رواية غرام في العالم السفلي الفصل الواحد والاربعون41 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل الواحد والاربعون41 بقلم داليا السيد 

أنا لست ابنك

الأمومة ليست كلمة من بعض الحروف، هي معنى، احتواء، ضمة ذراع، خوف بالعيون، سهر بالليال..

دعوات لا نسير بدونها.. 

ولو رحلت لن نعيش سوى ألم ومرارة الفقدان..

اللهم ارحم أمي وكل أمهات المسلمين.. 

أنس وقف لرؤيته رغم أن الوقت كان مبكرا، كان يعلم أنه عاد، ليس ليستقر بالفراش وإنما ليعيد مكانته التي يستحقها

ليمنح من تجاوز عليه عقابه الذي يستحقه، من تجرأ على امرأته بغيابه، من فكر باقتحام بيت الديب

"أنس!؟"

تحرك له ونظراتهم تعني الكثير، اشتياق لتلك الأيام ورغبة بعودتها

توقف أمامه والنظرات تحتضن بعضها البعض حتى نطق "افتقدتك هارون"

ودفع نفسه لأحضان صديقه

وصاحبه وليس الريس، هو من استجاب لأحضان صديقه، هو أيضا افتقدهم وكره الوحدة التي سقط بها بابتعاده عنهم

ربت على كتف رفيقه حتى ابتعدا "تركت زوجتك مبكرا هكذا"

تحركا للمكتب وهارون يسترجع كل شيء بالمكان ووجده على حاله "ليال لم تستبدل أي شيء، كانت تعلم أنك عائد"

جلس خلف مكتبه والفانيليا التصقت به فستنشقها وهو يذكر كيف جذبته من غضبه للهدوء ونام ورأسها على صدره "أريد أن أنام هارون"

"كيف كانت حياتك بالشهور الماضية؟"

تذكر دعاء ووالدها وحياته بتلك الفترة، حب دعاء هو ما دفعه للرحيل، لم يكن يقبل بكسر قلبها أكثر وأراد معرفة من هو

"لم أكن أحيا أنس، كنت فاقد لكل معاني الحياة، أخبرني عن ألاء وكيف تزوجت ابنة أحمد فهمي؟ تعلم أنه لا يسقط بطريقنا"

الصمت حل بينهم ثم بدأ يحكي له كل ما فات فالفانيليا لم تفعل، نامت بأحضانه من التعب فجرحها لم يندمل بعد..

**** 

لم ترى خديجة النوم.. ظلت جالسة بمنتصف الفراش، تعلم أن ابنتها غاضبة لما حدث بينهم ولكنها لم تكن مشغولة بها..

هو.. هو من سيطر عليها.. ألا يمكنها مواجهته؟

لابد أن تفعل.. تتحمل نتيجة فعلتها.. تحصد ما زرعت..

النهار ارتفع بعد ليل طويل

رفعت رأسها والتعب واضح على وجهها، تقدم العمر مع سنوات العمل المرهقة أكلت صحتها، جعلتها تبدو أكبر من عمرها بسنوات..

نفضت الغطاء وتحركت لاستبدال ملابسها..

جميلة نائمة.. 

ظلت واقفة أمام فراشها، هل توقظها وتطلب منها أن تسامحها على ما كان؟

تركتها تنام وقد أدركت أنها باتت تبكي كثيرا من المناديل الورقية بسلة القمامة..

وقفت أمام باب جناحه.. هل استيقظ؟ 

كيف يبدو وهو نائم؟ هل ينام على ظهره أم جانبه؟ بل أي جانب؟

رفعت يدها لتدق الباب لكنها علقت بالهواء وقلبها يرتجف.. خائفا.. 

بالأمس رفضها.. لم يمنحها ولو نظرة واحدة.. 

ليال أوقفته.. هي حقا تملكه، هل سيكون لها مثل هذا التأثير عليه بيوم ما؟

سقطت يدها بجوارها وابتعدت

نزلت ربما تنال قدح قهوة عندما رأت صفوان يدخل من الباب فتوقفت 

"صباح الخير"

حاولت الابتسام، عيونها المتورمة منحته نبذة عن حالتها فلم يعلق "صباح الخير"

شبكت أصابع يداها معا، فركتهم بقوة تألمت منها "هل.. هل رأيته!؟"

أشفق عليها، يرى وجهها الشاحب ونظراتها الزائغة ولكنه أيضا رأى تصرف هارون بالأمس "ليس بعد، ينتظرني بالمكتب"

دقات قلبها كانت مؤلمة، مخيفة، تشعر وكأنه سيتوقف فجأة عن الدق ويتركها ويرحل لأنه لا يتحمل كل هذا الألم

صفوان أدرك ما تعانيه تلك الأم، عيونها الذابلة من البكاء، وجهها الشاحب، التيه والضياع الذي تبدو عليه جعل العملاق يفهم.. 

ورغم أنه قليل الكلمات لكنه منحها بعض منهم "لا تغضبي منه، هو فقط يحتاج لوقت"

دمعت العيون المتألمة وتاهت منها الكلمات "أنا لا أعرف هل سيمكنني رؤيته ومواجهته أم من الأفضل أن أرحل؟"

الصمت لا مكان له هنا، الكلمات قد تمنحها سكينة والغريب أن المنفذ هو من يحاول منحها الراحة "انتظري حتى تتحدثي معه وبعدها قرري"

وتحرك للمكتب فقد اشتاق لرؤية صديقه، رفيقه..

من أنقذه من الإعدام ومنحه حبل النجاة من الضياع وأخذه لجواره فالتصق به حتى أصبح ظله الذي لا يفارقه

"صباح الخير"

رآه، واقفا بشموخ كما اعتاد أن يكون، عاد الزعيم ولف كل الخيوط بيده، عاد كل شيء لمكانه الصحيح "اشتقت لك يا رجل"

ولم ينتظر وهو يحتض رفيقه وصديقه، هو أيضا اشتاق لهم، أراد الالتفاف بهم ونسيان تلك الشهور التي عانى فيها الوحدة

كاد ينتهي وهو يصارع جسار وعاد من أحضان الموت لظلام سقط عليه جعل ماضيه صفحة بيضاء قاومها حتى جذبته الفانيليا من الفراغ الذي كان يغرق به

ابتعد عن رفيقه الذي كان يشبع نظراته منه "هل الزواج جعلك كسولا يا رجل؟"

رحلت الابتسامة، حل محلها تجهم، جمود، كما تبدلت ملامح أنس وهارون أدرك ذلك "ماذا حدث؟"

"انفصال، طلاق"

وابتعد وهارون يتابعه بعيون فارغة لا يعرف أحد ماذا تخفي خلفها "ألا تظن أنك تعجلت الأمر؟ ظننت أنك تحبها وهي كذلك؟"

لم ينظر له، لم يعد قلبه يتألم لفراق امرأة لم تقدر مشاعره ولم تفكر سوى بأشياء لا معنى لها "هذا ما ظننته أنا أيضا لكن هي كان لها أحلام أخرى"

والتفت له وأكمل "لم ترغب بأولاد، وأشياء أخرى"

"أشياء أخرى مثل المكانة والسلطة، زوجة الريس مثلا؟"

التفت صفوان له وقد لمعت الخضراء بعيونه، أنس رفع حاجبه بدهشة فصفوان لم يخبره الاسباب بل ليال فقط من عرفت وهو يعلم أنها لن تتحدث أبدا

"هارون عن ماذا تتحدث؟"

اقترب منه، لم يجلس بمقعد الزعامة من فراغ، هو تعلم أن يغوص داخل أعماق من أمامه.. يسمع كلماته ويقرأ ما بين السطور

توقف أمامه، يناطحه الطول مع اعتبار ضخامة العملاق بالطبع "أنت مساعدي الأيمن صفوان، رقم واحد بعدي ومن الطبيعي أن تخلفني، لكنك نفذت كلماتي ووضعت ليال وهذا لم يعجبها"

"هارون أنا لم أفكر أبدا.."

وضع يده على كتفه، أوقف كلمات لا معنى لها "أعلم، أنا أتحدث عنها، هي ليال من وضعتها بطريقك، تحبكم بشكل يثير غيرتي"

وتراجع لمكتبه وصفوان يرد بلا تفكير "هي أخت وصديقة وأنت تعلم ذلك"

نعم يعلم ولا يشك أبدا هو فقط يمزح، جلس وصفوان يتبعه ليقف بجواره ويمد له يده فأسقط نظراته ليرى ما يخصه.. 

السلسة والخاتم.. 

