رواية اشباح المخابرات الفصل العاشر10بقلم ايه محمد رفعت
رفض "عدي" الاستماع إليه، بل أصر على إغلاق باب الطائرة حتى لا يرتكب جريمة ستكون خسائرها صديقًا إجراميا مثل ذاك المُلقب بالاسطورة، لم يحبط ذلك "رحيم" فمال للنافذة يصيح به بابتسامته الخبيثة:
_هتغاضى عن تصرفاتك دي كلها، وبأكد عليك ضرورة تواجدك بكره معانا بالاجتماع، المعلومات اللي عندك مهمة وهنحتاجلها يا وحش.
وأضاف وهو يتابع تجاهل "عدي" التام له، كأنه غبار غير مرئي:
_كل معلومة جمعناها عن العيلة دي حتى لو تفاهة هتساعد الفريق يا عدي، فإركن مشاعرك دي على جنب زي ما عمل مراد واتصل بعقلانية، هكون بانتظارك.
قالها وابتعد خطوتين للخلف، فتلقى الطيار اشارة عسكرية معتادة بالاقلاع، فحلق بطريق العودة، ومازال عقل "عدي" محله من فرط تزاحم أفكاره وغضبه الذي يتلبسه بين الحين والآخر كلما تذكر لقطات الألم الذي وجد عليه ابنه.
هبط من الطائرة وصعد للسيارة التي كانت بانتظاره، دقائق بسيطة اجتازت بها السيارة أطراف المزرعة وفتح السائق باب السيارة له، جذب "عدي" سترته وهبط وهو يلقيها على ذراعه بإهمالٍ، ومضى غير عابئٍ بعدم ترتيب ملابسه، قميصه الابيض منكمش على بنطاله، وشعره غير مرتب على غير عادته.
اجتاز الحديقة وصعد الدرج للأعلى، وما أن كاد بالدخول من الباب الداخلي حتى أوقفه صوت أبيه الذي يهاتفه بمكرٍ وهو يتطلع للحديقة عاقدًا ذراعه من خلفه:
_مكنش معاك وقت ترتب هدومك قبل ما ترجع بالشكل ده، ولا غضبك خلاك مش مهتم إنت راجع بأي هيئة يا سيادة العميد؟
احتقنت عسليته بازدراء، ومضى يقف خلف أبيه، كان بنفس طوله تقريبًا، القمر يعلو رأسيهما ومن اسفله عسلية أعينهما المنعكسة كضياء الشمس المنعكسة بمُقلتيهما، زفر "عدي" وصوت أنفاسه الغاضبة تصل لمن يوليه ظهره، ثم قال:
_وشكلي هيفرق مع حضرتك في إيه؟
بنفس ثباته ورزانته رد:
_طبعًا يفرق معايا شكلك، إنت ناسي إنك ابني ولا إيه؟
تنهد "عدي" وهو يحاول كبت غضبه الشديد، وبهدوء عاتبه:
_الواضح ليا إني شكلي مبيفرقش مع حضرتك، والا مكنتش آخر من يعلم بمكان ابني وباللي بيعمله!
وأضاف بغضب تمرد رغمًا عنه:
_واللي يضايقني إن حضرتك عارف رأيي بخصوص تدريب رحيم زيدان لابني، وبالرغم من كده ساعدته في ده.
ابتسم والغموض يتلألأ بعسليته، وسأله بأستغرابٍ مصطنع:
_ليه ماله رحيم زيدان؟ على حد علمي إنه من أقرب أصدقائك هو ومراد، وإنه من أكفإ وأشطر قادة الجهاز، فأعتقد ده شيء بيصب في مصلحة ابنك اللي المفروض تفكر فيها ولا أنا غلطان؟!
احتبس غضبه، وأجابه بهدوءٍ مصطنع:
_صاحبي وحبيبي بس مينفعش يدرب ابني، لإنه في الشغل بيبقى حد تاني، وأكيد أنا مقبلش إن ابني يتأذي بسبب جنانه وتهوره!
استدار له "ياسين" يواجهه بنظرة غامضة، لم يستطع عدي فك ما خلفها، وخاصة حينما قال:
_من ٢٧سنة كنت واقف قصادي بكل قوتك، وبتتهمني بالانانية، واتهامات تانية أنا بمحيها من سجل ذكرياتي بس مبترحش، والنهاردة راجع لنفس الماضي اللي مكنش في يوم عاجبك!
تهرب من التطلع صوبه، وبارتباك قال:
_أنا معرضتهوش لما قال أنه عايز يدخل شرطة، بس كنت حابب إنه يكون في الداخلية، هو اللي أصر يدخل الجهاز، كأنه متعمد يسيب المكان اللي أنا فيه عن قصد إنه يبعد عن مجالي.
رد عليه "ياسين" ومازال يعقد ذراعيه من خلفه:
_هو اختار المكان اللي حابب يكون فيه، والمكان اللي اختاره رحيم ومراد من أفضل الناس فيه، لذا هتكون عاقل زي ما أنت وهتسيبه معاهم.
