحدي هنا ؟.."
ليقول متعجبا:"اه في حاجة ؟...خلاص انا ممكن أجل مشواري لوقت يكون حد هنا ."
.لتهز رأسها بالموافقة ..
ليمد يده قائلا :"هاتي تليفونك ؟..."
فيقوم بتسجيل رقمه بهاتفها وفعل ذلك بهاتفه :
"لو احتاجتي حاجه اتصلي بيا ..."
لتقول بتودد:
"تحب اعملك قهوة !!."
فيوافق علي عرضها بابتسامة وينصرف بهدوء عكس ما يعتليه قلبه من تمزق وقبل ان يختفي سألته بصوت مرتفع:
"هي الأغنية دي اسمها ايه؟!!......"
فتشاهد ابتسامته التي بدأت بالاتساع قائلا :"حاول تفتكرني"
يتبع
الفصل الثالث والثلاثون
.........
.............
تجلس أمامه بنفس هيأتها منذ سنوات ولكن بها شي مختلف في شخصيتها في طريقة حديثها في اسلوبها لتقول :
"طلبت تقابلني ...."
ليبتسم بثقة قائلا:"كنت محتاج اشوفك ....وأتكلم معاكي...واشكرك شكر متأخر..."
لتبتسم قائلة:"اتكلم انا سمعاك"
يامن وهو يرتشف القهوة:"مستعدة تبقي معايا؟....."
.........................
وقفت حائرة وسط الحجرات بيدها فنجان القهوة التي قامت بإعداده له لا تعلم أين حجرته نومه لتحدث نفسها قائلة:
"ايه الغباء ده انا مش عارفة اوضته فين؟.....طيب دي اوضتي انا ويامن... وبيسان بتنام هنا فاضل تلت اوض انهي فيهم ..لتجرب فتح اول غرفة فتجدها ذات طابع كلاسيكي قديم يظهر عليها ان لا تستخدم من فترة ..لتنتقل للغرفة الثانية.فوقفت عدة دقائق مشدوهة من جمالها وهدوء ألوانها كغرف نوم المتزوجون حديثًا.. وتتقدم بخطوات ثابتة مع تعلق نظرها علي الفراش المفروش بغطاء حريري وردي لتقع عينيها علي قميص نوم متروك أعلاه فتتلمسه باصابع مرتعشة تشعر بشعور غريب عليها كأنها شاهدت هذه الغرفة من قبل .فتسند القهوة علي الطاولة المجاورة للفراش حتي وصلت الي منتصفها وأعينها تجوب يمينًا ويسارًا براحة لم تشعرها حتي بغرفة يامن .فتقع أعينها علي خزانة الملابس وتفتحها بفضول وتدهش من رؤيتها للملابس الأنثوية المعلقة به ..ثم تتجه الي طاولة التزيين وتجلس أمامها علي المقعد المخملي لتواجه صورتها فتبتسم وتبدأ بالعبث بمحتوايتها من عطور وأدوات تجميل لتصل يدها الي قنينة ذات عطر رجالي ترفعها الي أنفها لتزكمها رائحتها الخطرة بقوة وتجعلها تشعر بالدوار والضيق فتتراء بعض المشاهد المبعثرة أمام أعينها مشاهد كثيرة متداخلة لا تعرف معناها ...عند فتح أعينها وقعت عينيها علي انعكاس صورته بالمرآة لتشهق عاليًا وتسقط القنينة أرضًا لتتهشم لأجزاء فتفوح رائحتها بقوة..وتقف مهتزة بخوف قائلة:
"ااانا آسفة إني دخلت الأوضة من غير إذن ..كنت بدور عليك عشان ...القهوة ..."
فتلاحظ ثباته كأنه لم يسمعها ..جلست علي قدمها تلملم زجاج القنينة رغم ضيقها الذي بدأ في التزايد من رائحتها من المؤكد ان هذه الغرفة خاصة به لذا فهو غاضب بشدة تريد الهروب من أمامه لتأمن بطشه فتجده ينحني حتي اصبح بمستواها يمسك كف يدها بحنان بالغ قائلا:
"سيبي الازاز هيعورك ...كدة كدة كان لازم الازازة دي تنكسر من زمان ..اصلها هههههه مكنتش عاجبة ناس عزاز عليا .."
لتضحك علي ضحكة لتقول مداعبة :
"اقولك سر "..
فتبتسم أعينه لضحكها ويحثها علي الاستمرار ...
لتقول هامسة :
"احسن انها انكسرت هههه اصلها رحتها بشعة أوي ..."
تصدر منه ضحكة خشنة طويلة حتي دمعت أعينه من كثرة البكاء حتي ارتبكت لاتعرف هل يضحك ام يبقي فعينيه مملوءة بالحزن رغم ضحكه لتسأله:
"أنت بتضحك ولا بتعيط ؟"
يجيبها بابتسامة غريبة تؤثرها :
"بضحك ..مابقاش في حاجة تستأهل البكا "
فيكمل وهو يجمع الزجاج المتهشم يقول:
"عجبتك الأوضة؟!....."
فتجيبه باهتمام واضح :
"اوي ..حسيت براحة فيها ..هي بتاعتك؟..."
فيرفع عينيه عليها متأملا عينيها وحجابها ووجنتها الوردية التي أشبعها قبلات حارقة في وقت سابق يقول:
"ايوه كانت اوضتن...اوضتي ..."
لترفع حاجبها مستفهمة:
"بس انا لقيت لَبْس حريمي هنا وبرفانات ؟!!..."
تراه يستقيم في وقفته وبيده الزجاج المكسور ويتجه لإلقائه في سلة القمامة ويقول:
"اوضتي انا ومراتي .."
تقترب اليه بفضول :"مراتك !!...هي فين ؟...وليه ماشوفتهاش ...انا اول مره اعرف انك متجوز..."
يجيبها باختصار:"احنا منفصلين ...."
تتأثر من كلماته لانها ترى بيعينه الحزن فتكمل:
"ليه ؟...انت شكلك بتحبها اوي بدليل لسه محتفظ بحاجتها في الأوضة ...."
ينظر لها ويقترب خطوتين بعرج واضح يقول:"عشان أذيتها ..وألمتها ..وغدرت بيها...ونفسي تسامحني ...."
فتشجعه ظنًا منها انها تساعده:
"حاول تتكلم معاها واعتذرلها ..لو بتحبك هترجعلك ..."
يوسف بألم :"للاسف اتجوزت ..وانا مش عايزها تتألم اكثر ماهي أتألمت كفاية عليها العذاب اللي شافته معايا ..جوزها احق مني بيها...."
لتقول بشبه بكاء:"أنا ..مش عارفة لو مكانها هعمل ايه بس كنت اكيد هسامحك ..كفاية حبك ليها ...."
فتراه يرفع كف يده ويضعها علي وجنتها اليسري ممر إبهامه يمسح دمعة متمردة سقطت و يقول:
"تفتكري في يوم هتسامحني ؟!...."
لتهز رأسها بالموافقة تشعر بمشاعر غريبة مع قربها منه مشاعر متضاربة ..هل كانت علاقتهما مجرد ابن عم مع ابنة عمه فقط ..من الواضح كان يوجد ألفة سابقة بينهما ...
..............
جلست بشرفة الحجرة ليلا مستمتعة بنسمات الليل الخريفية بيدها رواية باللغة التركية وبجوارها كوب من الشكولاتة الدافئة لعلها تهدي من تقلصاتها التي تزداد كل حين وآخر بسبب قرب عادتها الشهرية .. تاركة يامن يغوص في احلامه بعد حضوره متأخرًا مع تقديم اعتذاره لتركها هذه الفترة وحيدة ...وأثناء اندماجها رفعت نظرها للحظة لتري مايتحرك في حديقة الفيلا ليلا تحت الإضاءة الخافتة فتجده يوسف متجهًا خلف الفيلا ...تتحرك بهدوء حتي لاتقلق راحة يامن وتمسك وشاحها تلفه بعشوائية علي شعرها لقد عزمت علي النزول لتطلب منه اقتراض بعض من الكتب من مكتبته الخاصة ...
....
ظلت تبحث عنه في ظلام الحديقة بخوف فشاهدت شي ما من بعيد كملحق خاص للفيلا معزول عنها جدرانه زجاجية شفافة تظهره من خلفها يتحرك بإريحية فتتشجع للتحرك حتي وصلت الي الباب لتراه مستلقيًا فوق الأريكة علي جنبه الأيسر منكمشا يحتضن شيء ما وتصدح أنغام الموسيقي الشرقية فتأثرها كلماتها وتشعر بألم بقلبها لا تعرف سببه لتجد المطرب يقول بتأثر مع ظهور صوت يوسف المتحشرج موازيًا للمطرب لينطق كلماتها بشجن بالغ :
حبيبى...
والله لسه حبيبى...
والله وحبيبى مهما تنسى حبيبى...
والله وحبيبى عمرى ما انسى حبيبى...
ابقى افتكرنى... حاول تفتكرنى...
ولو مريت فى طريق مشينا مره فيه
او عديت فى مكان كان لينا ذكرا فيه
ابقى افتكرنى... حاول تفتكرنى...
دى ليالى عشناها
ابداً مش حنساها
على بالى يا حبيبى
على بالى ايام و ليالى
على بالى ليل و نهار
وانت على بالى....
بعد انتهاء المقطع وجدته يبكي بتألم واضح كالطفل الفاقد لأمه ..هذا الذي تراه أمامها الان ليس من قابلته بتركيا اول مرة..كيف للإنسان ان يظهر للبشر قشرته الصلبة القاسية بهذا الشكل ومن داخله رخو ضعيف يبكي ليلا وحيدًا ..ليت بيدها مساعدته ..فتتشجع لطرق الباب الغير مغلق تطلب إذن الدخول فتجدها ينتفض بارتباك وذهول يداري وجهه عنها ..ها هو يحاول ارتداء قناعه الصلب القاسي ..ويمسح وجهه بقوة ويخفي بعض الأشياء التي لاتعلمها بجيب بنطاله ...ليسأل بخوف بالغ :
"غزل !!....في حاجة ؟...أنتِ إيه اللي منزلك في الوقت ده ؟!..."
