رواية مهرة الكابر الفصل العاشر10بقلم نون
الماضي لا يموت بل يدفن حياً وينتظر اللحظة المناسبة ليخرج من قبره وينهش الأحياء
الليلة سيفتح "الكابر" مقبرة الأسرار ليكتشف أن والده لم يترك له ذهباً ولا مالاً بل ترك له "قنبلة موقوتة" والفتيل قد اشتعل بالفعل
فى الليل الحالك انطلقت سيارة جاسر تشق صمت الجبل كوحش أسود هارب من الجحيم بجواره جلست دهب تمسك بطنها بيد وبالأخرى تقبض على "خريطة قديمة" مهترئة
وجدوها في قاع خزنة والد جاسر السرية كان الصمت سيد الموقف إلا من صوت المحرك وأنفاسهم المضطربة
وصلوا إلى منطقة صخرية وعرة تعرف بـ "وادي العقارب" مكان مهجور لا يدخله إلا المطاريد والذئاب
نزل جاسر وأضاء كشافاً قوياً وسحب دهب خلفه بحماية وقال بصوت خافت المكان هنا خطر يا دهب لو حسيتي بأي حركة ارجعي العربية واقفلي على نفسك
نظرت له دهب بعيون تلمع في الظلام وقالت رجلي على رجلك يا جاسر السر اللي يهدد ابني لازم أعرفه بنفسي
ساروا وسط الصخور متتبعين العلامات الموجودة في الخريطة حتى وصلوا أمام "شق صخري" ضيق يكاد لا يرى
أزاح جاسر الصخور المتراكمة ليميط اللثام عن بوابة حديدية صدئة محفر عليها اسم "الكابر" وتاريخ قديم جداً
نظر جاسر لدهب وقال بذهول أبويا عمره ما قالي إن عندنا "سرداب" هنا
أطلق رصاصة على القفل الصدئ فانفتح الباب بصوت صرير مفزع دلفوا إلى الداخل رائحة الرطوبة والعفن تزكم الأنوف
الظلام دامس لولا ضوء الكشاف مشوا في ممر طويل على جدرانه رسومات غريبة وأسماء محفورة بالدم
وفي نهاية الممر وجدوا غرفة صخرية صغيرة في منتصفها "صندوق حديدي ضخم"
جرى جاسر عليه وحاول فتحه وبصعوبة بالغة انفتح الغطاء الثقيل
توقعوا أن يجدوا ذهباً أو آثاراً لكن الصدمة كانت أقوى
الصندوق كان مليئاً بـ "ملفات صفراء" و"شرائط تسجيل قديمة" وفوقهم صورة تجمع والد جاسر بـ "عزت البارودي" وهما يبتسمان وأمامهم شحنة سلاح ضخمة
أمسك جاسر بملف وقرأ العنوان بصوت مرتجف صفقة الموت... 1990
قرأ جاسر السطور الأولى وشحب وجهه وقال بصوت مخنوق يا نهار أسود... أبويا وعزت مكانوش أعداء... كانوا "شركاء
عزت مقتلش عمي زي ما قالولي... أبويا هو اللي قتل أخوه عشان يسيطر على الصفقة
ولفق التهمة لعزت عشان يبعده
شهقت دهب بصدمة يعني أبوك هو الظالم؟
وعزت راجع ينتقم منك أنت في حق قديم؟
أكمل جاسر القراءة ويداه ترتعدان ومش بس كدة... الورق ده فيه "أرقام حسابات سرية" فيها ملايين بره مصر...
وفيه اعتراف بخط إيد أبويا بكل الجرايم اللي عملوها سوا
أدرك جاسر الكارثة "الكنز" الذي يبحث عنه عزت ليس المال... بل هذا الورق... الورق الذي لو ظهر سيدمر سمعة عائلة "الكابر" للأبد
قال جاسر بمرارة أبويا سابلي عار مش ورث يا دهب
فجأة... دوى صوت ضحكة شيطانية من خلفهم استدار جاسر ودهب بسرعة ومسدساتهم مشرعة ليجدوا "عزت البارودي" يقف عند مدخل السرداب وخلفه جيش من المسلحين
قال عزت ببرود وهو يشعل سيجارة أخيراً لقيتها يا ابن الغالي...
وفرت عليا تدوير سنين
صرخ جاسر أنت كنت مراقبنا؟
قال عزت بخبث أنا خيالك يا جاسر... ودلوقتي هات الورق ده وأنا أسيبك تخرج أنت والجميلة دي عايشين
نظر جاسر لدهب ثم نظر للورق...
الورق الذي يحمل عار والده ومستقبل عائلته
قال جاسر بتحدي الورق ده مش هيخرج من هنا... وتارك خده مني أنا راجل لراجل...
لكن مراتي تخرج بره اللعبة ضحك عزت وقال للأسف... أنا مابسبش شهود...