رفع عسليته إليه وقال بضيق:
_يا بابا رحيم مجنون مراد أعقل منه.
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهه، وقال:
_مكنش وصل للي وصله ده، ولعلمك أنا معجب بشخصيته جدًا، قادر يكون في حياته الشخصية حاجة وفي شغله حاجة تانية خالص، ومش بيفرقله مين معاه في الشغل حتى لو ابنه نفسه، وهو ده اللي حابب ياسين يتعلمه منه.
تنهد باحباطٍ وقال:
_اللي حضرتك تشوفه.
فك عقدة يديه ورد بمكرٍ:
_قدامي بتقولي اللي تشوفه ومن ورايا بتهجم على مكتب رتبة تقيلة في الجهاز وبتثبته بسلاح!! من إمته وإنت همجي بالشكل ده يا سيادة العميد؟
جحظت عينيه في صدمة، فلعق شفتيه وهو يتساءل بارتباكٍ:
_هو رحيم لحق يبلغك!!
شمله الدنجوان بنظرة قللت من نظرته الكلية تجاه "ياسين الجارحي" فتنهد بتعبٍ وإنهاك شديد، ثم قال بحرجٍ:
_أنا كنت هعيد نفس اللي حضرتك عملته معايا.
رفع إحدى حاجبيه بدهشةٍ وعدم استيعاب، فاستطرد "عدي" وهو يحرك كتفيه بارتباكٍ:
_كنت هستغل محبته ليا و أمنعه من أكتر حاجة بيحبها بس للاسف مقدرتش.
حافظ على صمته بتمكنٍ، حتى استحضر جملته المختصرة:
_أكيد فكرت في قرارك ده كتير فـ ليه اتراجعت؟!
قضم شفتيه بعنفوانٍ، ومن ثم سحب الهواء من انفه بصوتٍ منفعل:
_يمكن عشان واثق إنه مش هيلاقي نفسه غير في المكان اللي إختار يكون فيه بارادته.
هز "ياسين" رأسه ببطءٍ ونظراته الغامضة لم تنزَح عنه بعد، بل واصل بقوله الرزين:
_قدرت الموقف اللي كنت فيه تجاهك وقتها؟
تعمق بعينيه طويلًا، وقال بصدقٍ ملموس:
_بابا أنا عمري ما كنت غير مُقدر لحضرتك، انا عارف إن اي قرار كنت بتأخده كان لصالحي، يمكن تصرفاتي كانت طايشة حبتين ويمكن لإني مكنتش حابب حضرتك تأخد قرار بدون ما يكون ليا دور او رأي فيه، او لإني شخصية مبتحبش تتحط قدام أمر مفروض عليها وميكنش في حق الاختيار بس بالنهاية مهما كنت مختلف مع حضرتك عمري ما أخرج عن طوعك أبدًا.
اتسعت ابتسامة "ياسين" وبوقارٍ قال:
_وانت خيرت ابنك يا عدي؟
تعجب من سؤاله ولكنه اجابه:
_آيوه عملت كده، ولما مخذلنيش في اختياره مخذلتوش!
رنا إليه ببطء وقال بعمق رزين:
_استفدت من غلطتي معاك وكسبت ابنك.
ارتبك من سماع ما قاله أبوه، وود لو صحح سوء الفهم الحادث بينهما ولكنه أسرع بالقول:
_متبررش أنا مفهمتكش غلط، أنا مش ملاك يا عدي، وارد إني أكون غلطان في حاجات كتيرة، وفي اللحظة دي فهمت غلطتي معاك وقتها، وفخور إنك بتصلح أخطائي مع ابنك، بالنهاية علاقتك بحفيدي تهمني يا سيادة العميد.
طالت نظراته إليه،وقطع صمته قائلًا:
_بس يهمني كمان علاقتي بيك يا بابا .
ضمه "ياسين" بمحبةٍ كبيرةٍ، وفاه بعاطفة حملت المزح بين طياتها:
_طول ما أنا قادر أروضك تبقى في مكانة محفوظة، ولو حضرت اجتماع الفريق بكره هتكبر في نظري ومعزتك هتزيد.
ضحك بقلة حيلة، وتعلق به هادرًا باستسلامٍ:
_هقنع نفسي إنك بتكافح عشان حفيدك مش عشان تنصر صديقي اللي بقى عدوي اللدود، عمومًا هحضر حاضر!
******
منصة ضخمة تتوسط مساحة شاسعة من الطابق الأرضي، يتوسطها حائط متحرك من الفولاذ، تقسم الحلبة المخيفة لقسمين منعزلين، وفي الطرف الأول كان يقاتل "زين" أحد المقاتلين الاقوياء، والطرف الآخر يقاتل "ياسين" أحد المدربين، وكلاهما قد تم اختيارهما بعناية من قبل "الجوكر" .
لم تكن المبارزة سهلة مع براعة المقاتلين، بذل "زين" و"ياسين" مجهودًا شاقاً حتى تمكن كلاهما من التغلب عليهما، وما أن مال كلاهما للاستراحة حتى تفاجأا كلاهما بشخصين آخرين ينضمان للحلبة، وكأن اليوم قد وُضع لكليهما اختبارات قصوى لاجتياز آخر المراحل المقرر لهما التدرب عليها!