تبتسم تحاول اخفاء ارتباكها هي نفسها لا تعلم لما أتت إليه خصيصًا .كان من الممكن اخبار يامن بطلبها فتجيبه بصوت رقيق:
"شفتك جاي علي هنا فقولت اجي استأذن منك إنِّ ادخل مكتبك محتاجة كتب اقراها ..أصلي حاسة بملل رهيب من وقت ما رجعنا "..
ليقول بجدية وقد طرأت لديه فكرة :
"طيب ايه رأيك لو تييجي الشركة معايا ..اهو تغيري جو .ويمكن يساعدك ده تفتكري كل حاجة....."
غزل بمراوغة:"ممكن بس بشرط...تعزمني علي حاجة اشربها وتسمعني كنت بتسمع ايه...."
فتلاحظ ارتباكه ورفضه للفكرة فتكمل:
"خلاص انا همشي..انا آسفة لو ضايقتك .."
وتتحرك للمغادرة فتوقفها يديه الممسكة بذراعيها قائلا:
"استني ياغزل ..الحكاية مش انك ضايقتني بالعكس انت مش متخيلة قد ايه سعيد انك معايا ....بس ..كل الحكاية انه ماينفعش تكوني هنا معايا ..وفِي الوقت ده بالذات .."
فيلاحظ عبوث ملامحها ويديها المسنودة فوق بطنها ويسمعها تقول:
"انا ماعملتش حاجة غلط ..لو ..لو..انت شايف اني غلط فاوعدك مش هضايقك تاني ..."
لتتوقف عن الكلام وتغمض عينيها بقوه وتفتحهما مرة ثانيه قائلة:"انا بس كنت بحاول اندمج معاكم عشان اقدر..... افتكركم ....عن إذنك .."
تخرج مسرعة تريد الهروب الي حجرتها تشعر بالآلام تتزايد تسمعه يلاحقها مناديًا بأن تتوقف لتسمعه ولكنها ارادت الاختباء باقصي سرعة قبل ان يتزايد الالم الذي يداهمها احيانا اثناء وجود العادة الشهرية فهي من فترة امتنعت عن أخذ جميع الأدوية الخاصة بها مع وهم الجميع بتناولها ...تشعر بسائل بارد اندفع من بين أرجلها ليتزايد الدوار وخفقان قلبها تسمعه يقترب ويقترب مع بدء بطء حركاتها حتي وصلت لباب الفيلا لتقول لنفسها ها قد اقتربت لا يتبقي سوى صعود الدرج ..حتي وصلت لمنتصفه فتسمعه ينادي عليها بغضب غريب لم تستوعب سببه فتنتفض خوفًا عند ندائه للمرة الثانيه يطلب منها التوقف ..لم يأخذ منها الموقف سوى لحظات لتلتفت للخلف لتراه في لمحها منها حتي وجدت نفسها تفقد توازنها نتيجة الدوار لتصرخ رعبًا مع سقوطها علي الدرج يصاحبها صوته الصارخ بان تنتبه ..سقوطها لم يأخذ سوى لحظات قصيرة حتي استقرت عند قدميه..فتسمع صوته بعيدا يناديها بأن تجبه ولا تفقد وعيها مع تداخل صوت يامن الذي بدأ في الاقتراب حتي وجدت يدين تحملها بقوة وتريح رأسها التي اتصدمت بالدرج فتدفن وجهها بصدر حاملها لعله يامن ........أو يوسف!!!!
.....................
ناظرة لسقف الحجرة متأملة النقوش البارزة به بجسد ثابت متعب وروح مهلكة ..تشعر بدوامة افكارها
..ألم يسري بأوردتها وقلبها لا تصدق ماسمعته منهما اثناء شجارهما ظنًا منهما انها تحت تأثير اغمائها ..هل يعقل ان يكون يوسف زوجها السابق ؟....والد بيسان ؟!غير معقول هل هي تهذي او تتخيل ماسمعته !!....يوسف هو من تسبب في حالتها المرضية؟! ..يوسف من حاول قتلها وقتل ابنتها؟! ....ياللهً..هل يعقل ان يكون بمثل هذه الرقة والنعومة معاها وهو قاتلها ......تلتفت تنظر ليامن النائم وتحدث نفسها :
"انه كان يحميها من أخيه ..الان فهمت سبب بعده عنها وعدم السماح لنفسه بالاقتراب منها ..يجب عليها ان تتأكد مما سمعت فإذا واجهت يامن سينكر خوفًا عليها .."
حاولت التحرك ببطئ شديد حتي لا تسبب في استيقاظه وتتجه للخزانة فهي دائمًا تراه يحتفظ ببعض الأوراق الهامة بهذه الحقيبة فبدأت بالبحث وسط الأوراق حتي وجدت بعض التقارير الطبية لها وتشخيصها مع جواز سفرها وصور شخصية لها وله مع قسيمة زواجها منه الموثقة من القنصلية بالخارج ..لتقع يدها علي صور لوجهها وجسدها مرفقة بتقرير من المشفي فتصطدم من رؤية شعرها الحليق والإصابات المتفرقة بجسدها الناتجة عن الاعتداء الوحشي ..تبحث وتبحث حتي وجدت غايتها ورقة طلاق باسمها واسمه....!!!! يوسف!!!! لتسقط دمعة غادرة من عينيها وترتعش أصابعها ..ها هي تأكدت مما سمعت ............
.........
دخلت المطبخ فتري انهماك هناء في إعداد الإفطار فتناديها حتي تنتبه اليها لتقول غزل بملامح غريبة لم تعتادها :"هناء!!.عايزاكي في خدمة" .....
.........
لم تتحمل سماع شئ اكثر مما سمعت فتشعر بارتخاء أعصابها وآلام تسري بأطرافها فتحاول تمالك حالها واكتساب بعد القوة التي تفقدها حتي لا تتعرض لنوبة من نوباتها المعتادة التي تداهمها مع كل صدمة وتجلس امام هناء التي تفرك يديها بتوتر ملحوظ وترطب شفتيها الجافتين بلسانها بوجهٍ متأثر وقلبٍ متعاطف مع تلك الجالسة المغمضة العينين تحاول كبح دموعها وانكسارها ..فتخرج كلماتها غير مرتبة :"غغزل هانم !!!..انتِ كويسة ..ياريتني ما اتكلمت ..بس حضرتك اللي طلبتي تعرفي كل حاجة ..وانتِ زي بنتي ويعز عليا اشوفك كده ..انا شكلي غلطت انِّ فتحت بوقي .."
لتهز رأسها وتجبيبها:"لا ..انتِ عملتي الصح واللي عرفته كان لازم اعرفه من زمان ..بس أوعدك المرة دي مش هخلي حد يدمرني تاني ولازم كل واحد يدفع ثمن اللي عمله" ...
هناء بخوف:"ناوية علي إيه ؟...."
..............
يجلس يتناول قهوته بشرود واليد الاخري مستندة علي عصاه ..يرسل نظرات حارقة القابع أمامه ببرود يلهب صدره وقلبه يحدثه بغيظ:
"كل ده الهانم نايمة ..ايه نموسيتها كحلي ؟!..."
فيسخر يامن من اسلوبه:
"تصدق بقيت بيئة جدًا...."
يوسف بغيظ:"بيئة مع اللي زيك يادكتور...."
فيقطع يامن عليه الحوار:
"يوسف ريح دماغك اللي بتفكر فيه كش هيحصل .."
"عشان تعرف انك مش بتدور علي مصلحتها ..سيبها تختار ..."
"واسيبها ليه دي مراتي محدش يقدر يبعدني عنها ..."
فيضرب يوسف الطاوله بقوة :
"انت ليه بتكرهني كده ..اديني فرصه اصلح غلطي اللي في رقبتي ولو هي اختارتك انا هنسحب ..."
يامن بتعجب مصطنع :"انت سامع نفسك ..لو حد سمعك هيقول مجنون..عايزني اطلق مراتي حبيبتي عشان حضرتك تتجوزها انت اتجننت اكيد .."
"ماتقولش حبيبتي ..انت لو بتحبها مكنتش فضلت علي اتصال بتقي ..انت فاكر اني نايم علي وداني انا عارف انكم بتتقابله ..ده تسميه حب ولا خيانه ..."
شعر ببعض التوتر من معرفة أخيه ذلك ولكنه اجابه بشجاعة:
"انت بتراقبني بقي !!...عموما احب أقولك ان في دين في رقبتي لتقي ولازم أرده وأنها الانسان الوحيدة اللي ....."
فيقطع حديثه ملاحظته دخول غزل بخيلاء وثقة جديدة لايعرف سببها مؤخرًا فمنذ حادث الدرج وسقوطها ويشعر باختلاف يقلقه ...تقترب فتلقي نظرة بجانب عينيها على يوسف المتأمل لها وترفع ذراعيها لتحتضن يامن من الخلف وتطبع قبلة طويله فوق وجنته تقول:
"حبيبي !!.انا آسفة اتأخرت عليك .."
ليصدم من تصرفها امام يوسف فهو غير معتاد علي تصرفها امام الغير ..يرفع جانب عينيه ليري خروج حمم بركانية من رأس أخيه بشكل مضحك فيكتم ضحكته قائلا:
"هه ..شكلك كنت جعانة نوم .."
تتجهه لتجلس بجواره فتلتصق به بحميمية وتجيبه بدلع:
"يعني مَش عارف ايه اللي خلاني نايمة لحد دلوقت .."