والورق ده هاخده من على جثثكم أشار لرجاله خلصوا عليهم
انطلقت الرصاصات كالمطر داخل السرداب الضيق قفز جاسر ودهب خلف الصندوق الحديدي يحتميان به
بدأ جاسر يطلق النار بدقة مميتة أسقطت ثلاثة من رجال عزت ودهب تطلق النار وتصرخ جاسر الذخيرة بتخلص نظر جاسر حوله لا مفر... هم محاصرون في قبر
لمحت دهب "براميل صغيرة" موجودة في زاوية الغرفة وعليها علامة "خطر"
همست لجاسر جاسر... البراميل دي شكلها بارود قديم نظر جاسر وفهم خطتها المجنونة
قال لها دي مجازفة يا دهب... لو ضربنا عليها السرداب كله هيقع علينا نظرت له بعيون دامعة وقالت
الموت أهون من إننا نسلم الورق للكلب ده... واحنا معانا رب كريم...
اضرب يا جاسر أمسك جاسر يد دهب ونطقا الشهادة وصوب مسدسه نحو البراميل وهو يصرخ
مش جاسر الكابر اللي يطاطي أطلق الرصاصة انفجر البرميل بصوت أصم الآذان...
اهتز الجبل كله تطايرت الصخور وانهار سقف السرداب عند المدخل ليفصل بينهم وبين عزت ورجاله
عزت تراجع للخلف وهو يسعل من الغبار ويصرخ لااااا... الورق في الداخل... ساد ظلام تام وصمت مطبق تحت الأنقاض...
صوت سعال مكتوم جاسر... جاسر أنت عايش؟ دهب... أنتي فين؟ أضاء جاسر الكشاف بصعوبة... النور ضعيف والهواء يقل وجدوا أنفسهم محبوسين في مساحة ضيقة جداً...
المدخل انسد تماماً بالصخور والانهيار أغلق المخرج
هم مدفونون أحياء احتضن جاسر دهب التي كانت ترتجف وقال متخافيش... هنطلع... لازم نطلع عشان ابننا لكن دهب شعرت بألم حاد أسفل بطنها...
ألم مختلف هذه المرة وضعت يدها ورأت سائلاً دافئاً يبلل ثوبها نظرت لجاسر برعب وقالت بصوت يقطع القلب جاسر... أنا بنزف... نظر جاسر للدماء وصرخ صرخة هزت القبر الصامت
يا رب... مش دهب... ولا ابنى
خد روحي أنا بس هي لا
الهواء ينفد... ودهب تنزف... وعزت في الخارج يحاول رفع الصخور ليأخذ الورق ويقتلهم
تحت أطنان الصخور والتراب، تحول السرداب إلى قبر حقيقي، الهواء بدأ ينفد، ورائحة التراب تختلط برائحة الدم الذي ينزف من "دهب" بغزارة مرعبة، جاسر يخلع قميصه بيدين ترتجفان
ويضغط به على مكان النزيف وهو يصرخ بصوت مكتوم يمزق القلب "دهب.. فتحي عينك.. متموتيش.. متسبنيش لوحدي
كانت دهب تئن بصوت خافت جداً، وجهها شاحب كالموتى، ويدها الباردة تتمسك بيده بوهن وكأنها تودعه
همست بصوت لا يكاد يسمع "جاسر.. ابني.. أنقذ ابني.. لو أنا مت شق بطني وطلعه.. أمانة يا جاسر
نزلت كلماتها عليه كالصواعق دموعه هطلت لأول مرة دموع قهر وعجز، صرخ فيها "اسكتى.. هتعيشوا.. أنتوا الاتنين
هتعيشوا"
نظر حوله بجنون، الصخور تسد المخرج، وصوت "عزت البارودي" ورجاله في الخارج يحاولون إزاحة الصخور ليس لإنقاذهم بل للوصول للصندوق
أدرك جاسر الحقيقة المرة لا مفر ودهب تموت بين يديه في كل ثانية تمر كبرياء الكابر
إرث أبيه، شرفه، كل هذا لا يساوي ظفر دهب
اتخذ القرار الأصعب في حياته اقترب من فجوة صغيرة بين الصخور يمر منها الصوت
وصرخ بكل قوته صرخة هزت الجبل "عزت.. يا عزت.. وقف الحفر"، وصله صوت عزت الشامت "إيه يا سبع الليل.. استويت؟ ولا النفس انقطع؟"
قال جاسر وصوته يقطر ذلاً وقهراً لم يعهده من قبل "طلعنا.. طلعنا وهديك الصندوق.. هديك الورق والاعترافات وكل اللي أنت عايزه..
