رواية مهرة الكابر الفصل الرابع عشر14بقلم نون


رواية مهرة الكابر الفصل الرابع عشر14بقلم نون

أنا مش نور البنت الكيوت اللي بنتها الأيام أنا مهرة الكابر اللي شافت الموت بعينها فيه إيه

تحت سماء مرسى علم الصافية التي كانت قبل لحظات تظلل قصة حب سيف ونور 


وقف جاسر "سيف" أمام باب بيته الخشبي والرسالة الملطخة بالدم ترتجف بين أصابعه وكأنها جمرة من نار الكلمات المكتوبة بالأحمر  لم تكن مجرد تهديد بل كانت حكماً بالإعدام على الهدوء الذي اشتراه بروحه

نظر جاسر حوله في الظلام  وعيناه اللتان اعتادتا رؤية الجمال في السنة الماضية عادتا الآن لترصد الخطر بدقة "كابر الصعيد" القديم 

سحب نفساً عميقاً معبأ برائحة الخوف ثم أشعل ولاعته وأحرق الرسالة حتى تحولت لرماد ذراته تطايرت مع الريح، التفت ليدخل البيت فوجد دهب "نور"

 تقف خلفه وعيناها تلمعان ببريق الأمومة الجديد ويدها تتحسس بطنها بحنان وتقول بصوت دافئ

 "مين كان بيخبط يا سيف في الوقت ده؟"، ابتلع جاسر ريقه بصعوبة ورسم ابتسامة باهتة على شفتيه وقال بصوت حاول أن يجعله طبيعياً "ده الريح يا حبيبتي.. الريح بيخبط الشيش.. الجو هيقلب"

 لم تقتنع دهب تماماً فنظرة القلق في عينيه لا تخطئها عين عاشقة

 لكنها آثرت الصمت واكتفت بالقول "طيب يلا ندخل الجو برد"

 دخل جاسر وأغلق الباب بالمفتاح ثم وضع المزلاج الحديدي وتأكد من إغلاق النوافذ

تحرك داخل البيت كأنه نمر حبيس

 ذهنه يعمل بسرعة ألف حصان من هو "الشبح"؟

 وكيف عرف مكانهم؟ 

 جلس على الأريكة وسحب مسدسه الشخصي الذي لم يفارقه يوماً وبدأ ينظفه بقطعة قماش وعيناه شاردتان

جلست دهب أمامه وقالت بجدية "سيف.. بلاش تخبي عليا..

 أنا مش (نور) البنت الكيوت اللي بنتها الأيام.. أنا (مُهرة الكابر) اللي شافت الموت بعينها.. فيه إيه؟"

نظر لها جاسر طويلاً ثم قال بصدق مرعب "كشفونا يا دهب.. 

حد عرف مكانا وبعت رسالة تهديد.. 

الماضي رجع يطاردنا"، شهقت دهب وضمت بطنها بخوف غريزي "ابني؟"

 هز جاسر رأسه بقوة وقال "مش هيلمسوا شعرة منه طول ما فيا نفس.. 

بس لازم نتحرك.. البيت ده مبقاش أمان"، وقبل أن يكمل جملته

حدث ما لم يكن في الحسبان دوى صوت "طرقة" قوية على باب البيت

 طرقة لا تشبه الريح ولا تشبه البشر

انتفض جاسر وسحب أجزاء سلاحه وأشار لدهب أن تختبئ خلف الأريكة

 اقترب من الباب بحذر شديد وسأل بصوت جهوري "مين؟"، لم يجبه أحد
بل تكررت الطرقة ببرود

 نظر جاسر من "العين السحرية" فلم يرَ أحداً، الظلام دامس

 فتح فتحة صغيرة في النافذة الجانبية وصوب سلاحه للخارج

 لكنه لم يجد أشخاص ولا سيارات

 وجد شيئاً جعل الدماء تتجمد في عروقه

وجد "لعبة أطفال" صغيرة

 دب قطني أبيض ملطخ باللون الأحمر

 يجلس على عتبة الباب ويحمل في يده "جهاز لاسلكي" صغير

 يومض بضوء أخضر، فتح جاسر الباب بسرعة وسحب اللعبة للداخل وأغلق الباب

 نظرت دهب للعبة وصرخت "دي لعبة أطفال.. 