فيرفع حاجبيه باندهاش عندما راها تغمز له بعينيها اليسري ليلتفت بسرعة لاخيه يشعر بانه سيفقد أعصابه وسيهشم الصحن فوق رأسه ..
ليرفع يامن كتفيه باستسلام لاخيه بانه لايعلم مقصدها ...فيري غضب أخيه الذي القي ملعقته بقوة ليصدر عنها صوتًا مزعجا تدل علي اعتراضه فيسمعها تقول :
"مالك يايوسف ؟..في حاجة مضيقاك !!..."
ليقول بغيظ:"لا ابدا هو في حاجة تضايق في البيت ده ؟!!......"
لتقول بحماسة:"انت شكلك غيران مننا ..وعندك فراغ عاطفي ..ايه رايك عروستكً عندي؟......"
يامن يحاول تغيير الموضوع:
"فراغ ايه بس وبتاع ايه انتي اكيد بتهرجي ؟..."
غزل بثقة:"لا ابدا ..انا فعلا العروسة عندي ...تقي!!!ايه رأيك يايوسف ؟....."
ايبتسم بسخرية واضحة :
"تقي!!...ونعم الاختيار !!...بس احب اعرف رأي الدكتور يامن في الموضوع الاول ...ها ايه رايك يادكتور ؟!...اتكل علي الله واشوف العروسة ..ماترد اتكتمت ليه؟......"
لتخرج اخر كلماته من بين اسنانه بغيظ ....
يبتلع ريقة بصعوبة ونار دبت بقلبه ليقول :
"حبيبتي ماتشغليش بالك بالأمور دي ..يوسف قلب امه ..اترهبن ..يعني مش بيفكر في الجواز ..."
لتلوي فمها بسخرية واضحة تجيبه :
"طييب ...هو حر .."فتكمل بكلمات لها مغزى :
"اصل شكله مالوش في الطيب ...."
يشعر يوسف ان تعاملها معه اصبح اكثر حدية ليظن احيانًا انها استرجعت ذاكرتها لتؤلمة ...لا تترك له فرصة الاختلاء بها دائما حبيسة حجرتها بعد خروج يامن او تبقي باقي الوقت مع ابنتها بيسان ..الحق يقال انها أصبحت اكثر تعقلا وتعلقا بطفلتها وأصبحت تقضي معاها اكثر الأوقات ...اما عنه لايعرف كيف واجه أخيه بعد حادث الدرج بانه لازال يحبها ويتألم لوجوده بقربها بدلا منه ليعترف له يامن بان زواجه من اجل حمايتها وانه يحبها بالفعل ولكن ليس حب العاشق لمعشوقته ...ولن يطلقها وعند سؤاله عن بيسان رفض يامن الإفصاح عن حقيقة امرها خوفا منه ان يستخدمها بطاقة ضغط عليها او يحرمهما منها ..
.......
يدخل من باب المطعم يبحث بعينيه عن هدفه ..خلال الطريق رأسه تتخللها المثير من الأفكار مع استغرابه من رسالتها المختصرة تبلغه فيها بضرورة مقابلته مع تحديد المكان ...
يجلس أمامها بوجه قلق شاحب خالي من الدماء مما سمعه منها فيحك جبينه باصابع باردة متسائلا:
"انت ايه اللي بتقوليه ده انا استحالة أنفذ اللي بتقوليه...."
فيراها ترتشف من كوب العصير وتضعه أمامها بكل هدوء
ولا تعلق علي ماقاله ..
فيكمل حديثه :
"انا عارف ان من وقت ما رجعنا وانا اهملتك بس صدقيني انا يمكن بعدت شوية عشان تقدري تتأقلمي مع الوضع الجديد"...
غزل بصرامة غريبة :
"يامن !!!.....اصبر دقيقة ودلوقت تفهم انا ليه طلبت الانفصال....؟!...تقي...."
ليعقد حاجبيه بدهشة :"مالها تقي ؟...."
فترفع عينيها خلفه وتشير له بحاجبها تقول:"وراك !!!!......."
فيتصلب جسده وتكمل حديثها مع تقي:
"اتفضلي ياتقي ..وقفة ليه؟......"
فتنظر تقي ليامن بتوتر وتقول:
"انتي بعتيلي نتقابل هنا ..في حاجه قلقتيني ...."
يستمر الصمت بينهما تحت مراقبة غزل بتسلية وتصرح عن أسباب إحضارهما . ...
.............
بعد مرور ثلاث اشهر .....
وقفت تتأمله وهو يلاعب ابنتها الصغيرة كأنه شاب مفعم بالحيوية لا شاب كهل قلبه وشاخت ملامحه فتري بيسان تحاول إمساك ذقنه لإلامه بمرح ليدعي البكاء أمامها ويغطي وجهه بكفه ثم يفاجئها بضحكة ..فيعود يكررها مرات ومرات حتي لاحت ابتسامة علي فمها وقلب متألم متأثرة من هذا المشهد النادر بين ابنتها واليها اللذان يجهلا كلا منهما هذه الحقيقة
فترتدي مرة اخري وجهها الجليدي الذي اعتادت ان تظهره أمامه في الفترة الأخيرة مما يجعله يجن ويثور ...تخرج صوتها بضيق :
"بيسان !!!!!....تعالي هنا..."
فينتبه لصوتها ويدعوها:
"غزل !!...تعالي ادخلي انا وبيسو كنّا بنلعب مع بعض ...."
لتتجاهله وتكلم بيسان مره اخري:
"تعالي بقولك هنا ..."
بيسان بطفولة:
"مامي ..عمو يوسف بيلعب معايا وانا مش عايزه اسيبه ...وكمان سرحلي شعري شوفي حلو ازاي...."
لتتحرك وتقوم جذبها بقوة من ذراعها تقول :
"ابعد عن بنتي يايوسف ...ماتقربش منها تاني ...فاهم ...."
يوسف يجذب بيسان مره اخري:
"سيبي البنت ياغزل ..ليه الغضب ده كله ؟..."
غزل بتألم :"انا حرة ،..وانا مش مستريحة لتعلقها بيك ..مش عايزاها تتألم لما تختفي من حياتها..فالأحسن تبعد عنها ومتعلقهاش بيك اكتر من كده ..."
يوسف بذهول:"اختفي !...ايه اللي هيخليني اختفي ؟!..انا معاكم وهفضل معاكم ....."
ليلتوي فمها بسخرية :
"مش يمكن احنا اللي مانبقاش معاك ؟!....."
يضيق عينيه باستفسار :
"تقصدي ايه ؟..بانك مش هتكوني معايا ؟!..."
تتحرك وتخرج من ملحقه توليه ظهرها قائلة :
"احنا معزومين عند محمد لو حابب تيجي معانا ؟...."
وتنصرف دون انتظار إجابته ............
...............
يمسك يدها بقوة يحتويها بحبه وحنانه الفياض ويمسك تارة القيادة باليد الاخري فتقول؛
شادي ارجوك كده هتعمل حادثة سيب ايدي وسوق كويس ...
شادي بمرح :"لا ...انا عايز افضل ماسكك كدة عندك مانع ؟!..وياستي من حقي احتفل معاكي بالخبر السعيد ده بس نعمل ايه بقي محمد عزمنا علي الغدا وقال يامن وغزل هيكونوا هناك مقدرتش ارفض ...."
سمية بعدم تصديق:
"انا مش قادرة اصدق ان كل ده يحصل وان ربنا يرجعلي حقي وحق بابا ..."
شادي:"مع اني كان نفسي أكون انا السبب في رجوع حقك ده بس انتِ كنت دايما ترفضي وتقوليلي سيبهم لله......"
سمية:"اهو بعد ما حاربوا الدنيا عشان الفلوس عمي بنفسه يرجعلنا حقنا في المصنع بعد وفاة شريف ..الله يرحمه ويسامحه..."
شادي :"بتطلبي له الرحمه ؟!...ده واحد ميت اوفر دوس ..جرعة زايده ...!!!!"
سمية:"ربنا يسامحه ويغفرله بقي....."
شادي :"امين يارب......"
.....................
بعد الانتهاء من وجبة الغداء جلست بجوار الحاجة راوية تدللها كما كانت تفعل معاها وهي صغيرة ...لقد اشتاقت لحنان اسرتها منذ ان خرجت من بيتهم ووالحياة لم تتصالح معاها
منذ دخولها البيت بدأت تتذكر كل شئ وكيف كانت علاقتها بهم ...وكيف تسمرت امام شقتها السابقة مع خالتها صفا لتتذكر ايّام صباها الهادئة ...
يامن ليلفت انتباها:
"حبيبتي سرحتي في ايه؟!...."
تبتسم ابتسامتها الخلابه:
"اكيد فيك هههه......"
لتلاحظ تقي تنظر لها بابتسامة فتبادلها نفسها وتوميء رأسها لها بحركة غير ملحوظة لتطمئنها.......
وتري بيسان تحاول الجلوس علي قدم يوسف تقول:
عمو يوسف شيلني اشمعنا دايمًا غزل تشيلها وتلاعبها ؟!.....
يوسف بمداعبة :
"غزل دي روحي ....وانتي قلبي اللي عايش بيه يابيسو ...."
لينتبه كلا من غزل ويامن وشادي لحديثه وكيف نطق جملته بهيام كبير .....
ليكمل بمداعبة : "انتِ اللي يشوفك مايقولش عيلة عندها تلت سنين بلسانك ده ..."
تهز رأسها بالرفض تقول :"انا عندي 4...مش 3...ليقول بضحك :"ماشي ياستي أربعة أربعة ..."
فتتكلم الحاجة راوية بحبور:
"البنت دي خطفت قلبي زي ما خطفته غزل وهي في سنها...تعالي ياقلب تيتة في حضني .."
فتقول بيسان بطفولة :
"لا ..انا عايزة افضل مع عمو يوسف ..انا بحبه اوي .."
فتنظر غزل لابنتها بصرامة :
"بيسان !!!...اسمعي الكلام وتعالي جنبي .."