بينما بإحدى الغرف الجانبية، كانت معركتها الأكثر صعوبة، فمقاتلها لم يكن شخصًا محترفا فحسب، كانت "مرين" تقاتل "الجوكر" بكل قوتها، وكل مرة تحاول فيها الهجوم كانت تتحول للدفاع عن ذاتها رغمًا عنها، يأست امام خبرته القتالية، ونزعت عنها القفازات السوداء ثم جلست بمنتصف الحلبة الصغيرة تهتف بغضب طفولي اضحك "مراد":
_أوف بقى هفضل ادافع عن نفسي طول الوقت، مش عارفة أهاجمك!
تعالت ضحكاته بشدةٍ، فرنا إليها وهو ينتزع قفازاته العريضة، قائلًا بمشاكسة راقت لها:
_مش انتِ اللي طلبتي مني أرفع الليڤل؟
منحته نظرة تعاتبه بطفوليةٍ لم تخسرها بعد في حضرته:
_نرفع شوية مش نخليها شبه مستحيل، بابي انت بتحاول توريني الفرق بينا صح؟
عاد للضحك من جديد وهو يدافع عن نفسه:
_جالك قلب تظلميني الظلم ده! أنا نفذتلك طلبك أفضل ما تلجئي لرحيم و وقتها وشك الرقيق ده هيتملى كدمات يا ميري!
هزت رأسها باعتراضٍ صريح:
لا أنكل رحيم عمره ما يعمل معايا كده، بابي إنت ليه بتشوفه بالصورة الوحشة دي!
زوى حاجبيه بصدمة من جملتها، وجلس أرضًا جوارها:
_عشان هو بالفعل كده، المهم ده مش حوارنا، انا جبتك هنا بعيد عن الشباب عشان أقولك كلمتين.
زحفت تجاهه وبابتسامةٍ جذابة قالت:
_قول يا حبيبي.
ابتسم وجاذبيته جعلته كالشاب قبالتها، تنهد بصوتٍ مسموع وقال بغموضٍ:
_هبدأ بسؤال.
هزت رأسها وهي تلملم خصلات شعرها القصير معًا، فقال وهو يدرس تعابير وجهها جيدًا:
_ليه بتتعاملي بطبعك الرقيق واحنا لوحدينا، ولما بتتواجدي في اي مكان بتتحولي لواحدة تانية غريبة، مع إني عندي شك ان التحول المفاجئ ده وراه رحيم زيدان بس مُصر أسمع منك.
واستطرد قبل أن تجيبه:
_انا عارف إنك عنيدة بس ده مش مبرر لطريقتك ولا لاسلوبك ده وبالأخص مع ياسين!
إحتقنت مُقلتيها غضبًا، ورددت بصوتٍ متعصب:
_ياسين! بابي انت بتقولي الكلام ده عشان ياسين باشا!!
واضافت بنظرة شك:
_هو جدد طلبه ليا عشان كده بتحاول تخليني اتعامل معاه كويس مش كده؟
تنحنح كالمراهق الذي يتهرب من جُرم فعله أمام والدته أو ابيه:
_لا مش بالظبط.
وردد وهو يحك لحيته النامية:
_أنا بس عايزك تهدي الحرب شوية، خصوصًا إننا اخترناكم لمهمة صعبة وحساسة جدًا فلازم يكون في توافق بينك وبين ابن عمك وياسين كمان.
واوضح حديثه الغامض:
_العناد مينفعش يكون في وجود بينكم في مهمة زي دي يا مرين والا هضطر استبعدك من المهمة دي للاسف!
نهضت عن الأرض تربع يديها أمام صدرها الذي يرتفع بشراسةٍ من فرط الغضب:
_تستبعدني أنا!! وليه متستبعدوش هو، بابي إنت بتقف في صفه وبتبرر ده بعنادي! هو اللي مستفز وبيحاول يفرض عليا تحكمات مع إننا نفس الرتب!
نصب عوده قبالتها، وحاول استمالتها بهدوءٍ:
_مش شرط يكون أعلى منك عشان يتحكم في أساسيات المهمة، كل فرد من الفريق بيسعى لنجاح المهمة بكل قوته، فلو وجهة نظره الأصح من حقه إنها تنفرض على الفريق كله.
ردت بتحدٍ وغيظ:
_وأنا كمان ليا وجهة نظر وإجباري انه يحترمها لإني جزء من الفريق ده.
حافظ على ثباته المعهود وقال:
_الامور ما بتتاخدش كده يا مرين، إحنا مش في ساحة حرب ما بين حقوق الراجل والست!
فكت ذراعيها قبالته، ورددت دون إرادة منها:
_هو اللي أخدها كده، بيتباهى إنه أقوى وأذكى مني، عايز يثبتلي ان مكاني بالبيت مش هنا، ياسين مش راضي عن شغلي وبيضغط عليا بس أنا مش هلين ليه أبدًا.
