رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثاني والاربعون42 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثاني والاربعون42 بقلم داليا السيد 

جدار صامت

المشفى تلقت الأم

رفض أن يذهب معهم ولم يستطع منع الصغيرة عن أن تقوم  يرى بدورها كامرأة الديب والتي كانت سبب بوجود المرأة

أنس وصفوان يلتصقان بها، ظلها الذي لا يفارقها إلا بوجود الريس والريس يجلس أمام جدار صامت

صمت حياته التي لم يشكو مما عاناه بها لكنه اليوم يشكو.. ألم الهجران، قسوة أب وأم ألقوه بلا رحمة

يحدق باللا شيء، نظرات امرأة ما أن رآها حتى عرف أنها هي من أتت به للدنيا ثم لفظته خارج حياتها وتقول لديها أسباب

هل تسخر منه!؟ 

أي أسباب تجعل أم تلقي بابنها في غيابات المجهول بلا رحمة؟ 

أي أم تحمل طفلها تسعة أشهر وتتحمل آلام ولادته ثم بسهولة تتجاهل كل ذلك بلحظة وتهجره بعيدا بلا ندم

بل تندم ولكن بعد أربعين سنة.. 

هل يمكن حقا أن يغفر لها؟

أول علاقة في حياة أي إنسان هي الأم.. لو انهارت تترك جرح لا يشفى بسهولة

الريس شخص قوي، امتلأ بالصراعات داخليا ولا يسامح كما أخبرها، أنا لا أغفر ولا أسامح، خاصة وداخله غضب قديم لم يمت

بوجودها الآن يرى الطفل الذي كان، اليتم الذي حمل اسمه بنفسه، الجوع، البرد.. الليالي التي بكى فيها بلا حضن.. 

الجرح أعمق من أن يضمد في يوم

أغمض عيونه وأسند رأسه على أصابعه ولا رغبة له بتذكر أي شيء، كفاه ألم، ولكن الذكريات لا تتوقف والألم يتصاعد

ليال تمنحه الحب الذي اكتفى به عن كل النقص الذي عاشه وليال الآن تقف أمام باب الطوارئ وجميلة تنزوي بركن منهارة بالبكاء.. 

أنس وصفوان صامتين، كلاهم لا يرى إلا هارون وزوجته والظلام الذي يخيم على بيتهم..

ربتت ليال على كتف جميلة ولكنها نفضت يدها ووجهها يواجها، مغرقا بالدموع، شاحب، فاقد لجماله وحيويته "ابتعدي عني، أنتِ السبب"

صمتت ليال، لم تمنحها كلمات موافقة أو رفض ولكن هي لم تصمت "لم يكن عليكِ إبقائنا بالبيت ومنحها أمل بأن تسترد ابن جاحد مثله"

لم تعجبها كلماتها ولكنها تدرك حزنها على أمها لكن صفوان لم يوافق على رأيها "احذري بكلماتك يا هذا، اعرفي عن من تتحدثين، الريس ليس بجاحد هي والدتك من ظنت أنه سيتجاوز عن الأمر بسهولة"

رفعت وجهها الغاضب له "لا دخل لك بالأمر، ماذا تعرف أنت عن والدتي؟ أنت كل ما تعرفه هو الدماء والقتل"

والآن حولت دفتها تجاهه..

تحرك ليجذبها من شعرها لكن أنس قبض على ذراعه ليوقفه وليال تدخلت "جميلة لا تتحدثين عن شيء لا تعرفينه"

عادت لليال والخوف على والدتها أعماها، لم يعد لها سواها، أمها هي كل ما تبقى لها بالحياة ولو رحلت ضاعت.. 

هذا الأخ لا يعرفها، يرفضها ولا يرغب بها فلمن ستذهب

"وأنتم لا تعرفون شيء عنها، ليس هو وحده من عانى بحياته، هي أيضا عانت كثيرا، هو أنتم من لا ترون إلا أنفسكم فقط، مجرمين فأين المشاعر بحياتكم"

صفوان لا يطيق كلماتها، يراها سليطة اللسان، مغرورة وغبية، مدللة وبحاجة لإعادة تربية "وطفلة مدللة مثلك تعرف المشاعر؟ أنت بالأساس لا تعرفين أي شيء عما تتحدثين عنه أو ما يحدث حولك، لا تفكرين إلا براحتك وسعادتك، وجودك بالحياة أصلا لا فائدة منه سوى إزعاج الآخرين"

الجنون يطفح منها، هي حقا مجنونة وهو يتلذذ بنعتها بكل الصفات السيئة وهي تكرهه وتخاف منه بذات الوقت ومع ذلك لا تتوقف عن محاربته "وأنت وحش بلا قلب، أنا أكرهك، أكرهكم كلكم، أنتم السبب بضياع أمي مني، لن أسامحكم لو أصابها شيء، لن أسامحكم"

وانهارت بالبكاء، وليال تراجعت، لم تحاول لمسها أو التخفيف عنها فهي ترفضهم جميعا وأسبابها واهنة وكما قال صفوان

هي طفلة لا تعرف شيء عما يحدث حولها

خرج الطبيب، أسرعت جميلة له لكنه تحرك لليال والرجلان "ذبحة صدرية أدت إلى نوبة قلبية"

شهقت جميلة وأنس يسأل "وماذا؟ حالتها خطر؟"

عادت نظرات الطبيب له والهدوء واضح على ملامحه، هي مهنته والأمر عادي بالنسبة له "نحن نهتم بتقديم الدواء المناسب وإن لم تتحسن على الصباح قد تحتاج قسطرة وتركيب دعامات أو جراحة مجازة الشريان التاجي لتحسين تدفق الدم للقلب وتقليل الأعراض"

ليال لم تفكر "افعل ما تراه مناسبا لحالتها دكتور، المهم نجاتها"

تفهم الطبيب وملامحه تنم عن مراعاة للحالة النفسية لهم، انهيار جميلة جعلها لا تدرك ما يحدث "أفهم مدام، هي ستبيت بالعناية لذا لا داع لبقائكم"

هتفت جميلة "لا يمكنني تركها، ماما، دعوني أراها، أريد أن أراها"

أحاطتها ليال بيداها ولم ترفضها تلك المرة ونظرت للطبيب برجاء "هل يمكنها أن تراها من فضلك؟"

شعر بالأسى من أجلها، أشاح صفوان بيده مبتعدا، أنس ظل معهم "حسنا لكن أنت لا مدام"

بالطبع دخلت وحدها، خديجة كانت بحالة يرثى لها..

الأجهزة تلفها من كل مكان، محلول عالق بأنبوب ينتهي بذراعها، جهاز عالق بإصبعها يتصل بجهاز يقيس النبض والضغط وكذلك الاكسجين بجسدها

حتى نبض القلب يظهر بجهاز آخر

أصوات الأجهزة تفيض بالرهبة، الخوف من ذلك المرض الذي اخترق حياتهم بلا رحمة 

"ماما"

جهاز النفس على وجهها عنى أنها لا تتنفس بسهولة، عيونها المغمضة منحتها الخلاصة، المرأة ارتاحت بالابتعاد عن الواقع المرير الذي كانت تعانيه..

لم تفتح عيونها، لم تسمعها

رفعت يد أمها لفمها ووضعت قبلة واهنة عليها، هل حقا أخبرتها أنها تكرهها؟ 

كيف تجرأت ونطقت بالكلمة وهي تنهار الآن لأجلها؟ 

تشعر أنها وحيدة بدون وجودها.. 

"ماما لا تتركيني، ماما أنا لا أعرف سواكِ وليس لي إلا أنتِ، ماما أنا أحبك جدا، آسفة ماما، أرجوكِ سامحيني"

سقط رأسها على صدر أمها المريض، تبكي بلا توقف.. 