يامن مهدئًا إياها:
"غزل !!...سبيها براحتها .."
فيسود الصمت تحت نظراتها الخائفة علي ابنتها ...فتقرر ان آن الأوان للابتعاد بها .....
فتحول نظرها لمحمد القابع بجوار سوزان ممتلئة البطن ويظهر عليها انها بأواخر الحمل ويد محمد فوق بطنها يمسح عليها صعودا وهبوطا ويحدث أطفاله لتضحك سوزان علي فعلته ..لم تشعر بغلالة الدموع المنحبسة التي ظللت عينيها فقد المها اهتمام محمد بأولاده قبل وجودهمً..فتشعر بالنقص ..ها هي حملت ولم تأخذ ذرة اهتمام من زوجها وعوضا عن ذلك الاهتمام ضربت وغذبت وشكك في نسب جنينها ولم تحظي بالاهتمام المطلوب ..حتي شعورها كأم تشعر بحركة جنينها حرمت من الاستمتاع بيها ..لتفيق من حالتها لتجد طفلة لم تعرف عنها شي .......
يلاحظ يوسف نظرات عينيها المثبتة علي محمد وسوزان فيشعر بألمها ...يظن انها تدمع لفقدها طفلها... ليته مااقدم علي فعلته السابقة التي دمرته ودمرتها ....
...فيسمعها توجهه حديثها للجميع قائلة :
"احب أقول كلمة واستغل الظرف اللي جماعنا واشكركم كلكم علي كل حاجة عملتوها معايا زمان ودلوقت ..واقولكم اني سعيدة ان في وسطكم ..انتو اكيد مستغربين ان ليه بتكلم كده ؟!..وليه اخترت انهاردة بالذات عشان اعزم نفسي عندكم وأننا نتجمع كلنا عشان ..عايزة أودعكم لان قررت ارجع انا ويامن لتركيا ..."
فيرفع عينه لها بصدمة ثبتته ويبتلع ريقه بصعوبة خوفًا من ابتعادها مرةاخري وينقل نظرة لاخيه لعله يفهم مايخطط له فيلاحظ دهشته هو الاخر من هذا الخبر ...ليجد صوته يخرج بصعوبة :
"ماينفعش تمشي ...اقصد تمشوا...."
فترتفع وجهها له بتحدي :"ليه؟...ايه اللي يخليني افضل ؟!...انا لحد دلوقت ماقدرتش افتكر اَي حاجه ..حتي المساعدة اللي طلبتها منكم وهي ابسط حقوقي ان اعرف مين جوزي الأولاني بخلتوا بيها عليا ...فقعدنا مالوش لازمة ...لان حياتي اللي بحاول افتكرها شكلها غير مشرفة فيستحسن اطوي صفحتها وأبدأ من غير ذكريات......"
يوسف بمشاعر متألمة:
"عرفتي منين انها غير مشرفة ؟..مش يمكن فيها ذكريات حلوة ..هنعيش طول عمرنا عايشين عليها...."
غزل بهدوء:
"يمكن بالنسبة ليك حلوة ..وبالنسبة لي نقمة ........"
لتقف تاركة الجميع علي رؤوسهم الطير .....
.........
يدخل خلفها بعرجه الواضح يجدها مستنده علي علي سور الشرفة الصغيرة شاردة .يتمني ان يتعمق في افكارها ليعرف بما تفكر الان ...ليفاجئ بصوتها الناعم :
"هتفضل تراقبني لحد امتي؟....."
يقترب بخطوات عرِجَة ويقف بجوارها ناظرا للفراغ أمامه يقول:"دايما بتعرفي ان موجود ...."
تكتفي بالنظر له نظرة سخرية ...
فيكمل مشجعا حالة :
"تفتكري لو عرفتيه هتستريحي ..؟!...ماتفتكريش انه حاله احسن من حالك ..هو بيتعذب أضعاف اضعافك ..كفاية الندم اللي بياكل قلبه علي كل لحظة انت بعدتي فيها عنه ...كان زمانه مكون أسرة صغيرة جميلة ...."
غزل بلامبالاة:
"انت مش شايف انك بدافع عنه باستماتة ..ده انا قربت أتخيله ملاك ؟!...."
يوسف بتعقل:"ماتبقيش قاسية ياغزل ...."
غزل بتساؤل:"تعرف ايه انت عن القسوة ؟!...."
يوسف بألم :"اعرف انك عمرك ماكنتِ قاسية ....."
غزل بابتسامة جانبية:"انت قولتهابنفسك.....كنت!...التسامح دلوقت مش في قاموسي يا ...ياجينيرال ...."
لتتركه كتمثال للشمع لاتطاوعه قدمه علي التحرك من كلمتها الأخيرة ليحدث نفسه بغباء:
"هي قالت ايه؟!...قالت ..جي..ايه؟!....
جيني...رال ..قالت جينيرال يايوسف ..."
ويحك جبينه بيد مرتعشة ويلوم نفسه :
"لا ..لا اكيد انا سمعت غلط ..انت هتجنن ولا ايه ؟!...اكيد ذاكرتها مارجعتلهاش ..الاسم ده كانت بتقوله ...لا لا اكيد صدفة او سمعته من حد منهم ......."
.............
يجلس بجوارها وهي مستقليه بطفولة فوق فراشها علي بطنها ويديها تحت وسادتها وشعرها البني يغطي وجهها ليبتسم علي طريقة نومها ..لقد اعتاد منذ أشهر منذ وصولهم ان يراقبها خلسة اثناء نومها لفترة ثم يندس بجوارها ويحتضنها لينعم برائحتها المسكية التي ورثتها من امها المجنونة التي ستصيبة بنوبة قلبية او مرض عقلي عن قريب ..فيقترب ليستلقي بجوارها ويأخذها بين أحضانه لينعم بها قبل ان تختفي من حياته مرة اخري ....
بعد مرور عدة ساعات من نومه بجوارها دون ان يشعر احد بوجوده.تحرك بالممر ليتجه الي صومعته الذي صنعها خصيصا خلف الفيلا وأثناء سيرة بهدوء مستندًا علي عكازه سمع صوتهما مرتفعا في نقاش حاد فمن الواضح انهما يتشاجران ..لتتسمر قدميه وتقف عن السير وتتسع عينيه فتتسارع انفاسه مما سمع ........
في حجرتهما يقف يامن واضعًا يديه في خصره مواجها إياها قائلا بغيظ :
غزلللل!!!!....
فلا تجبه بتجاهل بتعمد منها ليقول بغضب:
"انا متأكد من كلامي ....انتِ ذاكرتك رجعتلك ..اصل مش معقول التغير المفاجئ ده ......"
فتنظر له بجانب عينيها وهي مستنده علي وسادتها تتلاعب بهاتفها وتعاود تصفحه...
فيضيق يامن به :
"بقى كده طييييب ماتلوميش الا نفسك بقى .."
في البداية لم تفهم مقصده ولكن بعد لحظات رأته يخلع قميصه ويلقيه ارضًا ويقترب منها بابتسامة خبيثة لتنتفض تقول:
"انت بتعمل ايه؟..انت اتجننت ؟...يامن الموضوع ده مافيهوش تهريج ؟.....ابعد عني احسنلك ..."
ليضحك قائلا :
"ليه ياغزالي ده انا حبيبك انتِ نسيتي وانا عايز أفكرك ..."
لتقفز من فوق الفراش تقف في زاوية الحجرة ممسكة بمزهرية تقول:
"مش عايزة افتكر ..بطل تهريج بقي ..."
فيقترب منها في خطوتين ليلف ذراعيه حول خصرها ويكتم ضحكته :
"أنت مش كنتِ بتحبيني ايه اللي جرى ..."
لتقول بغضب وخوف:
"ايوة بحبك بس مش بالطريقة دي ..انت نسيت اننا اطلقنا ...."
يامن بهمس :
"وماله انتِ لسه في العدة اردك لعصمتي ...."
غزل وهي تتلوى:
"يامن ماتبقاش متخلف ..انت عارف انت اجوزتني ليه ؟..وخلاص اللي انت خايف منه انا عرفته ...يبقي كل واحد يشوف طريقه بقى...."
ليقول بجدية :"اسمها افتكرتيه مش عرفتيه!...."
غزل بتعب من تكبيلها:"افتكرت ...افتكرت ..خلاص استريحت ......"
ليبتعد عنها يحررها يقول بضيق :
"ومخبية عليا ليه ؟...تفتكري لو انا عرفت هروح أقوله ؟!...."
غزل بحزن :"مش كدة...انا خايفة تربط نفسك بيا تاني ..وكمان انا وخداك حجة اسافر بيها ببيسان ...."
غزل بحزن يأكل قلبها:
"أنت مش شايفه متعلق ببيسان ازاي زي مايكون حاسس انها بنته ..ساعات أقول لنفسي هنفضل لحد امتي مخبيين عليه انها بنته ...بس ارجع وأقول ههه وهي كانت تفرق معاه من الاول هو كان عايز يقتلها ويقتل امها يبقي مالوش حق دلوقت فيها ...بيسان هتفضل بنتك انت يايامن انت اللي راعتها وأدتها الحنان اللي اتحرمت منه حتي معايا ....
وانا ناوية اعوضها عن الاربع سنين الللي فاتوا..."
يامن بلوم:
"اول مرة ماوافقش علي كلامك ...آن الأوان ان يوسف يعرف انه ليه بنت ياغزل ..كفاية لحد كدة ..يوسف اتغير ياغزل اديله فرصة وسامحيه...."
غزل بكره :
"انت اللي بتقول كده ؟!..انا مش مصدقة ...ولا خلاص انا بقتش اهمك انا وبيسان ...علي العموم انا وهي هنسافر وانت مش ملزم تراعينا بعد انهاردة ..بس بيسان هتفضل بنتك ..."
