رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثالث والاربعون43 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثالث والاربعون43 بقلم داليا السيد 

هي تحبني

الصباح يحمل الكثير معه.. أمل.. حياة جديدة من بطن الموت.. روح تعود للجسد

لم يحدد موعد لكي ينهي ثأره بل أرسل من يدرس الموقع جيدا.. 

الاندفاع لم يعد من طباعه، هو فعلها مرة وكاد يخسر حياته وسعادته..

ما أن خرج من الحمام حتى سمع رنين هاتفه، الفانيليا نزلت المطبخ، ترغب بإطعام الريس بعد أن استعادت نفسها

رقم فداوي يضيء على الشاشة، الرجل كان دائم الاتصال به ولكنه لم يفعل منذ فترة ولم يعرف أنه استعاد ذاكرته

"مرحبا حاج محمد"

تحرك محمد لمكتبه بالشركة، دعاء لا تتوقف عن سؤاله عن الرجل الذي أحبته وترفض أن تنساه "كيف حالك سليم؟"

أبعد المنشفة وتوقف أمام نافذة غرفته واسم سليم يعيده لتلك الأيام التي كان ضائعا بها "هارون، هارون الديب"

جمد محمد بمكانه قبل أن يجلس "ماذا!؟"

دفع شعره المبلل للخلف وأدرك نبرة الدهشة بصوت محمد "لقد تذكرت كل شيء، أنا هارون الديب"

سقط الرجل على المقعد وهو يذكر ليال ورجاله الذين زاروه لأجل العمل "أنت صاحب المجد!؟ مدام ليال.."

هو عرف أنهم زاروا بور سعيد لكن لم يدرك أن فداوي عرفها "زوجتي، أنت تعرفها!؟"

ابتلع الرجل ريقه والدهشة تتحكم به وبأفكاره، صدفة غريبة "نعم، كانت هنا باليوم الذي منحتك دعاء دعوتها لمناقشة رسالتها، لو كنت بقيت دقائق لكنت قابلتها هي ورجلان كانا معها"

عبث بعيونه وهو لا يصدق أن الأقدار فعلت به ذلك، لو رآها بذلك الوقت لربما تذكر كل شيء ولم يكن ليعيش شهور أخرى بعيدا عنها 

"المهم أني تذكرت الآن، كيف حالك و.."

ولم يكمل، سؤاله يضعه بمكان خطأ ولكنه مدين لها "تحاول تجاوز مشاعرها تجاهك سل.. أقصد هارون"

رفع وجهه وهو يتفهم حزنه على ابنته ولكنه لا يملك لها أي شيء..

أخبرها مرارا أن قلبه ليس ملكه وأن هناك من يسكنه وقد كان..

صغيرته.. حبيبته.. ملاكه

"أنا لا أعرف ماذا يمكنني فعله لأجلها"

الرجل لا يجد كلمات، حزنه كان مكتوم بقلبه، كان لديه أمل ضعيف أن هارون سيعود لابنته بيوم ما لكن ها هو يسمع ما يجعل الأمل يتلاشى ومن رؤيته لليال أدرك أنها تحب زوجها..

ارتداء الأبيض عنى الكثير وقتها..

"لا شيء هارون، عليها أن تدرك أن لك حياتك وأنها لابد أن تجد حياتها هي أيضا، سعيد أنك عدت لنفسك وعائلتك"

"شكرا لك ولكل ما قدمته لي"

وأغلق مع صوت باب غرفتهم فالتفت ليراها تحمل الطعام فأسرع لها والغضب يأخذه وينسيه ما كان "هل فقدتِ عقلك ليال؟"

جذب منها الطعام وهي تبتسم له "اهدأ يا ريس، ثمية حملته حتى باب الجناح"

وضع الطعام على المائدة والتفت لها وهي تقف خلفه، تمنحه نظرات العشق، آسف دعاء، مهما كان حبك فلن يكون مساويا لهذا العشق والغرام الذي أراه بعيون صغيرتي

قلبي لا يرغب سوى بها.. 

أنهى المسافة بينهم ورفع يده لوجنتها وهي ترفع وجهها له كعادتها، تمرر عيونها على ملامحه التي تعشقها "أنا لا أهتم لأي طعام صغيرتي، أنتِ كل من يهمني"

"وأنا أحب اهتمامك وخوفك علي حبيبي، لم أتمتع بمنحك الاهتمام كزوجة، لدي الكثير من أجلك هارون"

جذب وجهها وهو ينحني ليقترب منه "وأنا أعشق كل ما تمنحيه لي حبيبتي"

أغمضت عيونها وتنفست بقوة للكلمة "تلك الكلمة تعني الكثير لي هارون"

وفتحت عيونها وهو يبتسم لها وحدها، يضع قبلة على شفاها، يستنشق الفانيليا يستمتع بقبلتها ودفء أنفاسها "وأنتِ تعنين الحياة لي"

رفعت يداها ولفته بهما وهو يضمها له..

رأسه بين خصلاتها، ذراعيه تلفها هي وابنه الذي تمناه..