تطلب منها أن تحتضنها، كم مرة أرادت أن تحتضنها وكانت ترفض، تظن أنها كبرت على ذلك لكنها الآن تدرك أنها ستظل طفلة لآخر العمر

"ماما أنا أحبك جدا، والله أحبك، أنتِ كل من أريده من الحياة، والله لم أقصد ما قلته، أنا فقط كنت غاضبة"

البكاء هو سلاحها الوحيد لمواجهة هول ما تعيشه الآن.. 

لا رد من المرأة التي منحتها كل شيء، حب وحنان ورفقة.. هي حياتها لو رحلت رحل كل شيء معها

**** 

كان كما هو.. لم يتحرك

جالسا أمام جدار صامت، فارغ لا شيء عليه.. 

لمسة على كتفه جعلته يرمش، يدرك أنها هنا، كم مر من الوقت على ذهابهم

تحركت لتقف أمامه، كادت تجلس على الأرض لكنه أوقفها ويداه تقبض على ذراعيها "لا"

كلمته حاسمة فتوقفت والتقت بنظراته الزائغة، وجهه المتعب، عيونه الغائرة "أنتِ بحاجة للراحة ليال"

لم تترك يده وهو أبعد وجهه "إذن تعالى لأرتاح بأحضانك"

تراجع بالمقعد، تلك المرة حقا يرغب بالوحدة "ليال، حقا أرغب بأن أكون وحدي"

ترك يدها وملامحه تعني ما يقول

تلك المرة هي أيضا تدرك ما قال لذا تركته ولم يتابعها بنظراته

لم يسأل عما أصابها وهي توقفت خلفه ومنحته الإجابة "ذبحة صدرية، هي بالعناية وقد تحتاج لتدخل جراحي"

وتحركت مبتعدة وهو أغلق عيونه

لا مكان للرحمة بقلبه، رجل اعتاد على مواجهة كل شيء بقوة

الآن القوة تهجره.. لا يجد أي سمة من سمات الريس.. كلها مشاعر طفل يرتعد من البرد ولا يجد أي دفء 

وحدة، قهر، ظلم، معاناة الجوع والانكسار، الذل والهوان.. 

طفل عانى وما زال يعاني بجسد رجل كبر وظن أنه نسى ولكن كل شيء تفجر بوجودها

لا.. لا وألف لا.. 

لن يسمح لأي ضعف أن يقوده.. لن يقبل بأي عاطفة أن تتملكه..

هو لا يعنيه كل ما يدور.. لن يهتم

***** 

الصباح وصل بسرعة، ليال كانت متعبة حقا، ألم ظهرها عاد من جديد، تقلصات بأسفل بطنها، تشنجات الساقين جعلتها تبحث عنه بجوارها فلم تجده، مكانه لم يمس

فتحت عيونها فلم تجده.. 

جذبت هاتفها وضغطت رقمه.. 

بمكتبه وضع تركيز زائف على شاشة الجهاز "تأخرتِ ليال"

قالت بتعب "أنا متعبة هارون"

نهض وتحرك خارجا "سأهاتف الطبيب ليال لا تتحركي"

أنس تراجع وكان بطريقه له "ماذا بك!؟"

كان يهاتف الطبيب ويأكل السلم "ليال متعبة"

كانت تتألم وهو يتحرك لها بقلق واضح "ليال، ليال ماذا بك؟"

كانت تأخذ وضع الجنين وتتنفس بانتظام، هل تلد؟ لا ما زال ماء الجنين لم يسقط..

"ألم بظهري وبأسفل بطني"

دقات على الباب فأذن وألاء تدخل، تلك الفتاة تحب ليال "هل هي بخير!؟"

ظل يقبض على يدها

الخوف، الجنون، الفزع، كل المسميات لا تكفي لوصف ما بداخله الآن، وجهها المتعرق، فقدت الدماء، تجز على أسنانها بدلا من الصراخ 

"لا"

اختصار كلماته عنت أن لا طاقة له بأي حديث.. 

حتى ألاء لا تملك أي شيء لها.. 

نصف ساعة من الألم حتى وصل الطبيب وبدأ الفحص ورفض الريس الخروج وتركها، وألاء تساعد الطبيب 

أخيرا انتهى ومنحها بعض الأدوية حتى استقرت ونامت وتحرك لهارون الذي ظل واقفا عاقدا ذراعيه أمامه حتى وقف الطبيب أمامه

ناظرا لوجهه المتجهم "هي والطفل بخير لا تقلق"

الجنون يأخذه، كيف بخير وهي كانت تتلوى أمامه؟ هل هذا الطبيب أحمق؟

"تلك التقلصات بسبب تمدد الأربطة حول الرحم وزيادة الوزن والضغط على العضلات والأعصاب، لديها أيضا طلق كاذب وهي تقلصات تهيئ الرحم للولادة"

مال تجاهه محاولا البقاء هادئا بدلا من أن يبخ نيرانه بوجهه "هي لم تقو على الوقوف على ساقيها وتخبرني أنها بخير؟"

هز الرجل رأسه بهدوء، خبرته بعمله كبيرة "هذا بسبب زيادة الضغط عليهم وربما نقص السوائل، هي بحاجة لسوائل كثيرة، بحاجة للراحة ورفع القدمين لتخفيف التورم لكن هذا لا يمنع حاجتها للمشي أو السباحة لو أمكن فقد تخفف آلام الظهر مع كمادات دافئة"

أنصت جيدا والطبيب يتحرك خارجا وألاء تقول "سأجهز كمادات دافئة وأعود"

رفع وجهه وأوقفها "لا، أرسلي ثمية بها، أنا سأبقى معها، شكرا ألاء"

تحركت الفتاة بهدوء للخارج 

تحرك لامرأته، جلس بجوارها، مغمضة العيون، هادئة الملامح.. 

سكن الألم وارتاحت ملامحها، لمس يدها بيده وجدها باردة

جذب الغطاء عليها وثمية تدق الباب فأذن

تركت الأشياء وخرجت وتولى هو الأمر، ظل معها حتى انتصف اليوم عندما استيقظت ووجدته راقدا بجوارها، يحدق بها، لم يتركها لحظة 

كما وعد.. 

"هارون"

صوتها خرج متعب كما هي، جسدها ثقيل، كانت لا تعبأ بأي تعب بغيابه لكن منذ عاد وكل تعب الشهور الماضية هاجمها فجأة وهي انهزمت تحت ثقله

"قلب هارون"

"ماذا حدث؟ هل أحمد بخير؟"

رفع يدها لفمه ووضع قبلة رقيقة عليها "نعم ملاكي، كلاكم بخير، مجرد تقلصات عابرة تحتاج للراحة"

أغمضت عيونها تحمد الله ثم فتحتهم لتستمتع بعيونه وحنانه وقربه "الراحة بوجودك معي هارون"

ابتسم ورحلت كل أحزانه، نحاها جانبا لأن من تنال كل اهتمامه هي من ترقد متعبة أمامه "وأنا هنا صغيرتي"

تستمتع بتلك الجملة، تعيد الماضي كله بلحظة، فارس أحلامها أصبح لها "هل أسأل عنها؟"

تجهم مرة أخرى، تعيد فتح الجراح "لا، تحتاجين للراحة ولكن الطعام أولا"

رفع السماعة وطلب الطعام وهي أدركت أنه لا يرغب بتعكير صفو لحظتهم 

**** 

تلقى أنس ألاء بنظرة قلقة مع صفوان وهي تحركت لهم "هي بخير، الطبيب منحها دواء، نامت والريس معها"

مرر صفوان يده بشعره ونفخ موقفا قلقه بينما تابع أنس زوجته "هل أنتِ بخير؟"

القلق كان يلفها، الخوف مما تراه وتخشى أن يصيبها "نعم، هل سيكون الأمر معي هكذا!؟"

صفوان تحرك "أنس أنا بالخارج"

قبض على يداها وهو يرى الخوف بعيونها وجذبها له "كل امرأة ولها ظروفها حبيبتي، ليال تتحمل الكثير كما تعرفين، لم تكن ترحم نفسها بغيابه وعندما عاد رأيت الضغوط التي سقطنا كلنا بها، لكن أنتِ بسكوتة، لن يمكنكِ أن تكوني مثلها بأي شيء"

أخفضت وجهها وحزن تسرب لها أو ربما غيرة لم تفهمها أو تفهمها لكن تخشى التصريح بها "وأنت معجب بها وبما كانت تفعله وتتحمله"

تراجع، لأول مرة تتحدث هكذا عن ليال

رفع وجهها بإصبعه ليواجه نظراتها وملأ عيونه من ملامحها الرقيقة

حبها اخترق روحه وكيانه كله، كسر داخله الحصن الذي شيده بعد مي، منحته الراحة والسعادة، جعلته يحمل دين لزوجة الريس

"حبيبي يغار؟"

لمعت دموع بعينيها..

