رواية مهرة الكابر الفصل الثالث عشر13بقلم نون
تم تسجيل حالات نادرة جداً لحدوث حمل في قناة فالوب أو عنق الرحم المتبقي خاصة في حالات استئصال الرحم فوق عنق الرحم كلام طبى عشان محدش يقول الرواية فيها هبد 😂🙄
بين الموت والحياة خيط رفيع وبينما ظن الجميع أن قصة "الكابر" ستنتهي تحت أنقاض القصر المحاصر كان لجاسر ودهب رأي آخر
الليلة سيثبتون أن "عشقهم" ليس مجرد قصة رومانسية بل هو "خطة نجاة" محكمة لا تخطر على البال
وقف جاسر ممسكاً بالقنبلة وعصام السيوفي يصرخ بمكبر الصوت "سلم نفسك يا جاسر.. انت انتهيت
نظر جاسر لدهب التي كانت تمسك ذراعه بقوة وهمس لها بكلمات سريعة
"فاكرة السرداب اللي حكيتلك عنه في خريطة أبويا؟
مدخله من ورا المدفأة دي..
أول ما أرمي القنبلة تجري عليه فوراً"
نظرت له برعب "وأنت؟" ابتسم بثقة
"أنا وراكي.. بس لازم أعمل (شو) عشان يصدقوا إننا موتنا"
صرخ جاسر بصوت جهوري
"أنا مش هسلم نفسي.. الموت أشرف لي"
وسحب فتيل القنبلة ورماها ليس عليهم بل رماها على "خزان الغاز" الضخم الموجود في حديقة القصر الخلفية الذي يظهر من النافذة
دوى انفجار مرعب هز المنطقة كلها ألسنة اللهب ارتفعت لتعانق السماء
الزجاج تحطم والدخان الأسود غطى المكان
استغل جاسر الفوضى والهلع ودفع دهب نحو المدفأة
ضغط زراً سرياً فانفتح ممر ضيق مظلم دخلا فيه وأغلق جاسر الباب الحجري خلفهم
في الخارج كان المشهد جحيماً الحريق يلتهم القصر والشرطة تتراجع وعزت البارودي المشلول في الداخل يصرخ بصوت مخنوق لا يسمعه أحد
والنار تقترب منه ببطء لتكتب نهايته المحتومة نهاية الطمع والجبروت
في الأسفل كان جاسر ودهب يركضان في نفق رطب مظلم يمتد لكيلومترات تحت الأرض
دهب تلهث وجاسر يسندها ويضيء الطريق بولاعته الصغيرة
قال لها "استحملي يا دهب.. النفق ده بيخرجنا على طريق الجبل الخلفي..
هناك حمزة مجهز عربية وسلاح"
بعد ساعة من السير المضني وصلوا لنهاية النفق وجدوا "حمزة" ينتظرهم بلهفة ومعه سيارة
صرخ حمزة بفرحة "الله أكبر.. كنت عارف إنك داهية يا كبير..
الدنيا مقلوبة فوق بيقولوا إنكم اتحرقتوا جوه"
ضحك جاسر وهو يمسح العرق عن وجهه "خليهم يصدقوا..