رأى السلسة بعنق ليال بليلة الحادث ولكنه نساها بين هلعه عليها، مد يده وأخذها مرتديا إياها "أريد نبذة غير مختصرة عما فقدته بغيابي"

صفوان أراد سؤاله عن خديجة لكنه تأنى بالأمر حتى الوقت المناسب

**** 

ألاء من رافقتها منذ الصباح، الريس أرسل الإفطار لزوجته وأمر بعدم الخروج من غرفتها وهي أطاعت فقد كانت متعبة

الجرح والحمل وعدم النوم جعلها تتناول إفطارها مع ألاء وتبادلا أحاديث طريفة حتى دق الباب فأذنت..

وقفت ألاء لرؤية خديجة، تفهمت أن لا مكان لها الآن "ليال أنا بالخارج"

خديجة تحركت لها، غرفة الجلوس بها أريكة مريحة استلقت عليها والتلفاز يعمل، أغلقته "تفضلي مدام خديجة"

جلست المرأة بالمقعد المواجه لها، ليال رأت كل ما رآه صفوان وتألم قلبها للمرأة كما تألم لزوجها "أردت الاطمئنان عليكِ ليال وعلى الطفل"

يدها لمست بطنها بحنان وابتسامتها أشرقت بعد عودة قلبها "الحمد لله بخير، كلانا بخير"

نظرت خديجة ليدها، أصابعها تعبث ببعضها البعض، لكن عيونها لا ترى شيء، فقط الخوف والفزع من أن يلقيها بعيدا عنه بعد أن وجدته

"أنا أظن أني لابد أن أرحل، هو لن يتقبل وجودي"

رحلت ابتسامتها وهي تذكر حالته بالأمس، لم تحاول فتح الموضوع واكتفت بوجوده معها وتمضية ليلة سعيدة وهادئة بين ذراعيه "أنا أرى أن تنتظري قليلا، هارون لن يتقبل وجودك بيوم وليلة وكلانا يفهم ذلك"

رفعت وجهها لها، ليال لا تضع زينة حول كلماتها، تنطق بها كما هي وإن كانت تجيد اختيار الكلمات 

"أنا.. أنا خائفة ليال، لا أعرف كيف يمكنني أن أطلب منه السماح وأنا سبب كل ما عاناه بحياته؟"

هذا ما كانت تفكر به أيضا ولم تجرؤ على فتح الحديث معه "فقط هو بحاجة لوقت، هارون عائد من فقدان ذاكرة لإصابتي، لمشاكل لا حصر لها ووجودك بحد ذاته صدمة له وعلينا منحه الوقت"

هي على حق ولكن قلبها يتعجل الأمر، يتمنى أن يضم من فقدته بيوم ولادته، لا تعلم كيف فعلت ذلك؟

نهضت ودموعها تتبعها "معكِ حق، فقط لو رغب برحيلنا أخبريني ليال لا أرغب بأن أكون عبأ عليه"

صمتت، لا كلمات لديها لتجيب بها، هي لن تجادل بما يخصه "سأفعل"

خرجت وتراجعت ليال ثم جذبت هاتفها وهاتفته فأغلق..

ظلت تنظر للفراغ أمامها، لا تعرف كيف يمكنها فعل أي شيء لمساعدة أم على استرجاع ابنها وهي تعلم أنها أم مذنبة ولكن.. 

قلب الأم لا يمكن مهاجمته مهما بلغت قوته..

انفتح الباب وعاد لها ريس قلبها "ظننتك نائمة"

ابتسمت له وهو يشرق عليها ويمنحها النور بعد الظلام الذي ضاعت به بغيابه..

قبلته سكنت على شفاها "نمت كثيرا وكأني لم أنم منذ سنوات، انتهيت مما كنت تفعله؟"

تحرك وجذب عصير من المبرد وعاد ليجلس حيث كانت خديجة "لا شيء ينتهي ملاكي لكنك كنتِ رجل أعمال جيد"

ضحكت صغيرته، عادت ضحكتها ترتفع بعد أن منعت حتى الابتسامة من أن تزور شفتيها "والآن أجازه مفتوحة يا ريس، أحتاج للراحة هارون، الراحة بوجودك معي حبيبي"

تلمع عيونه لتلك الكلمات، تعود الحياة لقلبه، يتذوق السعادة معها فقط "ولن ترتدي الأبيض مرة أخرى"

هزت رأسها موافقة، لن تفعل أي شيء مما كانت تفعله بغيابه، ستهجر كل ما يمكن أن يذكرها بتلك الأيام 

"هل حاولتِ حل أمر صفوان وأسما؟"

منحته إجابة مختصرة "الأمر عندما يمس الأولاد لا يمكن حله هارون"

أنهى العصير ورفع عيونه لها "والسلطة؟"

لم ترد وهو يحاورها بكل ما فات حتى توقف عند ألاء "تعلمين ردي على هذا ليال"

نهض ودقات الباب تناديه، فتح وثمية تدخل بالغداء "الآنسة جميلة أرادت الخروج وسيد صفوان تشاجر معها"

ضاقت عيونه، تجهمت ليال ومشاجراتهم لا تتوقف وليال من ردت "هل تراجعت؟"

وقفت باعتدال وهارون اختفى بغرفته، يرفض أي شيء يخصهم، ترك لها ما كانت هي سببه ونزع يده

"نعم، سيد أنس أوقفهم"

عاد وقد استبدل ملابسه وهي تتابعه وهو يجلس لتناول الطعام معها "هارون"

لم ينظر لها فقط كلمات حاسمة "لا تفعلي"

نبرته الآمرة أوقفتها، ما زال الغضب وحش رابض داخله وهو يوقفه عنها وعن الطريق الذي رغبت بوضعه عليه 

"وماذا هارون؟"

تناول الطعام وهي تنظر له، تنتظر إجابته وهو لا يجيب، لا ينظر لها، لا يرغب حتى بالتفكير بالأمر، لا يرتد لسنوات طواها ولن يعيدها الآن، لن يقبل بذكرى سيئة، مؤلمة بأن تهاجمه 

"أخبرتك، أبعديها عن طريقي كما وضعتيها"

كان جاد وكلماته حاسمة، ملامحه لا تمنحها أي شيء

صمتت وتناولت الطعام بلا شهية، الشهر السابع ليس جيد كالشهور الماضية 

"لم تخبرني عن تلك الشهور التي عشتها بعيدًا عني"

تناول الأرز وعيون دعاء الباكية تهاجمه، حبها، إصرارها أن ينسى الماضي، هروبه لأول مرة بحياته من عالمها 

"هارون، أنا أتحدث معك"

لم يواجها، لن يخبرها أن امرأة أخرى كانت تنافسها حبه فهو لم يحب سواها

بكلمات سهلة وبسيطة منحها ملخص لكنها شعرت بشيء ناقص "دعاء هذه الطبيبة التي كانت تباشر حالتك؟"

تراجع وقد انتهى من الطعام وواجه نظراتها "نعم"

ونهض، رفع الهاتف "قهوة ثمية وشيء دافئ للباش مهندسة"

التفت فرآها خلفه، عيونها ترتكز على عيونه، ترغب باختراق ما يخفيه عنها "وهل ظلت تباشر حالتك بعد خروجك من المشفى؟"

أبعد خصلاتها عن رموشها، ومرر أصابعه على وجنتها "لم أحتاج لمن يفعل صغيرتي فخروجي عنى أني شفيت"

لكن قلبها كان يخبرها شيء آخر "كيف وأين كنت تعيش؟"

هي لا تقنع بما قال وكامرأة تعشق زوجها لن تتوقف "شقة صغيرة بإيجار رمزي وعملت بمصنع ملابس هناك حتى رغبت بالبحث بمكان آخر كي أتذكر أي شيء"

وتحرك ليفر منها ولكنها رفعت يداها على صدره وأوقفته وعاد لعينيها الغارقة بالسواد، أدرك ما يسكن بهما ولم يمكنه جرح قلبها فلن تصدق أنه لم يكن يرى أي امرأة حتى بغيابها لكن..

"أنت لم تخبرني كل شيء هارون، تلك الدكتورة لها شيء تخفيه"

لحظة مرت كالدهر، حاول البحث عن كلمات وكريس لا يهاب أحد لكنه لا يمكنه جرح امراته

أحنى رأسه كعادته معها، منحها لمسة أخرى على وجنتها "ليال هل تظنين أني لو فكرت بامرأة أخرى سواكِ كنت عدت لكِ؟"

رحلت الدموع لعيونها بنفس اللحظة، بلا سبب شعرت بالضعف، بأنه فعلا قد يكون فكر بامرأة أخرى وعاش حياة أخرى معها

هرمونات الحمل..