نعم أغار، أنت حبيبي أنا، لي أنا، لن يشاركني بك أحد، أحب ليال وأعلم مقدار عشقها لزوجها لكن هو أنت حبيبي

"أنت زوجي"

ابتسم وأصابعه تلمس دموعها لتمحوها بعيدا "من الجيد أنك تدركين ذلك بسكوتتي الرقيقة، أنا زوجك أنتِ، أحبك أنتِ، أما ليال فهي أختي وزوجة أخي، أحبها وأحترمها وأحميها بحياتي لكن أنتِ حياتي، زوجتي وأم أولادي وأمل حياتي"

كلماته تشفي الألم، تريح قلبها "وأنا أحبك جدا أنس ولا أتحمل أن ترى امرأة أخرى، أخاف أن تمل مني أو"

قاطعها بأصبعه على شفاهها "النساء ليست هوايتي المفضلة، أيتها المتهورة أوقفي هرموناتك هذه، هل يمل أحد من روحه؟"

الغرام يفقد أصحابه العقل.. 

ارتفعت على أطراف أصابعها وتعلقت بعنقه تطلب أحضانه وهو ابتسم ولفها بذراعه سعيدا بحب البسكوتة وغيرتها وصفوان يغلق فمه وقد أتى ليطلبه بعمل 

تلك الأحضان تقلب عليه الأحزان، تجعله يلعن نفسه التي كانت غبية وانقادت للفخ وسقطت به..

كاد يخرج عندما رأى المجنونة تنزل والأسود يلفها، هل ماتت أمها؟

وجهها الشاحب ظهر نحيف جدا وهي تربط شعرها بالخلف، لم تنظر له وهي تتحرك خارجة وأنس وألاء يتابعانها وأنس يقول "سنتركها وحدها؟"

رفع يداه بلا اهتمام "أمرها لا يعنيني بالمرة"

والتفت ليخرج ليصطدم بها للمرة ..

لا يعلم ولكنها تراجعت للخلف بقوة من الاصطدام به وهو يهتف بها "ألا تفعلين شيء سوى الاصطدام بي؟ ألا تملكين عيون!؟"

لم تثور بوجهه ككل مرة، كانت منهزمة، مكسورة بمرض أمها، هزيلة بلا ظهر تستند عليه

تعلم أن أمها لو رحلت فعليها أن ترحل من هنا ولا تعلم إلى أين؟ 

بكل ضعف همست "لم أقصد"

وتحركت عائدة للداخل فقد نست هاتفها وعادت لتأخذه وتبحث عن أموال لتمنحها لسيارة الأجرة

لم يصدق أنها لم تصرخ به، لم تلقي بكلماتها المستفزة بوجهه، أنس كان خلفه "هي وحيدة الآن صفوان، أمها بالعناية وأخيها يرفضها"

استعاد غضبه منها "هذا شأنها"

وتحرك خارجا بلا اهتمام وأنس يلف ألاء بذراعه "لا أعلم سر كرههم لبعضهم البعض"

تحرك بها لبيتهم وهي تجيبه "جميلة اعتادت على حياة مختلفة أنس، أنا أفهمها، كل شيء مجاب، حياة الرفاهية، صفوان على النقيض، لا يعرف التهور والاندفاع اللذان تتصف بهما هي"

دخلا البيت وأنس يحررها نازعا قميصه

الريس بالبيت بجوار زوجته، لربما يستجم هو الآخر مع زوجته "ولكنك لستِ مثلها ألاء، أنتِ لستِ مدللة، تقبلتِ حياتنا ولم ترفضيها"

ابتسمت له وهو يلفها بذراعه ويمنحها نظرات الحب والحنان وهي تستقر بأحضانه "لأنكم منحتموني الأمان أنس، أمان افتقدته ببيت أهلي، ليال كانت أخت وصديقة وأحيانا أراها أم رغم صغر عمرها، وأنت حبيبي"

قبلة رقيقة وضعها على شفتيها وهو يردد "أنا ماذا!؟"

كانت تستمتع معه "أنت لم تتخلى عني، لم تخف من أهلي، قبلت بفتاة لا تعرف عنها سوى أن والدها مجرم، أنا مدينة لك أنس"

قبلته تلك المرة كانت قوية، ضمة ذراعيه تعني الراحة والأمان، الاستقرار.. الحب

الغرام..

"أنتِ لستِ مدينة لي بأي شيء، حبك لي سدد كل ديونك"

قبلاته تناثرت على وجهها ويده تنزع عنها ملابسها "وأنا سأظل أحبك لآخر عمري أنس"

لم يرد لأنه لم يرغب بضياع تلك الكلمات وسط كلمات أخرى

أغلق أذنيه على حبها له لآخر العمر، حب لم يحلم به وناله لذا سيضعه داخل عيونه ويحميه بحياته

**** 

وقف صفوان أمام فريد ورجلان آخران عندما سمعها خلفه "هل يمكن أن نتحدث؟"

التفت لها وهو لا يصدق أنها هي

عيونها باكية بغزارة ولكنها مسحت دموعها، شاحبة، نحفت بيوم بشكل ملفت "معي!؟"

الدهشة علت نبرته ولكن ظلت ملامحه جامدة، لن ترغب بالتحدث مع الوحش، ألم تخبره ذلك بالأمس؟

أسقطت نظراتها للأرض، رحل الغرور مع انهزام كرامتها ورحيل أمها وتركها وحدها "نعم"

عندما لم يرد رفعت عيونها له، ذهبية، بلون الشمس، أحلام تشبها لكن تميل للون العسل أما تلك المجنونة فعيونها شمس مشرقة "أرغب بالذهاب للمشفى"

عاد للواقع بلحظة وهز أكتافه بلا مبالاة "فلتذهبي، ما شأني أنا؟"

تورد وجهها بلحظة، مالت رأسه، تبدلت بلحظة وكأن شمس عيونها تغرب وتمنح وجنتيها لون أشعة الشمس وقت الغروب، حمراء

"ليس.. لا أملك.. أقصد أنا.."

بلا استسلام للغضب أوقفها "هل تنطقي بجملة مفيدة؟"

تعلقت نظراتها بعيونه، لا تعرف لماذا لم تدق باب ليال وتسألها هي؟ ربما لوجود هارون

لماذا لجأت له وبينهم حروب لا تنتهي "ليس معي مال"

وأخفضت وجهها

المال كان لا ينتهي من حقيبتها، اليوم لا تملك حتى جنيه واحد

تراجع والدهشة ترتفع داخله..

"تعالي"

تحرك ولكنها لم تفعل، ظلت واقفة تتبعه بعينيها فتوقف والرجال تبعد نظراتها عنهما "ألم تسمعي؟ تعالي"

تحركت وهو أكمل للسيارة "اركبي"

ظلت واقفة حتى فتح النافذة وهتف بغضب "هل لابد أن أعيد كلماتي حتى تستوعبين ما أقول؟ اركبي"

هتافه بها وصل لأذن الريس الذي كان يتابعه من أعلى، من نافذته، عاقدا ذراعيه أمام صدره، رآهم ولم يعترض

الفتاة لم تمر على ذهنه، لم يراها وسط ظلام ما مر به..