مين بيعمل كدة؟"

 فجأة انبعث صوت من الجهاز اللاسلكي

 صوت مشوش ومغير إلكترونياً، صوت يشبه فحيح الأفاعي يقول

 "أهلاً بالكابر.. وأهلاً بولي العهد اللي في الطريق.. 

عجبتك الهدية؟"

 صرخ جاسر في الجهاز "أنت مين يا جبان؟ عايز إيه؟"

ضحك الصوت ضحكة باردة وقال  أنا اللي نسيتوه وافتكرتوا إنه مات..

 أنا (ظلك) اللي مش هيفارقك.. اسمع يا جاسر.. قدامك 24 ساعة.. تسلملي (فلاشة المعلومات) 

اللي سرقتها من خزنة أبوك 

 الفلاشة اللي عزت البارودي ملقهاش في الصندوق.. وإلا.."

 سكت الصوت قليلاً ثم أكمل بنبرة مرعبة "

وإلا هفجر البيت ده على دماغك ودماغ المهرة واللي في بطنها.. 

القناصة محوطين البيت.. أي حركة غدر.. الرصاصة هتكون في بطنها"

نظر جاسر لدهب برعب

 فلاشة؟ أي فلاشة؟ هو سلم كل الأوراق للمخابرات

هل كان هناك شيء آخر في خزنة والده ولم ينتبه له؟ 

هل هناك سر أخطر من تجارة السلاح؟ نظر لدهب وقال بهمس

 "انزلي على الأرض.. ازحفي للمطبخ"
نفذت دهب وهي تبكي بصمت، وفجأة، ظهرت نقطة "ليزر حمراء" صغيرة على جبهة جاسر

 ثم تحركت لتستقر على بطن دهب
 صرخ جاسر "دهب.. نامي"، وقفز عليها بجسده ليغطيها في اللحظة التي انطلقت فيها رصاصة قناصة اخترقت النافذة الزجاجية ومرت بجوار أذن جاسر بالسنتيمترات لتستقر في الحائط الخلفي

 تناثر الزجاج فوقهم، واحتضن جاسر زوجته بقوة وهو يصرخ "مش هتموتوا

 الصوت عاد من الجهاز يقول "دي قرصة ودن

 المرة الجاية في القلب..

 24 ساعة يا كابر.. العد التنازلي بدأ" وانقطع الاتصال

ساد صمت  في البيت المحطم

 نهض جاسر ونظر لدهب التي كانت ترتجف

 تحولت ملامحه

 في تلك اللحظة اختفى "سيف" المهندس المسالم وعاد "جاسر الكابر" الوحش

مسح الدم الذي سال من خدش في خده بسبب الزجاج

وقال بصوت يشبه القسم "بيصحو  الشيطان؟

 أنا هوريهم الشيطان بيعمل إيه..  

 حينما تحاصرك الذئاب في عرينك لا تملك سوى خيارين إما أن تستسلم لتكون وجبة دسمة أو أن تتحول أنت إلى النار التي تحرق الغابة بمن فيها 

  جاسر قال لدهب بصوت مكتوم "متتحركيش.. خليكي لازقة في الأرض" زحف جاسر بحذر شديد نحو المطبخ حيث يوجد "أنبوبة غاز" 

 وقلبه وعقله يعملان بسرعة البرق كان يعلم أن البقاء يعني الموت المحتوم وأن الخروج من الباب يعني الانتحار

 نظر لساعة يده "العداد بدأ.. 24 ساعة.. يا نلاقي الفلاشة يا نموت"

 سحب جاسر سكيناً حاداً وقطع خرطوم الغاز بمهارة وترك الغاز يتسرب ببطء في أرجاء البيت ثم زحف عائداً لدهب التي كانت ترتجف وتمسك بطنها بخوف

 همس في أذنها "اسمعيني كويس.. هنلعب لعبة (الاستغماية) 

فاكرة لما كنا بنلعبها زمان واحنا صغيرين؟"

نظرت له بدهشة وسط الرعب "أنت بتهزر يا جاسر؟ احنا بنموت"

 ابتسم جاسر ابتسامة شيطانية وقال "لا.. هما اللي هيموتوا.. احنا هنختفي"، أخرج من جيبه "ولاعة" وقطعة قماش مبللة بالجاز، ثم أشار لدهب نحو "فتحة التهوية" الأرضية الضيقة الموجودة أسفل خزانة الملابس 