سقط لسانها بما تنفيه، فاذا به يواجهها بمكر:
_كلامك كله متعلق بياسين مع إني بتكلم عن الفريق بشكل عام! واضح إنك فعلًا مش حطاه في دماغك خالص!
ابتلعت ريقها بارتباكٍ، ورددت بتخبطٍ وهي تقفز خارج الحلبة بمهارة:
_آآ.. أنا هطلع انام وحضرتك لو استبعدتني بره المهمة دي هلجئ لأنكل رحيم!
قالتها وفرت من أمامه حتى لا يفتضح أمرها أكثر من ذلك، بينما يتأمل "الجوكر" رحيلها بابتسامة ساخطة، فزفر وهو ينتهد هاتفًا بشفقةٍ:
_تستحق كل الدعم ضد العنيدة دي يا ياسين!
*****
رفع ساقه للاعلى وتهاوى بها على رقبة غريمه، يضغط بكل قوته حتى رطم يده على سطح الحلبة يعلن استسلامه، فنهض عنه "ياسين"، وإتجه لاحدى الزوايا يلتقط أنفاسه المنفعلة، ويسحب زجاجة المياه والمنشفة الورقية يزيح عرقه، فاذا ب" زين" يشرئب من جواره، ويردد من بين أنفاسه المتسارعة:
_ده التالت وواضح كده أن الجولة مطولة لحد ما نتغلب، رحيم توابيت بيربينا على اللي حصل.
شمله "ياسين" بنظرة باردة وعاد يرتشف المياه من جديد، فصاح فيه بحدة:
_لوح تلج واقف جنبي! يا ريتني كنت خلعت مع أبوك وسبتك هنا لحد ما يخلصوا عليك!
وألقى زجاجة المياه خاصته إليه صارخًا فيه:
_إنت يا بني آدم مش بكلمك.
إلتقط "ياسين" الزجاجة وألقاها أرضًا خارج الحلبة، هادرًا بسخرية:
_هو إنت لو ناوي على هروب هتغلب يعني، دي لعبتك أصلًا!
ابتسم "زين" بغرورٍ ومال يستند بذراعيه على حبال الحلبة الغليظة حتى كان بمواجهة "ياسين"، قائلًا بتعالٍ:
_مش جايلي قلب أهرب وأسيبك تتلدغ من إبليس توابيت لوحدك يا شريك.
فشل باخفاء ابتسامته ومازحه بخشونة:
_طول عمرك كريم.
أشار باصبعه:
_لا أنا أبو الكرم يا جارحي.
وتنهد وهو يحرك رقبته بتعبٍ:
_يا رب تكون الجثث نالت استحسان رحيم توابيت ويفرج عننا نطلع نريح لحسن خلاص عضمي بينهار وعضلاتي قربت تنفجر.
زم شفتيه بمكر:
_مش حاسس ان ستارة النهاية هتنسدل بالسرعة دي، حاسس إن الملعب بيسخن لسه!
قطع حديثهما صوت صرير الباب الجانبي للصالة الضخمة، وإذا ب" مرين" تخرج كالسهم النافذ، وملامح وجهها الغاضبة تشرح حالتها التي لم تعد غامضة أبدًا، وقفت قبالتهما تشيع "ياسين" بنظراتٍ قاتلة، وكأنها تود أن تسحب سلاحها من غمده وتقتله في الحال.
اندهش "ياسين" من نظراتها القتالية، وحاول أن يستنبط أي شيء مما يحدث، ولكنها استكملت طريقها واغلقت الباب من خلفها بعصبية كادت باسقاطه.
اعاد "زين" رأسه للخلف وقال ضاحكًا:
_هتنفذ نصايح الجوكر عكسي وهتزيد من رزالتها، بس النظرة دي توضح اللعب التقيل هيكون من نصيب مين؟ شدة وتزول يا جارحي!
ارتشف المُتبقي من المياه جرعة واحدة، ثم ألقى الزجاجة أرضًا بعنفوان ومازال يتطلع للباب الذي صفعته بغضبٍ.
خرج "الجوكر" من الغرفة، يستعلم من القائد المسؤول عما حدث، أشار له بالانصراف، وصعد الدرج المتوسط للحلبة المُنقسمة ثم قال:
_براڤو، مستواكم في تقدم مبهر.
واستطرد بحنانه المعتاد:
_تقدروا تطلعوا ترتاحوا، عايزكم بكره فايقين عشان في اجتماع مهم جدًا مع أهم القادة اللي كانوا مسؤولين عن ملفات قواضي خطيرة، واللي كلها بتصب في ملف واحد.
وأضاف بعملية بحتة:
_دوركم إيه من الملف ده والمطلوب منكم بالظبط كل التفاصيل دي هتعرفوها بكره.
قالها وانسحب على الفور بعدما منحهما أذن الانصراف لغرفتهما، جمع كلاهما أغراضهما وما كادا بالرحيل حتى ترنح لهما صوتًا حازمًا يهتف:
_أعتقد إن وجودكم هنا كان بأمر مني، فهل صدر عني أمر بخروجكم؟!