ده هيدينا وقت نرتب ورقنا ونختفي"
ركبوا السيارة وانطلقوا نحو "الميناء"
الخطة كانت الهروب خارج البلاد بـ "هويات مزيفة" كان جاسر قد جهزها للطوارئ
ولكن.. الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهي السفن
في منتصف الطريق الصحراوي ظهرت خلفهم سيارات سوداء تطاردهم وتطلق النار بكثافة
صرخ حمزة
"يا نهار أسود.. دول مش حكومة.. دول (مافيا السلاح) اللي كان عزت بيتعامل معاهم.. عايزين الورق والفلوس اللي سرقناها"
وانت عارف ياكبر الورق ده فين يعنى مش هسبونا
جاسر أخرج سلاحه وبدأ يتبادل إطلاق النار معهم وهو يصرخ
"دوس بنزين يا حمزة.. متخلهمش يقربوا"
رصاصة طائشة أصابت إطار سيارة جاسر فانحرفت السيارة بعنف وانقلبت عدة مرات على الرمال
ساد صمت مخيف للحظات
ثم زحف جاسر من حطام السيارة والدماء تغطي وجهه صرخ
"دهب.. حمزة"
وجد حمزة غارقاً في دمائه قد فارق الحياة
استشهد الوفي
أما دهب فكانت محشورة في المقعد وتئن بألم شديد
اقترب رجال المافيا وسحبوا جاسر ودهب من السيارة ورموهم على الأرض
نزل زعيمهم رجل ضخم بعين واحدة وقال بلهجة أجنبية مكسرة
"فين الورق يا كابر؟ عزت مات.. بس إحنا لسة عايشين وعايزين اللى يخصنا
نظر جاسر لدهب التي كانت تنظر له بنظرة وداع وقال بضعف "الورق.. الورق في العربية..
خذوه وسيبونا نمشي"
ضحك الزعيم وقال "ناخد الورق.. وناخد أرواحكم كمان..
عشان محدش يعرف سرنا"
رفع سلاحه ليطلق رصاصة على رأس جاسر
أغمضت دهب عينيها ونطقت الشهادة
وفجأة..
دوى صوت "رصاص قناصة" من أعلى الجبل
سقط الزعيم جثة هامدة بطلقة في رأسه
ثم انهمر الرصاص على رجال المافيا من كل حدب وصوب
كأن الجبل يمطر ناراً
ظهرت قوات خاصة تابعة لـ "المخابرات" تحاصر المكان
وتهبط من طائرات هليكوبتر
نزل ضابط برتبة كبيرة واقترب من جاسر الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة من التعب
قال الضابط بجدية "جاسر الكابر.. إحنا كنا مراقبين الموقف من بعيد..
عزت وعصابته كانوا تحت عينينا.. الورق اللي سلمته انت وحمزه للنائب العام
كشف شبكة تجسس دولية مش بس تجار سلاح.. أنت خدمت بلدك من غير ما تقصد"
نظر جاسر له بذهول "يعني إيه؟"
قال الضابط "يعني أنت دلوقتي شاهد ملك..
ومحمي من الدولة.. بس بشرط..
تختفي أنت ومراتك باسم جديد وحياة جديدة..
لأن بقية العصابة مش هيسيبوكم"
نظر جاسر لدهب التي كانت تبتسم بوهن
هل يقبل العرض؟ يدفن "جاسر الكابر" للأبد ويعيش كشخص آخر؟ أم يرفض ويواجه مصيره؟
نظر لدهب وقال "أنا موافق.. بس بشرط واحد"
سأله الضابط "إيه هو؟"
قال جاسر وهو يمسك يد دهب "نعيش في مكان ميوصلوش فيه
مكان نقدر نبني فيه حلمنا من جديد.. بعيد عن الدم والبارود"
ابتسم الضابط وقال "اعتبره حصل"
وهكذا.. في تلك الليلة.. مات "جاسر الكابر" وماتت "مُهرة"..
لكي يولد عاشقان جديدان بلا ماضي وبلا أسماء
لكن هل سيتركهما القدر يعيشان بسلام؟ أم أن لعنة الكابر ستلاحقهما حتى آخر العالم؟
هنا سنحرق المراكب القديمة، ونبني سفينة جديدة للإبحار في بحر المجهول.