بس طلع مراتي"
ساد صمت لثواني في الخارج، ثم ضحك عزت ضحكة شيطانية
"يااااه.. أخيراً جاسر الكابر ركع؟ بس أنا اضمن منين إنك متلعبش بيا؟"
صرخ جاسر والدموع تختلط بالعرق والتراب على وجهه
"مراتي بتنزف وبتموت.. قسماً بعزة جلال الله لو جرالها حاجة ما هبقي حد فيكم حي
الورق قصاد حياتها دي كلمة الكابر وكلمتي سيف"
أعطى عزت الأمر لرجاله وبدأت الآلات ترفع الصخور بسرعة جنونية
الدقائق كانت تمر كأنها سنوات، جاسر يحتضن دهب ويقبل رأسها ويده ملطخة بدمائها
يهمس لها بآيات القرآن، وأخيراً، تسلل ضوء الكشافات لداخل القبر، انزاح الحجر الكبير
مد جاسر يده وسحب الصندوق الحديدي ورماه عند قدمي عزت البارودي، ثم حمل دهب بين ذراعيه وخرج بها إلى الهواء
كان منظره يخلع القلوب، الأسد الجريح يحمل لبؤته المذبوحة، ملابسه ممزقة، وجهه مغطى بالغبار والدم، وعيناه لا ترى أحداً سوى الطريق
وقف عزت يفتح الصندوق ويتأكد من الأوراق، ثم نظر لجاسر الذي كان يركض نحو سيارته
وقال بسخرية "مبروك عليك حياتها يا كابر.. ومبروك عليا نهايتك"
رفع أحد رجال عزت السلاح ليغدر بجاسر من الخلف
لكن عزت أشار له بالتوقف وقال "لا.. سيبه.. جاسر الكابر النهاردة مات معنوياً..
كسرة عينه دي عندي بالدنيا، خليه يعيش مكسور"
انطلق جاسر بالسيارة كالمجنون، يطوي الأرض طياً، يصرخ في الهاتف "يا حمزة.. جهز المستشفى.. دكاترة النسا والجراحة يكونوا واقفين على الباب.. دهب بتروح مني"
وصل المستشفى في وقت قياسي، نزل من السيارة حاملاً إياها ودخل يصرخ "دكتور.. دكتور"
التف حوله الأطباء والممرضات، أخذوها منه بسرعة ودخلوا غرفة العمليات
وقف جاسر أمام الباب الموصد، ملطخاً بدم زوجته وابنه، انهار على ركبتيه أمام الجميع
لم يهتم بنظرات الناس، لم يهتم بملابسه، كان فقط يتمتم بكلمات متداخلة
"يارب.. خدني أنا وسيبهم.. يارب اختبارك صعب قوي"، مرت ساعة، ساعتان، الوقت يمر ببطء قاتل
وصل "حمزة" ورجال الكابر، وجدوا سيدهم يجلس على الأرض وعيناه حمراوان كالجمر، اقترب حمزة وقال
"جاسر بيه.. عزت أخد الورق ونشره.. الصحافة مقلوبة والبوليس بيدور عليك..
لازم نمشي من هنا"، نظر له جاسر نظرة خاوية وقال "طظ في الورق.. وطظ في عزت.. وطظ في الدنيا كلها..
أنا مش هتحرك من هنا غير لما أطمن عليها"، وفجأة، انفتح باب العمليات، وخرج الطبيب وعلى وجهه علامات الإرهاق والأسف،
جرى عليه جاسر وأمسكه من تلابيب ملابسه "انطق.. عايشة؟"
نظر الطبيب للأرض وقال بصوت متردد "المدام عايشة يا جاسر بيه..
النزيف وقف وقدرنا ننقذ حياتها بأعجوبة.. بس.."
تجمدت الدماء في عروق جاسر، كلمة "بس" هذه تحمل خلفها جحيماً،
هز الطبيب بعنف "بس إيه؟ انطق!"
قال الطبيب بسرعة "للأسف الجنين مات..
النزيف كان شديد والرحم انفجر، واضطرينا نستأصل الرحم عشان ننقذ الأم..
المدام مش هتخلف تاني يا جاسر بيه"
نزلت الكلمات كحكم بالإعدام صرخ جاسر صرخة مكتومة
تراجع للخلف واصطدم
بالحائط، ابنه مات؟ ودهب لن تكون أماً أبداً؟ الحلم ضاع؟ التضحية بالورق والشرف كانت بلا ثمن؟
سقط جاسر على الأرض فاقداً للنطق، وعقله يرفض استيعاب المصيبة، وفي الداخل، بدأت دهب تفيق من البنج، تهمس باسم واحد فقط "ابني..
فين ابني؟"، كيف سيواجهها؟ كيف سيخبرها أنه اشترى حياتها بموت حلمها؟
وكيف سيواجه العالم الذي بدأ ينهشه في الخارج بعد فضيحة الورق؟ الليلة، سقطت إمبراطورية الكابر
وبدأت رحلة العذاب الحقيقي. الصدمة كانت مزدوجة وقاتلة
خسروا "الورق" اللي بيحمي العيلة، وخسروا "الطفل" وقدرة دهب على الإنجاب
يعني "سلالة الكابر" انقطعت
تفتكروا دهب لما تعرف إنها فقدت الرحم وإن جاسر ضحى بكل حاجة هتستحمل الصدمة ولا هتنكسر؟
وجاسر هيعمل إيه مع "عزت" اللي دمره؟
هل هيتحول لوحش بما إنه خسر كل حاجة؟