يمسك وجهه بغضب:
"اسمعيني ياغزل ...انامتأكد انه اتغير ..ملامحه المكسورة البهتانة ..وكمان في حاجة انتِ مش عارفاها ..يوسف حول الأملاك كلها باسمك من يوم ما اختفيتي الشركة والفيلا حتي الشالية اللي في الساحل كتبه باسمك ...يعني يوسف قاعد ضيف هنا في ملكك ....
يتبع،
الفصل الثالث والثلاثون
.........
.............
تجلس أمامه بنفس هيأتها منذ سنوات ولكن بها شي مختلف في شخصيتها في طريقة حديثها في اسلوبها لتقول :
"طلبت تقابلني ...."
ليبتسم بثقة قائلا:"كنت محتاج اشوفك ....وأتكلم معاكي...واشكرك شكر متأخر..."
لتبتسم قائلة:"اتكلم انا سمعاك"
يامن وهو يرتشف القهوة:"مستعدة تبقي معايا؟....."
.........................
وقفت حائرة وسط الحجرات بيدها فنجان القهوة التي قامت بإعداده له لا تعلم أين حجرته نومه لتحدث نفسها قائلة:
"ايه الغباء ده انا مش عارفة اوضته فين؟.....طيب دي اوضتي انا ويامن... وبيسان بتنام هنا فاضل تلت اوض انهي فيهم ..لتجرب فتح اول غرفة فتجدها ذات طابع كلاسيكي قديم يظهر عليها ان لا تستخدم من فترة ..لتنتقل للغرفة الثانية.فوقفت عدة دقائق مشدوهة من جمالها وهدوء ألوانها كغرف نوم المتزوجون حديثًا.. وتتقدم بخطوات ثابتة مع تعلق نظرها علي الفراش المفروش بغطاء حريري وردي لتقع عينيها علي قميص نوم متروك أعلاه فتتلمسه باصابع مرتعشة تشعر بشعور غريب عليها كأنها شاهدت هذه الغرفة من قبل .فتسند القهوة علي الطاولة المجاورة للفراش حتي وصلت الي منتصفها وأعينها تجوب يمينًا ويسارًا براحة لم تشعرها حتي بغرفة يامن .فتقع أعينها علي خزانة الملابس وتفتحها بفضول وتدهش من رؤيتها للملابس الأنثوية المعلقة به ..ثم تتجه الي طاولة التزيين وتجلس أمامها علي المقعد المخملي لتواجه صورتها فتبتسم وتبدأ بالعبث بمحتوايتها من عطور وأدوات تجميل لتصل يدها الي قنينة ذات عطر رجالي ترفعها الي أنفها لتزكمها رائحتها الخطرة بقوة وتجعلها تشعر بالدوار والضيق فتتراء بعض المشاهد المبعثرة أمام أعينها مشاهد كثيرة متداخلة لا تعرف معناها ...عند فتح أعينها وقعت عينيها علي انعكاس صورته بالمرآة لتشهق عاليًا وتسقط القنينة أرضًا لتتهشم لأجزاء فتفوح رائحتها بقوة..وتقف مهتزة بخوف قائلة:
"ااانا آسفة إني دخلت الأوضة من غير إذن ..كنت بدور عليك عشان ...القهوة ..."
فتلاحظ ثباته كأنه لم يسمعها ..جلست علي قدمها تلملم زجاج القنينة رغم ضيقها الذي بدأ في التزايد من رائحتها من المؤكد ان هذه الغرفة خاصة به لذا فهو غاضب بشدة تريد الهروب من أمامه لتأمن بطشه فتجده ينحني حتي اصبح بمستواها يمسك كف يدها بحنان بالغ قائلا:
"سيبي الازاز هيعورك ...كدة كدة كان لازم الازازة دي تنكسر من زمان ..اصلها هههههه مكنتش عاجبة ناس عزاز عليا .."
لتضحك علي ضحكة لتقول مداعبة :
"اقولك سر "..
فتبتسم أعينه لضحكها ويحثها علي الاستمرار ...
لتقول هامسة :
"احسن انها انكسرت هههه اصلها رحتها بشعة أوي ..."
تصدر منه ضحكة خشنة طويلة حتي دمعت أعينه من كثرة البكاء حتي ارتبكت لاتعرف هل يضحك ام يبقي فعينيه مملوءة بالحزن رغم ضحكه لتسأله:
"أنت بتضحك ولا بتعيط ؟"
يجيبها بابتسامة غريبة تؤثرها :
"بضحك ..مابقاش في حاجة تستأهل البكا "
فيكمل وهو يجمع الزجاج المتهشم يقول:
"عجبتك الأوضة؟!....."
فتجيبه باهتمام واضح :
"اوي ..حسيت براحة فيها ..هي بتاعتك؟..."
فيرفع عينيه عليها متأملا عينيها وحجابها ووجنتها الوردية التي أشبعها قبلات حارقة في وقت سابق يقول:
"ايوه كانت اوضتن...اوضتي ..."
لترفع حاجبها مستفهمة:
"بس انا لقيت لَبْس حريمي هنا وبرفانات ؟!!..."
تراه يستقيم في وقفته وبيده الزجاج المكسور ويتجه لإلقائه في سلة القمامة ويقول:
"اوضتي انا ومراتي .."
تقترب اليه بفضول :"مراتك !!...هي فين ؟...وليه ماشوفتهاش ...انا اول مره اعرف انك متجوز..."
يجيبها باختصار:"احنا منفصلين ...."
تتأثر من كلماته لانها ترى بيعينه الحزن فتكمل:
"ليه ؟...انت شكلك بتحبها اوي بدليل لسه محتفظ بحاجتها في الأوضة ...."
ينظر لها ويقترب خطوتين بعرج واضح يقول:"عشان أذيتها ..وألمتها ..وغدرت بيها...ونفسي تسامحني ...."
فتشجعه ظنًا منها انها تساعده:
"حاول تتكلم معاها واعتذرلها ..لو بتحبك هترجعلك ..."
يوسف بألم :"للاسف اتجوزت ..وانا مش عايزها تتألم اكثر ماهي أتألمت كفاية عليها العذاب اللي شافته معايا ..جوزها احق مني بيها...."
لتقول بشبه بكاء:"أنا ..مش عارفة لو مكانها هعمل ايه بس كنت اكيد هسامحك ..كفاية حبك ليها ...."
فتراه يرفع كف يده ويضعها علي وجنتها اليسري ممر إبهامه يمسح دمعة متمردة سقطت و يقول:
"تفتكري في يوم هتسامحني ؟!...."
لتهز رأسها بالموافقة تشعر بمشاعر غريبة مع قربها منه مشاعر متضاربة ..هل كانت علاقتهما مجرد ابن عم مع ابنة عمه فقط ..من الواضح كان يوجد ألفة سابقة بينهما ...
..............
جلست بشرفة الحجرة ليلا مستمتعة بنسمات الليل الخريفية بيدها رواية باللغة التركية وبجوارها كوب من الشكولاتة الدافئة لعلها تهدي من تقلصاتها التي تزداد كل حين وآخر بسبب قرب عادتها الشهرية .. تاركة يامن يغوص في احلامه بعد حضوره متأخرًا مع تقديم اعتذاره لتركها هذه الفترة وحيدة ...وأثناء اندماجها رفعت نظرها للحظة لتري مايتحرك في حديقة الفيلا ليلا تحت الإضاءة الخافتة فتجده يوسف متجهًا خلف الفيلا ...تتحرك بهدوء حتي لاتقلق راحة يامن وتمسك وشاحها تلفه بعشوائية علي شعرها لقد عزمت علي النزول لتطلب منه اقتراض بعض من الكتب من مكتبته الخاصة ...
....
ظلت تبحث عنه في ظلام الحديقة بخوف فشاهدت شي ما من بعيد كملحق خاص للفيلا معزول عنها جدرانه زجاجية شفافة تظهره من خلفها يتحرك بإريحية فتتشجع للتحرك حتي وصلت الي الباب لتراه مستلقيًا فوق الأريكة علي جنبه الأيسر منكمشا يحتضن شيء ما وتصدح أنغام الموسيقي الشرقية فتأثرها كلماتها وتشعر بألم بقلبها لا تعرف سببه لتجد المطرب يقول بتأثر مع ظهور صوت يوسف المتحشرج موازيًا للمطرب لينطق كلماتها بشجن بالغ :
حبيبى...
والله لسه حبيبى...
والله وحبيبى مهما تنسى حبيبى...
والله وحبيبى عمرى ما انسى حبيبى...
ابقى افتكرنى... حاول تفتكرنى...
ولو مريت فى طريق مشينا مره فيه
او عديت فى مكان كان لينا ذكرا فيه
ابقى افتكرنى... حاول تفتكرنى...
دى ليالى عشناها
ابداً مش حنساها
على بالى يا حبيبى
على بالى ايام و ليالى
على بالى ليل و نهار
وانت على بالى....
بعد انتهاء المقطع وجدته يبكي بتألم واضح كالطفل الفاقد لأمه ..هذا الذي تراه أمامها الان ليس من قابلته بتركيا اول مرة..كيف للإنسان ان يظهر للبشر قشرته الصلبة القاسية بهذا الشكل ومن داخله رخو ضعيف يبكي ليلا وحيدًا ..ليت بيدها مساعدته ..فتتشجع لطرق الباب الغير مغلق تطلب إذن الدخول فتجدها ينتفض بارتباك وذهول يداري وجهه عنها ..ها هو يحاول ارتداء قناعه الصلب القاسي ..ويمسح وجهه بقوة ويخفي بعض الأشياء التي لاتعلمها بجيب بنطاله ...ليسأل بخوف بالغ :
"غزل !!....في حاجة ؟...أنتِ إيه اللي منزلك في الوقت ده ؟!..."
