رواية قمر الهواري الفصل الاول1بقلم نور محمد


رواية قمر الهواري الفصل الاول1بقلم نور محمد


مد إيده المرتعشة ببطء،رفع النقاب الأسود من على وشها،وكأنه خايف يشوف أبشع حاجة في الدنيا... وفجأة، إيده وقفت في الهوا، وعينيه وسعت بذهول وصدمة ألجمت لسانه. رجع خطوتين لورا وهو بياخد نفسه بصعوبة، وقال بصوت مهزوز مكسور فيه كل غروره:
"إنتي... إنتي إزاي كده؟"
قمر رفعت راسها بكبرياء وثقة، عيونها الخضرا الصافية اللي بتلمع زي الغابات بصتله بتحدي وثبات:
"اللي هو إزاي يا ابن عمي؟ قصدك قمر بنت عمك اللي اتغصبت على جوازها؟ ولا قمر 'المعيوبة' اللي بتداري وشها في نقاب عشان خايفة الناس تشوف قُبحها... زي ما قولت لصحابك وسمعتك ووداني؟"
قرب منها فارس كأنه مسحور، نسي كل غضبه، نسي رفضه للجوازة دي، عيونه كانت بتتفحص ملامحها؛ بشرتها البيضا الصافية، حبات النمش الرقيقة اللي مزينة أنفها، وشعرها الكستنائي اللي نازل كأنه شلال على كتافها. قال بصوت ضايع:
"إنتي إزاي بالجمال ده يا قمر؟ أنا... أنا مكنتش أعرف إنك..."
قاطعته بابتسامة سخرية باردة طعنته في رجولته:
"للأسف يا فارس بيه، إنت حكمت بالمظاهر وبكلام الناس. وعموماً متقلقش، كلامك اللي قولته قبل ما ترفع النقاب هو اللي هيمشي.. إنت جوزي على الورق وبس، زي ما إنت طلبت."
شاورت على باب الجناح بثبات وقالت: "تقدر تتفضل، أنا مش هفرض نفسي عليك، ولا هجبرك تبات في أوضة واحدة معايا."
الدم غلى في عروق فارس. إزاي حتة عيلة ترفضه وتطرده من أوضته في ليلة دخلته؟ غروره منعه يعتذر، خبط إيده في الدولاب بغضب أعمى، سحب مفاتيح عربيته، ورزع الباب وراه ونزل زي الإعصار.
أول ما الباب اتقفل، قناع القوة اللي قمر كانت لابساه وقع. سندت على التسريحة وبصت لانعكاسها في المراية، دموعها نزلت شلال على خدها. نزلت على الأرض وانهارت في العياط، وقالت بصوت مخنوق:
"بحبك... بحبك يا غبي من وإحنا أطفال! بس كل كلمة قاسية منك كانت بتدبحني. عشقي ليك بيكبر مع كل وجع وكل إهانة بتسببهالي."
مسحت دموعها بعنف ووقفت تاني، بصت في المراية بعيون بتطق شرار وقالت بتصميم: "بس مبقاش ينفع أكون ضعيفة.. يا أنا يا إنت يا فارس الهواري." أخدت هدومها ودخلت الحمام.
بره الدوار، فارس كان سايق عربيته بأقصى سرعة لحد ما وصل عند شط النيل. نزل ووقف قدام المية وهو بينهج، بيحاول يمسح صورتها من خياله اللي سيطرت عليه في ثواني:
"فاكرة نفسها مين؟ دي حتة عيلة! أنا فارس الهواري اللي بنات المركز كله بيتمنوا نظرة منه، تيجي هي ترفضني؟ ده أنا بكرة الصبح عادي خالص أتجوز عليها ست ستاتها وأجيبها ضرة تكسر مناخيرها دي!"
بس فجأة، صورتها وهي باصة بتحدي وعيونها بتلمع جت قدامه. غمض عينه وابتسم بسخرية من نفسه: "تؤ... مش أنا اللي أضعف قدام واحدة ست يا قمر... راجعلك، وهعرفك مين هو فارس."
في نفس الوقت جوه الدوار، كان قاعد "رضوان الهواري"، كبير العيلة اللي كلمته سيف على رقبة الكل. خبط بعكازه على الأرض بقوة وقال:
"يا صفية! جهزي الوكل وطلعيه لعروستنا فوق، زمانهم جاعوا."
صفية (مرات عم فارس) لوت بوزها بغل وقالت:
"وليه التعب ده يا حمايا؟ ما تنزل تاكل معانا زيها زينا! هي فاكرة نفسها أميرة؟ دي حتة بت متغطية ومحدش عارف شكلها إيه، تلاقيها ما تتشافش عشان كده خافيها وتدبست في الغلبان فارس!"
رضوان وقف والشرر بيطير من عينه، رفع عكازه وقال بصوت رعد الدوار كله:
"كلمتي تتنفذ من سكات! البت دي بقت حرم فارس الهواري، يعني ست الدوار. غوري هاتي الوكل واطلعي فوق، إنتي فاهمة ولا مش فاهمة؟!"
خافت صفية وأخدت صينية الأكل وهي بتبرطم وبتدعي بكرُه شديد لقمر. طلعت الجناح في نفس اللحظة اللي فارس كان راجع فيها من بره، طالع السلالم بخطوات سريعة وكأنه مستعجل يثبت لنفسه حاجة.
صفية فتحت باب الجناح ودخلت بصينية الأكل، وفارس دخل وراها... بس الاتنين اتسمروا مكانهم. قمر كانت طالعة من الحمام، لابسة قميص حرير لونه أبيض هادي جداً عليها، شعرها مبلول ونازل على كتافها، وريحة عطرها مالية المكان. كانت فتنة تمشي على الأرض.
الصينية وقعت من إيد صفية بصوت عالي، الأطباق اتكسرت، وشهقت بذهول وهي بتبصلها:
"إنتي... إنتي قمر اللي كانت لابسة النقاب الأسود تحت؟"
فارس كان واقف ورا صفية، عيونه اتحولت للون الأسود الداكن من الصدمة والانبهار، وفي نفس الوقت الغيرة نهشت قلبه. غضب الدنيا اتجمع في عينه، إزاي حد يشوفها بالمنظر ده حتى لو كانت صفية؟ كان عاوز يشدها يخبيها جوه ضلوعه من عيون الناس.
قمر ثقتها في نفسها زادت، ابتسمت وقربت بخطوات هادية:
"أيوه يا مرات عمي، أنا قمر.. البنت 'البشعة' اللي قولتوا عليها معيوبة عشان بتلبس نقاب."
صفية جريت عليها كأنها منومة مغناطيسياً وقالت:
"حقك عليا يا بنتي... ده إنتي اللي كنتي بتداري حلاوتك دي عشان متتحسديش! ده انتي بدر منور."
قمر ردت بهدوء ورزانة:
"النقاب مش تخبية يا مرات عمي، النقاب ستر وحشمة، لا بيُنقص من جمالنا ولا بيخفيه، بالعكس... ده بيزيدنا نور على نور."
صفية ارتاحت جداً لكلام قمر، وبلعت ريقها بارتباك:
"أنا... أنا هنزل أجيب صينية تانية بدل اللي وقعت دي، ولينا كلام مع بعض."
قمر بابتسامة: "إن شاء الله."
خرجت صفية وقفلت الباب وراها. الجو بقى مشحون. فارس قفل الباب بالمفتاح ببطء، وعيونه متركزة عليها بنظرة خليت قلبها يدق بخوف. قرب منها خطوة.. خطوة، لحد ما حاصرها بينه وبين الحيطة. همس بصوت أجش قدام شفايفها:
"جواز على الورق؟ أنا غيرت رأيي يا قمر... مفيش ورق بيني وبينك."
قمر لسه هترد وتدفعه بعيد، فجأة... موبايل قمر اللي على السرير رن.
فارس لمح الاسم المكتوب على الشاشة (حبيبي)، ملامحه اتجمدت، وعروق رقبته برزت من الغضب الأعمى. سحب الموبايل قبل ما هي تلمسه وفتح السبيكر (مكبر الصوت) بدون ما يتكلم، وقمر وشها جاب ألوان من الرعب.
صوت راجل غريب، مليان ثقة ومكر، طلع من السماعة وقال:
"ألو.. عاش يا قمر، طمنيني.. المغفل شرب المقلب وصدق دور البريئة المكسورة؟ جدك رضوان هيمضيلك على نص أملاك الهوارية بكرة الصبح زي ما خططنا، المهم فارس ميكتشفش إنك إنتي اللي ورا حريق المخازن بتاعه... ألو؟ قمر إنتي معايا؟"
سقط الموبايل من إيد فارس، ورفع عيونه لقمر اللي كانت بترتعش زي الورقة في مهب الريح... نظرة العشق والانبهار اللي كانت في عينه من ثواني، اتحولت لنار هتحرق الأخضر واليابس!
(
                   الفصل الثاني من هنا

تعليقات



<>