تلك هي حياته التي انتظرها كثيرا وأخيرا عادت له..

**** 

الفندق كان ينتظره، موظفين وعاملين.. الجميع وقف لتحيته ونظراتهم تعني السعادة لنجاته.. 

مكتبه كان كما هو فقط كما بكل مكتب عطر الفانيليا اختلط باللافندر..

تابع كل شيء، عرف من رشدي ما تم ببورسعيد ومنحه نبذة عن زيارة ليال والرجال معها وتفاجأ عندما عرف أنهم من كان يعمل لديهم..

دخول صفوان جعلهم ينتبهون له وقد بدا متعب بسبب الليلة الطويلة بالمشفى، هارون لم يقطع حديثه مع رشدي "هذا يعني أن التعاقد تم مع فداوي؟"

جلس صفوان صامتا، رشدي يمنح تقريره للريس "نعم هارون، ليال وافقت على التعاقد، ولكن لو رغبت أنت.."

اعتدل وضغط زر من أزرار الجهاز ليقطع كلمات رشدي "لا، لا تراجع بكلمة ليال، ماذا عن القاهرة؟"

اعتدل رشدي واحترم احترام هارون لزوجته ومنحه الرد "فعلت كما طلبت والتقرير لديك على بريدك"

فتحه وتابعه ثم عاد له بنفس الهدوء "جيد، عرفت أنك تخلصت من كل أملاك والدك؟"

تجهم العابث أقصد، العاشق، ذكر تلك الأيام تغلق عقله "نعم، تعلمت منك الابتعاد عن غسيل الأموال"

تفهم ونهض لواجهته الزجاجية ونهض رشدي معه "لست بحاجة لأمواله هارون"

أشعل سيجارته وتحرك ليقف بجواره وهارون يفهم كلماته "أعلم، هل من أخبار عن ناصر؟"

نفخ الدخان وذكره يغضبه ولكنه ما زال جامد الملامح "لا، لم أراه منذ ذلك اليوم عندك، أنا لدي اقتراح لملهى المعمورة عرضته على ليال وهي وافقت لكن لم نبدأ به فهل عرفت به؟"

عقد ذراعيه أمام صدره وملامحه لا تمنح رشدي أي شيء لكن صوته أجابه "نعم، صفوان سيتولى الأمر أنا أخبرته وأنت معه"

السيجارة تشتعل بفمه، أبعدها ونفخ الدخان "جيد متى سنبدأ؟"

منحه نظرة ثم التفت لصفوان الذي كان شاردا بالمجنونة التي تركها بالمشفى ومروان الذي كان يطالبها بأوراق لا يعرف ما سرها.. 

تلك النظرة بعيونها له وهي تشكره كانت مختلفة

تلك الفتاة مجنونة وتصيبه بالجنون ولا يعرف ما الذي جعله يتولى أمورها هي وخديجة!؟

"صفوان هل تسمعني؟"

رفع وجهه لهارون الذي لف جسده لصفوان عندما لم يجيبه أول ممر

شرود صفوان غريب، لم يحدث من قبل لذا هارون اهتم

"ماذا!؟ هل كنت تخاطبني هارون؟"

رشدي حدق به، نظرة هارون لصفوان كانت تحمل معاني مختلطة لم يفهمها أحد

رشدي ظل جامدا وهارون لم يبدي أي شيء "نعم، أخبر رشدي متى ستبدأ معه ترتيبات المعمورة"

الاحمرار لا يتسرب لوجه العملاق أبدا لكن الآن وصل لوجهه كله، كساه كلون جديد، أنفاسه اختنقت لوضعه أمام الريس وأمام رشدي "أمرك يا ريس، ماذا عن أول الشهر، أنا أخذت موعد من مورد الأدوات والموارد اللازمة"

ضاقت الزرقاء، تعمقت بلون أعماق المحيط محاولا اختراق بئر مساعده الأيمن "حسنا رشدي، تابع معه"

نفخ رشدي الدخان "تمام، هل تحتاج مني شيء آخر هارون؟"

لم يمنحه نظراته بل ظلت على صفوان الذي أبعد وجهه، لم يرغب بمواجهة هارون بشيء هو لا يرغب حتى التحدث عنه، أمه وأخته..

"لا"

انغلق الباب بخروج رشدي "ماذا بك؟"

الريس يواجه، كزوجته لا يمرران أي شيء

رفع يده وحك لحيته ولم ينهض من مكانه، يشعر بثقل يربض على جسده "لا شيء"

ظل هارون صامتا حتى رفع صفوان وجهه له فأدرك أن الريس يتسرب لداخله كعادته، هو لا يرغب بقول شيء لأن ليس لديه شيء 

دقات على الباب منحته راحة "هناك من يرغب برؤيتك يا ريس"

لف وجهه لفريد "من؟"

"تقول إن اسمها.."

لم يكمل وهو يراها تتحرك أمام الباب وتقول "دعاء"

ضاقت عيونه، هل أخبرها فداوي ولكن هذا كان بالصباح والآن..