دموعها مزقته فأحاط وجهها براحتيه "ملاكي، أنتِ كنتِ معي حتى وأنا فاقد الذاكرة، كنت أسمع كلماتك وضحكتك، كنت أشعر بكِ داخلي، أنا لم أكن أبحث عن أي ماضي أنا كنت أبحث عنك"

بلا مقدمات رفعت يداها وتعلقت بعنقه، كعادتها لا تهتم بأي أحد أو أي شيء، تلقي نفسها بأحضانه وهو يضمها له بقوة حبه لها 

"أحبك هارون، لا أتخيل امرأة أخرى بحياتك، سأموت هارون، سأموت"

شد عليها بذراعيه وجنونها يمزقه، يزيد من عشقه لها وخوفه عليها "لا توجد امرأة سواكِ يمكن أن تسكن قلبي صغيرتي فهو ملكك منذ كنتِ بالعاشرة"

**** 

الجنون هو عدم القدرة على السيطرة على العقل..

أحيانا يكون مجموعة من السلوكيات الشاذة التي يقوم بها أصحابه بدون وعي وإدراك

وهو فقدان السيطرة على العقل، قد يكون في لحظة معينة وقد يستمر الأمر فترة طويلة 

بالنهاية لا يوجد سبب واحد للجنون علميا لكن بالواقع تلك الفتاة ستكون سببا بجنونه بيوم ما

محاولتها الخروج من القصر لم تثر اهتمامه لكن أن تتجرأ على أحد الرجال بكلماتها المستفزة فهذا ما لن يمرره هكذا لذا ثار بوجهها 

"احفظي لسانك هذا وتعلمي كيف تخاطبين الكبار"

هي بالأساس لا تملك أي تعقل.. 

بل مدللة

خديجة من كانت توقفها أحيانا لكن وحيد لا، وحيد دللها بلا عقل، هذا عندما كانت تراه 

"أنا أعرف جيدا كيف أخاطب الكبار لكن هؤلاء مجرد مجرمين"

قبض أصابعه بجواره كي لا يفتك بها، يصفعها، يأخذها لغرفة العقاب ويمارس عليها هوايته التي افتقدها "هؤلاء الرجال أنتِ لا تعرفين عنهم شيء، هم أشرف من سواهم ممن يدعون الشرف وهم ملوثين بالإجرام"

لا تتراجع، لسانها يلفها ولا يوقفه شيء حتى ولو كان هذا العملاق الذي تكرهه "بالطبع تدافع عنهم لأنك منهم، أنا لا أعرف لماذا ما زلنا هنا؟"

مال تجاها فتراجعت خائفة ترتجف من قامته العالية، جسده العملاق لم ترى مثله من قبل ولا تعرف لماذا تكرهه بالذات؟ 

"لأن لا مأوى لكم سوى هنا وإلا الشارع سيأخذكم بالأحضان حيث تنتمين بلسانك الطويل هذا"

والتفت ليذهب ولكنها لا تستسلم "الشارع أفضل من مكان يضم أمثالك ممن يعشقون تعذيب الأشخاص والغرق بدمائهم"

توقف دون الالتفات لها "هي هوايتي المفضلة بالفعل وربما أرغب بها الآن"

والتفت لها فتراجعت متعثرة بما لا تعرف ما هو لتسقط على الأرض وضحكات الرجال تتعالى عليها، وهو تحرك مبتعدا بلا اهتمام لها ولا لجسدها الذي استقر على الأرض ودموع الإهانة ترتفع لمقلتيها..

فتحت باب غرفة خديجة، مجنونة جديدة نالت مكان بين المجانين 

"لم لا تخرجينا من هنا؟ أنا أكره كل شيء هنا، أكره كل شيء"

أسرعت خديجة لها تحاول أن تضمها لها لكن الفتاة أبعدتها بقسوة ودموعها تلطخ وجهها الذي تبعثر التراب عليه وعلى شعرها الطويل الذي كانت تمنحه كل اهتمامها قبل موت والدها 

"ابتعدي عني، أنتِ السبب، لا تفكرين إلا بنفسك وابنك لكن أنا لا، لا يهمك أين راحتي، أنا أكرهك"

والتفتت تهرع لغرفتها وخديجة تقف جامدة مكانها..

أنا أكرهك..

كلمات ارتج لها جسدها، رحلت أنفاسها واحترق صدرها، بحثت عن أي مكان لتجلس حتى فعلت وهي تحاول إيجاد هواء 

دوار أصابها.. 

ستين عاما عمر طويل، عاشته كله بقوة.. 

لم تجد الراحة بأي يوم، حتى مع وحيد لم تجد الراحة، كان يراها يوم أو اثنان بالاسبوع وأحيانا لا يأتي نهائيا لأجل زوجته الأولى وأولاده

عانت من قسوة محمد الديب، حبها الوحيد الذي فتر مع الزمن وقسوته، وتخلت عن ابنها بسببه

لا..

بل لخوفها من مواجهة الحياة بطفل، ربما لم تستطع أن تنشأ ابنتها على الوجه الصواب ومنحتها كل شيء كي لا تجرب طعم الحرمان فهو مر..

وضعت يدها على صدرها، احتراق تستحقه، هي فقط من عليها تحمل نتائج أفعالها 

**** 

الهاتف أيقظه من النوم.. جذبه وأجاب فجاء الصوت العميق "أرغب برؤيتك اليوم، سأرسل لك الموقع والموعد"

الكبير لم يمنحه حتى فرصة للرفض

التفت فلم يجدها بجواره..

نفض الغطاء وهو يسمع صوتها بالحمام فتحرك ليراها بالأرض تكمل نوبة غثيان كانت قد توقفت ولكنها تعود مرة أخرى ودوار جعلها تجلس بالأرض كما الشهور الأولى

قلبه سقط بجوارها وصوته اهتز "ليال، ليال ماذا حدث؟"

جسدها ترنح وهو يتلقاها على صدره العاري، العرق ملأ وجهها الشاحب، وهي ما زالت تعي ما حولها "أنا.. بخير"

ولكنها لم تكن..

عندما عادت للوعي كان يمنحها بعض العصير فسعلت وهو يساعدها على الاستنشاق "ليال"

هدأت وهو يجفف وجهها بمنشفة مبللة "أنا بخير هارون، هي نوبة غثيان عادية"

تراجع ونظراته تسقط عليها وهي بالفراش.. لا يفهم معنى ما قالت 

"عادية!؟"

أغمضت عيونها من الدوار الذي يرحل بهدوء "حبيبي أنا حامل وهذا وضع طبيعي"

فتحت عيونها وهو يسألها "ومن كان بجوارك بتلك النوبات؟"

"لم أكن بحاجة لأحد هارون"

الصمت ملأ المكان فرفعت يدها وأمسكت يده وابتسامة شاحبة تملأ وجهها "امرأة الديب لا تضعف أمام أحد"

رفع يدها لفمه ووضع قبلة عميقة عليها "ليت الأمر كان بيدي ليال، لم أكن لأتركك لحظة وحدك"

"أعلم حبيبي والآن أنا بأفضل حال لوجودك معي"

دقات على باب الجناح جعلته يتركها ويخرج، أنس هو من كان يقف أمامه "لدينا شيء"

لمعت عيونه "امنحني نصف ساعة، ليال متعبة"

انغلقت عيون أنس والقلق ارتسم على وجهه "هل نهاتف الطبيب؟"

"لا، نوبة غثيان"

تفهم ومنحه خبرته مع البسكوتة "نعم أعلم، ستكون بخير، الليمون له مفعول السحر"

تراجع بلا فهم وأنس شوح بيده ورحل 

**** 

السيارة كما هي، لم تتبدل وتميم يفتح للريس ليدخل والكبير يلف نفسه بالدخان "الرجل الذي أمسكه رجالك لن يمنحك شيء، جسار من أرسله لتضليلك"

كان يعلم، صفوان له طرق لا تفشل بانتزاع الحقيقة ومع ذلك لم يرد "هارون، فكر جيدا قبل أن تخطو بطريق السويفي فهذا الجبان له طرق رخيصة لكن مؤذية"

لم ينظر له، يجيد الاستماع ولا مجال لكلمات لا فائدة لها

هو عاد من الموت ليضع كل شيء بمكانه الصحيح، هو نال فرصة للحياة مرة أخرى ولن يجعلها تضيع بل سيبدل كل شيء 

للأفضل.. كما كان يتمنى.

