رواية قمر الهواري الفصل الثالث3بقلم نور محمد


رواية قمر الهواري الفصل الثالث3بقلم نور محمد

وقف فارس مكانه كأنه جبل بركان على وشك الانفجار، صدره بيعلى ويهبط بعنف، وعيونه متثبتة على "طارق" بنظرة كفيلة تقتله في مكانه. صوابعه اتكورت لحد ما عروق إيده برزت وكادت تنفجر. قمر كانت قاعدة جنبه، حاسة بقلبها هيقف من الرعب؛ لو فارس نطق بكلمة واحدة، فضيحتها هتبقى بجلاجل في الدوار كله، وجدها رضوان ممكن يروح فيها.
الجد رضوان لاحظ وقفة فارس الغريبة، عقد حواجبه وسأل بصوته الجهوري:
"مالك يا فارس يا ولدي؟ وقفت كأن لدغتك عقربة ليه؟"
فارس بلع ريقه اللي طعمه زي الدم، أخد نفس عميق بيحاول يسيطر بيه على وحش الغيرة والشك اللي بياكل في صدره، ورسم ابتسامة باردة جداً، كلها وعيد، وقال وهو بيبص لطارق:
"مفيش يا جدي.. بس برحب بالضيف. نورت دوار الهوارية يا أستاذ.. طارق. خطوة عزيزة، وصدقني.. دخول الدوار مش زي خروجه."
طارق حافظ على ابتسامته المستفزة الماكرة، ورد بثقة:
"ده نورك يا فارس بيه. أنا بس جاي أخلص شغل... وأمشي."
المحامي عادل فتح الشنطة وطلع ورق التنازل وحطه قدام قمر، وقدم لها القلم:
"اتفضلي يا بنتي، امضي هنا وهنا، وتبقى نص أملاك الهوارية، من أراضي ومصانع، باسمك وتحت تصرفك."
الصمت خيم على السفرة. صفية كانت بتعض على شفايفها من الغل، عيونها بتطق شرار. طارق كان بيبص لقمر بنظرة خفية كأنه بيقولها: "يلا، نفذي الخطة." أما فارس، فنزل عينيه لقمر، نظرة كلها احتقار وتحدي، مستنيها تمضي عشان يثبت لنفسه وللكل إنها رخيصة وخاينة، وساعتها مش هيرحمها.
قمر مدت إيدها المرتعشة، مسكت القلم. حست إن القلم أتقل من جبل على صوابعها. رفعت عيونها من تحت النقاب، بصت لطارق اللي ابتسامته وسعت، وبصت لفارس اللي شفايفه اترفعت بسخرية مميتة.
في اللحظة دي، كبرياء قمر، وتربية عمها الغالي، وكرامتها اللي فارس داس عليها، كلهم ثاروا جواها.
سابت القلم من إيدها، ووقفت بشموخ فاجأ الكل، وصوتها طلع ثابت، قوي، بيرن في قاعة السفرة:
"أنا مش همضي يا جدي."
الكلمة نزلت زي حجر تقيل في بركة مية ساكنة. طارق ابتسامته اختفت تماماً وملامحه اتعوجت بصدمة. فارس عقد حواجبه بذهول، كأنه مش مصدق ودانه. أما الجد رضوان، فخبط بعكازه وقال باستغراب:
"بتقولي إيه يا بنتي؟ ده حقك، وده تعويضك، ومهرك من فارس!"
قمر لفت وبصت لجدها، وقالت بصوت مليان عزة نفس:
"عفواً يا جدي، أنا بنت الهوارية، وبنت الهوارية مابتاخدش تمن لجوازها. فارس ابن عمي، وهو سندي وضهري، وهو ثروتي الحقيقية. طول ما جوزي عايش وبخير، أنا مش محتاجة لا فدادين ولا مصانع. أنا كرامتي وحمايتي في ضل راجلي.. مش في ورق وعقود."
الكلام كان زي السحر. الجد رضوان عينيه دمعت من الفخر، وابتسم وقال: "أصيل يا بنت الغالي! أصيلة وبنت أصول."
صفية اتنفست الصعداء من غير ما حد يحس، بس طارق كان بيبص لقمر بنظرة غضب مكتوم، كأن خطته كلها انهارت.