الآن رآها..

دخلت السيارة بجوار صفوان، ولم ينتظر كثيرا وهو يتحرك خارجا من القصر، يعلم أن ما يفعله جنون لكن كما قال أنس، لن نتركها وحدها، بالنهاية أخت الريس سواء أقر بذلك أم لم يقر

لم يتحدث بكلمة واحدة ولم ينظر حتى لها ولا هي، كل ما شغلها أمها

المشفى أخبرتها بالهاتف أن الزيارة بالسادسة لذا نزلت لتراها

لم يكن لديها مال، لم تعرف ماذا تفعل؟

لم تفكر سوى به ولا تفهم لماذا؟ 

هو العملاق، الوحش، صاحب الأيدي الدموية ومع ذلك لم يتركها وحدها..

المشفى كان مزدحم جدا على خلاف الأمس.. 

غرفة العناية انفتحت لها وهو ظل بالخارج 

"ماما"

فتحت المرأة عيونها والإجهاد واضح على ملامحها "جميلة"

سقطت الفتاة على صدر أمها، بكت كثيرا، بكت أمها وحالها ومصيرها المجهول "ماما لا تتركيني"

رفعت يدها بصعوبة، لا قوة لديها على فعل شيء "أنا.. بخير"

ولكنها لم تكن.. 

"حالتها لم تتحسن سيد صفوان، أخشى أنها بحاجة لجراحة، ربما لو وافقتم نجريها غدا ظهرا، كل التحاليل تمت بالفعل"

مرر يده بشعره والقرار ليس له لذا أجاب "امنحني فرصة وسأبلغك قرارنا"

رحل الطبيب وهي خرجت، تترنح، لم تتناول أي شيء منذ الأمس، كل ما تفكر به أمها، لا يمكنها أن تعيش وأمها ليست معها، لا معنى للحياة بلا أم

تحرك لها وقبض على ذراعها وهي تكاد لا تراه "ماذا بك!؟"

ما بك أنت يا عملاق؟ جسد عملاق وقلب عصفورة.. 

لم تكن تراه لكنها استندت عليه.. 

لا تعرف ماذا يحدث لها؟ 

ظلام يغشى عيونها، شعور بالغثيان. 

مقعد لمسها فجلست وأسندت رأسها على الحائط خلفها حتى شعرت بماصة تدخل شفتيها فجذبت العصير.. 

لحظات وشعرت بالظلام ينقشع، الدوار يرحل والغثيان يهدأ

فتحت عيونها.. 

الخضراء هي كل ما واجهتها.. القلق سكنهم.. الغضب لم يعد موجود والوسامة ظهرت على وجهه

"هل أنتِ بخير؟"

نبرة القلق واضحة، ليس بها سخرية أو توعد.. 

كانت تعيد نفسها للواقع "نعم، شكرا"

ابتعد بعد أن منحها العصير "أكمليه، سأجري محادثة وأعود"

ولم يمنحها فرصة للرد وهاتف الريس الذي أغلق الصوت كي لا يزعج صغيرته النائمة وخرج من الغرفة ليجيبه 

"ماذا صفوان؟"

حك صفوان لحيته، لا يعرف هل هو يفعل الصواب أم لا ولكنه أكمل "والدة جميلة بحاجة لجراحة هارون هل نوافق أم لا؟"

نغزه ألمت بصدره.. 

جراحة لامرأة هي بالأساس أمه. 

رفع رأسه، لا كلمات لديه لكن عليه بالرد "افعل ما تراه صواب صفوان الأمر لا يعنيني"

وأغلق، وضع الهاتف بجيبه، ضاقت نظراته، حلت العتمة محل الأزرق

عاد الخراب يعشعش جنباته، رافضا أي معنى ولو صغير للرحمة

لا مكان للتسامح بحياته، لم تمنحه أي رحمة ليفعل معها..

عاد صفوان للداخل، رآها تتلفت حولها والخوف هو كل ما ظهر على ملامحها حتى رأته 

سكنت شمسها الغاربة على الأخضر بعيونه، نبض داخلها شعور بالراحة رحل منذ سقوط أمها

وقف أمامها، لابد أن يخبرها "والدتك بحاجة لجراحة والطبيب ينتظر رأيك"

من أين تأتي كل تلك الدموع التي تذرفها النساء؟ 

يدها ارتفعت على فمها توقف شهقاتها

أبعد وجهه ومنحها وقتها حتى هدأت فعاد لها وانحنى ليقترب منها "بكائك لن يفيد بشيء، لا مكان للطفلة المدللة التي تعيشين دورها الآن، اكبري واجمدي"

غضبت من كلماته "أنت لا تعرف شيء عن الذوق، ولا الرحمة، أمي بالعناية وتحتاج جراحة وأنت ترغب.."

قاطعها بنبرة غاضبة، قوية وحاسمة "أنا أرغب بجذبك من شعرك ومسح البلاط بك، نحن لسنا بمجال استعراض من يملك قلب ممن يملك حجر، أمك تحتاج قرار والقرار يعني عقل واعي وليس بكاء وانهيار"

نهضت لتواجه الأحمر الذي لمس الأخضر بمقلتيه، وجهه الذي تلون بالأحمر، قامته المديدة أمامها "وكيف لي باتخاذ قرار كهذا وأنا لا أعرف ما الصواب من عدمه؟ أنا لا أعرف ماذا أفعل، لا أعرف"

تراجع، وهي تغطي وجهها براحتيها وهي بالفعل حائرة، خائفة

رفع يداه ليربت عليها لكنه تراجع، تلك المجنونة لن تتفهم لمساته وربما تنفضها ولسانها يفلت كالمعتاد ووقتها لن يدرك ماذا سيفعل بها؟ 

"حسنا سأرى الطبيب وأتخذ اللازم، اجلسي ولا تذهبي لأي مكان"

مسحت دموعها "سآتي معك"

لم يمانع، هي والدتها وهو حقها.. 

القرار اتخذ بالفعل لسوء حالة خديجة

هاتف أنس وأخبره ولم يهاتف هارون مرة أخرى

الجراحة تحددت بالظهيرة لذا أقنعها بالرحيل والعودة بالصباح 

أسندت رأسها على زجاج النافذة والمكيف يدفئ السيارة ولكنها لم تهتم، كل عقلها كان مع أمها

هل ستنجو؟ أم ستتركها وحيدة بهذا العالم القاسي؟

"جائعة؟"

انتبهت لصوته، رفعت رأسها ومسحت دموعها "لا"

ولكنه لم يوافق على كلماتها فهو يدرك حالتها..

رأته يدخل ممر خاص بمطعم يقدم خدمة السيارات 

"برجر وفرايز؟"

لم يكن ينظر لها وهو يتابع السيارة التي أمامه

لا تصدق أنه يعرف مثل تلك الأماكن!؟

نظر لها، التقى بنظراتها المتسائلة، هل زوجته السابقة من دفعته لتلك الأماكن؟ 

لماذا انفصلا؟ 

رجل بوسامته ومكانته تتركه امرأة! لأي سبب؟

استعادت نفسها من بوق السيارة خلفهم وهو أيضا عاد يحرك السيارة ليأخذ دوره وهي تمليه طلبها وهو المثل

الصمت كان رفيقهم وهو يوقف السيارة بالقلعة، المكان هادئ رغم برودة الجو.. 

لا وجود لازدحام وصوت البحر يمتعهم

"شاي؟"

التفتت له، وهو ينظر للخارج باحثا عن أحد "لا أتناول شاي"

عاد لها.. 

تورد وجهها فجأة وهو ظل ثابتا بنظراته على ملامحها ثم سألها "عصير؟"

هزت أكتافها "نسكافيه"

لم يرد وهو ينزل وهي تتابعه..

