رواية مهرة الكابر الفصل الحادي عشر11بقلم نون
حاول جاسر احتضانها لتهدئتها لكنها دفعته بقوة وهي تصرخ بعد عني
#مهرة_الكابر
#الفصل_الحادي_عشر
جلس جاسر على أرضية الممر الباردة أمام غرفة العناية المركزة ملابسه الممزقة الملطخة بدماء زوجته وابنه تشهد على المجزرة التي خرج منها للتو
روحه خاوية وعقله توقف عن العمل
الكلمات التي قالها الطبيب ما زالت تتردد في أذنه كطلقات الرصاص "الرحم انفجر.. استأصلناه.. المدام مش هتكون أم أبداً"
كانت هذه الجملة أثقل من جبال الأرض كلها على كاهل الكابر
لم يبكى لم يصرخ بل تجمد في مكانه كتمثال من جليد
النار تأكله من الداخل كيف سيخبرها كيف سينظر في عينيها ويقول لها "أنا السبب.. أنا اخترت حياتك وموت حلمك"
وفجأة انفتح باب الغرفة وخرجت ممرضة تهرول
وقالت "المدام فاقت يا جاسر بيه وبتنادي عليك..
حالتها صعبة أوي" انتفض جاسر وجمع شتات نفسه المبعثرة
ودخل الغرفة بخطوات ثقيلة كأنه يسير إلى حبل المشنقة رائحة المطهرات تخنق أنفاسه وصوت الأجهزة يصفر في أذنه
رأى دهب ممدة على السرير وجهها شاحب كالموتى وعيونها ذابلة تبحث عنه بلهفة أول ما رأته حاولت الابتسام بوهن
ومدت يدها الموصولة بالمحاليل وقالت بصوت مبحوح يقطع القلب "جاسر.. أنت كويس؟ إحنا طلعنا صح؟
ابني فين يا جاسر.. أنا مش حاسة بحركته.. هو كويس صح؟
قولي إنه كويس" اقترب جاسر وجلس بجوارها أمسك يدها الباردة وقبلها بدموع صامتة حارقة
لم يستطع النطق نظرت دهب لدموعه وبدأ الرعب يتسلل لقلبها سحبت يدها وقالت بصوت أعلى قليلاً "جاسر ساكت ليه.. ابني فين.. حصله حاجة؟
انطق حرام عليك" رفع جاسر عينيه الحمراوين إليها
وقال بصوت خرج من قاع الجحيم "ابننا سبقنا على الجنة يا دهب..
كان لازم أختار.. يا أنتي يا هو.. وأنا اخترتك أنتي.. مقدرتش أعيش من غيرك"
شهقت دهب شهقة مزقت صدرها ووضعت يدها على بطنها الفارغة وبدأت تصرخ بهستيريا "لاااا..
ابني لا.. هاتولي ابني.. أنت كداب.. ابني عايش"
حاول جاسر احتضانها لتهدئتها لكنها دفعته بقوة وهي تصرخ "بعد عني.. أنت قتلت ابني..
أنت ضحيت بيه" أمسكها جاسر بقوة وقال والدموع تغرق وجهه "اسمعيني.. كان لازم أعمل كدة.. الرحم انفجر.. لو مكنتش وافقت يشيلوه كنتي موتي أنتي كمان"
سكتت دهب فجأة وتوقفت عن الصراخ ونظرت له بعيون جاحظة وهمست بصدمة "يشيلوه؟
يعني إيه؟ يعني أنا.. أنا معدتش ينفع أبقى أم؟
" هز جاسر رأسه بقلة حيلة وألم يعتصر قلبه "
دي إرادة ربنا يا دهب.. الحمد لله إنك عايشة"
في تلك اللحظة انكسر شيء بداخل دهب شيء لا يمكن إصلاحه
نظرت للسقف بجمود تام وكأن روحها غادرت جسدها وقالت بصوت ميت
"اطلع بره.. مش عايزة أشوف وشك.. أنت السبب.. أنت وعزت والورق والكنز الملعون ده..