تبتسم تحاول اخفاء ارتباكها هي نفسها لا تعلم لما أتت إليه خصيصًا .كان من الممكن اخبار يامن بطلبها فتجيبه بصوت رقيق:
"شفتك جاي علي هنا فقولت اجي استأذن منك إنِّ ادخل مكتبك محتاجة كتب اقراها ..أصلي حاسة بملل رهيب من وقت ما رجعنا "..
ليقول بجدية وقد طرأت لديه فكرة :
"طيب ايه رأيك لو تييجي الشركة معايا ..اهو تغيري جو .ويمكن يساعدك ده تفتكري كل حاجة....."
غزل بمراوغة:"ممكن بس بشرط...تعزمني علي حاجة اشربها وتسمعني كنت بتسمع ايه...."
فتلاحظ ارتباكه ورفضه للفكرة فتكمل:
"خلاص انا همشي..انا آسفة لو ضايقتك .."
وتتحرك للمغادرة فتوقفها يديه الممسكة بذراعيها قائلا:
"استني ياغزل ..الحكاية مش انك ضايقتني بالعكس انت مش متخيلة قد ايه سعيد انك معايا ....بس ..كل الحكاية انه ماينفعش تكوني هنا معايا ..وفِي الوقت ده بالذات .."
فيلاحظ عبوث ملامحها ويديها المسنودة فوق بطنها ويسمعها تقول:
"انا ماعملتش حاجة غلط ..لو ..لو..انت شايف اني غلط فاوعدك مش هضايقك تاني ..."
لتتوقف عن الكلام وتغمض عينيها بقوه وتفتحهما مرة ثانيه قائلة:"انا بس كنت بحاول اندمج معاكم عشان اقدر..... افتكركم ....عن إذنك .."
تخرج مسرعة تريد الهروب الي حجرتها تشعر بالآلام تتزايد تسمعه يلاحقها مناديًا بأن تتوقف لتسمعه ولكنها ارادت الاختباء باقصي سرعة قبل ان يتزايد الالم الذي يداهمها احيانا اثناء وجود العادة الشهرية فهي من فترة امتنعت عن أخذ جميع الأدوية الخاصة بها مع وهم الجميع بتناولها ...تشعر بسائل بارد اندفع من بين أرجلها ليتزايد الدوار وخفقان قلبها تسمعه يقترب ويقترب مع بدء بطء حركاتها حتي وصلت لباب الفيلا لتقول لنفسها ها قد اقتربت لا يتبقي سوى صعود الدرج ..حتي وصلت لمنتصفه فتسمعه ينادي عليها بغضب غريب لم تستوعب سببه فتنتفض خوفًا عند ندائه للمرة الثانيه يطلب منها التوقف ..لم يأخذ منها الموقف سوى لحظات لتلتفت للخلف لتراه في لمحها منها حتي وجدت نفسها تفقد توازنها نتيجة الدوار لتصرخ رعبًا مع سقوطها علي الدرج يصاحبها صوته الصارخ بان تنتبه ..سقوطها لم يأخذ سوى لحظات قصيرة حتي استقرت عند قدميه..فتسمع صوته بعيدا يناديها بأن تجبه ولا تفقد وعيها مع تداخل صوت يامن الذي بدأ في الاقتراب حتي وجدت يدين تحملها بقوة وتريح رأسها التي اتصدمت بالدرج فتدفن وجهها بصدر حاملها لعله يامن ........أو يوسف!!!!
.....................
ناظرة لسقف الحجرة متأملة النقوش البارزة به بجسد ثابت متعب وروح مهلكة ..تشعر بدوامة افكارها
..ألم يسري بأوردتها وقلبها لا تصدق ماسمعته منهما اثناء شجارهما ظنًا منهما انها تحت تأثير اغمائها ..هل يعقل ان يكون يوسف زوجها السابق ؟....والد بيسان ؟!غير معقول هل هي تهذي او تتخيل ماسمعته !!....يوسف هو من تسبب في حالتها المرضية؟! ..يوسف من حاول قتلها وقتل ابنتها؟! ....ياللهً..هل يعقل ان يكون بمثل هذه الرقة والنعومة معاها وهو قاتلها ......تلتفت تنظر ليامن النائم وتحدث نفسها :
"انه كان يحميها من أخيه ..الان فهمت سبب بعده عنها وعدم السماح لنفسه بالاقتراب منها ..يجب عليها ان تتأكد مما سمعت فإذا واجهت يامن سينكر خوفًا عليها .."
حاولت التحرك ببطئ شديد حتي لا تسبب في استيقاظه وتتجه للخزانة فهي دائمًا تراه يحتفظ ببعض الأوراق الهامة بهذه الحقيبة فبدأت بالبحث وسط الأوراق حتي وجدت بعض التقارير الطبية لها وتشخيصها مع جواز سفرها وصور شخصية لها وله مع قسيمة زواجها منه الموثقة من القنصلية بالخارج ..لتقع يدها علي صور لوجهها وجسدها مرفقة بتقرير من المشفي فتصطدم من رؤية شعرها الحليق والإصابات المتفرقة بجسدها الناتجة عن الاعتداء الوحشي ..تبحث وتبحث حتي وجدت غايتها ورقة طلاق باسمها واسمه....!!!! يوسف!!!! لتسقط دمعة غادرة من عينيها وترتعش أصابعها ..ها هي تأكدت مما سمعت ............
.........
دخلت المطبخ فتري انهماك هناء في إعداد الإفطار فتناديها حتي تنتبه اليها لتقول غزل بملامح غريبة لم تعتادها :"هناء!!.عايزاكي في خدمة" .....
.........
لم تتحمل سماع شئ اكثر مما سمعت فتشعر بارتخاء أعصابها وآلام تسري بأطرافها فتحاول تمالك حالها واكتساب بعد القوة التي تفقدها حتي لا تتعرض لنوبة من نوباتها المعتادة التي تداهمها مع كل صدمة وتجلس امام هناء التي تفرك يديها بتوتر ملحوظ وترطب شفتيها الجافتين بلسانها بوجهٍ متأثر وقلبٍ متعاطف مع تلك الجالسة المغمضة العينين تحاول كبح دموعها وانكسارها ..فتخرج كلماتها غير مرتبة :"غغزل هانم !!!..انتِ كويسة ..ياريتني ما اتكلمت ..بس حضرتك اللي طلبتي تعرفي كل حاجة ..وانتِ زي بنتي ويعز عليا اشوفك كده ..انا شكلي غلطت انِّ فتحت بوقي .."
لتهز رأسها وتجبيبها:"لا ..انتِ عملتي الصح واللي عرفته كان لازم اعرفه من زمان ..بس أوعدك المرة دي مش هخلي حد يدمرني تاني ولازم كل واحد يدفع ثمن اللي عمله" ...
هناء بخوف:"ناوية علي إيه ؟...."
..............
يجلس يتناول قهوته بشرود واليد الاخري مستندة علي عصاه ..يرسل نظرات حارقة القابع أمامه ببرود يلهب صدره وقلبه يحدثه بغيظ:
"كل ده الهانم نايمة ..ايه نموسيتها كحلي ؟!..."
فيسخر يامن من اسلوبه:
"تصدق بقيت بيئة جدًا...."
يوسف بغيظ:"بيئة مع اللي زيك يادكتور...."
فيقطع يامن عليه الحوار:
"يوسف ريح دماغك اللي بتفكر فيه كش هيحصل .."
"عشان تعرف انك مش بتدور علي مصلحتها ..سيبها تختار ..."
"واسيبها ليه دي مراتي محدش يقدر يبعدني عنها ..."
فيضرب يوسف الطاوله بقوة :
"انت ليه بتكرهني كده ..اديني فرصه اصلح غلطي اللي في رقبتي ولو هي اختارتك انا هنسحب ..."
يامن بتعجب مصطنع :"انت سامع نفسك ..لو حد سمعك هيقول مجنون..عايزني اطلق مراتي حبيبتي عشان حضرتك تتجوزها انت اتجننت اكيد .."
"ماتقولش حبيبتي ..انت لو بتحبها مكنتش فضلت علي اتصال بتقي ..انت فاكر اني نايم علي وداني انا عارف انكم بتتقابله ..ده تسميه حب ولا خيانه ..."
شعر ببعض التوتر من معرفة أخيه ذلك ولكنه اجابه بشجاعة:
"انت بتراقبني بقي !!...عموما احب أقولك ان في دين في رقبتي لتقي ولازم أرده وأنها الانسان الوحيدة اللي ....."
فيقطع حديثه ملاحظته دخول غزل بخيلاء وثقة جديدة لايعرف سببها مؤخرًا فمنذ حادث الدرج وسقوطها ويشعر باختلاف يقلقه ...تقترب فتلقي نظرة بجانب عينيها على يوسف المتأمل لها وترفع ذراعيها لتحتضن يامن من الخلف وتطبع قبلة طويله فوق وجنته تقول:
"حبيبي !!.انا آسفة اتأخرت عليك .."
ليصدم من تصرفها امام يوسف فهو غير معتاد علي تصرفها امام الغير ..يرفع جانب عينيه ليري خروج حمم بركانية من رأس أخيه بشكل مضحك فيكتم ضحكته قائلا:
"هه ..شكلك كنت جعانة نوم .."
تتجهه لتجلس بجواره فتلتصق به بحميمية وتجيبه بدلع:
"يعني مَش عارف ايه اللي خلاني نايمة لحد دلوقت .."
فيرفع حاجبيه باندهاش عندما راها تغمز له بعينيها اليسري ليلتفت بسرعة لاخيه يشعر بانه سيفقد أعصابه وسيهشم الصحن فوق رأسه ..
ليرفع يامن كتفيه باستسلام لاخيه بانه لايعلم مقصدها ...فيري غضب أخيه الذي القي ملعقته بقوة ليصدر عنها صوتًا مزعجا تدل علي اعتراضه فيسمعها تقول :
"مالك يايوسف ؟..في حاجة مضيقاك !!..."