رد بهدوء "الجبان لا ينال اهتمام الكبار، هل ستخبرني شيء عن ابنك الكبير الذي أراد قتل امرأتي وابني؟"

ثبتت نظراته على وجه هارون الذي احتفظ بعينيه بعيدا عن الكبير، لو نظر بعينيه سيلقي بوجهه كل الغضب الساكن داخله.. 

أنا لست أنت ولن أكون، أنا لا أنتمي لها ولن أغفر

أنا لست سوى هارون، أنتمي لنفسي التي ظلت وحيدة، الرجل الذي صنع نفسه بنفسه 

من تجمد قلبه من كثرة ما تلقى من صفعات 

"أعدك أن أحميكم منه فقط .."

لا يرغب بكلمات لا معنى لها.. ولا وعود لن تتم 

لا مكان للتراجع، لكن لا مجال للاندفاع مرة أخرى، لن يخسر امراته وابنه، لن يندفع للموت كالمرة السابقة

قاطعه بحزم "لا تمنح وعود لن يمكنك الوفاء بها يا باشا"

تجهم الوجه الذي امتلأ بالتجاعيد، متعب، مثقل بهموم كثيرة لا حصر لها

قلب حزين، أب لا يمكنه التمتع بأولاده، حرم نفسه من الأبوة ومن المرأة التي أحب

"لن أتحمل ضياعك مرة أخرى هارون"

صمت.. 

لا كلمات لديه للرد، يكفيه امرأة تسكن بيته غصبا فقط لأن امرأته منحتها حمايتها وهو لن يضيع هيبة ليال الديب

"لا داعي للقلق علي بل خاف عليه لأني تلك المرة لن أرحمه"

تألم قلب الأب، فاشل، خاسر، يلعب بملعب لن يفوز به أبدا ولن يحرز أي أهداف "ماذا فعلت مع والدتك؟"

الكلمة غريبة عليه، لم يعرفها من قبل "ليس لي والدة، عندما تصل لجديد هاتفني"

ونزل تاركا الباب للحارس ليغلقه والكبير يتابعه بعيون تقطر ألما وحزنا

أغمض عيونه، كم أحبك بني وأتمنى أن تسامحني بيوم ما

أنا أرى بك نفسي التي لم تحقق ما حققته أنت، كم أرغب بأن أضمك مرة واحدة لصدري وأتشبع منك قبل أن أموت

أحلام.. لن تتحقق..

فتح له صفوان، ملامحه قاتمة، عتمة علت نظراته، ظله القبيح يتبعه وشيطانه المقيد يصارع ليخرج.. 

ليس لي والدة.. 

هي الحقيقة التي عرفها وعاش عليها فما الجديد الآن؟

أسند رأسه للخلف، ما زال الصداع يهاجمه من وقت لآخر والطبيب حذره ألا يرهق عقله ولكن الأمر خارج السيطرة

هاتفته.. هي لا تتركه.. 

تدرك معاناته التي يرفض أن يشاركها بها وتكتفي بأن تلاحقه بكل وقت ومكان "اشتقت لك حبيبي"

تعيده للراحة بلحظة بكلماتها "لماذا لستِ نائمة؟"

من صوته عرفت أنه يعاني ومع ذلك لم تضغط عليه "سأفعل فقط أردت سماع صوتك، ستتأخر؟"

لف وجهه للخارج، افتقد كل مكان هنا ومع ذلك وجودها يكفيه "ربما، هناك الكثير ينتظرني صغيرتي"

"وصغيرتك تنتظرك لتنام بأحضانك"

"هل تناولتِ الدواء؟"

"نعم "

عادت تناديه "هارون"

يغمض عيونه عندما تنطق اسمه بتلك الطريقة، تهاجم قلبه بلا رحمة، تهزمه، تسقطه بالقاضية "قلب هارون"

"أرغب بآيس كريم.. شوكولاتة.."

أكمل معها "فانيليا وبستاشيو، أذكر صغيرتي"

ضحكت فرقص قلبه لسعادتها "وصغيرتك تحبك يا ريس"

لم يغضب وإنما استمتع بالكلمات التي سكنت قلبه ورافقته بوحدته "والريس يعشق صغيرته"

تابعه صفوان، بعض الكلمات تطير لأذنه..

ليال تستحق.. فقد انتظرت عودته بأمل لم يتلاشى بأي يوم، ورفيقه يستحق الحب الذي لم يناله بأي يوم بحياته

رشدي منحه ملخص عن الفروع المسؤول عنها وصفوان وأنس أنهوا ما تبقى، الليل مضى دون أن يشعر والعمل قيده بجنازير وإعجابه بامرأته فاق الحدود

وغفلوا عن بور سعيد.. 

كان موعد الغداء قد مر عندما توقفت السيارات أمام البيت، ما أن دخل القصر حتى اصطدم به جسد صغير كادت تسقط كيس صغيرته ولكنه تحكم به وهو يصد جسدها بذراعه الفارغ 

"اللعنة، هل أنتِ غبية؟"

تراجعت من ذراعه الذي أبعدها والتقت بنظراته، تشبه أمها التي تعاني بالأعلى وهي كانت تسرع لتطلب مساعدة ثمية "ماما متعبة"

لم يفكر وهو يتحرك للأعلى دون الرد وهي تجمدت مكانها تتبعه بعيونها، لا تصدق أنه لم يهتم، لهذا الحد يكرهم؟

تحركت مرة أخرى دون النظر أمامها لتعيد الكرة ولكن تلك المرة العملاق الذي أوقفها بيداه الاثنان قبل أن تصطدم به..

تألم كتفاها من قبضته والتقت بالغضب بخضراء عيونه وكأنها تراهم لأول مرة

هذا اللون جميل، جميل جدا

"أيتها المجنونة انظري أمامك؟"

نفضت ذراعيه وقد استعادت توازنها بل وشتمت نفسها لأفكارها "هو أنت المجنون والأعمى، ألا تنظر أمامك؟"

تحرك تجاها ونفس الغضب هو ما يواجها "حتى لو فعلت فلن أرى النكرة التي لا أرغب برؤيتها"

وتجنبها متحركا للمكتب وهي تتمتم بكلمات غاضبة "أنت النكرة ولا معنى لك بالأساس سوى أنك عملاق و.."

تراجعت عندما وجدته يرتد لها وهو يتقدم وهي ترتد خطوة بخطوة والفزع سكن نظراتها "ماذا!؟ سأصرخ.. سأخبرهم أنك.."

تعثرت مرة أخرى بالمائدة وفقدت اتزانها وسقطت على الأرض دون أن يفكر بإنقاذها، متلذذا بوجودها على الأرض

صرخت عندما التوى كاحلها فلم يهتم وهو يمنحها تحذيره "ابتعدي عن طريقي يا سليطة اللسان وإلا أقسم أن أمنحك جلسة أعلمك فيها الأدب"

ورمقها بنظرة نارية أحرقتها وهي على الأرض تتألم من كاحلها الذي التوى وبصعوبة نهضت والدموع تحاربها لتنزل وهي لا تتحمل الضغط عليها

ثمية ساعدتها بإفاقة أمها التي كانت فاقدة الوعي ومنحتها كيس ثلج لكاحلها وهي تحاول التحكم بالألم

لم تتأقلم مع الزملاء الجدد بالكلية، كلية الطفولة المبكرة هي كل ما منحها التنسيق إياه، البنات هناك مملين والدراسة كذلك.. 

لو كان والدها ما زال على قيد الحياة لكانت ما زالت بالجامعة الخاصة ولكنها اضطرت للانتقال لجامعة حكومية لعدم توفر المال

"هل أنتِ بخير الآن ماما؟"

المرأة متعبة منذ عاد ابنها وعاملها وكأنها ليست موجودة، وابنتها تخبرها أنها تكرها والآم صدرها تزداد 

"نعم حبيبتي أنا بخير، ماذا بك؟"

جزت على أسنانها محاولة تجاوز غضبها من ذلك الرجل الذي يتعمد إسقاطها على الأرض بكل مرة دون حتى أن يمسها ولا يلقى لها بال، بل يتركها مستمتعا بالمشهد

كم تكرهه..

تراه وحش..

عملاق من أولئك العمالقة في فيلم The BFG هو العملاق الشرس..

تخيلت شكل العمالقة الشريرة وغضبت للشر الذي تميزوا به وبدا مثلهم سيأكلها كما يأكلون البشر

"سقط وأنا أنادي ثمية والتوى كاحلي"

لم تخبرها أن الشرير هو السبب أو أنها تصبح قطة جبانة أمامه

هدأت خديجة قليلا لكن شعورها بصدرها يحترق لم يرحل

احترق على ابنها الرافض لأي علاقة بينهم، يتجاهلهم وكأنهم ليسوا ببيته، ربما يعتبرهم ضيوف خاصة بزوجته

أبعديها عن طريقي كما وضعتيها..

