رواية قمر الهواري الفصل الرابع4بقلم نور محمد


رواية قمر الهواري الفصل الرابع4بقلم نور محمد

أنفاس فارس الساخنة كانت بتضرب في رقبة قمر، وإيده اللي كاتمة بوقها بترتعش من هول المفاجأة. الاتنين واقفين في ضلمة البلكونة، عيونهم متشعلقة باللي بيحصل تحت في جنينة الدوار.
سكون الليل كان بيسمح لبعض الكلمات توصلهم زي طعنات الخناجر. صوت "صفية" كان مليان غل وتوتر وهي بتكلم "طارق":
"إنت غبي! إزاي تخلي البت ترفض تمضي؟ إحنا متفقين إنها تمضي عشان نتهمها بالسرقة والطمع، وفارس يطردها بفضيحة، وتخلى الساحة لابني ياخد الورث كله!"
طارق رد ببرود وهو بيولع سيجارة في العتمة:
"اهدي يا ست صفية. اللي حصل النهاردة مجرد تأخير. الأهم إن المقلب بتاع التليفون جاب نتيجة ممتازة. أنا شفت الشار في عين فارس النهاردة.. زمانه موريها الويل ومصدق إنها عشيقتي وإنها اللي حرقت المخازن. أيام بالكتير وهيرميها بره الدوار بفضيحة، وساعتها العمدة رضوان مش هيتحمل الصدمة ويموت فيها، والتركة كلها تبقى تحت أمرك، وناخد نصيبي اللي اتفقنا عليه."
صفية ضحكت بخبث: "عفارم عليك يا طارق. بس إياك فارس يشم خبر إن إنت اللي دبرت حريقة المخازن عشان تكسر ضهره، وإني أنا اللي حطيت التليفون في أوضتهم."
فوق في البلكونة...
الكلام وقع على فارس زي جردل ماية تلج في عز الشتا. إيده اللي كانت محاوطة قمر سابتها ببطء، ورجع خطوتين لورا كأن الأرض بتسحب من تحته. كل لحظة قسوة، كل كلمة إهانة، وكل نظرة شك رماها لقمر، رجعت تضرب في قلبه زي الرصاص.
قمر لفت ببطء وبصتله. في العتمة، قدرت تشوف الانكسار والانهيار في عيون الصقر اللي كان من ثواني بيتهمها بأبشع التهم.
فارس حط إيده على راسه، بياخد نفسه بصعوبة كأنه بيختنق. حاول يتكلم، صوته طلع مبحوح ومكسور:
"قمر... أنا... أنا..."
قمر رفعت إيدها ووقفته بإشارة حاسمة، عيونها كانت بتلمع بالدموع بس كبريائها كان أقوى:
"وفر كلامك يا فارس بيه. دلوقتي بس صدقت؟ لما سمعت بودانك؟ لو مكنتش شفتهم بعينك، كنت هتفضل شايفني الخاينة الرخيصة اللي طمعانة في فلوسكم. إنت دبحتي بسيف شكك، والكسرة اللي في قلبي منك دلوقتي ميت اعتذار مش هيداويها."
فارس حس بنار بتاكل في ضلوعه. غضبه من نفسه ومن صفية وطارق عماه. التفت فجأة ناحية الباب، وعينه بتطق شرار:
"ورحمة أبويا لكون نازل دافنهم الاتنين في مكانهم! هخليهم عبرة للي يفكر يمس شعرة من مراتي أو يقرب من مالي!"
لسه هيفتح الباب، قمر مسكت دراعه بقوة، وقفت قدامه بشراسة:
"إنت اتجننت؟ هتنزل تقتلهم وتضيع نفسك وتدخل السجن؟ وجدك رضوان اللي نايم تحت ده، تفتكر هيستحمل الفضيحة والدم في بيته؟"
فارس زعق بصوت مكتوم: "أومال أسيبهم؟ أسيب الكلب اللي حرق شقايا واللي رمى عليكي الباطل يمشي على رجليه؟"