رشيق، ثابت بخطواته، أنيق بملابسه، كلهم كذلك، الريس يغدق عليهم بالمال

ظلت تتابعه وهو يتحدث مع الرجل وعندما التفت ناحيتها اصطدم بنظراتها، فأخفضت وجهها

لا يفهم أي جنون يقوده.. 

يرغب بصفعها وتعليقها على حبل وضربها حتى يظهر لها صاحب وبدلا من ذلك تناول معها الطعام ويشتري لها نسكافيه

هل جن العملاق!؟ 

المجنونة أصابته بالعدوى..

عاد والأكواب الكرتون بيده وهي تفتح له بابه فمنحها الأكواب لتصطدم يدها بأصابعه وتلمس خشونة بشرته المناقضة لنعومة يدها

كريمات ومرطبات كانت تدفع فيهم أموال لا حصر لها

رفعت رموشها عن عيونها والتقت بخاصته، واجها ورجفه غريبة سرت بجسده، نفس الرجفة هاجمتها..

ياسر حاول إمساك يدها كثيرا لكنها تهربت منه، لم تشعر أنها ترغب بذلك، نعم أحبته لكن رفضت كل طلباته المتجاوزة

دخل السيارة ومنحته كوب القهوة خاصته وقبضت على كوبها براحتيها تلتمس الدفء واختارت أن تمزق الصمت 

"شكرا لك"

تناول القهوة دون النظر لها، قد يكون عدم رغبة برؤيتها لذا اختار التحديق بالزجاج الأمامي "ألا أقارب لكِ؟"

تناولت المشروب تمنح نفسها الدفء "لماما لا، لم تخبرني هي عن أحد، أما بابا فأنت تعرف القصة، هم يرفضون الاعتراف بنا"

لف وجهه لها وهي شاردة، خصلاتها تهدلت على جانبي وجهها بلا اهتمام منها، ولكن منحتها مظهر جميل "لأجل المال"

منحته هزة موافقة وهي ترفع القدح براحتيها لفمها "هذا سبب، والآخر أن ماما كانت" ولفت وجهها له والألم بعينيها واضح "خادمة"

تفهم بالطبع فأبعد وجهه ولم يتحدث ولكنها لم تصمت "لم أظن أنك ستأتي معي"

السيارة المجاورة لهم كانت لشاب وفتاة، كان يقربها منه وصفوان يتابعهم "تستحقين أن أتركك تذهبين سيرا ولكنك.. أخت الريس"

صمتت، ابتلعت كلمات مستفزة كعادتها فالتفت لها، لم تنظر له وهي ترد "هو لا يرغب بنا، لا يعترف بأني أخته"

أنهى القهوة ودافع عن رفيقه "هل تدركين ما حدث له؟"

لفت وجهها لتدافع عن أمها ولكنه أكمل "تركته وهو رضيع على باب ملجأ، لم يعرف معنى الأم أو الأب، تسعة وثلاثين عاما لم تفكر يوما أن تجده وتمنحه أي شيء مما حرمته منه وتخبريني ماذا؟"

شحبت، فقدت الرد وهو أبعد وجهه "هارون لا يتحدث عن تلك الأيام، لكن كلنا نعرف ماذا عانى هناك، أن يسامحها هكذا فهذا أمر غير وارد"

الضعف سكن قلبها "تعرفه جيدا؟"

عاد لوجهها الذي انتظر إجابته "ربما، هارون بئر عميق ينضح بما يرغب فقط ولا يمكنك معرفة الباقي"

تفهمت "ولكنك تحبه، وتحب ليال"

أبعد وجهه، كلماتها تعيده لأسما، أنت تحبها..

"أحب هارون كأخ ورفيق ورجل أنقذ حياتي من الإعدام، وأحب ليال كأخت وزوجة أخ"

"إعدام؟"

لم يجيبها بل أدار السيارة وتحرك عائدا ولا رغبة له بمنحها أي شيء عن نفسه، اكتفى بأسما وما فعلته معه، هو بالأساس لا يعرف ما الذي فعله مع تلك المجنونة؟

المجنونة ظلت عابسة، لديها فضول يتزايد تجاه العملاق، ترغب بمعرفة كل شيء عنه فجأة وهو أغلق الباب بوجهها

هل ذلك له علاقة بزوجته السابقة؟ 

هل ما زال يحبها؟

ملامحه جامدة، يده تقبض على المقود بقوة.. 

ذهنه بعالم آخر، امرأة ظن أنها تحبه وصدمته الحقيقة، تحب المركز والسلطة

لا ترغب بأولاد منه..

**** 

المساء كان للعمل، اطمئن على صغيرته ورحل لرجاله

لم يجرؤ أحد منهم على التحدث معه عن خديجة، لكن بالنهاية تطرق الحديث غصبا عنهم جميعا عندما هاتف المشفى صفوان يخبره بأن حالة خديجة تتدهور

"وماذا يمكنك فعله لها؟"

أجاب الطبيب "التعجيل بالجراحة سيد صفوان، الطبيب هنا فهل نفعل؟"

هارون تحرك للنافذة ومنحه ظهره..

يسمع..

يفهم..

لكن قلبه لا يستجيب، عقله رافض لأي تسامح 

"هارون الجراحة ستجرى بعد ساعتين"

لم يجيب

تبادل أنس وصفوان النظرات.. كانوا يعلمون أنه لن يستجيب.. 

أنس عاد لصفوان "اذهب أنت، أنا باقي"

تحرك صفوان خارجا، توقف قبل الباب ونادى ثمية "أخبري الآنسة جميلة أن المشفى تريد رؤيتها الآن"

كان بالخارج، وهي تهرع له والتفت ليصطدم بها للمرة المليون وهي ترتد لتسقط مرة أخرى ولكن..

تلك المرة تلقاها بذراعه..

انثنى جذعها للخلف وذراعه تلتف حول خصرها وشعرها تناثر خلفها 

فزعت وهي تطوح ذراعيها بالهواء وهو يجذبها له لتستقر يداها على صدره

جدار بشري صلب يشبه مدربه الأصلي.. 

الريس. 

التقطت أنفاسها المفزوعة.. وعيناها ترتفع لعيونه.. 

لحظة غريبة، عيون تحمل الفزع، الخوف والدهشة تلتقي بعيون هادئة

أين الغضب؟ أين الوحش؟ أين العملاق المتوحش؟

تلك العيون جميلة، تلمع ببريق مضيء وغريب

ليس بري،  لكن صادق.. لا مكان للغش أو الخداع.. 

لمستها جعلته يشعر بمس كهربي، ومضة لمعت بعيونها له وأخرى بعيونه لها

هل ضربكم أنتم أيضا؟ 

لا، لا.. 

العملاق والمجنونة؟

بقلب الكاتبة، العملاق يستحق قلب طيب مثله فماذا عن المجنونة؟

تركها بلحظة..

استوعب فجأة ما كان

تلك اللحظة مرت وكأنها أيام، تورد وجهها منحه نبذة عن تصرفه الغبي وهي أخفضت وجهها تعلن باعتراف أنها مجنونة عبثت مع العملاق لكن..

احم.. احم.. عملاق طيب..

"لم أقصد لكن.."

أبعد وجهه عن نظراتها الخجلة "المشفى طلبتنا، الطبيب يتعجل الجراحة وأنا منحته موافقة"

فزعت، دموعها انساقت بسرعة لتسقط على وجنتيها، لم تكد تجف بالأساس

إحساسها بالوحدة مخيف بغرفتها وهي تشعر أنها بعالم مختلف، وحيدة لا أحد لها

الآن العملاق يساندها..

"متى؟"

تحرك للسيارة هاربا من مواجهتها، أو لا يرغب بالجنون الذي حدث من قليل أن يتكرر، لابد أن يبتعد لكن كيف وهارون يترك الأمور لأول مرة بلا سيطرة!؟

بلا كلمات دخلت السيارة، تلك المرة العطر الرجولي كان واضح جدا،  Dior Homme Intense هي تعرفه جيدا

رأته كثيرا بمحلات العطور وهي تهوى التعرف على العطور الرجالي

ريحة خشبية- مسك- حسية وفيها عمق وسكون.. 