النهايات ليست سوى بدايات متنكرة في زي الوداع والرماد الذي يتركه الحريق
هو السماد الذي تنبت منه أزهار حياة جديدة الليلة سيواري "جاسر" الثرى جثمان "الكابر" وسيدفن معه تاريخاً من الدم والبارود
ليولد "غريب" بلا ماضي لكن هل يترك الماضي ضحاياه يرحلون بسلام أم أن الأشباح تملك تأشيرة دخول لكل الأزمان والأماكن؟
تحت هدير محركات الطائرة الهليكوبتر العسكرية التي شقت سماء الليل جلس جاسر وعيناه معلقتان بالأفق البعيد
حيث تتصاعد ألسنة اللهب من سيارته المحترقة التي تركت
وجثة "حمزة" رفيق الدرب والروح لم يذرف دمعة واحدة فالدموع تحجرت
لكن قلبه كان ينزف بغزارة أشد من جراحه الجسدية
بجواره كانت دهب تغفو من أثر المخدر الذي أعطاه لها طبيب الطائرة وجهها شاحب كالقمر في ليلة خسوف ويدها تتشبث بقميصه الممزق كطفلة يتيمة
هبطت الطائرة في قاعدة عسكرية مائية
نزل جاسر حاملاً دهب بين ذراعيه وكأنها بقايا روحه
استقبلهم "العميد مراد" ضابط المخابرات المسؤول عن العملية
بوجه صارم لا يشي بأي مشاعر قال بحدة "حمد الله على السلامة يا بطل..
مصر كلها بتتكلم عن الحادثة.. وعن نهاية إمبراطورية الكابر والبارودي"
وضع جاسر دهب على سرير طبي ونظر للعميد بعينين فارغتين وقال بصوت أجش "حمزة مات.. مات عشان يحميني.. مات قبل ما يفرح بشبابه"
ربت العميد على كتفه وقال "حمزة بطل..
واندفن في مكان يليق بيه.. بس عشان تضحية حمزة متروحش هدر لازم تسمعني كويس يا جاسر..
من اللحظة دي جاسر الكابر مات.. انتهى.. اتحرق في القصر
مع مراته..
ده الخبر اللي هيتذاع في نشرة الأخبار الصبح.. وده اللي لازم العالم كله يصدقه"
أومأ جاسر برأسه بجمود "وأنا مين دلوقتي؟"
ناوله العميد ملفاً أزرق اللون وقال "أنت (سيف الدين).. مهندس زراعي كان عايش بره ورجع يستقر في مكان هادي.. ودي (نور).. مراتك..
قصة حياتكم الجديدة وتفاصيلها كلها هنا.. هتتنقلوا لفيلا صغيرة في منطقة ساحلية معزولة في (مرسى علم)..
مكان مفيش فيه صريخ ابن يومين.. بحر ورمل وسكينة.. لحد ما الأمور تهدى ونقدر نقضي على باقي شبكة عزت الدولية"
أخذ جاسر الملف ونظر لدهب النائمة وقال بهمس "نور.. يليق عليها.. هي كانت النور في حياتي الضلمة"
مر أسبوع كامل وجاسر ودهب في المستشفى العسكري يتعافيان من الجروح والكدمات
تم تغيير ملامحهما قليلاً ليس بعمليات تجميل جذرية بل بتغيير "اللوك"
جاسر حلق لحيته الكثيفة التي ميزت "الكابر" وترك شعره يطول قليلاً ودهب صبغت شعرها بلون كستنائي
وغيرت طريقة لبسها من العبايات الفخمة لملابس عصرية بسيطة تناسب "زوجة مهندس"
في يوم الرحيل وقفا أمام المرآة ينظران لشخصين غريبين
قالت دهب ودمعة تفر من عينها "هتوحشني (مُهرة الكابر).. وهيوحشني (جاسر) سيد النجع"
احتضنها جاسر من الخلف وقال وهو يدفن وجهه في عنقها "مُهرة الكابر عايشة في دمى.. وجاسر موجود في قلبك..