اتجهت الأعين لذلك الذي ولج للتو من الباب الخارجي، يطالعهما بنظرة خبيثة مخيفة للغاية، ومن ثم يقترب ببطء للمقعد السفلي، جلس وهو يضع ساقًا فوق الأخرى و أشار:
_ارجعوا أماكنكم لسه في تدريب أخير!
**********
بالأعلى.
اتسعت ابتسامة "مراد" حينما وجدها قد أغلقت الباب من الداخل، وكأنها تعلم بأنها سيصعد خلفها، فاذا به يحرره بسهولةٍ جعلتها تطالعه بغيظٍ، فتأففت وهي تردد:
_بابي هو أنا مش هعرف أغضب وأزعل لوحدي شوية!
جاورها على الفراش واعترض على حديثها بهدوء مضحك:
_لا مينفعش يا حبيبة قلب بابي، لإني سبق ووعدتك إننا طول ما بره البيت هلعب دور الأب والأم، فاذا كنت تحت الأب الحازم فأنا هنا الأم الحنونة اللي هتطبطب عليكِ ومش هتعاتبك في شيء.
ابتسمت رغمًا عنها، وزحفت على الفراش حتى وصلت إليه، ثم هتفت على استحياء:
_أنا آسفة مقصدتش أعلى صوتي عليك، سيرته أصلًا هي اللي بتعصبني!
ضحك رغمًا عنه وقال بمراوغة:
_طيب وهو ذنبه إيه؟
رددت بانتقام وحقد:
_ده هو السبب في كل ده، بص يا بابي إنت تبعده عن المهمة دي طالما حساسة ومهمة عند القادة وطلعني أنا وقدس وزين فيها وإحنا هنرفع رأسك والله.
واجهها بنظرة ثابتة مثل قوله المُعلن:
_ياسين وزين مع بعض أساس نجاح أي مهمة يا مرين، عمرهم ما اتفرقوا ولا هيتفرقوا عشان تحقيق رغبات انتقامك من ياسين.
زفرت بحنقٍ، فاذا به يعود لدهائه القاتل:
_وبعدين أنا كنت سعيد إنك ابتديتي تقدري روح الفريق بينكم لما زين قالي انك عرضتي حياتك للخطر عشان تنقذي ياسين مع انه طلب منك الانسحاب بنفسه!
تراقصت على وجهها ألوان الطيف، فاذا بها تلعق شفتيها بتوترٍ:
_لا آآ... أنا آآ... كان لازم اعمل كده لإنه آآ.. آه اتفضل عليا وعامل انه عملها ليا جميلة لما قالي أنسحب فرجعت وكملت المهمة معاه عشان آآ.. أثبتله اني أقدر أعملها لوحدي وبدون مساعدته.. وبعدين لما تعوز تسأل إسال قدس مش زين يا بابي.
حافظ على ثباته الماكر وقال:
_حاضر المرة الجاية هبقى أسأل قدس مش زين.
هزت رأسها ومازال وجهها يمتقع، فاذا بها تعود لمحلها وهي تتمدد لتخفي وجهها من شدة الحرج:
_هنام بقى، تصبح على خير.
اتسعت ضحكته الغير مسموعة، وقال بصوتٍ جاهد لثباته:
_وإنتِ بخير يا ميري!
********
وقف كلاهما بالحلبة المنفصلة عن بعضها بانتظار ما سيلقيه "الاسطورة" الذي يتابعهما بغموضٍ، فاذا ب"ياسين" يخرج عن صمته مُتسائلًا:
_فين الظباط اللي هنتقاتل معاهم يا باشا؟
قرأ "زين" ما يحوم بين زيتونية مُقلتي ابيه، فتأهب بغضبٍ صريح، يتابعه "رحيم" باهتمامٍ، وقد أتت اجابة "ياسين" حينما حرر زر الريموت الذي يحمله، فانبسط الحاجز الفاصل بين الحلبة كليًا، ليصبح "ياسين" في مواجهة "زين"!
عبس" ياسين" بصدمة جعلته يحاول أن يستوعب الأمر، بينما سبق قوله "زين" الذي ردد بقوة:
_المعنى؟
أجابه "رحيم" ومازال يحافظ على هيبة جلسته:
_مستواكم دلوقتي زي بعض، فأعتقد مفيش حد مُؤهل للجولة الأخيرة هنا غيركم.
قبض "ياسين" على قبضة يده بحدة وغضب، ومع ذلك مسك كلماته وألجمها عن التطرق عنه احترامًا تلقاه داخل قصر "الجارحي"، وبكل احترام قال:
_بتمنى حضرتك تعفيني من الجولة دي، لإني مش هقدر.
لم يسحب عينيه عن ابنه الصامت، وقال:
_مش هتقدر!! ده اعتراف بضعفك قدام شريكك ولا لإنك عارف نهاية الجولة دي يا ياسين!
كاد أن يجيبه بنفس نبرته الهادئة ولكن قاطعه " زين" الذي هدر بعنف مفاجئ:
_بتحاول تضغط عليه نفسيًا عشان إيه؟؟ لو قدرت ترغمه على ده أنا مش قابل بيه ومش هتقدر تجبرني أقف قدام أخويا وش لوش.