كلكم قتلتوني.. اطلع بره"
تراجع جاسر للخلف وقلبه ينزف دماً خسر ابنه وخسر قدرة زوجته على الإنجاب
والآن يخسر حبها وقبل أن يخرج من الغرفة دوى صوت سارينة الشرطة في ساحة المستشفى واقتحم "عصام السيوفي" الغرفة ومعه قوة من الشرطة المسلحة
نظر جاسر لهم ببرود تام ولم يبدى أي مقاومة قال الضابط بشماتة
"جاسر الكابر.. مطلوب القبض عليك بتهمة الاتجار في السلاح والقتل العمد والتستر على جرائم والدك..
الورق اللي سلمه عزت بيه للنائب العام وداك في داهية"
نظرت دهب للشرطة ثم لجاسر بذهول لم تتحرك لم تدافع عنه هذه المرة
كانت صدمتها أكبر من أن تستوعب
اقترب العسكري ووضع "الكلبشات" في يد جاسر الكابر الذي لم يرفع عينه عن دهب قال لها وهو يساق للخارج بصوت هز أركان الغرفة
وحياة حرقة قلبك وحرقة قلبي.. لراجع..
وراجع شيطان هياكل الأخضر واليابس..
عزت البارودي كتب نهايته بيده.. استنيني يا دهب.. استنيني لأني هرجع أجيب حق ابني اللي مات وحقك اللي ضاع"
سحبوه للخارج ودهب تتابع المشهد بصمت مرعب دموعها جفت وقلبها تحجر وضعت يدها على بطنها الفارغة وهمست بوعيد
"مش هستناك يا جاسر.. أنا اللي هاخد تاري بيدي.. زمن الضعف انتهى.. ومن الليلة دي.. مُهرة الكابر ماتت.. واتولدت مكانها أفعى هتلدغ الكل"
داخل زنزانة انفرادية ضيقة ورطبة جلس جاسر الكابر جسده المنهك من آثار المعركة الأخيرة لم يشف بعد
لكن عقله كان يعمل كآلة حاسبة لا تتوقف الظلام الدامس يحيط به لكنه كان يرى بوضوح وجه "دهب"
وهي تصرخ باسم ابنهما
ووجه "عزت البارودي" الشامت ووجه الضابط المرتشي "عصام" الذي يتلذذ بإهانته في التحقيقات كل هذه الوجوه كانت وقوداً لنار انتقامه التي لا تخمد
فتح باب الزنزانة فجأة ودخل "مأمور السجن" ومعه اثنين من العساكر
نظر لجاسر بسخرية وقال "قوم يا كابر.. ليك زيارة مهمة.. مش هتصدق مين جاي يزورك"
لم يتحرك جاسر ولم يرفع رأسه قال ببرود استفز المأمور "مش عايز أقابل حد..
ضحك المأمور وقال "حتى لو قولتلك إن الزيارة دي مراتك؟
الست دهب هانم بنفسها واقفة بره ومصرة تشوفك"
انتفض جاسر كالملدوغ.. دهب؟ كيف أتت وهي مازالت في فترة النقاهة؟ هل سامحته؟ أم جاءت لتصب عليه غضبها؟
خرج جاسر للمكتب وهو يجر قدميه المقيدتين بالسلاسل
قلبه يقرع بعنف دخل الغرفة ليجد دهب تقف بظهرها ترتدي عباءة سوداء كالملكة الحزينة
استدارت له ببطء ورأى في عينيها نظرة لم يرها من قبل نظرة خاوية من الحب مليئة بالإصرار والبرود القاتل
اقترب منها بلهفة وهمس "دهب.. أنتي كويسة؟ جيتي إزاي وأنتي تعبانة؟"
تراجعت خطوة للخلف وقالت بصوت جليدي "أنا كويسة يا جاسر.. جيت عشان أقولك كلمتين وبس.. أنا مش جاية أعاتبك ولا جاية أعيط على اللي راح..