"أهلا دكتورة، تفضلي"

نهض صفوان ودعاء تتحرك للداخل دون أن يتقدم هارون بخطوة تجاها

الريس له مكانته حتى أمام من ساعدت بإنقاذه..

فقط صغيرته من يفعل لأجلها كل شيء وأي شيء

وقفت أمامه، تتأمل كل شيء حوله، طريقتها اختلفت عن صغيرته عندما رأت الجدار الزجاجي، كانت كالأطفال..

"مكتبك جميل سليم"

صحح لها "هارون، هارون الديب، هذا صفوان، صديقي ومساعدي الأول"

صفوان عرفها من أول نظرة وتجمد لرؤيتها أمامه، لم يسمع كلمات هارون لرشدي عن بور سعيد..

دعاء حدقت بصفوان تحاول تذكر أين رأته ولكنها لم تتذكر 

حيته برأسها وهو رد التحية "أنا بالخارج هارون"

وتحرك خارجا ودعاء ترتد له، نظراتهم التقت بنظرة طويلة وصمت يحاوطهم

كم اشتاقت له؟ لم تيأس أبدا من أن يعود لها لكن عندما أخبرها والدها أنه ارتد لماضيه أرادت رؤية كل شيء من حوله

زوجته.. أرادت رؤيتها، من ملكت قلبه، من سكنت ذاكرته ولم تقبل بفقدان الذاكرة وظلت تحوم حوله

"عرفت أنك عدت لذاكرتك"

كان عليه قطع أي أمل لها وجعلها تدرك أن لا مكان لامرأة أخرى بحياته "نعم"

وابتعد عائدا لمكتبه، عبث بالأزرار وهي تتحرك لتقف أمام مكتبه وهو يواجها "أنت لا ترغب بوجودي"

لم يبعد نظراته عنها، ملامحها لم تتبدل، ما زالت جميلة وتهتم بنفسها جيدا "بالتأكيد لا دكتورة، أنتِ مرحب بكِ بأي وقت، ألا تجلسي"

حاولت منع دموعها، ماذا توقعت منه؟ أخبرها مرارا أن طريقها لقلبه مسدود والآن وقد عاد لامرأته ماذا تفعل هي هنا؟ 

هي من حاولت جعله ينسى حياته الماضية، تجعله يكره المرأة التي سكنت قلبه وغياهب عقله 

لم تجلس، ظلت تملأ ذاكرتها بملامحه فلا تعلم متى يمكنها رؤيته مرة أخرى؟ 

"افتقدتك، ظننت أنك ستسأل ولو مرة"

أبعد وجهه وهو تعمد ألا يفعل كي لا يمنحها أي شعاع أمل، أنا طريقي سد يا امرأة لم لا تفهمي؟

لم يجيبها فأخفضت وجهها وانتصرت دموعها، نفخ بقوة ونهض ليقف أمامها "دعاء من فضلك اهدئي، أخبرتك مرارا أني لا أستحق اهتمامك هذا"

مسحت دموعها "تقصد حبي" ورفعت عيونها الخضراء

الآن أدرك أنها كانت تذكره برفيقه، صفوان "هل تحبك مثلما أحبك أنا؟"

"لا مجال للمقارنة دكتورة، هي زوجتي من تتحدثين عنها لم أكن لأتزوجها لو لم تكن تحبني"

"وأنت تحبها؟"

رفع وجهه "هل تسألين؟"

سقطت دموعها وهي تذكر "معك حق، أنت نسيت كل شيء إلا ضحكتها وصوتها، أنا أحسدها"

كاد يبتعد من أمامها لكنها أوقفته بيدها على ذراعه وسقطت نظراته على وجهها الباكي وعيونها الراجية "أنا لم أستطع نسيانك هارون، الأمر ليس بيدي"

لم يفكر وهو يجيب بما يقطع عليها أي رجوع "وليس بيدي أنا أيضا دعاء لم لا تفهمين؟ ليال بالنسبة لي حياة، روح، روحي التي تسكني"

زادت دموعها وقبل أن تفتح فمها بأي رد انفتح الباب وصوت روحه يفاجئه "أنا هنا يا ريس هل.."

وتوقفت الكلمات على شفتيها وهي ترى كلاهم واقفا بمواجهة الآخر..

يد دعاء على ذراعه، دموعها على وجنتيها ووجه زوجها اسود بعتمة ملأت ملامحه ونظراته وصمت حل عليهم بثقل غريب

**** 

لم تعرف طعم النوم، اغتسلت بالحمام الملحق بالغرفة وممرضة أحضرت لها طعام لا تعرف مصدره ولكنها لم تتناول منه أي شيء

عندما تمددت على الفراش رأت سقف الغرفة يواجها وفجأة هاجمتها عيون خضراء تنظر لها بغضب مرة وتوعد مرة وشفقة مرات عديدة

أغلقت عيونها، العملاق لم يرفضها كسواه، آخر شخص توقعت أن يساعدها بل ويحميها..