كلماته ترن بأذنها ولا تعرف متى ستواجه..

"هل تؤلمك؟ نهاتف الطبيب؟"

جلست تضع مرهم وهي تلعن اليوم الذي أتت به هنا "ماما نحن لسنا ببيتنا كي نطلب أحد، نحن بسجن والمسجون ليس له أي حقوق"

تنفست المرأة بهدوء وكلمات ابنتها تزيد من اختناقها "أنتِ لستِ مسجونة جميلة، تخرجين وقتما تشائين وتفعلين كل ما ترغبين به"

لم تنظر لأمها، لم تخبرها أنها تشتاق للبلد الذي نشأت به، أصحابها

ياسر.. بالرغم من أنه هجرها لكنها ما زالت تفكر به.. كان يمنحها كلمات لم تسمعها من سواه وظنت أنه سيندم ويعود لها لكن الآن..

رحل الأمل.. من الذي سيرى فتاة أخيها زعيم عصابة؟

"ماما أنا لا أفعل أي شيء سوى الذهاب للكلية التي لا أحبها، بنات لا أعرفهم، حتى مصروفي لا يكفي سوى المواصلات ولا أعلم ماذا سنفعل عندما تنتهي الأموال التي معك ومن أين لنا بسواها؟"

كلماتها مؤلمة، لا تراعي تعب والدتها.. أنانية مثل أمها لا ترى سوى نفسها

لم تجد أي رد، عليها بوضع نهاية لكل ذلك، ستقابله مره وبعدها ترحل، لن تبقى وتعذبه وتعذب نفسها وابنتها

"هل تهدئي وتنتظري، هارون لن يتركنا"

الاسم يثير جنونها، والعملاق يجعلها ترغب بالفرار من هنا بأي شكل "ماما كيف تظنين أنه سيقبل بنا وهو لا يعرفنا؟"

أخفضت وجهها وصوتها بدا هامسا، تخاطب نفسها بضعف "ألا يعرف أمه؟"

أشاحت الفتاة بيدها "منذ متى؟ هل تظنين أنه سيغفر كل تلك السنوات فجأة؟ لا يمكن أن يمرر ما حدث معه، ماما لقد نشأ بالشارع هل تدركين ذلك؟"

الحقيقة مؤلمة لكنها تظل بالنهاية حقيقة بلا أي زينة أو مؤثرات

"كان لي أسبابي وقتها"

نهضت رغم ألم قدمها والغضب ارتسم على ملامحها "ماما أنا لن أبقى هنا، لو بقيتِ أنتِ فأنا سأرحل وحدي ولو أصررتِ على بقائي سأقتل نفسي فالموت أهون من بقائي هنا"

وتحركت خارجة والأم لا تستهين بتهديد المجنونة المدللة.. 

تعرف أن ابنتها لا تهدد، كثيرا ما كانت تضغط عليهم بطرق مختلفة لتنفيذ طلباتها والآن عليها أن تتراجع لأجلها

هو لن يغفر كل تلك السنوات..

**** 

ضحكت وهو يبعد الآيس كريم من على شفاها "رائعة هارون، اشتقت لها جدا"

اعتدل وهو يربط شعره بالخلف "أعرف، أحضرتها من الرجل الذي تفضلين"

أكلت الفانيليا، الآيس كريم، وأخذ هو شفاها بقبلة بطعم الفانيليا

دقات على الباب جعلته يتحرك للخارج ويفتح وتجمد مكانه.. 

عيونه تنظر إليه، انعكاس مطابق بالملامح لكن ليس بأي شيء آخر

لحظة لا يرغب بأن تطول..

سكن العالم من حوله..

تعالت أنفاسه.. تعاسة سنوات مرت عليه ترتفع أمام عيونه.. 

بلا رحمة ألقته رضيعا على أرض باردة لا تعلم ما إذا كانت ستحتضنه أم تلفظه خارجها والآن تقف أمامه

هل حقا ترفع عيونها بعيونه؟

ابتعد رافضا حتى رؤيتها

كاد يدخل غرفتهم ولكن رؤيته لليال تسد الباب جعلته يتوقف، لن يدفعها بعيدا فهي تحمل طفلهم وهي فانيليا حياته 

"أخرجيها"

شحب وجه ليال من ملامحه ونبرة صوته

وجه الريس الآخر الآن من يتصدر الواجهة.. 

"هارون"

اسمه خرج منها ضعيف، مملوء بألم نابض داخل قلبها.. 

لا أحد يعرف العواصف التي تهب الآن داخله.. لا يرغب بأي لقاء معها، ولا أي كلمة

لم يلتفت وليال تنظر له برجاء، تدرك أنه لا يقبل ولن يقبل 

"بني أنا.."

التفت واهتزت الجدران من صوته وانخلع قلب ليال وارتج قلب أم "أنا لست ابنك"

الدموع أحرقت عيونها، أنين صرخ من قلبها، احتراق صدرها يزداد مع كل نفس من أنفاسها.. 

أنت ابني

"فقط مرة واحدة اسمعني"

كانت ملامحه تعلن عن أن لا مجال لأي كلمات الآن ولا أي وقت، فقط لا يرغب حتى برؤيتها "لا أرغب بأي كلمة، اخرجي، الآن"

ارتجفت ليال، تدرك ما يمر به وما تشعر به خديجة، هي أيضا ستكون أم وتدرك معنى حرمانها من ابنها "هارون"

التفت، ثورة البحر بعيونه تحذرها، ستقتلعها بلا عقل "إياكِ أن تتدخلي"

لكنها لم تتراجع، تقدمت حتى وقفت أمامه، هي سبب كل ذلك ولن تتوقف الآن

رفعت يداها على صدره العاري، ترفع وجهها له، تمنحه بعض السكينة بقربها "أنت ستكون أب حبيبي، فقط امنحها فرصة واحدة"

قبض على يداها، لم يفكر إذا ما كانت تتألم من قبضته أم لا، رياح عاصفة تهب من أنفاسه المتلاحقة، دقات طبول الحرب تخرج من بين ضلوعه، صوته لا يهدأ

"لو كانت تستحق لفعلت"

وأبعد يداها وتحرك لغرفتهم، لا يرغب بأي كلمات وليال ترى المرأة تبكي بقوة فتحركت لها، تحاول أن تواسيها "أنا آسفة ولكنك تدركين.."

وتاهت الكلمات أمام عيون متألمة وشفاه بيضاء بلا حياة "أعلم ليال، أنا فقط أردت أن أراه مرة أخرى قبل أن أرحل"

تجهم وجه ليال "ترحلين!؟ إلى أين؟ لا مكان لكم"

عبثت بأصابعها تخفي نظراتها الضائعة ولكن بلا توقف للدموع "هو لا يرغب بنا هنا ليال وجميلة أيضا لا ترغب بالبقاء، سنجد مكان"

أمسكت ليال يداها وقلبها متألم، تشعر بالحزن لأجل المرأة ولا تقبل برحيلها "طلبت منكِ أن تنتظري قليلا، ربما نحاول مرة أخرى، لا يمكنك أن تستسلمي"

ربتت الأم على يداها وابتسامة واهنة محملة بأحزان تهد جبال "أنا لا أفعل ليال ولكني أعلم أن لا مكان لي بحياته وجميلة تهددني بالهروب من هنا لو بقينا أو الانتحار وهي لا تمزح بذلك لأنها متهورة"

الصمت سيطر عليها..

لو بقيت قد تخسر الاثنان لأن هارون لن يلين بسهولة لذا عليها إنقاذ ابنتها وبعدها تعود لتحارب لأجله

"أنا فقط كنت أتمنى إصلاح الأمر، هارون يستحق المحاولة"

دموعها كانت كثيرة بلا توقف وقلبها يؤلمها ولكن ما زال عقلها يعمل "هو بالفعل يستحق أن أسقط تحت قدميه وأطلب منه السماح لكن ليس الآن وهو عائد من الموت ولا يرى سوى ما تركه وأنتِ"

"أتمنى لو يمكنني فعل أي شيء"

ربتت على يدها بحنان، أم مقهورة وظالمة وتعلم أن عليها البقاء لتحارب لأجله لكن وقتها ستخسر جميلة "أنتِ لديك قلب طيب ليال وأنا سعيدة أنكِ بحياته فهو لم ينال مثل هذا الحب الذي تكنيه له"

ومالت لتحتضنها

لم تعبأ بألم ذراعها ولا احتراق أنفاسها، كان عليها الرحيل لأجل أبناءها الاثنان.. كلاهم يتعذب، لا يلقى الراحة بوجودها هنا

"أراكِ على خير ليال"

بكت ليال، قلب الفانيليا الرقيق لا يتحمل هذا الحزن والألم "فقط لي رجاء واحد، عندما يصل حفيدي أريد رؤيته ولو مرة واحدة"

احتضنتها مرة أخرى ثم ابتعدت فجأة لتختفي خارج الغرفة وليال لا تتوقف عن البكاء

****

هل أخبرك أحدهم يوما أنك رذيلة تتزين بالفضيلة؟

تحاول أن تتسلق أسوار الأبيض وأنت تلتصق بالأسود.. 