واستكمل بعصبية بالغة:
_انت بتقدر تعملها أنا لا، لإني عمري ما هكون زيك أنا و ياسين عمرنا ما هنكون في وش بعض، مش عارف حقيقي الغرض إيه من طلبك ده بس أنا رافضه ومش قابل بيه.
حاول "ياسين" أن يهدئه ولكنه لم يستطع، انتزع "زين" قفازاته وهدر بثقة:
_وجاهز للعقاب لعدم تنفيذ اوامر جنابك.
مازال يطالعه بنفس النظرة الثابتة، بينما يتحرك "ياسين" و ينتزع قفازاته هادرًا بلطف يجاهد له:
_وأنا كمان جاهز لنفس العقاب يا باشا.
تحرر عن صمته أخيرًا ولكن لم تنحذ زيتونته عن ابنه:
_مفيش عقوبة ليك يا ياسين تقدر تطلع ترتاح عشان اجتماع بكره.
خشي أن يصيب رفيقه سوءًا وخاصة عدم انحدار بصر "رحيم" عنه، فتساءل بخوف:
_طيب وزين؟
رد عليه ومازال يتطلع صوب ابنه:
_هيحصلك بعد شوية.
هز رأسه في طاعةٍ وقبل أن يرحل شد كف "زين" وهمس له بحركات شفتيه المقروءة لذلك المحترف:
_هدي شوية، مينفعش تتعامل بالشكل ده، هستناك فوق.
قالها وغادر على الفور بينما مازال "زين" يقابل أباه بنظرةٍ غاضبة، فاذا ب"رحيم" ينهض عن مقعده ويصعد بجمود إليه، حتى وقف قبالته، فاذا به يردد بكلماتٍ ينطقها بعناية:
_كنت واثق انك هتكسب الجولة دي، مع ان الاختبار مكنش عشانك، بس في المجمل نجحتوا انتوا الاتنين.
عبث بعدم فهم لحديثه، فاذا به يقف قبالته ويمنحه الاجابة بدون عناء مبذول:
_تقدر تخمن عدد المهمات اللي أنا طلعتها؟
لانت تعابيره المشدودة وهز رأسه نافيًا، فاتشح بشبح بسمة صغيرة وقال:
_ولا أنا.
زوى حاجبيه باسترابةٍ من حديثه الذي ولابد أنه لم يلقه في سبيل الدعابة التي لم تزره يومًا، يعلم أن هناك مغزى لحديثه، وقد صدق حدسه حينما قال:
_بس اللي انا واثق منه إن أغلب مهماتي كانت كلها مع مراد، أكيد سمعت في الجهاز عني وعن اعتمادي الكلي على نفسي في أي مهمة بطلعها حتى لو معايا فريق متكامل دايمًا بعتمد على نفسي، وبعمل كل حاجة بنفسي.
واشار بقوة وصلابة:
_ضهري مكنتش بسيبه مكشوف لحد ولا بتكل إن حد من الفريق يحميه إلا شخص واحد بس اللي كنت بثق فيه وبتحرك في مكاني وأنا واثق إن ضهري متأمن.
حديثه بالبداية كان غامضًا والآن بات واضحًا ونص الرسالة تصل له:
_الشخص ده هو مراد زيدان، اللي يفديني بروحه قبل روحي وأنا كذلك.
واسترسل بنفس الوتيرة القوية:
_انا و هو كنا ومازلنا قوة مهيبة مع بعض، ولما اخترت تدخل المجال ده اتمنيت تلاقي الشخص الموثوق فيه لحماية ضهرك وانت كمان تديه الثقة دي، اختيارك لياسين وتعلقكم ببعض خلاني أشوف جوكر واسطورة قادرين يكملوا المسيرة من تاني.
وأضاف وهو يدس يده بجيب بنطاله:
_لو دققت كويس هتلاقي انكم بالفعل أخدتوا شهرتكم مع بعض بالجهاز نفسي أنا ومراد بالظبط.
وتابع وهو يرفع حاجبيه ساخرًا منه:
_فاطمن أنا مكنتش هحطكم في مواجهة بعض، لاني واثق إنكم لو في يوم اتحطيتوا في الاختبار ده ودخولكم فيه مصلحة لوطنكم مش هتترددوا.
وأنهى الحديث حينما قال قبل أن يهبط الدرج استعدادًا للرحيل:
_من الاخر إنتوا الإتنين قادرين تكونوا فريق.
لحق به "زين" وناداه:
_بابا.
استدار "رحيم" إليه، فهبط "زين" وقال وهو يكبت خفته بالحديث:
_مش هتعاقبني؟
راق له انه يحاول أن يتحدث بجدية رغم مزح نبرته:
_قولتلك انك نجحت بالاختبار هعاقبك ليه؟
وتابع بنظرة خبيثة:
_لو عقابي بيكيفك ادي التحية عشر مرات.