فارس كان واقف متسمر. الكلمات زلزلت كيانه. إزاي ترفض الثروة دي كلها؟ مش دي الخطة؟ مش ده اللي الكلب اللي اسمه طارق قالهولها في التليفون؟ عقله كان في صراع مميت بين اللي سمعه بودنه، وبين الموقف النبيل اللي شافته عينه دلوقتي.
الجد رضوان أنهى الجلسة: "خلاص يا أستاذ عادل، شيل ورقك. طالما العروسة رافضة، الفلوس هتفضل باسمي لحد ما ربنا يرزقهم بولي العهد، وساعتها هكتبله كل حاجة. اتفضلوا نفطر."
بعد الفطار، طارق والمحامي مشيوا. فارس ماستناش ثانية واحدة، مسك إيد قمر بقوة وسحبها وراه على السلالم للجناح بتاعهم، وقفل الباب بالمفتاح ورماه على السرير.
قمر شالت النقاب، بتاخد نفسها بصعوبة من قبضة إيده، بس لقته بيهجم عليها، بيحاصرها في زاوية الأوضة، وعينيه بتلمع بنار جديدة:
"إيه اللعبة الجديدة دي يا قمر؟ رفضتي تمضي ليه؟ حاسين إن اللعبة اتكشفت فبتغيروا الخطة؟ ولا طمعانين في التركة كلها لما أجيبلك ولي العهد زي ما جدي قال؟"
قمر مابكتش المرة دي. رفعت راسها وبصت في عينيه الخضرا بتحدي غير مسبوق:
"إنت مريض يا فارس! مريض بالغرور والشك. أنا لو طمعانة كنت مضيت والفلوس بقت في حسابي، وساعتها أعلى ما في خيلك اركبه. أنا رفضت عشان أثبتلك إن التليفون اللي إنت كسرته ده ملعوب! أنا معرفش طارق ده ولا عمري شفته. في حد في الدوار ده بيكرهني وبيكرهك، وهو اللي رتب المكالمة دي وقت ما إنت كنت معايا، عشان يحرق قلبي ويخرب بيتنا!"
فارس ضحك باستهزاء: "والمفروض أصدق إنك بريئة، والصدف العجيبة دي كلها بتحصل لوحدها؟"
قمر ردت بقوة: "لو مش مصدقني، راقب طارق.. راقب عيلتك يا فارس. شوف مين اللي مستفيد من حريق مخازنك ومن طلاقي منك."
سابتله المكان ودخلت البلكونة بتاعت الجناح اللي بتطل على الجنينة الخلفية للدوار، تحاول تبرد نار قلبها.
في منتصف الليل...
السكون كان تام. فارس كان نايم على السرير بيتقلب، مش قادر يغمض عينه. قمر كانت قاعدة على الكنبة في الضلمة، باصة من الشباك بتفكير عميق.
فجأة، قمر لمحت حركة غريبة في الجنينة الخلفية تحت بين الشجر. ركزت عيونها في الضلمة... كان في ظل راجل واقف، وبعد ثواني، باب المطبخ الخلفي اتفتح براحة، وطلعت منه ست متلفتة حواليها ولابسة شال أسود.
قمر شهقت بصوت واطي لما نور القمر كشف ملامح الست... دي "صفية" مرات عم فارس!
والراجل اللي ظهر من بين الشجر وراح وقف معاها مكانش حد غريب... ده كان "طارق"!
قمر حطت إيدها على بوقها من الصدمة، لسه هتقوم من مكانها، حست بإيد قوية جداً بتكتم بوقها من ورا، ودراع تاني بيلف حوالين وسطها بيثبتها مكانها.
قلبها كان هيقف من الرعب، بس شمت ريحة عطره القوية، وعرفت إنه فارس.
فارس همس في ودنها بصوت واطي جداً، صوته كان بيرتعش من الصدمة والغضب الحقيقي المرة دي:
"هش... إياكي تطلعي صوت. خلينا نشوف مرات عمي المصون وعشيق الهانم متفقين على إيه بالظبط."
فارس كان واقف ورا قمر في الضلمة، بيراقب المشهد اللي تحت، واللي قلب كل موازين تفكيره، وفتح باب جديد لجحيم ملوش آخر!

                     الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>