لا مكان بقلبك سوى للقسوة والغضب و.. الفانيليا

يقول أحدهم أن ساكني العالم السفلي لا يعرفون الحب ولو تزينوا به لا يحملون الإخلاص

عفوا...

الحب لا يميز بين عالم علوي أو سفلي، الحب بلا عيون، طلقة تتحرك نحو هدفها ولا تقف إلا بالهدف..

حتى وأنت تكره، تغضب، تثور، تهد كل الآمال وتبني حول نفسك سور، بالنهاية بشر

قلبك قلب متقلب.. سيهزمك.. 

ابن.. يشتاق لحضن أم وظهر أب

أنت لم تعرف تلك المعاني ولكن من داخلك ترغب بها، ترى أنه الحق الوحيد الذي لم تناله وهي الحقيقة ومن حقك أن تنال كل حقوقك ولكن..

كبرياءك.. يمنعك

لمستها الرقيقة توقف شروده.. لكنها لا تخفض مؤشرات غضبه، سخطه، لا تسجن شيطانه ولا توقف رفيقه السيء

"هارون"

أغمض عيونه.. ليس الآن ليال.. لا أرغب بأي كلمات

"اريد أن أرى البحر"

فتح عيونه.. التفت لها.. 

بقايا دموعها ما زالت عالقة برموشها والرجاء سكن مقلتيها 

يداها استقرت بمكانهم على صدره، نظراتها ترتفع له، قلبها يدق بقوة خوفا.. ليس منه بل عليه 

"أريد أن أرى الغروب معك كذلك اليوم"

تعرف كيف تعيده من رحلة الخراب التي رحل لها، توقف جنونه، الآن هي تغلب شيطانه وتصفع رفيقه السيء فترده بعيدا

هزة من رأسه هي كل ما نالته منه..

****

لملمت حقائبها وجميلة سعيدة بالقرار، لا تفكر بمصيرهم خارج هذا البيت، لا تفهم أن خديجة لا تعرف أين ستذهب ومن أين ستأتي بالمال؟ 

فقط سترحل من هنا

خديجة كانت متعبة ولكنها اعتادت كتم الألم داخلها، علمتها الأيام ألا تشكو وتحارب حتى آخر نفس 

"ماما ألم تنتهي بعد إنها العاشرة؟"

كانت ترتاح من التعب ولكنها تحاملت ونهضت.. تغلق الحقيبة وتغلق حكاية لم تبدأ من الأساس 

"بلى انتهيت"

سحبت الفتاة حقيبتها وخديجة تحاول جر حقيبتها هي الأخرى وظلت واقفة "هيا ماما ماذا تنتظرين؟"

لا شيء، لم تعد تنتظر أي شيء.. عودة الأمل كانت خطأ ورحيله الآن كخروج الروح من الجسد

لا تصدق أنها ستتركه مرة أخرى، لا تعرف كيف سيمكنها الرحيل تلك المرة وقلبها يأبى ذلك؟ 

لكنه لا يرغب بها.. وجميلة تضيع منها، لن تدمر حياتهم بوجودها

لم تحاربي يا امرأة.. تستسلمين من أجل من؟

من أجلهم هما الاثنان

جذبت الحقيبة وتحركت مع ابنتها..

**** 

الفانيليا لم تعد تقوى على غضب حبيبها، يجلس بجوارها نعم لكن عقله بمكان آخر، بالماضي، بالذكريات

لماذا يفعلون به ذلك؟ كلاهم يعذبه، مرة بالصغر ومرة الآن

يدها اخترقت أصابعه المستقرة على ساقه فالتفت لها وهي تقترب منه

قبض على أصابعها يخبرها أنه لم ينساها لكنه يرغب بأن يكون وحده وهي تأبى عليه ذلك

صفوان كان يرى وجه رفيقه.. 

هو وأنس انتظروا الانفجار.. الحمم التي ستحرق الأخضر واليابس وبدا أن البركان قد بدأ يثور والفانيليا تحاول إخماده..

نزل من السيارة وتحرك لها ليساعدها على النزول.. 

فجأة تبدلت لامرأة أخرى، عادت الصغيرة التي ألقت كل شيء من على عاتقها وأرادت التمتع بالتدليل من الريس 

لكن.. الآن هي ليال الديب

وضعت يدها بذراعه، بلا كلمات سارا معا، البرد بدأ مبكرا هذا العام لذا جذبت الجاكيت الأبيض عليها، ما زالت ملابسها بيضاء 

توقفا بنفس المكان.. فارغ، لا مصطافين ولا ازدحام.. 

الشمس بطريقها للرحيل، تمنح البحر آخر نظرة وتسقط أشعتها الحمراء على سطحه.. 

مالت رأسها على ذراعه تخبره أنها معه

ذلك الغروب مختلف صغيرتي.. 

نهاية يوم ونهاية قصة.. 

نهاية شمس ونهاية أم.. 

بداية ليل وبداية ألم..

"لم لا تسمعها؟"

كان يعلم أنها ستفعل، لن تصمت.. 

لم يجربا المشاركة بأزمة بحياتهم، هاجمتهم الأقدار بالمصائب منذ التقيا وها هما يقفان على أول أزمة..

"ليال توقفي"

توقفت.. 

انتظرت نصف قرص الشمس الأخير وهو ينتهي بين تموجات المياه الهادئة ثم تحركت لتجلس على السور فلم تستطع 

تنهد وتحرك لها ورفعها لتستقر على السور والظلام بدأ يسيطر وهو يجلس بجوارها

أدارت وجهها له ولكنه لم يواجها، هي تعلم أنه هنا غصبا، لا يرغب بوجودها معه ومع ذلك لن تتركه حتى ولو نالت كل غضبه 

"ماما تركتني وأنا بالثانية"

لف وجهه لها

لم تتحدث عنها ولا مرة، كانت تحتفظ بالأمر داخلها، ترفض حتى فتح الصندوق والتقاط الذكريات والنظر بداخلها..

لم تنظر له..

السيارات تتحرك، أنوارها أضيئت..

صفوان عاد لها بالأرز بلبن بالآيس كريم والمكسرات وهو المثل، ابتسمت له فمنحها نظرة مشجعة وعاد للسيارة

"يدللونك أفضل مني"

تناولت الأرز وضحكت "لا أحد بالعالم أفضل منك حبيبي، هم إخوتي"

تناول طبقه هو الآخر والصمت عاد حتى كسرته هي "بابا أخبرني أنها لم تقبل بالفقر الذي كانت تعيشه معه، هو كان مجرد عامل بمصنع وطلباتها لا تنتهي، أحبها وتزوجها وهي تدرك حقيقته وجدي لم يهتم بالبحث ومن كثرة طلباتها جرب السرقة ونجح واعتبرها مهنته الجديدة"

استمتعت بالطبق وهو يأخذه منها بعد أن انتهت وعاد لها وهي تحدق بالمرأة التي تمسك طفليها لتعبر بهم الطريق وكلاهم يتحدث بنفس واحد

ابتسمت.. 

"لم أنال هذا بأي يوم"

ورأسها تشير للمرأة وطفليها.. هي مثله ولكن بشكل مختلف 

"ليال.."

أوقفته بنظرة عين "نعم هارون أنا أشبهك ومع ذلك حملت نفسي وسرقت مال من جيب بابا وأخذت القطار ومنه للمكان الذي كانت تعمل به"

الذهول اعتلى وجهه، هل فعلت؟

لم تنظر له "كنت بالتاسعة، جواب منها لبابا تطلب الطلاق جعلني عرفت مكانها، هل تعرف ماذا فعلت معي؟"

ظل واجما.. ينتظر الرد المؤلم لأن الألم كان واضح بعيونها 

"ماذا تفعلين هنا؟ أنا لا أريدك، انسي أن لكِ أم"

دموعها فلتت غصبا.. مسحتها والتفتت له "عدت لشريف.. العذاب الذي كنت أراه معه كان يربت علي، بت ثلاثة أيام أبكي بعدها ومع ذلك ما زلت أتمنى لو تأتي وتطلب مني أن أسامحها، سأفعل هارون، سأسامحها لأني أرغب بأن يكون لي أم"

هو الريس، الزعيم.. لا يعبأ بالعالم كله فقط صغيرته

بلحظة كان يضمها له، يربت عليها بحنان، يدرك رسالتها لكن مع الاختلاف، أنا رجل

كبرياءك يمنعك..

