رواية مهرة الكابر الفصل الثاني2بقلم نون
شرفك اشتريته بدمي أنتي مديونة لي بحياتك
ساد صمت مميت في الغرفة لم يقطعه سوى صوت أنفاس دهب المتلاحقة وهي تضغط نصل الخنجر على رقبتها الرقيقة حتى ظهرت قطرة دم صغيرة على بشرتها الخمرية
ظل جاسر واقفاً مكانه لم يهتز له جفن ولم تتغير ملامحه الباردة بل نظر إلى قطرة الدم تلك ثم رفع عينيه إليها ببطء وابتسامة شيطانية ترتسم على زاوية فمه وقال بصوت هادئ ومخيف
موتى كافرة ويضيع شرف أبوكي وأخواتك وفوق ده كله هتكوني مجرد خبر في الجرنال بكرة عروسة مجنونة انتحرت ليلة دخلتها
ارتجفت يد دهب لكنها صرخت بقهر وقالت الموت أهون لي من إني أكون جارية عندك
تحرك جاسر فجأة وبسرعة وقبل أن تستوعب دهب أو تغرز الخنجر كانت يده قد أطبقت على يدها الممسكة بالسلاح
ولم يحاول نزعه بالقوة بل ضغط بيده على النصل الحاد نفسه شهقت دهب برعب وهي ترى الدم يسيل من كف جاسر بغزارة
ويسيل على فستانها الأبيض وصرخت وهي تحاول سحب الخنجر خوفاً عليه سيب يدي
يدك بتنزف
لم يتركها بل اقترب بوجهه حتى لامس أنفاسها وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت وقال شوفتي إنك عيلة
اللي يرفع سلاح يا بت رضوان لازم يكون قد الدم وأنا دمي عمره ما نزل هدر وبحركة خاطفة انتزع الخنجر من يدها ورماه بعيداً ليرتطم بالحائط
ثم دفعها لتسقط جالسة على السرير ووقف أمامها وهو يلف منديله الأبيض حول جرح يده ببرود تام
وقال اسمعي الكلام اللي هقوله مرة واحدة لأن جاسر الكابر مابيعيدش حديثه أنتي دلوك مراتي شرعاً وقانوناً وده أمر واقع لا أنتي ولا الجن الأزرق يقدر يغيره
رفعت دهب وجهها الباكي وسألته عايز مني إيه
جلس جاسر على الكرسي المقابل للسرير ومد ساقيه بغرور وأخرج سيجاراً وأشعله بيد واحدة ونفث الدخان في الهواء
وقال أنا كنت ناوي أخليكي مرتي فعلاً الليلة بس بعد الحركة دي نفسي انسدت أنا مابخدش حاجة غصب ومابكلش طبيخ بايت
اتسعت عيون دهب بذهول وأكمل جاسر وهو ينظر لها بازدراء مصطنع أنتي هنا في القصر ليكي مهمة واحدة ترفعي راسي قدام الخلق بكرة الصبح الناس مستنية علامة الشرف وأبوكي الغلبان واقف بره مستني يرفع راسه
وقفت دهب بصدمة وسألت
قصدك إيه
وقف جاسر واقترب منها ثم مسح بيده السليمة دمعة سالت على خدها بلمسة خشنة أربكتها وقال قصدي
إن الليلة دي هتعدي زي ما أنا عايز والناس هتشوف اللي هما عايزينه لكن بيني وبينك أنتي هنا زيك زي الخادمة لحد ما أقرر أنا هعمل فيكي إيه ولحد ما تيجي راكعة تطلبي الرضا
وقبل أن ترد أمسك جاسر بقطعة قماش بيضاء كانت موضوعة على الطاولة وبحركة سريعة مسح بها جرح يده النازف فاصطبغت القماش باللون الأحمر
رمى القماش في وجه دهب وقال بقسوة خدي ده شرفك اللي هيفرح أبوكي بكرة
