رواية مهرة الكابر الفصل الاول1بقلم نون



رواية مهرة الكابر الفصل الاول1بقلم نون
انبعث غبار كثيف من تحت حوافر الخيل وهي تضرب الأرض بقوة صوت الصهيل يملأ ساحة الدوّار الكبير 

وقف جاسر الكابر في شرفة قصره العالي يراقب تدريبات الخيول بعينين تشبهان عيون الصقر حادة لا تفوت شاردة ولا واردة

 كان طويل القامة عريض المنكبين بشرته لوحتها شمس الصعيد القاسية وشاربه الكثيف يزيده هيبة ووقاراً.. رجل يهابه الكبير قبل الصغير في "نجع الهواشم

نادى بصوته الجهوري الذي جعل الغفير مصلحي ينتفض في مكانه بالأسفل
يا مصلحي.. وقف الرماحة دلوك الخيل تعبت

هرول الغفير ورفع رأسه بخوف
أمر جنابك يا جاسر بيه بس

عقد جاسر حاجبيه وسأله بحدة:
بس إيه؟ انطق

أشار مصلحي بيده المرتجفة نحو الزاوية البعيدة من الإسطبل
فيه فرسة جموحة يا بيه 

الشيخ راضوان مش قادر يسيطر عليها، والبت بنته هي اللي دخلت عليها

لمع بريق غريب في عيني جاسر ولم ينتظر دقيقة نزل درجات السلم بخطوات واسعة وقوية وصوت "الجزمة" الجلدية يتردد صداه في المكان وصل إلى الإسطبل ليرى مشهداً أوقف الزمن للحظات

حصان عربي أسود هائج يضرب الأرض بقدميه، وأمامه فتاة
 لا بل كانت مُهرة بشرية

كانت دهب ابنة سايس الخيل الفقير عيناها بلون العسل الصافي وشعرها الغجري المتمرد هربت خصلاته من تحت طرحتها المهترئة كانت تقف بثبات أمام الحصان الهائج تهمس له وتمد يدها بجرأة لم يمتلكها الرجال.

سكن الحصان فجأة تحت لمستها، وكأنها سحرته.
لكن السحر الحقيقي كان قد أصاب جاسر الكابر.

صفق جاسر ببطء، صوتاً قطع الصمت فالتفتت دهب بفزع لترى سيد النجع يقف أمامها بابتسامة ساخرة تخفي وراءها رغبة جارفة.

اقترب منها ببطء، وقال وعيناه تتفحصها من رأسها لأخمص قدميها بوقاحة متعمدة
عفارم عليكي يا بت رضوان روضتي الوحش اللي عجزت عنه الرجالة

تراجعت دهب للخلف، وشدت طرحتها على صدرها وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتاً
الخيل بيحس يا بيه.. القسوة مابتجبش معاه نتيجة
الخيل عايز اللي يطبطب

ضحك جاسر ضحكة هزت صدره واقترب خطوة أخرى حتى حاصرها بجسده الضخم أمام باب الإسطبل الخشبي
والخيل بس اللي عايز طبطبة؟ 
ولا صاحب الخيل كمان؟

احمر وجه دهب غضباً ورفعت عينيها في عينيه بجرأة صدمته
أنا جاية أساعد أبوي يا جاسر بيه ولقمة عيشنا عندك لكن الكرامة مش للبيع

ضاقت عينا جاسر وتحولت ملامحه للجدية المخيفة همس بصوت كفحيح الأفعى
وانا مابشتريش غير الغالي
 والدهب  يا دهب.. واللي يعجب الكابر مبيطلعش من يده

تركها وركب خيلآ ومشى  نحو رضوان والدها الذي كان يرتجف خوفاً وأخرج رزمة من المال ورماها في حجر الرجل العجوز قائلاً بصوت سمعه الجميع
يا عم رضوان.. جهز بنتك
الليلة دخلتها المأذون جاي 

شهقت دهب بصدمة
 وصرخ والدها بفرحة ممزوجة بالذل
ده يوم المنى يا بيه.. ده الشرف لينا

نظرت دهب لوالدها بذهول ثم لجاسر الذي كان يركب حصانه وينظر إليها نظرة انتصار، صرخت فيه
أنا مش موافقة الجواز
 مش غصب

لف جاسر حصانه حولها وانحنى بجزعه حتى أصبح وجهه قريباً من وجهها وهمس لها وحدها
الكلمة هنا كلمتي.. والليلة هتكوني في فرشتي برضاكي أو غصب عنك.. إحنا صعايدة يا بت

والنسوان عندنا ملهاش غير السمع والطاعة

انطلق بحصانه تاركاً خلفه عاصفة من الغبار وفتاة تشتعل ناراً وأباً يجمع المال من على الأرض

مرت الساعات كأنها دهر
أجبرت دهب على ارتداء ثوب زفاف باهظ الثمن أرسله جاسر مع الخدم
 كانت تبدو كملكة متوجة لكن عينيها كانتا تفيضان بالدموع والقهر

زُفت إليه في موكب مهيب لم تشعر به حتى وجدت نفسها فجأة داخل غرفة نومه الواسعة

 الغرفة التي تشبه السجن الفاخر
أغلق الباب خلفه بالمفتاح وصوت التكة جعل قلبها يسقط بين
 قدميها

كان جاسر قد تخلص من عباءته وبقي بقميصه الأبيض مفتوح الصدر وعينيه تلمعان برغبة وتحدى اقترب منها ببطء وهي جالسة على طرف السرير ترتجف

قال بسخرية وهو يصب لنفسه كأساً من الماء
نورتي سجنك يا عروسة.. إيه؟ القطة أكلت لسانك ولا الخوف كبس؟

وقفت دهب فجأة ومسحت دموعها بعنف ونظرت إليه نظرة نارية
أنا مش خايفة منك يا جاسر بيه جسمي ممكن تشتريه بفلوسك وسطوتك لكن روحي وقلبي دول ملكي وعمرك ما هتطولهم

وضع الكأس من يده بعنف
 واقترب منها حتى التصق بها وأمسك ذقنها بقوة رافعاً وجهها إليه
أنا جاسر الكابر.. مفيش حاجة تعصى عليا والفرسة الشرسة متعتها في ترويضها

دفعته بيدها في صدره بقوة لم يتوقعها وتراجع خطوة للخلف مذهولاً من جرأتها

فاستغلت الفرصة وسحبت خنجراً صغيراً كانت قد خبأته في رباط فستانها ووجهته نحو رقبتها هي وقالت بصراخ

لو قربت مني خطوة واحدة
 هكون دابحة نفسي
 وتفضح نفسك في البلد كلها إنك قتلت عروستك ليلة دخلتها

تجمد جاسر في مكانه نظراته تحولت من رغبة إلى صدمة وإعجاب خفي
ابتسم ابتسامة جانبية خطيرة وقال بهدوء مرعب
نزلي السكينة يا مجنونة

مش هنزلها

طيب

خطى جاسر خطوة هادئة نحوها وعيناه مثبتتان في عينيها كأنه ينومها مغناطيسياً

وقال بصوت رخيم
وريني شطارتك يا تدبحي نفسك
يا تسلمي للأمر الواقع.. لأن الليلة دي مش هتعدي غير وأنتي مرتي قولا وفعلاً

هل ستخضع دهب لسطوة الكابر؟

                 الفصل الثاني من هنا

تعليقات



<>