ليقول بغيظ:"لا ابدا هو في حاجة تضايق في البيت ده ؟!!......"
لتقول بحماسة:"انت شكلك غيران مننا ..وعندك فراغ عاطفي ..ايه رايك عروستكً عندي؟......"
يامن يحاول تغيير الموضوع:
"فراغ ايه بس وبتاع ايه انتي اكيد بتهرجي ؟..."
غزل بثقة:"لا ابدا ..انا فعلا العروسة عندي ...تقي!!!ايه رأيك يايوسف ؟....."
ايبتسم بسخرية واضحة :
"تقي!!...ونعم الاختيار !!...بس احب اعرف رأي الدكتور يامن في الموضوع الاول ...ها ايه رايك يادكتور ؟!...اتكل علي الله واشوف العروسة ..ماترد اتكتمت ليه؟......"
لتخرج اخر كلماته من بين اسنانه بغيظ ....
يبتلع ريقة بصعوبة ونار دبت بقلبه ليقول :
"حبيبتي ماتشغليش بالك بالأمور دي ..يوسف قلب امه ..اترهبن ..يعني مش بيفكر في الجواز ..."
لتلوي فمها بسخرية واضحة تجيبه :
"طييب ...هو حر .."فتكمل بكلمات لها مغزى :
"اصل شكله مالوش في الطيب ...."
يشعر يوسف ان تعاملها معه اصبح اكثر حدية ليظن احيانًا انها استرجعت ذاكرتها لتؤلمة ...لا تترك له فرصة الاختلاء بها دائما حبيسة حجرتها بعد خروج يامن او تبقي باقي الوقت مع ابنتها بيسان ..الحق يقال انها أصبحت اكثر تعقلا وتعلقا بطفلتها وأصبحت تقضي معاها اكثر الأوقات ...اما عنه لايعرف كيف واجه أخيه بعد حادث الدرج بانه لازال يحبها ويتألم لوجوده بقربها بدلا منه ليعترف له يامن بان زواجه من اجل حمايتها وانه يحبها بالفعل ولكن ليس حب العاشق لمعشوقته ...ولن يطلقها وعند سؤاله عن بيسان رفض يامن الإفصاح عن حقيقة امرها خوفا منه ان يستخدمها بطاقة ضغط عليها او يحرمهما منها ..
.......
يدخل من باب المطعم يبحث بعينيه عن هدفه ..خلال الطريق رأسه تتخللها المثير من الأفكار مع استغرابه من رسالتها المختصرة تبلغه فيها بضرورة مقابلته مع تحديد المكان ...
يجلس أمامها بوجه قلق شاحب خالي من الدماء مما سمعه منها فيحك جبينه باصابع باردة متسائلا:
"انت ايه اللي بتقوليه ده انا استحالة أنفذ اللي بتقوليه...."
فيراها ترتشف من كوب العصير وتضعه أمامها بكل هدوء
ولا تعلق علي ماقاله ..
فيكمل حديثه :
"انا عارف ان من وقت ما رجعنا وانا اهملتك بس صدقيني انا يمكن بعدت شوية عشان تقدري تتأقلمي مع الوضع الجديد"...
غزل بصرامة غريبة :
"يامن !!!.....اصبر دقيقة ودلوقت تفهم انا ليه طلبت الانفصال....؟!...تقي...."
ليعقد حاجبيه بدهشة :"مالها تقي ؟...."
فترفع عينيها خلفه وتشير له بحاجبها تقول:"وراك !!!!......."
فيتصلب جسده وتكمل حديثها مع تقي:
"اتفضلي ياتقي ..وقفة ليه؟......"
فتنظر تقي ليامن بتوتر وتقول:
"انتي بعتيلي نتقابل هنا ..في حاجه قلقتيني ...."
يستمر الصمت بينهما تحت مراقبة غزل بتسلية وتصرح عن أسباب إحضارهما . ...
.............
بعد مرور ثلاث اشهر .....
وقفت تتأمله وهو يلاعب ابنتها الصغيرة كأنه شاب مفعم بالحيوية لا شاب كهل قلبه وشاخت ملامحه فتري بيسان تحاول إمساك ذقنه لإلامه بمرح ليدعي البكاء أمامها ويغطي وجهه بكفه ثم يفاجئها بضحكة ..فيعود يكررها مرات ومرات حتي لاحت ابتسامة علي فمها وقلب متألم متأثرة من هذا المشهد النادر بين ابنتها واليها اللذان يجهلا كلا منهما هذه الحقيقة
فترتدي مرة اخري وجهها الجليدي الذي اعتادت ان تظهره أمامه في الفترة الأخيرة مما يجعله يجن ويثور ...تخرج صوتها بضيق :
"بيسان !!!!!....تعالي هنا..."
فينتبه لصوتها ويدعوها:
"غزل !!...تعالي ادخلي انا وبيسو كنّا بنلعب مع بعض ...."
لتتجاهله وتكلم بيسان مره اخري:
"تعالي بقولك هنا ..."
بيسان بطفولة:
"مامي ..عمو يوسف بيلعب معايا وانا مش عايزه اسيبه ...وكمان سرحلي شعري شوفي حلو ازاي...."
لتتحرك وتقوم جذبها بقوة من ذراعها تقول :
"ابعد عن بنتي يايوسف ...ماتقربش منها تاني ...فاهم ...."
يوسف يجذب بيسان مره اخري:
"سيبي البنت ياغزل ..ليه الغضب ده كله ؟..."
غزل بتألم :"انا حرة ،..وانا مش مستريحة لتعلقها بيك ..مش عايزاها تتألم لما تختفي من حياتها..فالأحسن تبعد عنها ومتعلقهاش بيك اكتر من كده ..."
يوسف بذهول:"اختفي !...ايه اللي هيخليني اختفي ؟!..انا معاكم وهفضل معاكم ....."
ليلتوي فمها بسخرية :
"مش يمكن احنا اللي مانبقاش معاك ؟!....."
يضيق عينيه باستفسار :
"تقصدي ايه ؟..بانك مش هتكوني معايا ؟!..."
تتحرك وتخرج من ملحقه توليه ظهرها قائلة :
"احنا معزومين عند محمد لو حابب تيجي معانا ؟...."
وتنصرف دون انتظار إجابته ............
...............
يمسك يدها بقوة يحتويها بحبه وحنانه الفياض ويمسك تارة القيادة باليد الاخري فتقول؛
شادي ارجوك كده هتعمل حادثة سيب ايدي وسوق كويس ...
شادي بمرح :"لا ...انا عايز افضل ماسكك كدة عندك مانع ؟!..وياستي من حقي احتفل معاكي بالخبر السعيد ده بس نعمل ايه بقي محمد عزمنا علي الغدا وقال يامن وغزل هيكونوا هناك مقدرتش ارفض ...."
سمية بعدم تصديق:
"انا مش قادرة اصدق ان كل ده يحصل وان ربنا يرجعلي حقي وحق بابا ..."
شادي:"مع اني كان نفسي أكون انا السبب في رجوع حقك ده بس انتِ كنت دايما ترفضي وتقوليلي سيبهم لله......"
سمية:"اهو بعد ما حاربوا الدنيا عشان الفلوس عمي بنفسه يرجعلنا حقنا في المصنع بعد وفاة شريف ..الله يرحمه ويسامحه..."
شادي :"بتطلبي له الرحمه ؟!...ده واحد ميت اوفر دوس ..جرعة زايده ...!!!!"
سمية:"ربنا يسامحه ويغفرله بقي....."
شادي :"امين يارب......"
.....................
بعد الانتهاء من وجبة الغداء جلست بجوار الحاجة راوية تدللها كما كانت تفعل معاها وهي صغيرة ...لقد اشتاقت لحنان اسرتها منذ ان خرجت من بيتهم ووالحياة لم تتصالح معاها
منذ دخولها البيت بدأت تتذكر كل شئ وكيف كانت علاقتها بهم ...وكيف تسمرت امام شقتها السابقة مع خالتها صفا لتتذكر ايّام صباها الهادئة ...
يامن ليلفت انتباها:
"حبيبتي سرحتي في ايه؟!...."
تبتسم ابتسامتها الخلابه:
"اكيد فيك هههه......"
لتلاحظ تقي تنظر لها بابتسامة فتبادلها نفسها وتوميء رأسها لها بحركة غير ملحوظة لتطمئنها.......
وتري بيسان تحاول الجلوس علي قدم يوسف تقول:
عمو يوسف شيلني اشمعنا دايمًا غزل تشيلها وتلاعبها ؟!.....
يوسف بمداعبة :
"غزل دي روحي ....وانتي قلبي اللي عايش بيه يابيسو ...."
لينتبه كلا من غزل ويامن وشادي لحديثه وكيف نطق جملته بهيام كبير .....
ليكمل بمداعبة : "انتِ اللي يشوفك مايقولش عيلة عندها تلت سنين بلسانك ده ..."
تهز رأسها بالرفض تقول :"انا عندي 4...مش 3...ليقول بضحك :"ماشي ياستي أربعة أربعة ..."
فتتكلم الحاجة راوية بحبور:
"البنت دي خطفت قلبي زي ما خطفته غزل وهي في سنها...تعالي ياقلب تيتة في حضني .."
فتقول بيسان بطفولة :
"لا ..انا عايزة افضل مع عمو يوسف ..انا بحبه اوي .."
فتنظر غزل لابنتها بصرامة :
"بيسان !!!...اسمعي الكلام وتعالي جنبي .."
يامن مهدئًا إياها:
"غزل !!...سبيها براحتها .."
فيسود الصمت تحت نظراتها الخائفة علي ابنتها ...فتقرر ان آن الأوان للابتعاد بها .....