ضحك بصوتٍ مسموع وشاركه "رحيم" الضحك، فاذا ب"زين" يمازحه قائلًا:
_على فكرة يا باشا إنت قائد ممتاز، بس ينقصك حس الدعابة، أنا شاكر لربنا عز وجل إن الجوكر كان له دور في خف دمي بشوية سكر والا كنت هكون معقد، فإن شاء الله لما أكبر وأحقق انجازاتك مش هكون جلاد مع العساكر زيك لا هدربهم بمنتهى الحب والمحبة وآ...
ابتلع باقي جملته حينما وجده يطالعه بنظرة قاتلة وهو يردد:
_أنا معقد!!!!
********
طال انتظار "ياسين" ولم يعد "زين" بعد، فحسم أمره وهبط يتفحص أمره غير عابئٍ بما سيفرضه عليه "رحيم"، وحينما لم يجده اتجه للمكتب العلوي، طرق الباب وحينما لم يستمع لاذن الدخول، حرر الباب وولج للداخل، فاذا به يستمع لصوتٍ قادم من الحمام الخاص بمكتب "الاسطورة".
اتبع الصوت فاذا به ينصعق محله حينما وجد" زين" يجلس أرضًا وأمامه سطل ضخم، يحوي عداد من البذل الفخمة الخاصة ب"رحيم زيدان"، ويقوم بغسلها، كاد أن يسقط أرضًا من فرط الضحك، فشمله "زين" بنظرة غاضبة وصاح:
_غور من وشي بدل ما أرشك بالصابون.
مال على الحائط يدعم قامته التي كادت بالتنحي من فرط الضحك، وردد بصعوبة:
_إنت هيبتك كل مدى بتتدعك بالارض.
قال وهو يضع الملابس فوق رأسه ويجلي غيرها:
_ما عاش ولا كان يا حبيبي، محدش يقدر على قدراتي وخبرتي المتناهية في أم الجهاز ده حتى إنت يا جارحي، هو بس الحوار كله يتلخص إن أبويا مفتري حبتين!
وضيق عينيه بخبث، ثم ادعى حزنه الشديد وبمكر ردد:
_وبعدين هو بيعاقبني بسبب مين؟ مش بسببك!! ده بدل ما تيجي تساعدني واقف تشمت فيا!
تلاشت ضحكته واحساس الذنب تجاهه يعتليه، فانحنى يحاول أن يعاونه وهو يهتف بحيرة:
_خلاص هساعدك، بس هو يعني ملقاش عقاب تاني غير ده!
رفع رغوة الصابون إليه وقال:
_مهو مفيش عقاب هنا أطهر من ده يا جارحي!!
زم شفتيه وهو يحاول أن يقلد ما يفعل، وهمس بانزعاج:
_طيب ما نحطهم في الغسالة فوق.
أجابه وهو يزم شفتيه ساخطًا:
_لو أخدناهم على فوق هيشوفنا من الكاميرات ده عقله شيطاني يا حبيبي!
وأردف "زين" بنزق:
_ ثم إنه بيعاقبنا بالرغاوي وفقدان الهيبة المُؤقت مش بيدلعنا هو!!
وتمتم بنفور:
_لو كنت سمعت كلامي ونطينا في طيارة أبوك كان زمانا نجينا بروحنا!
مضت نصف ساعة حتى انتهيا مما يفعلانه، وخرجا يحملان الوعاء بالملابس المُغتسلة، فاذا ب"زين" يقف بالمكتب الخاص بوالده يستعرض قطع الملابس أمام الكاميرات الداخلية للمكتب، عاد إليه "ياسين" يتساءل بدهشة:
_إنت بتنيل إيه؟
أجابه بسخط:
_بوريله جودة الغسيل!
سحبه "ياسين" بغضب، وصاح فيه:
_انجز خلينا نطلع ننشرهم قبل ما حد من العساكر ياخد باله.
هز رأسه و وضع الملابس وهو يتمتم بضجر:
_مهو لو كنت مسكت لساني ومصرحتهوش إنه معقد ودمه يلطش مكنش ده حالي ولا ده وضعي!
توقف "ياسين" عن المضي قدمًا واستدار يقابله بصدمة، تحررت بسؤال:
_يعني انت بتتعاقب على الكلام اللي اتقال منك للباشا؟
هز رأسه بتأكيدٍ، وقال:
_لا لو فاكر اني بتعاقب عشان حوار الجولة والكلام ده فطلع كان بيختبرنا اللئيم، ونجحنا الحمد لله بس لساني بقى مقدرتش أخبي عنه حقيقته كتير، وقفت بقوة وشجاعة وبصقت الحقيقة في وشه.
سحبه "ياسين" من تلباب قميصه المُبتل ونيته الشريرة تحوم من حولهما:
_ده أنا اللي هبصقك في البلاعة وحالًا!