التفت على جانبها فاختفت الخضراء وحاولت تذكر ياسر..

أليس هو الشاب الذي كانت تعتقد أنه فتى أحلامها؟ أين هو الآن من أحلامها؟ 

بالأساس هو رفضها، لفظها خارج حياته بمجرد موت والدها فعلى ماذا تبكيه وهي أصلا لم تعد تذكره؟

عادت على ظهرها، هل يمكن أن تموت والدتها؟ 

تألم قلبها وتحركت دموعها بسرعه داخل عيونها، لو رحلت وتركتها لا تعرف ماذا تفعل؟ ليس لها أحد والشارع سيكون مكانها..

جلست والخوف يصارع الحزن والألم داخلها

خرجت لغرفة العناية، رؤية أمها لم تمنحها أي راحة فهي لا تشعر بأي شيء حولها وحالتها لم تستقر

عودة للغرفة والوحدة هو كل ما فعلته وهاتف الغرفة يرن فتحركت له "نعم"

صوت عميق تعرفه أتاها "هل من أخبار عن والدتك؟"

لفت حول نفسها، قبضت على السماعة بيداها الاثنان ودموعها لا تتوقف وأنفاسها متسارعة بلا سبب "ما زالت على حالتها، الخطر لم يذهب"

البكاء وصله عبر الهاتف، مرر يده بشعره، لم القلق عليها وهي تطرد الجميع من حولها بجنونها؟

"أنتِ تبكين؟"

نعم أبكي، خائفة، وحيدة، بلا أمل بعودة كل من لها بالحياة

زاد بكاءها مرتفعا عبر الهاتف وهو يخرج من الفندق ولا يملك لها شيء "هل تكفي عن البكاء؟ أخبرتك أنها بحاجة لكِ قوية"

لم تتوقف عن البكاء وهو ينفخ بقوة مبعدا الهاتف عنه، الغضب يرتفع داخله لعجزه عن الذهاب لها بسبب هارون 

تنفس بقوة ليعيد لنفسه أي هدوء من أي مكان متجاهلا الطريق الذي ينساق له

أعاد الهاتف على أذنه "لم لا أرسل لكِ سيارة تعيدك البيت وليال ستهتم بكِ؟"

بطريقتها المعتادة مسحت دموعها واستعادت بعض الهدوء "لا، سأظل هنا بالقرب من ماما"

كان يتحرك بلا هدى والصمت ظل بينهم للحظات قطعه هو "حسنا ربما تنامي"

لم تتحرك من جوار الهاتف وهي تغمض عيونها وأنفاسها تخترق صدرها "ربما"

عاد الصمت وكلاهم لا يغلق حتى بدأت هي تلك المرة "هل، هل ستأتي؟"

توقف رافعا وجهه دون أن يرى أي شيء أمامه سوى عيونها الباكية، نظرتها له وهي تشكره هي الوحيدة العالقة بذهنه "لا أظن، لدي عمل مع هارون"

كلمة واحدة منحتها له "أفهم"

وأغلقت وهو أبعد الهاتف وكلاهم يحدق بالسماء السوداء والتي ارتفع قمرها مضيئا بليلة شتوية ولكن بلا سحب أو أمطار، سماء صافية، نقية، نجوم لامعة حول قمر يسيطر على ظلام الليل بهيمنة وسلطة..

ماذا أصابك يا منفذ؟ 

تلك المجنونة تعبث بعقلك وأنت تسمح بذلك

عد لعقلك وأوقف جنونها من التسرب لك

التفت وعاد للفندق حيث ينتمي..

أيتها المجنونة ألا تفهمين؟ 

لا أحد يريدك، منبوذة، مرفوضة، مجنونة هذا هو أنت ولن يقبلك أي أحد

هو فقط ساعدك لأنك طلبت مساعدته وها هو يصل للنهاية ويتركك وحدك، كل ما عليك هو أن تنضجي وتتعلمي كيف تواجهي مشاكلك وحدك

لا أحد سيربت عليكِ الآن، يدك فقط من ستفعل فواجهي الأمور بشجاعة وانفضي ضعفك وخوفك..

لكن ما أن تمددت بالفراش حتى انهار جدار الشجاعة الوهمي والبكاء ارتفع والخوف عاد 

****

ليال الديب نالت اسم زوجها ومعه جزء من صفاته، الشجاعة، عدم الاستسلام وعدم النسيان وهي تذكر تلك المرأة لكنها لا تعرف ماذا تفعل هنا؟

مع زوجها ويدها على ذراعه ودموعها على وجنتيها..

حركته أسقطت يد دعاء..

بلحظة كان يواجه امرأته، يقف أمامها، يقرأ نظراتها..

غيرتها سترتفع بلا رادع ولن يسمح للألم بأن يغزو قلبها مرة أخرى بسببه 

"ملاكي، مفاجأة سارة"

نزعت عيونها من دعاء بصعوبة لتواجه زوجها الذي استقر أمامها، يمنحها ما تمنى أن تفهمه، أنتِ كل من يهمني "حقا حبيبي؟"

كلمة قصدتها..