أنس تحرك لصفوان "ليال تبكي"

صفوان يدرك ذلك بالطبع "هو يعرف كيف يوقفها، لا تقلق"

نظر له "هل عرفت أن خديجة سترحل، طلبت من الرجال إحضار سيارة أجرة"

لم يهتم، نظراته كانت لهارون، رفيقه "هو يتألم أنس، وجودها يؤلمه"

تفهم أنس "ربما ليال توقف الألم"

"لا أحد سيمحو ماضينا المؤلم أنس"

أنس يدرك ذلك لكن لديه شيء آخر "الحب يوقفه، يبقيه ماضي صفوان ويمنح الحاضر والمستقبل الاهتمام"

نظر له، يرى حبه لزوجته الصغيرة بعيونه، يسمعه بنبرة صوته.. 

لماذا لم تمنحه أسما تلك الحياة؟ لماذا أساء الاختيار؟

سؤال بلا إجابة فلا أحد يغير الأقدار..

هدأت ليال، ومسح الريس دموعها وهو يملأ وجهها براحتيه "البكاء سيضر طفلنا ملاكي"

ابتسمت، تحرك طفلهم بنفس اللحظة فوضعت يدها على بطنها فانتبه "تحرك؟"

أماءت برأسها فابتسم "لم تختاري اسم؟"

عادت له "أحمد، من الحمد، أحمد الله على أنني زوجتك وأنك عدت لي"

الصغيرة تهزمه وهو لا يوقفها، يتلذذ بانتصاراتها فهي جزء منه، الضلع الناقص.. نصفه الآخر

"لا تتركها ترحل هارون، لا مكان لها، لا تنسى أن جميلة أختك ولن ترغب بأن تلقى مصير سيء، من أجلي هارون، لنبقيها بالغرفة أو حتى بيت هندية"

"لا، لن تبقى بالبيت ليال، امنحيها أي بيت بأي مكان لا يهمني لكن ليس ببيتي، لا أرغب برؤيتها"

كان حاسما بالرد، عاد له هدوء الريس ولكن بلا أمل بالتراجع وهي "هارون اسمعها"

أبعد يده واعتدل واقفا بجوارها "لن يبدل شيء، هو وهي لا وجود لهم بحياتي"

لمست ذراعه بحنان، تدرك أنها تحتاج للكثير كي تكسر تلك القسوة داخله، قسوة سنين، قسوة هم من بدأ بها معه فعلى ماذا يحاسبونه الآن؟ 

من أين يأتي بالغفران وهم لم يعلموه أي شيء عن السماح والغفران؟

لم تجادله

كانت تحافظ على السكينة المتبقية داخله رغم أنها تعلم أن لا وجود لأي سكينة داخله الآن

وجود خديجة أحيا كل الماضي ووضعه كله أمامه وهو يعمي عيونه عنه، لا يرغب حتى برؤيته..

ومع ذلك يراه..

القلب يتألم بصمت.. العقل يرفض بخشوع.. الحقيقة أنهما لا يستحقان أي مغفرة لكن..

ووصينا الإنسان بوالديه.. 

مهما كانت قسوتهم فوصية الله واجبة التنفيذ

**** 

"تعشق أن تعيش منبوذ بلا أحد معك"

ابتعد وعصاه تسنده، ألم ساقه أصبح مزمن ومع ذلك لا يتوقف عن الرياضة كي يستعيد نفسه، يكره الضعف والهزيمة.. 

الشيطان لا يهزمه بشر

غرور..

"وهل لدي أحد لأعيش معه" والتفت للديب الكبير والغضب نابض من نظراته "أنت أول من يرفضني فهل هناك أهم؟"

ابتعد الكبير، شعور الذنب يلفه بلا رحمه.. 

يعلم أن كلاهم أولاده لكن القلب له أحكام ولا يستطيع إيقافه عن الرحيل لابنه الصغير.. 

قلب هارون ممتلئ بالخير، لا يعيش برداء الشيطان كجسار 

ورغم الخير الرابض داخل هارون إلا أنه يرفض كلاهم، والده ووالدته، لا عدل بين البشر

الله وحده هو العدل..

"كان عليك محاولة اكتساب ودنا، كل ما تفعله هو اكتساب العداوة يوما بعد الآخر"

دق بالعصا على أرض المكتب المغطاة بالسجاد الفاخر فلم تظهر صوتها الحانق كصاحبها.. 

امتلأ قلبه بالانتقام، لم يرحم أحد تجاوز عليه بيوم ما..

"هو عدو لي منذ اعترفت به أمامي ومنحته اسمك"

جلس الرجل، متعب، مثقل بهموم وأحزان تهد صاحبها.. 

تمنى أن ينال أولاده الاثنان بجواره

عودة خديجة أشعل لهيب الحب الخامد بقلبه، رؤية هارون أوجعت قلبه والآن جسار يطالب بالثأر 

"كان لابد أن أفعل كي أمنحه أي شيء مقابل فقدانه كل شيء"

التفت له بكل الكره الساكن داخله.. بل جنون الشيطان وغروره "هو لم يفقد شيء، هو ابن خدامه، ماذا كنت ترغب؟ منحه أبوتك وأنت بمركزك المعروف؟"

حدق به.. جنون العظمة داخله لا يمكن هزيمته، لا يمكن نزعه فهو أصبح جلده الثاني، يصدقه ويؤمن به ويتصرف على أساسه ولا مجال للفرار من تبعاته..

هارون استطاع هزيمته مرة واثنان وتلقى هو الآخر هزيمة منه.. كلاهم يكره الآخر.. 

هنيئا لك يا ديب، فرقت قطيعك بلا عودة...

دمعه ساكنة بعمق نظراته، تأتي من بعيد من داخل القلب الممزق، الموجوع والمتألم بألم لا يشعر به سواه 

"ولم لا!؟"

تصاعد الوهج لزيتونة عيونه ووجه الحاد

اشتعلت نظراته بغضب حارق لن يرحم.. 

تعاسة تحولت لجنون وجنون تجسد ببريق حارق ونبرة قاتلة "لو فعلت فلن أحاربه هو فقط، بل كلاكم، سأقتلك، هل تسمعني؟"

رفع الأب المكلوم، المهزوم بغبائه وقسوته، وجهه الذي اسود لابنه الأكبر "تقتل والدك؟"

اقترب والجنون هو كل ما ظهر على ملامحه وسيطر على عقله وهو بالأساس رجل رفض الاعتراف بوجود قلب داخل صدره

يعيش وهو يرفض تصديق أن هناك نبض بذلك العضو الضعيف فحبسه خلف ضلوعه وكممه فلم يعد له صوت ولا يمكنه الصراخ بأي عاطفة

"أنت لا تصلح لأن تكون والد أحد، لا هو بحاجة لك ولا أنا، أنت سبب ما أكنه له من كره، لطالما كنت تمنحه كل شيء وتلقي لي بالفتات، أنت لا تعرف كيف تكون أب وتمنح أولادك الحب والحنان لأنك لا تملكهم"

الدموع ليست ضعيفة كما يظن البعض، لا تجاور الضعفاء فقط بل والأقوياء أيضا لأنها قوية، فتاكة ولا ترحم

سقطت الدمعة التي اخترقت قوة الكبير، نبض القلب بالألم وجفاف العيون يضاعف الألم وهو لم يعد يتحمل كل ذلك الألم "أنت قاسي بني"

مال تجاهه، عيون الشيطان هي من تنظر للأب المتألم بلا رحمة

صوت نابع من جنون ساكن داخله من سنين عمره كله "وأنت السبب، أنت لم تعلمني سوى القسوة"

كانت الدمعتان كافيتان لكن القلب لا يكتفي، منح العين المزيد، فرصته الآن لأن يعبر عن الاكتفاء من الحمولة الثقيلة التي ناء بها 

"ولكن هو ليس مثلك، لا يحمل كل هذا الكره داخله"

"لأنك كنت تمنحه كل شيء فلم يكن بحاجة للقسوة"

لم يرد لأن مهما قال فما داخله سيظل داخله ولن يرحل "أنا لست هنا لأعود لك فأنا أعلم أنك لن تعيدني بعد ما كان"

مسح الدموع التي اكتفت ولم يرد والشيطان لا يمنحه سوى ظهره "أنا هنا لأخبرك أن تبتعد عن طريقي وإلا الحرب لن تكون على ابنك المدلل وحده بل وعليك أنت أيضا"

رفع وجهه، رحل الضعف، رحل الشعور بالذنب وارتفع الغضب، عاد الكبير "هل تجرؤ على تهديدي؟"

التفت والتقت النظرات الغاضبة والمهلكة.. 