******
ولج "مراد" للغرفة المشتركة مع أخيه، والهاتف على أذنيه، يتحدث مع زوجة أخيه، وجده يجلس في سكونٍ تام، يراقب هاتفه ويتناول طعامه بهدوء، كأنه لم يعنه الامر، فاستكمل المكالمة حتى أغلقها بعد أن أكد لها بأنه سيفعل كل شيء من أجل أن ينقذ ابنها المسكين من يد أخيه المُتجبر، ترك هاتفه واستدار صوبه يتأمله بدهشة اتبعت حديثه:
_غريب إنك سامع المكالمة من أولها لآخرها وقاعد هادي جدًا ومعلقتش على كلامها، ولا صوتها وهي بتعيط حرك قلبك الجاحد ده.
استكمل طعامه ببرودٍ، ثم نظر إلى أخيه يستمع ما قاله، ورد بصدمةٍ:
_مينفعش أتدخل بين أخ وأخته، وبعدين أنا بحترم خصوصياتك بردو يا مراد.
زوى حاجبيه باستنكارٍ:
_من أمته الذوق العالي ده يا سيادة الفريق.
ترك الملعقة من يده، وجذب المنديل الورقي يزيح بقايا الطعام عن فمه، بينما يمنحه نظرة محذرة:
_فريق أول لو سمحت يا فريق.
جذب المنشفة يزيح عرقه بغيظٍ، بينما يسحب "رحيم" كوب العصير الخاص باخيه، ارتشف رشفة جعلته يلوي شفتيه وهو يعيده بنفورٍ، بينما يفوه بخبث:
_بس أنا بعتب عليك في حاجة واحدة بس.
ألقى ما بيده هادرًا بنفاذ صبر:
_اللي هي؟
منحه ابتسامة ماكرة وقال:
_إنك أكدتلها في التلات مرات إنك هتنقذ الواد مني، شكلك هيبقى إيه قدامها بعد كده، الفشل مش لابقالك يا شريك.
ونهض يسحب مفاتيحه وهاتفه ثم ردد ببسمة زرعت القلق بالاخر:
_ابقى عدي على الشباب قبل ما تنام، وإبقى اعمل حسابك في لوحين تلج كبار.
كز على اسنانه بغضبٍ وصاح:
_نيلت إيه تاني يا أخي!!
حرك كتفيه ببراءة مضحكة:
_ولا حاجة، كانوا بياخدوا البدل بتوعي فومين واتخانقوا مع بعض!
جحظت عيني "مراد" صدمة، وما كاد أن يتحدث حتى تعالى هاتفه برنين جعله يسحب بصره المشتعل عن أخيه ويتابع اسم المتصل الذي نطقه باسترابةٍ:
_سيادة المشير!
حظى على اهتمام "رحيم"، والذي بدا شبه مرتبك، بينما يتابع" مراد" حديثه:
_هيكون عايز إيه وهو عارف إننا في شبه اجازة مفتوحه مع زين وياسين ومرين!
حك جبهته وهو يقول ببرود مصنع:
_طنشه.
ضيق زُرقة عينيه بشكٍ من طريقة أخيه، ونطق بارتباكٍ:
_انت عملت حاجة عاشرة؟
بجمود قال:
_ولو عملت هيشتكوني ليك مثلًا! أنا محدش يجرأ يرفع عينه فيا!
تجاهل تعاليه وفتح السماعه الخارجية ومازالت نظراته الصقرية تحيط أخيه، فاذا بالمشير يهتف:
_إيه يا سيادة الفريق أول من ساعة ما استلمت خبر ترقيتك وانت تقلان علينا ولا إيه؟
اندهش مما يقول بينما يضيف المشير:
_كان نفسي أزفلك الخبر بس الاسطورة لما عرف أصر يبلغك بنفسه.
تحرر عن صمته الثقيل وهو يتساءل بنبرة خطيرة:
_أمته تمت ترقيتي يا سيادة المشير؟
أجابه متعجبًا من طريقته:
_من عشر أيام بالظبط، ورتبنا نعمل احتفال صغير بعد اجازتك باذن الله، مبروك مقدمًا.
حياه "مراد" حتى أغلق الهاتف، ورنا من "رحيم" الذي إتجه إلى البار الصغير يسكب كوبا من عصير "الجوكر المزعوم"، تجرع رشفة ثم قبض شفتيه بتقزز وهو يردد:
_مهما حاولت أتقبل العصير ده مبقدرش مقرف جدًا!
تجاهل ما يقول وتساءل بثبات خطر:
_سيادتك خبيت عليا إني اترقيت ليه؟
أجابه ببرود مضحك:
_لا مخبتش ولا حاجة أنا كنت هفاجئك في عيد ميلادك.
ردد وحاجبه مرفوع بسخرية:
_اللي بعد ست شهور؟
رسم ضحكة شريرة وقال:
_مش بالظبط ما أنت أكيد كنت هترجع شغلك تاني وهتعرف يعني يا مراد أو مثلًا يجيلك مكالمة تهنئة من أشخاص مستفزة زي السمج ده.
هز رأسه والشر يتبختر بين زُرقته، فاذا به يستل سلاحه يفعله ويتجه صوب أخيه وكله عزيمة لانهاء حياة ذلك المتجبر المغرور، الذي وجده شيطانًا مخادعًا
