رواية قمر الهواري الفصل الثاني2بقلم نور محمد
الصمت اللي سيطر على الجناح كان مرعب، أتقل من صوت الرصاص في ليلة تار.
كلمات الراجل الغريب لسه بترن في المكان: "المغفل شرب المقلب؟ فارس ميكتشفش إنك ورا حريق المخازن!"
التليفون وقع من إيد فارس على السجاد، بس عيونه كانت متثبتة على قمر. نظرة الانبهار والعشق اللي كانت بتشع من عيونه من ثواني، اتحولت لسواد كاحل، نار بتحرق كل ذرة رحمة في قلبه. عروق رقبته برزت، ووشه احتقن بغضب أعمى.
الراجل على التليفون لسه بينادي: "ألو؟ قمر إنتي سامعاني؟"
فارس داس على التليفون برجله بكل قوته كسره ميت حتة، وقطع الصوت تماماً.
قمر كانت بترتعش، وشها اللي كان مورد من ثواني بقى أصفر زي الليمونة. حاولت تتكلم، صوتها طالع بالعافية ومخنوق:
"فارس... والله العظيم ما أعرف مين ده! التليفون ده أصلاً..."
قاطعها فارس بهجوم مباغت، مسك دراعها بقوة خليتها تتأوه، وشدها عليه لحد ما أنفاسه الغاضبة ضربت في وشها. همس بفحيح أفعى، صوت واطي بس يرعب أكتر من الزعيق:
"عاش يا قمر؟ المغفل شرب المقلب؟... مخازني اللي شقى عمري وتعب سنين راح فيها في ليلة واحدة، تطلعي إنتي اللي وراها؟ بنت عمي اللي عاملة فيها خضرة الشريفة، اللي متغطية بنقاب عشان تداري وساختها مش جمالها!"
الكلمة نزلت على قمر زي الكرباج. كبريائها اللي متعودة تتسند عليه اتكسر. نزلت دموعها وقالت بقهرة وتحدي وسط بكيها:
"اخرس! إنت إزاي تتجرأ ترميني بالباطل؟ أنا قمر الهواري، تربية عمك اللي عمره ما أكل قرش حرام. أنا معرفش التليفون ده إزاي اتبدل بتليفوني، ومين اللي مسمي نفسه 'حبيبي' ده!"
فارس ضحك بسخرية وجعته هو قبل ما توجعها:
"بتمثلي ببراعة! تصدقي إني لثانية واحدة صدقت نظرة البراءة اللي في عيونك الخضرا دي؟ لثانية واحدة كنت هنسى كرهي للجوازة دي وهرمي نفسي تحت رجليكي! بس طلعتي رخيصة... طمعانة في أملاك جدي، وبتحرقي مالي عشان تكسريني."
قمر زقته بكل قوتها وصرخت:
"لو أنا كده، طلقني! انزل لجدي دلوقتي وقوله إنك كشفتني وارميني بره الدوار! يلا يا فارس بيه، مستني إيه؟"
قبل ما فارس يرد، خبط شديد على الباب، وصوت "صفية" مرات عمه من بره:
"يا عرسان... جبتلكوا وكل غير اللي اندلق، افتح يا فارس يا ولدي."
فارس بص لقمر بنظرة كلها مكر وتوعد، شدها من وسطها بقوة ولزقها في صدره، حط إيده التانية على خصلات شعرها المبلول وكأنه بيحضنها، وهمس في ودنها:
"أطلقك؟ وأرحمك بالسهولة دي؟ تؤ.. إنتي دخلتي جحيم فارس الهواري برجلينك. قدام الناس إنتي مراتي وحبيبتي اللي بموت فيها، وفي الأوضة دي... هخليكي تتمني الموت وماتطوليهوش لحد ما أعرف مين الكلب اللي بيكلمك."
مسح دموعها بعنف وابتسم ببرود، وراح فتح الباب نص فتحة.
أخد الصينية من صفية وهو بيبتسم ابتسامة مصطنعة: "تسلم إيدك يا مرات عمي، تعبناكي معانا."
صفية حاولت تبص من وراه بخبث: "ولا تعب ولا حاجة، المهم العروسة كلت؟"
فارس قفل الباب في وشها بهدوء: "تصبحوا على خير يا مرات عمي."