شرف اشتريته بدمي أنا يعني
من اللحظة دي أنتي مديونة لي بحياتك وسمعتك
أخذت دهب القماش ويدها ترتجف ونظرت إليه بمشاعر متضاربة كره وخوف وشيء آخر غامض كيف حول الموقف لصالحه وكيف ستر عورتها بدمه هو
أطفأ جاسر النور وتمدد على السرير بكامل ملابسه وأعطاها ظهره قائلاً بصوت نعس
نامي على الأرض السرير ده للكابر والجواري مكانهم تحت الرجلين
افترشت دهب الأرض بفستانها الباهظ ودموعها تنزل بصمت تنظر لظهره العريض وتقسم بداخلها والله لأدفعك تمن كسرتي دي يا جاسر والأيام بينا
في الصباح التالي استيقظت دهب على صوت طلقات نارية هزت القصر وانتفضت مفزوعة لتجد جاسر يقف بكامل أناقته أمام المرآة يصفف شعره
وكأن شيئاً لم يحدث بالأمس ونظر إليها في الانعكاس وقال بصرامة قومي اغسلي وشك والبسي العباية اللي هناك دي أهلك تحت
بعد وقت قليل
نزلت دهب خلف جاسر والزغاريد تملأ المكان النساء يباركن والرجال يطلقون النار في الهواء ابتهاجاً لهذه العدات ورأت والدها رضوان وعيناه تلمعان بالدموع احتضنها قائلاً رفعتي راسي يا بتي الله يرضى عليكي
شعرت دهب بغصة في حلقها أرادت أن تصرخ وتقول أن هذا دم يد جاسر وأنها ما زالت بكراً
وأنها ذليلة لكن نظرة واحدة حادة من عيون جاسر ألجمت لسانها
وفجأة انشق صف النساء وخرجت سيدة تبدو عليها العظمة والجبروت ترتدي عباءة سوداء وتضع كحلاً كثيفاً
كانت الحاجة صفية والدة جاسر ونظرت لدهب من فوق لتحت باحتقار لم تخفه وقالت بصوت مسموع مبروك يا ولدي مع إني كنت متمنية لك ست الستات مش بنت السايس اللي ريحتها إسطبل
انكمشت دهب في نفسها لكن جاسر وضع يده على كتف دهب بقوة بدت للناس حماية وبدت لها تملكاً
وقال بصوت جهوري دهب دلوك بقت حرم جاسر الكابر وكرامتها من كرامتي يا أما
واللي يهينها كأنه داس لي على طرف صمت الجميع بذهول وابتسمت دهب بداخلها للحظة ظنت أنه يحميها لكنه مال على أذنها وهمس بما جمد الدماء في عروقها ماتفرحيش قوي أنا بس مابحبش حد ييجي على أملاكي لكن الحساب الحقيقي هيبتدي
ثم نادى بصوت عالٍ يا غفير جهز الفرسة الجموحة الهانم هتنزل تدربها بنفسها دلوك قدام الكل
شهقت أمه وقالت أنت بتقول إيه يا جاسر عروسة يوم صباحيتها تنزل الإسطبل
ابتسم جاسر بخبث ونظر لدهب نظرة تحدي وقال مراتي وأنا حر فيها مش هي شاطرة في ترويض الخيل وريني شطارتك يا بنت رضوان يا تركبي الفرسة يا ترجعي بيت أبوكي
نظرت دهب للفرسة التي كانت أشرس من التي قبلها ثم نظرت لجاسر ورأت في عينيه قراره
يا تكسري خوفك يا أكسر أنا رقبتك فشمرت دهب أكمام عباءتها ومسحت دموعها وقالت بصوت سمعه الجميع وأنا قدها يا ولد الكابر
خطوة واحدة تفصل بين الحياة والموت.. فهل ستُروض دهب الفرس الهائج وتكسر أنف الكابر
أم ستكون نهايتها تحت حوافر الخيل أمام الجميع؟