دعاء حدقت بليال، هي تعرفها، رأتها والآن تذكرت صفوان

هم كانوا بمكتب والدها منذ شهور للتعاقد معه، كانت امرأة قوية، واثقة بنفسها، الأبيض كان غريب، عرفت أنها تلبسه لمنحها الأمل بأن زوجها سيعود

كانت خطأ عندما ظنت أنها نسته وأخرجته من حياتها..

ابتسم لها، يمنحها تأكيد أنه حبيبها ولن يكون سوى ذلك "بالطبع ملاكي، لم تخبريني بخروجك! ما زلتِ متعبة"

لفت وجهها لدعاء التي أخفضت نظراتها، لم يمكنها مواجهة هذا الحب بعيونهم

ماذا تفعلين هنا دكتورة!؟

أخبرك أنها موطنه.. عشقه.. روحه.. غرامه، فلماذا لم تتراجعي؟ 

"أصبحت بخير هارون وأردت شراء ملابس لي ولأحمد، دكتورة دعاء أليس كذلك؟"

رحلت ابتسامته، دعاء واجهت وجه ليال، هي أيضا تذكرها إذن؟

"مدام ليال"

عادت له ونظراته تسكن على وجهها، يبحث عن داخلها، أفكارها عما يدور هنا "لم أعرف أنك تعرف دكتورة دعاء حبيبي؟"

لم يجيب لأن دعاء اندفعت، ترغب بمنح ليال نبذة عن حياته معهم "كيف لم يخبرك أنه عاش معنا لأكثر من خمسة شهور تقريبا"

عادت ليال لها، صغيرته هو لكن مع الآخرين كانت ديبة، ديبة تعرف كيف توقف من يتجرأ على الدياب "عاش معكم!؟ أخبرني زوجي أنه غاب عن الوعي شهرين والثلاثة الآخرين بشقة مؤجرة ولم يكن يسكنها سواه دكتورة، والديب لا يكذب"

أبعد وجهه وحرب النساء ليست من هواياته "ليال، دكتورة دعاء تقصد أني كنت أعمل لدى والدها وأسكن بشقة ببيته"

لم تنظر له بل ظلت نظراتها عالقة بعيون دعاء، تفهم كامرأة ما كان واضحا على عيون المرأة الواقفة أمامها "بالطبع حبيبي، أفهم ما تقصده الدكتورة جيدا وترى هي هنا لسبب محدد؟"

شحب وجه دعاء وتاهت منها الكلمات وهارون يجد الأمر سخيف ولابد أن ينتهي "ليال كفى"

عادت له ونبرته ونظراته تمنحها تحذير

هل هي من تستحق التحذير؟ 

هي زوجته، أم ابنه

دعاء تحركت "أنا كنت بالجامعة لإلقاء محاضرة وبابا أخبرني بعودة ذاكرة هارون فأتيت لأبارك له، اسمحوا لي"

رؤيتها لليال والغيرة بعيونها، حملها الواضح، الحب بعيون هارون لامرأته كل هذا جعلها تتدخل لإنهاء الموقف وليال توقف غيرتها لأن الريس أمر بذلك

"هل أرسل من يعيدك دكتورة؟"

كتمت غضبها ولم تنظر لدعاء ونظراتها استقرت على الفراغ ودعاء تجيب "لا شكرا معي سيارتي، ليال سعيدة بعودة هارون لكم وأتمنى رؤيتك بعد ميلاد طفلكم"

أدارت وجهها لها ومنحتها نظرات خلاف ما داخلها "بالتأكيد دكتورة، نحن مدينين لكِ فعلى الأقل تشرفينا بحضور حفل أحمد عندما نقيمه"

ابتسمت دعاء رغما عنها ولم تنظر لهارون "سأفعل، اسمحوا لي"

وتخطتهم للخارج وليال تتحرك مبتعدة والغضب يرتفع داخلها لكنه لم يتركها، قبضته أوقفتها وهي لا تنظر له "كانت ضيفة ليال"

لفت وجهها له ولأول مرة يرى تلك النظرات بعيون الديبة

غاضبة، متألمة، مهزومة، كلماته هزمتها أمام غريمتها لكنه لم يقصد

"ضيفة تدين لها بالكثير ولا يمكن إهانتها أمامي لكن يمكنك إهانتي انا"

تحرك ليقف أمامها رافضا ما قالت "أنا لم أفعل ليال، أنا أوقفت غضبك قبل أن يتفاقم، وجودها هنا.."

هتفت بلا اهتمام بأنه الريس، هو زوجها، زوجها الذي تحبه، امرأة أخرى أتت لتعيده لها ولا تعلم ما الذي صار بينهم بتلك الشهور؟

قاطعته بقوة غيرتها "وجودها هنا لاستعادة الرجل الذي تحبه، هي تحبك وأنت تعلم ذلك"

"ليال كفى"

تركها وابتعد ولكنها لم تكتفي وهي تتبعه بنظراتها "أكف عن ماذا بالضبط هارون؟ عن أنها تحبك؟ أم أنها هنا لاستعادتك؟ أم أنك تعلم بحبها وربما أنت أيضا.."