يماثل هدوء ذلك العملاق قبل العاصفة، لمسة غامضة وثقيلة جعلتها تشعر أنه رجل مر بماضي صعب..

إعدام..

تراه عطر صامت رغم قوته مماثل لصاحبه لا يتحدث كثيرا لكن حضوره وحده يملأ المكان

ثبات العطر عالي يناسب رجل يدخل مكان فلا ينسى ساكنيه مروره

تلك المجنونة تجعله فاقد للسيطرة وعليه التوقف.. 

"متى ستكون الجراحة؟"

سرقت انتباهه مرة أخرى.. 

لماذا طلبها؟ 

كان يمكنه الذهاب وحده، لكنها والدتها وهي صاحبة الحق الوحيد بالتواجد معها 

"بعد ساعة أو أكثر"

اختصار الكلمات جعلها تتذكر طبيعته، قليل الكلمات، هادئ هدوء البركان الخامد لكنه يخزن داخله ثورة تزيح كل شيء من طريقه

صمتت..

سيعود ويرفضها من جديد، لا أحد لم يرفضها من بعد رحيل والدها وحتى أثناء وجوده لم يكن أحد يرحب بها، كل أهل والدها رفضوها

التدليل من والدها لم يكفيها ومن خديجة التي كانت ترى بها ما لم تراه بنفسها

لا ترغب بأن تعيش ابنتها ما عاشته وعانته

لكنها ستظل تحمل العار فوق عاتقها..

هي ابنة الخادمة.. قصة قديمة قدم الزمن..

حتى أخيها الوحيد رفضها ربما لذنب أمها وربما لأنه لا يراها بالأساس

كل ما تعرفه أنها مرفوضة، وهذا له معنى واحد؛ أن الاهتمام الذي كانت تناله لم يكن حب بل تعويض عن جرح.. 

يرونها ضعيفة، مدللة، رخوة، لا تحمل أي مسؤولية ولم تعرف كيف تعيش الواقع القاسي

لكن الحقيقة أنها..

لديها قلب أبيض نظيف.. 

نظريتها بالحياة بسيطة.. 

أنا لم أضر أحد فلماذا تؤذيني الناس؟

لم تتصرف بذكاء وهذا لأنها عاشت طوال عمرها بحماية والدها ووالدتها من بعده فهل يمكن أن يفهمها أحد؟

الصمت لفهم، للحظة كلاهم يفكر بنفسه

هو باللحظة ذاتها تذكر أسما، موجوع من خيانتها لحبه ورفضها لقلبه. 

المجنونة تفكر بنفسها وهي موجوعة من الرفض

يحملان سمعة ليست لهم، هو الجلاد.. هي ابنة الخادمة 

هل يمكن أن يلتقيان؟ يكملان نقصهما معا!؟ تمنحه إحساس أنه رجل محترم بقلب طيب وهو يخبرها أنها ليست خطأ؟

لا أعلم.. 

لم أجد سبيل..

**** 

الفانيليا استعادة نفسها بمنتصف الليل وهو يدخل الغرفة وهي تفتح عيونها على الضوء الخفيف وتراه ينزع قميصه فاعتدلت فتحرك لها يساعدها على الجلوس

"كيف حالك الآن ملاكي؟"

أبعد شعرها المتناثر حولها ووجها استرد بعض من الدموية، أمسكت يده وهو يجلس بجوارها "بخير، لا أعلم ماذا أصابني؟"

مرر أصابعه على وجنتها بحنان "لا شيء، فقط طلق ناري بكتفك وحمل بالسابع"

ابتسمت وملأت نظراتها من ملامحه "أحيانا أخشى أن أغمض عيوني وأفتحها ولا أجدك معي، هارون أنا تعبت جدا بغيابك، كنت مؤمنة بأنك ستعود لكن لم أعرف متى"

جذب وجهها ووضع قبلة عميقة على جبينها وتأمل ملامحها "كنت غاضب ولم أرى سوى الانتقام لسعد ولم أفكر بأني أتركك خلفي، أنا أيضا تعبت بغيابك عني ملاكي"

ابتسمت وعشقها هو المرتسم بعيونها "المهم أنك معي الآن"

رنين هاتفه جعله يفلتها.. 

صوت الكبير كان واضح "أرسلت لك هدية عودتك، موقع السويفي"

لم يمنحها وجهه بل تحرك للنافذة وهو يرى الرجال تتسامر بعيدا عن البيت "تمام"

وأغلق بلا إضافة..

صفوان هاتفه مغلق فهاتف أنس "أين صفوان أنس؟"

تناول أنس الطعام من ثمية وهو يسند الهاتف على كتفه "لم يعد من المشفى هارون، والدة جميلة تجري الجراحة"

صمت حل

ما أن يمر الحديث عنها أمامه حتى تظلم مخيلته.. تسقط عتمة سنوات الماضي بطريقه، تغلق عليه أفكاره 

"هارون أنت معي؟"

رفع رأسه مستعيد كامل تركيزه "نعم، انتظر مني رسالة بأي وقت أنت والرجال"

وأغلق ملتف ليراها تقف خلفه، ترفع وجهها له، جميلة، رغم ملامح وجهها التي تبدلت بسبب الحمل

يحبها، تملأ قلبه ووجدانه، تعيد له السكينة 

"السويفي؟"

من مراجعة الأعمال أدرك كم هي ذكية، موهوبة، سيدة أعمال ماهرة رغم صغر سنها ومع ذلك بعودته منحته الراية وتنازلت عن كل ما حققته بغيابه والآن ذكية..

رفع يده لوجنتها الناعمة، مانحا نفسه ما حرم منه شهور "نعم"

لا مجال للكذب مع امرأة الديب "لا تنسى أننا بحاجة لك، أنا وهو"

وأمسكت يده وأنزلتها على بطنها ونظراتهم ثابتة لا تنقطع

تخبره ألا يذهب ولكن بطريقة مختلفة "ليال، تعرفين أنني لن أتركه لأني لو تركته فهو لن يفعل بل وسيظن أني أخافه والديب لا يخاف أحد"

هي تعلم لكن هي تخاف

لا ترغب بأن تعيش ذلك الشعور مرة أخرى، فقدانه تعاسة، جسد بلا روح "فقط عد لي هارون، أنا لن أتحمل ضياعك مني مرة أخرى"

جذبها لأحضانه فاستقرت على صدره والكلمات فرت من بينهم بلا رغبة بالعودة

**** 

الجراحة استمرت لأكثر من أربع ساعات

ظلت جالسة لا تتحرك، هو اختفى كثيرا ولكنه يعود ليمنحها شاي أو عصير ولكنها لم تتقبل أي شيء بعد ذلك..

الثانية صباحا والمشفى هادئا.. 

الجميع بسكون غريب وهي لفت نفسها بذراعيها من البرد.. 

تعد الساعات التي مضت وتتساءل كم تبقى؟

جاكيت امتد لها والعطر المميز يندفع منه لأنفها فرفعت وجهها لتراه بجوارها "ارتديه الجو برد"

البلوفر خاصته بدا ملتصقا بجسده مبرزا عضلاته والجاكيت بالتأكيد سيكون كبيرا جدا ومع ذلك لم ترفضه

أخذته وارتدته وبالفعل غرقت به ولكن الدفء الخاص بصاحبه رحل لها والجاكيت الثمين يضمها بقوة صاحبه

"شكرا"

لم ينظر لها.. 

لا يعرف كيف تورط بهذا الأمر؟ 

تلك المجنونة لم يكن يتحمل حتى رؤية وجهها ومنذ طلبت منه المساعدة وهناك شيء يربطهم ببعض لا يفهمه..