قفل الباب بالمفتاح، ورماه في جيبه. بص لقمر اللي كانت ضامة نفسها بخوف على السرير.
"اليلة دي هتنامي على الكنبة.. ومش عايز أسمع صوت نَفَسِك." قالها فارس وهو بيقلب الصينية على الترابيزة وبياخد منها تفاحة بياكلها ببرود، وكأنه بيعاقبها بالجوع والخوف.
صباح اليوم التالي..
الشمس طلعت على دوار الهوارية. قمر مانامتس دقيقة، عيونها منفخة من العياط، وجسمها مكسر من نومة الكنبة. فارس كان صاحي قبلها، لابس جلبية صعيدي عباية بتزيد من هيبته، بيسرح شعره قدام المراية.
"اجهزي عشان ننزل.. إياك جدي يلمح حاجة في وشك، فاهمة؟" قالها من غير ما يبصلها.
قمر قامت بصمت، لبست درعها الواقي؛ عباية سودا راقية، وحطت نقابها اللي بيخفي وراها جبال من الحزن والكسرة.
نزلوا السلالم، فارس ماسك إيدها بقوة بتوجعها قدام الكل عشان يبانوا عرسان سعداء. الجد "رضوان" كان قاعد على رأس السفرة، وشه منور بابتسامة واسعة أول ما شافهم.
"يا صباح الرضا على عرسان الهوارية! اقعدي يا قمر يا بنتي جنبي هنا."
قعدوا، والسفرة كانت مليانة بخيرات ربنا. فجأة، الجد رضوان خبط بعكازه الأرض عشان يسكت الدوشة، وقال بصوت جهوري:
"اسمعوا يا ولاد.. أنا جمعتكم النهاردة عشان قرار خدته من زمان وجيه وقت تنفيذه. المحامي الأستاذ عادل جاي في الطريق. أنا هكتب نص أملاكي وأطياني، باسم قمر بنت الغالي، مهر ليها وتعويض عن يتمها!"
الكلمة نزلت كالصاعقة على الدوار كله. صفية شهقت وحطت إيدها على صدرها.
لكن الصدمة الحقيقية كانت من نصيب فارس وقمر. فارس بص لقمر بنظرة نارية، بصلها كأنه بيقولها: "الخطوة التانية من خطتك اتنفذت أهي.. كلام عشيقك طلع صح!"
قمر وشها بهت تحت النقاب، قلبها دق بعنف لأنها عرفت إن الموقف بيثبت التهمة عليها مليون في المية. صرخت من جواها: يا رب، إيه الفخ ده! وقبل ما حد ينطق بكلمة، البواب دخل وقال:
"جنابك يا عمدة، الأستاذ عادل المحامي وصل."
الجد رضوان: "دخله يا بني، خليه يدخل."
دخل الأستاذ عادل، راجل كبير في السن وبشوش، بس مكنش لوحده. كان معاه شاب في أواخر العشرينات، لابس بدلة شيك جداً، وابتسامته فيها ثقة مستفزة وغرور.
"السلام عليكم يا عمدة، جايبلك ورق التنازل جاهز على الإمضاء.. ومعايا 'طارق' ابن أخويا والمساعد بتاعي الجديد، لسه راجع من بره." قالها المحامي.
طارق قدم خطوة، ورفع عينه... جت عينه في عين فارس، وبعدين بص لقمر اللي قاعدة جمب فارس.
ابتسم طارق ابتسامة خبيثة جداً، وقال بصوت رنان، نفس الصوت، نفس النبرة الماكرة اللي سمعها فارس إمبارح على التليفون:
"ألف مبروك يا عريس... ومبروك يا عروسة، باين على وشك إنك 'مبسوطة' أوي."
فارس الدم هرب من وشه، قبض إيده لحد ما مفاصله ابيضت، وقام وقف فجأة وهو بيبص لطارق كأن وحش كاسر مستعد ينقض على فريسته. قمر حسّت إن الأرض بتنشق وتبلعها، الدوامة بتسحبها، وفارس دلوقتي متأكد إن عشيقها واقف قدامه في نص بيته!