التفت لها ورفع يده محذرا بقوة، نبرته مخيفة، قوية لا تقبل الجدل "قلت كفى.. أخبرتك من قبل أني لو أحببت امرأة سواك لم أكن لأعود لك"

سقطت دموعها، ليس خوف منه ولكن لأن قلبها يؤلمها، فكرة وجود امرأة أخرى بحياته تشق قلبها، تطعنه بلا رحمة "وماذا عن وجودها هنا؟"

أشاح بيده وما زالت نبرته قوية لا تقبل الجدال "تتأكد أني عدت لحياتي وامرأتي"

هتفت بلا تعقل "هي تحبك إذن، أنا رأيت ذلك بعيونها، دموعها، لمسة يدها على ذراعك، هي تحبك أليس كذلك؟ أجب"

خرج عن وعيه لأول مرة معها "نعم ليال، هي تحبني"

اهتزت رغما عنها ولم تجد ما تفعله أو تقوله فالتفتت وخرجت وهو نفخ بقوة وتحرك خلفها

تلك الصغيرة تفقده عقله

لا يعلم كيف وصلت للسيارة بتلك السرعة بحملها وقبل أن تركب مع أنس أمسك يدها ونظرات الرجال تحمل الدهشة وهو يجذبها "تعالي"

الدموع كانت تملأ وجهها وصوته يعيدها للوعي ولكنها لا تهتم "اتركني"

لكنه لم يفعل وهو يجذبها لسيارته التي توقفت أمامه بالحال وفتح لها بجوار مقعد السائق فدخلت والبكاء لا يتوقف وهو يرتد لمقعد السائق 

لم يرى صفوان وهو يفتح له بل دخل وقاد والجنون لا يجرؤ على مهاجمة الريس

قلبه يؤلمه لأجلها، لم يكن عليه إلقاء الحقيقة بوجهها، الحقيقة دائما مؤلمة..

نظرته لها جعلته يتألم، لم تكد تستعيد نفسها حتى تصطدم بدعاء 

الغيرة عمياء، قليل منها يحيي، وكثير منها يقتل

يا ريس الشخص الذي لم تدمع عيناه من الغيرة لم يعشق أبدا ( نزار قباني)

أوقف السيارة بالمكان الذي أصبح مكانهم، أمام البحر، وهي لم تكن تنظر لأي شيء، غيرتها تعميها، أفكار شيطانية اندفعت لها، هلاوس أتت من الجحيم لتوقف سعادتها

امرأة تسرق حب حياتها

رأته يفتح الباب ويقف أمامها وجاكته بيده "تعالي"

لم تصر على جنونها، هي الآن ليال شريف، زوجة لرجل تعشقه

لفها بالجاكيت وأغلق سيارته وظل ذراعه عليها وهما يتحركان للسور، رفعها لتجلس كعادته وظل واقفا أمامها 

مبعثرة الشعر، متورمة العيون، تائهة النظرات، متألمة، ظلت تنظر له

يداه مسحت دموعها بحنان وهي لا تتوقف عن البكاء "أنا قلت هي تحبني لكن لم أقل أني أحبها هل تدركين ذلك؟"

الهدوء يحاول السيطرة على شيطان ضعيف داخلها لم تسمح له أبدا بالسيطرة، الأفكار السوداء ما زالت تتراقص داخل عقلها "أنت عشت معهم شهور، بنفس البيت والعمل وال.."

يده لمست شفاها، أوقفها "جسد بلا روح، روحي كانت معك، تبحث عنك، أنت لا تثقين بي ليال وهذا يغضبني"

دموعها لا تتوقف "أنا لا أثق بالرجل الذي كنت عليه وأنت فاقد الذاكرة، هي أرادت توصيل رسالتها لي"

راحته ملأت وجنتها، إصبعه يصنع دوائر تهدأ من حالتها "ليس لديها أي رسالة، لديها حائط سد، قلب الديب لصغيرته وانتهى الحديث"

"وصغيرتك مجنونة بحبك ولا تتحمل أن تفكر بك امرأة أخرى"

جذبها له، متى سيدركون أن هناك آخرون حولهم يستنكرون أحضانهم على الملأ؟ 

لن يدركوا ولن يهتموا..

هدأت.. 

سكن قلبها بين ذراعيه، انهزم شيطانها المخبول، اختفت الأفكار السوداء بلحظة وبقي الحب.. العشق 

والغرام..