قمر بصتله بثبات وذكاء بيلمع في عيونها الخضرا:
"لأ، مش هنسيبهم. بس الهوارية مابياخدوش حقهم بالغباء، بياخدوه بالدهاء. إحنا هنلعب معاهم نفس اللعبة، بس بقواعدنا إحنا. هنخليهم هما اللي يفضحوا نفسهم قدام جدي وكل البلد، من غير ما إيدنا تتوسخ بالدم."
فارس بص لقمر بانبهار حقيقي. البنت الرقيقة اللي كان فاكرها ضعيفة ومكسورة، طالعة بميت راجل، وبتفكر بحكمة أكتر منه في عز غضبه. مسك إيدها اللي كانت ماسكة دراعه، وباسها بعمق وندم حقيقي، وقال بصوت مليان رجاء:
"أنا مستاهلش ضفرك يا قمر... بس قسماً بالله، لردلك اعتبارك قدام الكل. سامحيني، وخليني أبقى سيفك في اللعبة دي. إيه خطتك؟"
قمر سحبت إيدها بهدوء، لسه الجرح جواها بينزف، بس قالت بجدية:
"الخطة إننا نخليهم يطمنوا. من بكرة الصبح، لازم يقتنعوا إننا بنكره بعض أكتر من الأول، وإنك خلاص على وشك تطلقني. لازم صفية وطارق يحسوا بالأمان عشان يغلطوا الغلطة الكبيرة."
فارس ابتسم ابتسامة ذئب مجروح لقى فريسته: "موافق.. هنمثل عليهم مسرحية ميتخيلوهاش."
في صباح اليوم التالي...
الدوار كله صحي على صوت تكسير وزعيق جاي من جناح العرسان.
فارس فتح باب الجناح ورزعه وراه، ونزل السلالم زي الإعصار، وقمر واقفة على باب الأوضة بتعيط ومنهارة (تمثيل متقن)، وبتصرخ:
"طلقني يا فارس! أنا مش هعيش معاك دقيقة واحدة بعد الإهانة دي!"
فارس رد بصوت رعد الدوار كله، وهو قاصد يُسمع صفية اللي كانت طالعة تجري من المطبخ على الصوت:
"طلاق مش هطلق! هخليكي كده زي البيت الوقف لحد ما تعترفي مين اللي كان بيكلمك وعلاقتك إيه بحريقة المخازن! جدي لو عرف، هيطردك بفضيحة!"
الجد رضوان خرج من أوضته مخضوض بيسند على عكازه: "في إيه يا فارس؟ إيه الزعيق ده من صباحية ربنا؟"
فارس بص لصفية اللي كانت بتكتم ابتسامة نصر خبيثة، ورجع بص لجده وقال بغضب مصطنع:
"مفيش يا جدي، خلاف بسيط وهحله بطريقتي. أنا رايح الأرض."
وسابهم ومشي بره الدوار، كأنه فعلاً وصل لقمة غضبه.
صفية جريت على قمر بخبث، حضنتها وهي بتمثل الحنية:
"يا عيني عليكي يا بنتي.. معلش، فارس عصبي. تعالي معايا أوضتي ارتاحي واحكيلي، هو عرف حاجة عن... التليفون؟"
قمر بصت لصفية من تحت النقاب، وعيونها بتسجل كل حركة، وقالت بدموع مزيفة:
"أنا ضعت يا مرات عمي، فارس هيفضحني."
صفية ابتسمت بانتصار، بس فجأة...
صرخة مرعبة رنت في الدوار، صرخة جاية من أوضة مكتب الجد رضوان!
قمر وصفية جريوا على المكتب، وكانت الصدمة... الجد رضوان واقع على الأرض، فاقد الوعي، والخزنة بتاعته اللي فيها كل عقود الأراضي والمصانع... مفتوحة ومسروقة!

                 الفصل الخامس من هنا
تعليقات



<>