فتحول نظرها لمحمد القابع بجوار سوزان ممتلئة البطن ويظهر عليها انها بأواخر الحمل ويد محمد فوق بطنها يمسح عليها صعودا وهبوطا ويحدث أطفاله لتضحك سوزان علي فعلته ..لم تشعر بغلالة الدموع المنحبسة التي ظللت عينيها فقد المها اهتمام محمد بأولاده قبل وجودهمً..فتشعر بالنقص ..ها هي حملت ولم تأخذ ذرة اهتمام من زوجها وعوضا عن ذلك الاهتمام ضربت وغذبت وشكك في نسب جنينها ولم تحظي بالاهتمام المطلوب ..حتي شعورها كأم تشعر بحركة جنينها حرمت من الاستمتاع بيها ..لتفيق من حالتها لتجد طفلة لم تعرف عنها شي .......
يلاحظ يوسف نظرات عينيها المثبتة علي محمد وسوزان فيشعر بألمها ...يظن انها تدمع لفقدها طفلها... ليته مااقدم علي فعلته السابقة التي دمرته ودمرتها ....
...فيسمعها توجهه حديثها للجميع قائلة :
"احب أقول كلمة واستغل الظرف اللي جماعنا واشكركم كلكم علي كل حاجة عملتوها معايا زمان ودلوقت ..واقولكم اني سعيدة ان في وسطكم ..انتو اكيد مستغربين ان ليه بتكلم كده ؟!..وليه اخترت انهاردة بالذات عشان اعزم نفسي عندكم وأننا نتجمع كلنا عشان ..عايزة أودعكم لان قررت ارجع انا ويامن لتركيا ..."
فيرفع عينه لها بصدمة ثبتته ويبتلع ريقه بصعوبة خوفًا من ابتعادها مرةاخري وينقل نظرة لاخيه لعله يفهم مايخطط له فيلاحظ دهشته هو الاخر من هذا الخبر ...ليجد صوته يخرج بصعوبة :
"ماينفعش تمشي ...اقصد تمشوا...."
فترتفع وجهها له بتحدي :"ليه؟...ايه اللي يخليني افضل ؟!...انا لحد دلوقت ماقدرتش افتكر اَي حاجه ..حتي المساعدة اللي طلبتها منكم وهي ابسط حقوقي ان اعرف مين جوزي الأولاني بخلتوا بيها عليا ...فقعدنا مالوش لازمة ...لان حياتي اللي بحاول افتكرها شكلها غير مشرفة فيستحسن اطوي صفحتها وأبدأ من غير ذكريات......"
يوسف بمشاعر متألمة:
"عرفتي منين انها غير مشرفة ؟..مش يمكن فيها ذكريات حلوة ..هنعيش طول عمرنا عايشين عليها...."
غزل بهدوء:
"يمكن بالنسبة ليك حلوة ..وبالنسبة لي نقمة ........"
لتقف تاركة الجميع علي رؤوسهم الطير .....
.........
يدخل خلفها بعرجه الواضح يجدها مستنده علي علي سور الشرفة الصغيرة شاردة .يتمني ان يتعمق في افكارها ليعرف بما تفكر الان ...ليفاجئ بصوتها الناعم :
"هتفضل تراقبني لحد امتي؟....."
يقترب بخطوات عرِجَة ويقف بجوارها ناظرا للفراغ أمامه يقول:"دايما بتعرفي ان موجود ...."
تكتفي بالنظر له نظرة سخرية ...
فيكمل مشجعا حالة :
"تفتكري لو عرفتيه هتستريحي ..؟!...ماتفتكريش انه حاله احسن من حالك ..هو بيتعذب أضعاف اضعافك ..كفاية الندم اللي بياكل قلبه علي كل لحظة انت بعدتي فيها عنه ...كان زمانه مكون أسرة صغيرة جميلة ...."
غزل بلامبالاة:
"انت مش شايف انك بدافع عنه باستماتة ..ده انا قربت أتخيله ملاك ؟!...."
يوسف بتعقل:"ماتبقيش قاسية ياغزل ...."
غزل بتساؤل:"تعرف ايه انت عن القسوة ؟!...."
يوسف بألم :"اعرف انك عمرك ماكنتِ قاسية ....."
غزل بابتسامة جانبية:"انت قولتهابنفسك.....كنت!...التسامح دلوقت مش في قاموسي يا ...ياجينيرال ...."
لتتركه كتمثال للشمع لاتطاوعه قدمه علي التحرك من كلمتها الأخيرة ليحدث نفسه بغباء:
"هي قالت ايه؟!...قالت ..جي..ايه؟!....
جيني...رال ..قالت جينيرال يايوسف ..."
ويحك جبينه بيد مرتعشة ويلوم نفسه :
"لا ..لا اكيد انا سمعت غلط ..انت هتجنن ولا ايه ؟!...اكيد ذاكرتها مارجعتلهاش ..الاسم ده كانت بتقوله ...لا لا اكيد صدفة او سمعته من حد منهم ......."
.............
يجلس بجوارها وهي مستقليه بطفولة فوق فراشها علي بطنها ويديها تحت وسادتها وشعرها البني يغطي وجهها ليبتسم علي طريقة نومها ..لقد اعتاد منذ أشهر منذ وصولهم ان يراقبها خلسة اثناء نومها لفترة ثم يندس بجوارها ويحتضنها لينعم برائحتها المسكية التي ورثتها من امها المجنونة التي ستصيبة بنوبة قلبية او مرض عقلي عن قريب ..فيقترب ليستلقي بجوارها ويأخذها بين أحضانه لينعم بها قبل ان تختفي من حياته مرة اخري ....
بعد مرور عدة ساعات من نومه بجوارها دون ان يشعر احد بوجوده.تحرك بالممر ليتجه الي صومعته الذي صنعها خصيصا خلف الفيلا وأثناء سيرة بهدوء مستندًا علي عكازه سمع صوتهما مرتفعا في نقاش حاد فمن الواضح انهما يتشاجران ..لتتسمر قدميه وتقف عن السير وتتسع عينيه فتتسارع انفاسه مما سمع ........
في حجرتهما يقف يامن واضعًا يديه في خصره مواجها إياها قائلا بغيظ :
غزلللل!!!!....
فلا تجبه بتجاهل بتعمد منها ليقول بغضب:
"انا متأكد من كلامي ....انتِ ذاكرتك رجعتلك ..اصل مش معقول التغير المفاجئ ده ......"
فتنظر له بجانب عينيها وهي مستنده علي وسادتها تتلاعب بهاتفها وتعاود تصفحه...
فيضيق يامن به :
"بقى كده طييييب ماتلوميش الا نفسك بقى .."
في البداية لم تفهم مقصده ولكن بعد لحظات رأته يخلع قميصه ويلقيه ارضًا ويقترب منها بابتسامة خبيثة لتنتفض تقول:
"انت بتعمل ايه؟..انت اتجننت ؟...يامن الموضوع ده مافيهوش تهريج ؟.....ابعد عني احسنلك ..."
ليضحك قائلا :
"ليه ياغزالي ده انا حبيبك انتِ نسيتي وانا عايز أفكرك ..."
لتقفز من فوق الفراش تقف في زاوية الحجرة ممسكة بمزهرية تقول:
"مش عايزة افتكر ..بطل تهريج بقي ..."
فيقترب منها في خطوتين ليلف ذراعيه حول خصرها ويكتم ضحكته :
"أنت مش كنتِ بتحبيني ايه اللي جرى ..."
لتقول بغضب وخوف:
"ايوة بحبك بس مش بالطريقة دي ..انت نسيت اننا اطلقنا ...."
يامن بهمس :
"وماله انتِ لسه في العدة اردك لعصمتي ...."
غزل وهي تتلوى:
"يامن ماتبقاش متخلف ..انت عارف انت اجوزتني ليه ؟..وخلاص اللي انت خايف منه انا عرفته ...يبقي كل واحد يشوف طريقه بقى...."
ليقول بجدية :"اسمها افتكرتيه مش عرفتيه!...."
غزل بتعب من تكبيلها:"افتكرت ...افتكرت ..خلاص استريحت ......"
ليبتعد عنها يحررها يقول بضيق :
"ومخبية عليا ليه ؟...تفتكري لو انا عرفت هروح أقوله ؟!...."
غزل بحزن :"مش كدة...انا خايفة تربط نفسك بيا تاني ..وكمان انا وخداك حجة اسافر بيها ببيسان ...."
غزل بحزن يأكل قلبها:
"أنت مش شايفه متعلق ببيسان ازاي زي مايكون حاسس انها بنته ..ساعات أقول لنفسي هنفضل لحد امتي مخبيين عليه انها بنته ...بس ارجع وأقول ههه وهي كانت تفرق معاه من الاول هو كان عايز يقتلها ويقتل امها يبقي مالوش حق دلوقت فيها ...بيسان هتفضل بنتك انت يايامن انت اللي راعتها وأدتها الحنان اللي اتحرمت منه حتي معايا ....
وانا ناوية اعوضها عن الاربع سنين الللي فاتوا..."
يامن بلوم:
"اول مرة ماوافقش علي كلامك ...آن الأوان ان يوسف يعرف انه ليه بنت ياغزل ..كفاية لحد كدة ..يوسف اتغير ياغزل اديله فرصة وسامحيه...."
غزل بكره :
"انت اللي بتقول كده ؟!..انا مش مصدقة ...ولا خلاص انا بقتش اهمك انا وبيسان ...علي العموم انا وهي هنسافر وانت مش ملزم تراعينا بعد انهاردة ..بس بيسان هتفضل بنتك ..."
يمسك وجهه بغضب:
"اسمعيني ياغزل ...انامتأكد انه اتغير ..ملامحه المكسورة البهتانة ..وكمان في حاجة انتِ مش عارفاها ..يوسف حول الأملاك كلها باسمك من يوم ما اختفيتي الشركة والفيلا حتي الشالية اللي في الساحل كتبه باسمك ...يعني يوسف قاعد ضيف هنا في ملكك ....