والتي كان قد حفرها سراً
 كـ "مخرج طوارئ" منذ شهور تحسباً لهذا اليوم

قال لها بصرامة "انزلي.. ومتخافيش

النفق ده بيطلعنا على البحر من ورا الصخور.. أنا جاي وراكي.. بس لازم أسيب (هدية) للضيوف

 نزلت دهب بصعوبة في الفتحة الضيقة وجاسر يغطيها بملابس قديمة للتمويه

 ثم وقف جاسر للحظة ونظر للبيت الذي بناه بحب

 بيته وملاذه

وقال بصوت حزين "مع السلامة يا جنة سيف و نور

 أشعل الولاعة فى القماشه ورماها تجاه المطبخ حيث

 يتسرب الغاز وقفز بسرعة البرق داخل الفتحة وأغلق الغطاء فوقه

 في اللحظة التالية دوى انفجار هائل حول ليل مرسى علم لنهار ساطع

كرة من اللهب ابتلعت البيت الخشبي بالكامل 

وتطايرت الشظايا لتصيب القناصة الذين كانوا يحاصرون البيت من الخارج

 ظن الجميع أن الكابر وزوجته احترقا

 صرخ قائد القناصة في اللاسلكي 

الهدف اتفحم يا باشا.. الغاز انفجر فيهم" وفي الأسفل

 كان جاسر يزحف في النفق الضيق المظلم وخلفه دهب الحرارة والتعب ينهشان جسديهما

لكنهما واصلا الزحف حتى وصلا لفتحة تطل على شاطئ صخري 

 خرجوا يلهثون ورائحة الدخان تملأ رئتيهم، نظر جاسر للبحر المظلم

 وقال القارب الصغير مربوط قريب من هنا

ركضا نحو القارب الصغير وجاسر يساعد دهب بكل قوته

 ركبا القارب وانطلق جاسر بالمحرك في عرض البحر مبتعداً عن الجحيم المشتعل خلفهم

 وسط الأمواج المتلاطمة نظرت دهب لجاسر وقالت بدموع "هنروح فين يا جاسر؟ ومين اللي عمل كدة؟

 وإيه حكاية الفلاشة دي؟"، نظر لها جاسر بعينين تلمعان بتصميم مخيف وقال "هنروح للمكان الوحيد اللي محدش هيتوقع إننا نروحه..

 هنرجع (الصعيد).. هنرجع
 لقصر أبويا القديم.. الفلاشة اللي بيدوروا عليها أكيد مدفونة هناك مع السر اللي عزت ملقاهوش"

 شهقت دهب "نرجع الصعيد؟ ده انتحار!"، رد جاسر الشبح اللي بيطاردنا عارف كل خطوة لينا بره الصعيد..

 لكن جوه الصعيد مش هقدر يتحرك بنفس الطريقة 

أنا اللي بملك المكان هناك هقدر  اعرف مين الشبح.. 

وهدفنه مكان ما طلع"، وهكذا، بينما كان العالم يظن أن "سيف ونور" ماتا حرقاً، كان "جاسر الكابر" و"مُهرته" يشقان البحر عائدين لعرين الأسد ولكن 

 العودة للديار ليست دائماً عودة للأمان أحياناً تكون عودة للجحيم الذي هربت منه

والليلة سيدخل "الكابر" قصر ابوه القديم  المهجور 

 بعد رحلة شاقة استمرت يومين كاملين تخفوا خلالها في زي "بدو رحل" وصل جاسر ودهب النجع القديم في سواد الليل 

القصر الكبير الذي كان يضج بالحياة والحرس أصبح الآن "خرابة" تسكنها الغربان 

وقف جاسر أمام البوابة الحديدية وقلبه يعتصر ألماً، دهب تمسكت بيده وقالت بصوت يرتجف "المكان هنا بيخوف يا جاسر.. 