أبعدها، وضم وجهها بين راحتيه "ثقي بي ليال، ثقي بي وبحبي لك، الديب لا يخون زوجته، يكتفي بامرأة واحدة طوال العمر ولا يرغب بسواها"

"وأنا لا أريد سواك هارون، تعلم أني أحببتك قبل حتى أن أعرف معنى الحب"

صدقت كوكب الشرق عندما قالت "الحب كدة.. وصال ودلال ورضا وخصام، واهو من ده وده الحب كدة، مش عايزة كلام، الحب كده"

ابتسم "أعلم صغيرتي، حبك أجمل هدية لي من الله، ظللت سنوات أحلم بك حتى تحقق الحلم، حلم حياتي أنت ليال"

ابتسمت أخيرا وابتسم الريس لعودة ابتسامتها "أريد آيس كريم"

ضحك الريس... اشترى الآيس كريم

شكولاتة، فانيليا وبستاشيو..

****

انضم أنس لصفوان وعيونهم تتبع سيارة هارون "ماذا حدث؟"

تحرك صفوان للداخل وأنس يتبعه "تلك الدكتورة التي كانت ببور سعيد أتت لزيارته وتقريبا ليال رأتها عنده"

تحركا للملهى وجلسا والعصير يوضع أمامهم "ومن أين عرفته؟"

تناول العصير، ما زال عقله عالقا بمكان آخر لكن لا شيء سيخرج لأحد "لا أعرف"

نظرات أنس له كانت تحمل أسئلة كثيرة وهو زاغ بعيونه بعيدا، لم يتابع رقص الشباب من حوله ولا الموسيقى الصارخة 

"ماذا بك؟"

السؤال نفسه، ألا يتركوه وحده؟ لا شيء به، ليس لديه ما يخبرهم به "لا شيء"

أنس لم يقبل الرد "ماذا فعلت مع تلك الفتاة وأمها؟"

ارتد له، هل يسبح الآن تجاه أفكاره ليقرأها؟ 

ليس من حق أحد حتى هارون التدخل بما يفكر به، هارون بالذات لا يمكن أن يسأله

"أجرت الجراحة وحالتها ما زالت بخطر"

نظراته الزائغة جعلت رفيقه يشك بالكثير "صفوان أنت لست بخير، ماذا تخفي عني؟"

وفقد العملاق هدوئه، ما بالهم جميعا الليلة يسقطون بالجنون وفقدان العقل "أخبرتك أنى بخير لم لا تتركني بحالي؟"

ووضع الكوب بطريقة كادت تكسره ونهض مخترقا الزحام وخارجا من الفندق، سيارته تلقت غضبه كالعادة وقاد بلا هدى وهو بالأساس لا يعرف ماذا أصابه؟

*** 

جذب الغطاء عليها، تركها وأخذ حمام وهي تنتظره لكن ما أن خرج حتى رآها تغط بنوم عميق

ابتسم ووضع قبلة على جبينها، جنونها فاض اليوم ودعاء من أثارته

ارتدى بنطلونه وخرج وهاتفه بيده "أين أنت صفوان؟"

كان بسيارته، يجلس بمكان هادئ بالمعمورة بلا ضوضاء "هل ترغب بشيء؟"

حدق بالظلام بالخارج، نبرة صفوان غريبة، كلماته ليست معتادة ومنذ رآه بالمكتب وهو يدرك أن به شيء "هل لابد أن أرغب بشيء لأهاتفك؟"

أغمض عيونه، متعب، مبعثر الأفكار، لا يرغب إلا بالوحدة "لا هارون فقط أرغب بأن أكون وحدي"

صمت الريس، رأسه يعج بأفكار كثيرة تمنى ألا تصيب لكن نادرا ما يخطئ "تفرغ لي غدا مساء، لديك اليوم كله، لا أحتاجك"

وأغلق..

تنفس العملاق بقوة، الريس يمنحه الوحدة التي يرغب بها فهل سيبقى حقا وحيدا؟

اعتدل وأدار السيارة وبلا تفكير قاد، يعرف وجهته جيدا

المشفى..

خرجت من العناية، صاحبت الممرضات فسمحوا لها برؤية والدتها وقد بدأت حالتها تستقر وما أن تحركت بطريقها للغرفة حتى رأته يتحرك تجاها فتوقفت..

لمعت الشمس بعيونها لرؤيته، بدلا من أن يهدأ قلبها لوجوده قفز داخل صدرها يدق بلا انتظام، مجنون، مهووس 

"أين كنتِ؟"

غضبه لاح بنظراته عندما دخل الغرفة ولم يجدها، لم ترى غضبه أو لم تهتم "بالعناية، سمحوا لي برؤيتها، تخطت الخطر"

هدأ غضبه، كانت الواحد صباحا، رؤيته الطعام كما هو جعلته يدرك أنها لم تتناول شيء فقبض على ذراعها وقادها للخارج "حسنا، لنذهب لأي مطعم ستسقطين بلا طعام"

لم تجادل ولم تبعد قبضته

نظرات الممرضات له لم تخفى عليها، واحدة سألتها عنه فلم تعرف بماذا تجيبها فقط قالت "صديق أخي"

الصمت رافقهم حتى دخلوا المطعم الذي لم يكن به إلا زوجين أو ثلاث وطلب عشاء وهي صامتة

اعتاد تناول الطعام بالخارج هو وهارون كثيرا وحتى أنس

"لم أظن أنك ستعود"

تراجع بالمقعد، الصداع لا يذهب، النوم لا يهزمه فكثيرا ما كان يهجره باليومين

وقت انفصاله عن أسما ظل أيام لا يذكر عددها يفر من النوم كي لا يفكر بما كان وقت النوم لكن الصداع اليوم غريب..