سكن بها شذر الشيطان وتعهدت بحرق كل ما سيأتي بطريقها "نعم، وامنحه هو الآخر تحذيري ولن يمكنك حمايته مني أو حتى حماية نفسك"

وتحرك خارجا، يعرج على ساقه وعصاه تدق الأرض

انتهى العالم من حوله.. سقط مهزوما.. ضعيفا، واهنا.. 

لا أمل له بالحياة كرجل طبيعي من حقه أن ينال سكينة بعد عمر مديد من حياة هوجاء صارع فيها كل شيء ونسى أهم شيء

الحب...

انفلت الزمام.. 

سيعم الخراب وسيعيث الشيطان بحياته الفساد ولا يعلم هل سيقوى على إيقافه أم لا!؟

**** 

ساعدها على النزول من السيارة، يرغب بتعويضها عن الشهور التي عانت فيها وحدها بلا مساعدة

ذراعه التفت حولها كأنها الوعد الذي تأخر شهورا .. 

رؤيته لها بأرض الحمام، تصارع القيء والغثيان وحدها بلا سند.. وقتها شعر أن قلبه يصرخ، ينكسر بطريقة لم يعرفها من قبل .. 

لن أتركها وحدها طالما الأمر بيدي.. ليس بعد الآن

ابتسمت له، ونسيت الدموع التي زرفتها أمام البحر.. 

يده ساعدتها وقربتها منه، ذراعه حولها وهو يقودها للداخل 

الظلام يلف البيت، الرجال واقفة صامتة باحترام، يخفضون نظراتهم لوجود الريس

"شكرا حبيبي"

ضمها إليه بقوة.. 

ابتسامة واسعة، صافية، خالصة، ظهرت على وجهه لأجلها وحدها

لكنها اختفت..

اختفت بمجرد أن التفت للأمام

خديجة وجميلة.. 

كل واحدة تجر حقيبتها، متجهة نحو الباب

توقفت المرأتان، كما توقف أنس وصفوان في أماكنهم 

الهواء نفسه بدا كأنه تجمد.

شعرت ليال بيده تشد على خصرها، شدة لم تفهمها أولا.. ثم رفعت وجهها له

كأن الحياة خرجت منه في ثانية، عيناه لم تعودا لها.. لم يعد يرى وجودها.. لا يسمع أنفاسها ربما أدركت أنه لا يريد رؤيتها الآن

من الكثير أن يلقاها مرتان باليوم والآن تجر خيبتها وترحل

كانت تحمل ملامح منهكة، عيون تبحث عنه منذ سنين واليوم بعد أن ظنت أنها وجدته يضيع منها من جديد

جميلة خلفها، متيبسة الملامح، لا تحمل سوى التذمر والرغبة بالفرار من هنا

البيت كله كان كما لو كان يشهق دفعة واحدة. 

ما الذي تبدل بساعات قليلة؟

قبضته انقبضت حول خصر ليال جعلتها ترى وجه رجل آخر

عيناه انغلقت، سكنها ظلام زعيم أطلق حرية شيطانه فتجمد وجهه وترك للشيطان التعبير..

الآن عيناه اتسعتا.. 

ثم ضاقتا..

ثم تجمد وجهه بالكامل.. 

ثلاث لحظات فقط.. لكنها كفيلة لإسقاط أربعين سنة فوق قلبه..

"هارون"

صوتها لم يكن ناعما.. 

لم يكن أموميا كما تخيلته ليال بل صوت امرأة فقدت روحها يوم تركت طفلها والآن تقف أمام رجل صار نارا من ابتعادها والندم علا وجهها على كل لحظة مرت وهي بعيدة عنه

لم يتحرك.. 

لم يرمش.. 

حتى أنفاسه توقفت داخل صدره.. 

ما زال يرفضها، لا يرغب حتى برؤيتها

ليال من أحست بظهره يتيبس.. 

كل عضلة فيه اشتعلت غضبا.. 

صدمة أو حتى خوفا مما سيصنعه.. 

لم يعد يرغب بالصمت أو إيقاف نفسه وتجاهل وجودها

يعلم أنها لن تظل تلزم الصمت أمامه

خديجة وجدت بعض الجرأة وتقدمت خطوة تجاهه.. 

خطوة مرتجفة.. 

كأنها تمشي فوق زجاج مكسور.. سنوات الضياع بعمرها وعمره

"بني أنا.."

مرة أخرى الكلمة التي يحاربونه بها، يرفضها، يمقتها، يكره حتى حروفها، تسقط عليه كطعنة..

تلك المرة رفع رأسه ببطء فأوقفها عن أن تكمل.. 

نظرته لها ليست نظرة ابن لأمه فلن تحلم بذلك

بل رجل يقف أمام جرح عمره، أخير أعلن قلبه عن نفسه لكن..

"أخبرتك أني لست ابنك"

كلماته لم تكن ثائرة تلك المرة، بل منخفضة، باردة كأنها حكم نهائي فانكسر صوت الأم، سقطت دموعها مهزومة 

"أعلم أني أخطأت، أخطأت خطأ لا يغتفر لكن صدقني وقتها الوضع كان صعب، أنا آسفة"

صوته ظل هادئ هدوء الريس لكن ليال شعرت بداخلها يهتز من كلماته "لا مكان لكلماتك، أنا لست الشخص الصواب، من تعنيه مات هناك، بالمكان الذي تركتيه به، لن تترك أم ابنها وهو بعمر يومان وتعود بعد سنين تجده وتقول له آسفة"

كلماته نبعت من قلب مجروح، متألم، مكسور، عانى سنوات البرد والحرمان، تهشم، اندهس تحت الأقدام فأين الغفران اليوم؟

دموع خديجة انحدرت أكثر، ترفع يدها بالهواء وكأنها ترفعها نحوه، تتوسل للعمر يرجع.. لحظة، لحظة واحدة فقط تتراجع عما فعلت

ولكن لا شيء يعود

أنهى الصراع "لم ولن تكوني جزء من حياتي"

تجمدت ليال، لم تعرف هل تلمس يده وتؤازره؟ توقفه؟ 

لكنها تشعر أنه الآن نار، نار لا تمس..

ما زالت خديجة تحمل أمل داخلها "صدقني بحثت عنك كثيرا"

جامدة عيونه، لا يصدقها "كنت موجود عشر سنوات بنفس المكان الذي اخترته أنتِ"

قلبها يعتصر داخل صدرها، أنفاسها تحرق صدرها، ذراعها ثقيل جدا "ظروفي كانت قيود حولي، أردتك، أقسم أني أردتك معي، لكن.."

جميلة صرخت بعناد، تكره انكسار أمها ونبرة الذل بصوتها "ماما كفى، هذا شخص لا يعرف عن الرحمة شيء"

التفت لها، لمعت الزرقاء بلون السماء الغائمة "جيد، خذيها وارحلوا إذن"

وكاد يتحرك ولكن خديجة تحركت، تسد طريقه، دموعها لا توقف رؤيتها فقلبها هو من يقودها "لا هارون أرجوك، أرجوك اسمعني، أنا أحتاج أن تسمعني، أن أطلب منك أن تسامحني على الجرم الذي ارتكبته"

لا أحد أمكنه النطق بكلمه، الكل تجمد، الهواء رحل هاربا، الأنفاس كانت تعلو بأصوات مخيفة

النظرات اعتلت الساحة.. مخيفة، متوعدة، ترفض أي خضوع أو غفران

"أنا لا أغفر ولا أسامح، ولا أريد أن أسمعك لأن حتى كلماتك لن تفيد بأي شيء، فقط اخرجي من هنا فأنا لا أريدك"

وتحرك، ضاربا كتفها بذراعه وهي أغمضت عيونها والألم تضاعف داخل صدرها الذي وضعت يدها عليه.. 

شحب وجهها، رحلت أنفاسها وغامت الدنيا حولها ولم تعد تستطيع المقاومة

سقطت بالظلام...

             الفصل الثاني والاربعون من هنا


تعليقات



<>