حاسة إن فيه حد بيراقبنا"، ضغط جاسر على يدها وقال "متخافيش

يلا ندخل تسللا للداخل 

عبر الحديقة التي كانت جنة أصبحت غابة من الأشواك

 دخلا القصر الغبار يغطي كل شيء

 صعد جاسر للطابق العلوي متجهاً لغرفة مكتب والده، الغرفة التي لم يدخلها أحد منذ سنوات

 كسر القفل ودخل
 أضاء كشافه الصغير وبدأ يقلب في الكتب والأوراق بجنون يبحث عن أي دليل

 أي إشارة لمكان الفلاشه

 دهب كانت تراقب المكان من الشرفة بحذر

وفجأة، سمعت صوت "خطوات" ثقيلة في الطابق الأرضي
همست برعب جاسر فيه حد تحت

 أطفأ جاسر الكشاف فوراً وسحب مسدسه تسللا للصالة العلوية ونظرا للأسفل

 رأوا خيالاً لرجل طويل يرتدي عباءة سوداء ويحمل قنديلاً قديماً

 الرجل كان يسير بثقة وكأنه صاحب المكان

 اقترب الرجل من لوحة زيتية كبيرة لوالد جاسر معلقة على الحائط

وبحركة غريبة ضغط على عين والد جاسر في اللوحة

فانفتح باب سري في الحائط خلف اللوحة

 شهق جاسر بصمت هو نفسه لم يكن يعلم بوجود هذا الباب

 من هذا الرجل؟ 

وكيف يعرف أسرار القصر أكثر من الكابر نفسه؟

 دخل الرجل للممر السري

 نظر جاسر لدهب وأشار لها بالبقاء لكنها هزت رأسها بالرفض وتمسكت بقميصه

نزلا خلف الرجل بحذر شديد

 الممر كان ضيقاً ورطباً وينزل لأسفل الأرض بعمق مخيف

 وصلا لنهاية الممر ووجدا نفسيهما في "غرفة تحنيط" فرعونية قديمة

نعم، غرفة مليئة بتماثيل ومومياوات وآثار مهربة

وفي وسط الغرفة كان الرجل المجهول يقف أمام "تابوت حجري" 

ويفتحه، رفع الرجل الغطاء وأخرج شيئاً صغيراً يلمع في ضوء القنديل

إنها الفلاشة

 الفلاشة المطلوبة كانت مخبأة داخل مومياء

 في تلك اللحظة التفت الرجل فجأة وكأنه كان يعلم بوجودهم رفع القنديل ليرى وجهه

 وهنا كانت الصدمة التي ألجمت لسان جاسر وجعلت دهب تصرخ رغماً عنها

الرجل لم يكن غريباً

 الرجل كان له وجه مألوف جداً

 وجه محروق ومشوه في نصفه الأيمن

 لكن النصف الأيسر سليم

 إنه وجه عم جاسر الذي قيل إنه مات مقتولاً

 إنه "منصور الكابر

 ابتسم منصور ابتسامة مرعبة كشفت عن أسنان ذهبية

 وقال بصوت أجش "أهلاً بولد أخويا الغالي.. وأهلاً بمرات الغالي.. نورتوا مقبرتكم"، صرخ جاسر بذهول "عمي منصور؟ أنت عايش؟"

ضحك منصور ضحكة شيطانية وقال "أنا عايش من يوم ما أبوك الغدار حاول يحرقني ورماني في الجبل.. عشت عشان اللحظة دي.. عشان آخد ورثي اللي أبوك سرقه

وآخد روحه في ابنه"، ضغط منصور زراً في الحائط، فنزلت بوابة حديدية ضخمة أغلقت الممر خلف جاسر ودهب وحاصرتهم في غرفة الموت مع العم العائد من الجحيم

قال منصور وهو يلوح بالفلاشة "الفلاشة دي فيها أرقام حسابات بمليارات في سويسرا.. وأسامي أكبر مافيا في العالم

 دي تمن حياتكم.. بس أنا مش عايز الفلاشة بس..

 أنا عايز (قربان) عشان أفتح بيه المقبرة الملكية اللي تحت دي

نظر لبطن دهب وقال بنظرة جشعة "والقربان هو (ولي العهد) اللي في بطنها..

 دم ابن الكابر هو المفتاح

 جن جنون جاسر ورفع سلاحه
 على جثتي يا مجنون

 لكن منصور أشار بيده فخرج من الظلام عشرة رجال مسلحين ببنادق آلية

 وقال ببرود "يبقى على جثتك فعلاً.. 

خلصوا عليهم"

 انطلقت الرصاصات وجاسر يقفز ليحمي دهب خلف التابوت الحجري

 وهم محاصرون بلا مخرج وعم مجنون يريد شق بطن دهب ليخرج الجنين قرباناً للجن

 هل هذه هي النهاية في قبو الأجداد؟


تعليقات



<>