لم يرد 

أخيرا خرج الطبيب واندفعت معه للرجل الذي كان هادئا كعادة الأطباء.. 

ولا كأنه ظل أربع ساعات يعبث بقلب مريض 

"كيف هي ماما يا دكتور؟ أرجوك طمني"

الطبيب بدا متعاطفا معها بالطبع، لصغر عمرها، لملامحها المتعبة أو لأنه يعلم أنها والدتها "ننتظر حتى تمر مرحلة الخطر وبعدها نتحدث عن نجاح الجراحة"

ترنحت من داخلها ولكنها تماسكت ظاهريًا

فقط دموعها لم تمنحها سلطة عليها، سقطت غزيرة وصفوان يلتقط الخيط "ومتى يمكننا معرفة ذلك؟"

عاد الطبيب لصفوان "لا نعلم، ربما بعد الظهيرة، بعدها أو قبلها على حسب حالة المريضة، وجودكم لا داعي له، هي بالعناية"

هتفت بجنون كما هي طبيعتها "ماذا تعني؟ كيف لا تعرف متى ستعود؟ هل ستعيش أم لا؟ ماذا فعلت بأمي؟"

تراجع الطبيب وصفوان التفت لها "جميلة هل تهدئي؟ لابد من منحها الوقت اللازم"

الدموع لطخت وجهها والطبيب تراجع، مبتعدا من أمامها وهي تهتف بخوف "أي وقت؟ أنا ليس لي سواها، لو ماتت سأموت معها"

لا، هذا كثير.. 

لم يعرف كيف يعتني بالأطفال وهذه ليست طفلة عادية بل مجنونة

بل مرفوضة يا عملاق.. 

رفضها أهل والدها ورفضها أخيها وربما يرفضها المجتمع فيما بعد..

انحنى من ارتفاعه ونظراته لا تحمل أي علاقة بالوحش الذي كانت تشبهه به "ستكون بخير فقط تماسكي حتى تكوني بخير عندما تفيق وتراك"

هزات رأسها كانت تعني اليأس، الخوف من رحيل آخر من تبقى لها ولكن نظراته منحتها بعض الطمأنينة وليتها تهدأ "ربما نعود البيت و.."

هتفت بانهيار "لا، لن أتركها، سأبقى حتى أراها وأتأكد أنها لن ترحل، يمكنك الذهاب ولكن أنا لن أتحرك من هنا"

يمكنه الذهاب نعم لكن كرجل قلبه طيب كما تقول ليال لن يتركها، بكاءها يكسر قلبه، أسما كانت كذلك، بكاءها كان يكسره لكن جميلة مختلفة

هي بريئة، لا خبرة ولا إدراك بكيفية مواجهة الأزمات، ضعيفة لكن متماسكة، باقية رغم كل شيء ..

وأخيرا وصل الصباح، ملبد بالغيوم.. يوم من أيام الشتاء الممطر

نامت المجنونة.. 

على ذراعه.. 

وهو لا يصدق أنه ظل هكذا لوقت لم يعرف مقداره حتى بدأت الضوضاء تعم المكان فتحرك رأسها وهي تفتح عيونها تحاول أن تستوعب أين هي؟ 

ماذا حدث؟

متى تعلم الاعتناء بالأطفال؟ 

ما زالت ليال لم تنجب طفلا ليتولاه.. ولا ألاء.. 

هو بالأساس لم يولد ليربي أطفال بل يعذب رجال، يستجوب أحدهم، يعاقب آخر لكن الاعتناء بطفلة...

"أين أنا!؟ ماما.."

لف وجهه لها وهي تبعد رأسها الذي تصلب من ثباته وقت طويل على نفس الوضع.. 

تورد وجهها بالحال عندما التقت بنظراته التي تجيب نصف السؤال

أنتِ بجوار العملاق، نمتِ على ذراع الوحش..

ما تلك العيون؟ 

سؤال كلاهم سأله لنفسه.. 

الذهبية تمنحه إشراقة الشمس بذلك اليوم المليء بغيوم لا نهاية لها.. 

الخضراء، بلون الزرع النقي.. لون مريح للأعصاب، مفعم بالحيوية والطاقة.. هو وسيم حقا

كيف أنت هكذا؟

"أنا.. كم الساعة؟"

أبعد وجهه وهو ينهض، جسده يعترض على تلك الحالة التي جعلت عضلاته تتشنج وعقله يرفض ما كان

خرج من المشفى والبرد يضربه.. 

ما زالت ترتدي الجاكيت خاصته.. 

لا يشعر بأي برد بل غضب، غضب من نفسه لأنه يترك كل شيء ويبقى مع تلك المجنونة

رسالة على هاتفه جعلته يفتحها من أنس "لدينا رحلة، سأخبرك الموعد والموقع"

نفخ.. هل سيتركها وحدها؟ 

بالطبع لن يترك رفيقه مرة أخرى..

عاد للداخل وهي كانت تقف أمام باب العناية، التفتت له عندما حدثها "هل الطبيب هنا؟"

وجهها المجهد واجه، كانت مختلفة وهي نائمة، هادئة، بسيطة، جميلة..

"لا، الممرضة قالت أن الحالة ليست مستقرة، أنا خائفة"

مرر يده بشعره القصير، ثم حك لحيته وهو يبعد عيونه عنها "سأرى أين الطبيب؟"

قبل أن يذهب هتفت به بنبرة غريبة "هل سترحل؟ أقصد.. أن بالتأكيد لديك عمل"

لف وجهه لها، تورد وجهها الشاحب مرة أخرى.. 

تلك الفتاة تثير جنونه، توتره، تفقده التفكير بالأساس "ربما"

وتحرك مبتعدا وهي تقاوم البكاء.. لا تعلم لماذا تشعر معه هو فقط بالأمان؟ 

ربما لأنه الوحيد الذي لم يرفضها أو يتركها وحدها، وجوده معها منحها الرفقة التي لم تعرفها من قبل

بالوقت الذي قضته بكليتها بالقاهرة كانت تفر من الأصحاب، خائفة أن يعرف أحد حقيقة أمها 

الكل يعرف والدها ويتقربون منها لذلك لكن ما أن رحل حتى انفضوا من حولها.. 

وجودها هنا كان فرار من الحقيقة ومن أهل والدها..

عاد بعد وقت مانحا إياها طعام وكوب شاي وهي ظلت تمسك الطعام بلا شهية 

"تناوليه، والدتك بحاجة لكِ سليمة"

أخفضت وجهها "لم أظن أن تفعل معي ذلك؟"

ورفعت وجهها لتلتقي بلمعان عيونه، تمنحها نظرة لا تفهمها

هو نفسه لا يفهم تصرفاته معها؟ 

أسما منحته درسا جيدا جعلته رافض لأي امرأة، لكن تلك الفتاة وحيدة بحاجة للمساعدة وكعادته لا يقف مكتوف اليدين عند امرأة بحاجة للمساعدة

"لأنكِ كنتِ مجنونة وسليطة اللسان؟"

غضبت وغربت الشمس بعيونها "أنا لست كذلك، هو أنت من تعاملني بوحشية وتسقطني"

ابتسامة ساخرة لمست شفتيه "تقصدين عندما تسقطين كفتاة مجنونة، متهورة فاقدة للنظر"

زاد غضبها واحمرار وجنتيها من كلماته وفتحت فمها ولكنه أبعد وجهه "أمر لا يهمني، سأرى الطبيب"

وابتعد وهي لا تشعر بالدموع التي تسقط على وجنتيها وتتابع ظهره العريض يختفي بنهاية الممر، هي فتاة مجنونة، متهورة

منذ متى يراها أحد سوى فتاة مدللة لا يمكن الاعتماد عليها؟

هي ليست كذلك، لا أحد يعرفها جيدا..

ربما دللها والدها ببعض المال الزائد لكن أين وجوده وحنانه وحبه؟

لم يمنحها شيء أكثر من المال.. 