اللي راح مات وشبع موت.. ابني مات وأمومتي ماتت وأنت هنا محبوس ومستقبلك ضاع..
بس أنا لسة عايشة.. وعايشة عشان غاية واحدة بس"
سألها جاسر بقلق "غاية إيه يا دهب؟ ناوية على إيه؟"
قالت وهي تضغط على حقيبتها الجلدية بقوة "ناوية آخد حقي وحقك وحق ابني..
عزت البارودي دمر حياتنا عشان ورق.. وأنا هرجعهوله جحيم..
أنا رفعت قضية خلع يا جاسر"
تجمد جاسر مكانه كأن صاعقة ضربته
"خلع؟ أنتي بتقولي إيه يا دهب؟
عايزة تتخلي عني وأنا في الشدة؟"
ضحكت بمرارة وقالت "ده جزء من الخطة يا كابر .. لازم الكل يصدق إني كرهتك وسبتك..
عشان أقدر أدخل قصر عزت البارودي من الباب الكبير..
عزت عرض عليا الجواز يا جاسر.. عرض عليا الحماية والفلوس مقابل إني أكون مراته وأنساك"
جن جنون جاسر وصرخ وهو يحاول الهجوم عليها لولا السلاسل
"إياكي.. إياكي تفكري في كدة.. أقتلك وأقتله.. أنتي مراتي.. دهب لاااا"
نظرت له بشفقة وقوة "أنا وافقت يا جاسر.. وافقت عشان أدخل بيته وأعرف أسراره وأدمره من جوه..
أنا هكون (أفعى) في فرشته لحد ما ألدغه اللدغة القاضية.. وأنت دورك هنا إنك تستحمل وتعيش..
عشان لما تخرج تكمل اللي أنا بدأت في.. دي تضحيتي الأخيرة ليك ولابننا"
وخرجت دهب من الغرفة تاركة جاسر يصرخ ويزلزل السجن بصوته ويضرب رأسه في الحائط حتى سال دمه
"يا دهب لاااا.. متعمليش كدة..
يا عزت الكلب.. والله لأشرب من دمك"
عاد جاسر لزنزانته وهو وحش جريح يخطط لشيء واحد
الهروب.. الهروب بأي ثمن لمنع هذه الكارثة
في الخارج كانت دهب تركب سيارة فخمة وبجوارها يجلس "عزت البارودي"
يبتسم بانتصار خبيث ويمسك يدها الباردة ويقول
"نورتي دنيتي يا دهب.. أخيراً العقل كسب..
جاسر انتهى والماضي مات.. وأنا هعيشك ملكة"
سحبت يدها ببطء وقالت بابتسامة ماكرة تخفي سماً زئافاً "أنا عارفة مصلحتي يا عزت بيه..
والحي أبقى من الميت.. وجاسر بالنسبة لي مات من يوم ما موت ابني"
ضحك عزت بصوت عالي وهو لا يعلم أنه أدخل لبيته نهايته بيده
وفي الليل داخل قصر البارودي دخلت دهب غرفتها الجديدة الفخمة أغلقت الباب وأخرجت من حقيبتها "زجاجة صغيرة" بها سائل شفاف ونظرت لنفسها في المرآة وقالت بهمس مرعب
نهايتك هتكون على يدى بالبطيء .. السم ده مش هيموتك.. ده هيخليك تتمنى الموت ومش هطوله..
حق جاسر وحق ابني هيرجع.. والبداية من هنا"
دهب باعت نفسها للشيطان عشان تنتقم.. وافقت تتجوز عدو جوزها وتدخل عرينه برجليها..
وجاسر في السجن هيموت من القهر والخوف عليها..
هل دهب هتنجح في خطتها وتسم عزت ولا هتنكشف؟
وهل جاسر هيقدر يهرب من السجن قبل ما الكارثة تحصل وتكون دهب فعلاً مرات عزت؟