إحنا مغيرناش أرواحنا يا دهب إحنا غيرنا جلدنا بس عشان نعيش.. عشان نبني بيت مفيهوش تار ولا دم ولا خيانة.. بيت يتربى فيه ولادنا في أمان"
نظرت له بحزن وقالت "ولادنا؟ أنت نسيت إن ده بقا مستحيل؟"
سكت جاسر وغصت الكلمات في حلقه ثم قال بإصرار "ربنا كريم يا دهب.. وكرمه ملوش حدود"
انتقلا إلى "مرسى علم" في بيت خشبي جميل يطل على البحر مباشرة
بعيداً عن عيون البشر وعن ضجيج الصعيد
بدأ "سيف" يعمل في استصلاح قطعة أرض صغيرة حول البيت وزرعها بالزهور والنخيل
وبدأت "نور" تتعلم الرسم والطهي وتحاول أن تتناسى كوابيس الماضي
مرت سنة كاملة.. سنة من الهدوء الذي يشبه الهدوء قبل العاصفة
جاسر الذي كان يحكم نجعاً كاملاً بكلمة منه أصبح يقضي يومه في الصيد والقراءة ومراقبة النجوم
ودهب التي كانت تحمل السلاح أصبحت تزرع الريحان والياسمين
في ليلة مقمرة كانا يجلسان أمام البحر وصوت الأمواج يداعب الصخور
قالت دهب فجأة "سيف.. أنا حاسة بحاجة غريبة بقالي يومين.. دوخة وخمول ونفسي غامة عليا.. هو انا كده ممكن يكون عندى اى مرض
انتفض جاسر "سيف" برعب "مرض إيه؟ لا قدر الله.. بكرة الصبح نروح للدكتور
في عيادة الطبيب جلس جاسر يفرك يديه بتوتر ودهب في غرفة الكشف
خرج الطبيب العجوز يخلع نظارته ويبتسم بذهول "أستاذ سيف.. المدام بتشتكي من أي أمراض مزمنة؟"
رد جاسر بسرعة "لا.. بس هي عملت عملية استئصال جزء من الرحم بعد حادثة من سنة.. والدكاترة قالوا مستحيل تخلف"
ضحك الطبيب بصوت عالي وقال "والله يا ابني الطب ده عاجز قدام مشيئة الله.. المدام حامل في الشهر التاني..
والجنين متمسك بالحياة زي الأسد في عرينه"
شعر جاسر أن الأرض تميد به سقط على الكرسي وعيناه تفيضان بالدموع "حامل؟
يعني إيه؟ يعني ابني رجع؟"
دخل لدهب التي كانت تبكي وتضحك في آن واحد..
المعجزة تحققت.. الله عوض صبرهما وجبر كسرهما
خرجا من العيادة وكأن العالم لا يسعهما من الفرحة
عادوا للبيت الخشبي وجلسوا يخططون لمستقبل "ولي العهد" الحقيقي هذه المرة
قال جاسر "هنسميه (فارس).. عشان جه يحارب المستحيل"
قالت دهب "ولو بنت هنسميها (حياة).. لأنها ردت فينا الروح"
وفي غمرة السعادة والفرح.. وبينما كان جاسر يغلق باب البيت ليلا
لاحظ "ظرفاً أسود" ملقى تحت الباب
توقف قلبه عن النبض للحظة.. من يعرف مكانهما؟ لا أحد سوى العميد مراد وهذا ليس أسلوب المخابرات
فتح الظرف بيدي مرتعشتين
كان بداخله "صورة" فوتوغرافية حديثة جداً..
التقطت له ولدهب وهما يخرجان من عيادة الطبيب اليوم وهما يضحكان
وخلف الصورة رسالة مكتوبة بالدم الأحمر
"مبروك الحمل يا (كابر).. فاكر إن البحر هيخبي ماضيك؟
فاكر إن (عزت) مات واللعبة خلصت؟
اللعبة لسة هتبتدي.. استعد للجزء التاني من الجحيم.. التوقيع: (الشبح)"
سقطت الرسالة من يد جاسر ونظر للبحر المظلم أمامه
أدرك أن الهدوء كان خادعاً وأن الماضي لم يمت بل كان يجمع قواه ليعود أشرس
نظر لدهب التي كانت تغني في المطبخ وتتحسس بطنها بسعادة
أقسم بداخله قسماً غليظاً
"وحياة ابني اللي جاي.. المرة دي مش ههرب..
المرة دي أنا اللي هطاردكم.. ولو كنتوا أشباح أنا هكون كابوسكم"