خديجة كل شيء.. لم تحرمها أي شيء.. 

كانت تنام بأحضانها وتسمعها وهي تخبرها كلمات لم تظن أنها سمعتها "لا أريدك أن تعيشي الحرمان الذي عشته"

سقطت على المقعد، الآن أعيشه ماما، الآن ليس لي أحد.. 

حتى العملاق يظن أني مجرد متهورة، مجنونة..

هل هكذا يراها الجميع وضف عليهم مرفوضة وابنة الخادمة؟

لم تتبدل حالة خديجة حتى الظهيرة وخرجت معه من العناية

هارون ترك له الحرية بالبقاء معها أو العودة وهو قرر الرحيل بعد خروجهم من العناية وتحرك ليبتعد

ولكن...

"جميلة!؟"

صوت رجولي جعلها ترفع وجهها الأصفر.. 

عيناها المتورمتين تحدق بالرجل الذي تخطى الأربعين بكثير، برونزي البشرة واسع العيون، أسود الشعر، قصير القوام وليس متناسق

نظراته تأملتها بطريقة غريبة وصفوان ظل واقفا مشاهدا ولكن منتبها  

"أنت!؟"

"إذن أنتم تختفون هنا؟"

وجهها المتعب كان يواجه وجهه الحاقد، عمها.. 

لم يحبها بأي يوم، لا هي ولا أمها.. زارهم مرة أو اثنين ببيتهم أثناء حياة والدها وما أن مات حتى هددهم يوم العزاء لذا فرت خديجة بها 

"هذا لا يخصك"

التمعت عيونه بغضب وهو يقترب منها وهي تتراجع دون أن تتحرك "هكذا هي تربية الخدم، بلا أخلاق"

كانت تكرهه، لم تحبه هو ولا عمتها بأي يوم لأنهم المثل، لم يحبوها 

"لا دخل لك بأمي"

لم تخشاه.. 

كانت تعرف أنه ذو سمعة سيئة ولا يهمه الأبيض، مغموس بكل ما هو أسود، رجل لا يعرف معنى الرحمة ولا تعلم كيف عرف بزواج والدها من أمها

"لطالما كنتِ سليطة اللسان، والآن ماذا تفعلين هنا؟"

رفعت رأسها، لم تضعف أمامه بأي يوم خاصة عندما يهين أمها "شيء لا يعنيك"

دائما ما كانت تغضبه، لم تخشى مواجهته أبدا، خديجة هي من كانت تخافه لذا اختارت الهروب 

لم تلاحظ أصابعه التي قبضها بجواره مانعا نفسه من صفعها أو القبض على ذراعها وأخذها لمكان وحبسها به حتى يظهر لها صاحب 

"هل ظنت أمك أن بهروبها ستوقفني عما أريد؟"

ضاقت عيونها بلا فهم، عن ماذا يتحدث؟ هي لا تعرف أي شيء "وما الذي تريده؟"

صوت الغضب رن بنبرة صوته..

صوت الحق عالي بلا هتاف، وصوت الباطل واهن حتى ولو علا للسماء 

"هل تدعين الغباء يا فتاة؟"

"من أنت لترفع صوتك عليها هكذا؟"

التفت كلاهم لصوت العملاق الذي عاد وصوت الرجل وصل لمسامعه من على بعد فتملكه الغضب

الرجل تراجع أمام صفوان، يعرفه وصفوان هو الآخر يعرفه..

"صفوان!؟ ما شأنك بها؟"

وقف العملاق بهيبته مواجها لمروان الزيني

عاد ليخبرها أنه حجز غرفة لها لتبقى بها فرأى مروان، الرجل الذي عرف عنه أنه ملوث كلية بالرذيلة من رأسه حتى أخمص قدميه، حاول التلاعب مرة مع الريس فنال جزاؤه.. 

لا أحد يتجاوز مع الريس والريس لا يرحب بالرذيلة ولا رجاله..

"بل ما شأنك أنت بها مروان؟"

رفعت وجهها له والدهشة تأكلها، صفوان يعرف عمها؟ كيف؟ 

"أمها احتالت على أخي وتزوجته، سرقته من بيته وزوجته و.."

مال صفوان تجاهه بطريقة أخافته وجعلته يرتبك ويتوقف عن إكمال كلماته "سرقته عشرين عاما!؟"

شحب وجه الرجل، ضاعت كلماته وسط مخاوفه من المنفذ، اسم صفوان يلمع بسماء هؤلاء الملوثون بالرذيلة..

"لم نعرف إلا منذ سنوات قليلة وهو رفض إبعادها عن حياته"

اعتدل صفوان ونظر لها والخوف بعيونها أغضبه فعاد لمروان "وأنت ماذا تريد منها الآن؟"

"هم سرقوا أوراق هامة تخص وحيد وأمها ترفض إعادتها"

لم تقبل كلماته الكاذبة عن أمها وغضبها حل محل الخوف ولمعت شمسها المشرقة وهي تواجه بقوة أعجبت العملاق "نحن لم نسرق شيء، أمي أشرف من العالم كله ولو لم تتوقف عن اتهاماتك سأصرخ وأفضحك أمام الجميع وأخبرهم حقيقتك المجرمة"

جز على أسنانه والغضب منها ابتلعه وابتلع معه العقل ونسي وجود العملاق واندفع رافعا يده ليضربها ليجد ما لم يفكر أن يجده

قبضة العملاق تقبض على يده العالقة بالهواء ثم تقدم جسده ليخفيها خلفه ونظراته تسقط على مروان

تحرقه بمكانه، تحوله لرماد يتناثر بالهواء والخوف يسيطر على كل ملامحه

نسي العملاق.. لم يظن أنه يحمي من ظن أن لا حماية لهم

"لو لم نكن بمشفى لعلمتك كيف تتعامل مع النساء، خاصة امرأة تخصني"

رفعت وجهها لظهره، تخصه!؟ 

هل حقا هي تخصه؟ 

دقات غريبة ارتفعت داخل صدرها، راحة رافقتها، اطمئنان غريب وكأنه أمها تلفها بذراعيها وتربت عليها.. 

أنا هنا يا ابنتي

ولكنها لم تكن خديجة بل آخر شخص توقعت أن يدفع عنها أي شيء، ليس بعد كل خلافاتهم وكلماتها المهينة له

الآن هو بمكان آخر.. الحامي

لم ترى تراجع مروان أمامه والدهشة ترتفع لوجهه "ماذا تعني بأنها تخصك؟ ماذا تعني لك؟"

صفوان لا يهتم بمعاني كلماته، هو ينطق ما يشاء وليفهم الآخرون ما يشاءون "أمر لا يعنيك، والآن اختفي من أمامي قبل ألا تجد فرصة أخرى للذهاب"

تراجع مروان ولم يعد يرى جميلة من جسد صفوان الذي التفت لها ليراها ترفع وجهها وعيونها تواجه عيونه.. 

دموعها ساكنة بهدوء خلف ذهبية مقلتيها وكل ما أمكنها أن تقوله من قلبها 

"شكرا"

ما الذي تبدل داخله من تلك النبرة التي تخاطبه بها؟ لماذا تأثر من تلك النظرات البريئة؟ 

لا.. لن يتأثر، كفاه مرة واحدة وسقط بالغش والخداع..

"لقد حجزت لكِ غرفة.. لترتاحي بها حتى تطمئني عليها"

تنفست بقوة.. وهي تخفض وجهها وتمسح دموعها كعادتها بظهر يدها فتبدو كطفلة لكنها الآن طفلة جميلة كاسمها

بلا مقدمات ذهب

تركها ورحل وهي ترفع وجهها وتتابعه وهو يختفي من أمامها وشيء ما.. 

شيء ما تحرك داخلها ولكنها لم تفهمه..

هل يفهمه أحد؟

لا إجابة

             الفصل الثالث والاربعون من هنا

تعليقات



<>