"هل كان من الأفضل عدم عودتي؟"

هجومه غريب لكن بالنسبة لاثنان لم يتوقفا عن الصد والرد فلا شيء غريب "لم أقصد"

لم يكن يفكر قبل أن يتحدث، فقط يلقي الكلمات بلا اهتمام لم هي تقصده "تقصدين ماذا إذن؟ يمكننا الذهاب لو شئتِ"

بسرعة البرق الدموع هاجمتها.. 

هي ليست بقوتها لمواجهة غضبه الذي لا تفهم سببه

لم ترد وهو أبعد وجهه ونفخ بقوة، ما الذي تفعله!؟ 

أنت فقدت عقلك، لماذا أتيت إذن طالما عقلك رحل عنك؟ 

اذهب وابحث عنه ثم عد..

مجنونة مع مجنون سيشعلان حريق لن تطفأه مطافئ المدينة كلها..

وضع الرجل أطباق الطعام ورحل وهي لا تحرك يدها ولا هو.. كلاهم سقط بالصمت، حيرة سكنتها.. 

بحث عن كلمات تعيد مجرى الحديث بينهم.. 

"ثمية سترسل لكِ ملابس بالصباح مع أحد الرجال"

رفعت وجهها له والتقت بخضراء معتمة، ظلال تلفها من عدم النوم، اسود وجهه وأسقط نظراته على الطعام "تناولي الطعام قبل أن يبرد"

أطاعته بلا جدال.. 

تناول كلاهم الطعام حتى انتهوا والمشروبات الساخنة حلت محل الأطباق وما زال الصمت سيد المكان "هارون لم يسأل عن ماما"

كان إقرار وليس سؤال وهو يدرك ذلك "شيء متوقع، هارون لن يتراجع عن موقفه بسهولة"

رفعت رموشها الطويلة لتفرج عن أشعة شمسها الليلية وتلقاها بهدوء وغضبه لا يتركه لكنه قيده داخله "ماما عانت كثيرا بحياتها، والد هارون هددها لو لم تتخلص منه لذا هربت"

استمع لها، القصة مبهمة، هارون لا يحكي وربما لم يعرفها "لكنها تخلت عنه"

لفت الكوب كعادتها بيداها ولون الشكولاتة البني يريح الأعصاب وعادت له "صاحب العمل رفض أن تعمل بطفل ورأت أنها لن تجد عمل بديل"

تألم لرفيقه "فضحت به، أتمنى أن يجد سبب حقيقي كي يسامحها"

منحته نظرة غريبة وتناولت المشروب وهو سأل "كيف كانت حياتك بالقاهرة!؟"

عادت له، هل يهتم؟ العملاق يسأل عن حياة المجنونة!!

تقريبا فقدت الكاتبة عقلها.. 

العملاق والمجنونة!؟ 

"بابا لم يكن يزورنا سوى مرة أو اثنان بالشهر لكن كان يرسل لنا أموال كثيرة وماما كانت تكرس حياتها لأجلي"

أنهى القهوة وعاد لها، يرغب بالأكثر لكن لا يعلم لماذا يفقد صراحته المعتادة معها..

العملاق يهتز أمام المدللة، تخونه الكلمات، تهزه المعاني الرابضة خلف غيوم تعبر فوق حياته تخفي سكونه الداخلي

"وأنتِ!؟ كيف تقضين وقتك؟ مع من؟"

لم تفكر وهي تجيب بلا حذف لمقاطع غير مسموح بها "الجامعة، الأصحاب، أحيانا سهرات بأي ملهى ليلي معهم"

جز على أسنانه، هذه هي حياة الأثرياء والمدللين أمثالها "وبالطبع كان لديك صديق مميز، أعني شخص بحياتك؟"

تورد وجهها والمعنى يصل لها ونظراتها تختفي من أمامه، تتخذ رموشها مخبأ تخفي خجلها خلفه "كل فتاة بتلك المرحلة تبحث عن.."

تراجع بالمقعد، الإجابة كانت واضحة "وأين هو الآن؟"

رحل التورد وحل الشحوب "رفضني"

وعادت الشمس لكن بلا ضي، بلا شعاع ضوء، خافتة، واهنة "موت بابا جعله يتركني وأحدهم أذاع حقيقة ماما فالكل نبذني"

لم تتألم لحقيقة أمها لكن لأن هذه نظرة المجتمع "وما زلتِ تفكرين به، تحبينه؟"

ظلت تواجه عيونه، تبحث عن رد

حاولت تذكره، تذكر ملامحه وذكرياتها معه لكن لا شيء ارتفع لمخيلتها الآن، نسته ونست كل شيء 

"السؤال صعب؟"

هزة خفيفة منحته الرفض وصوتها خرج بلا أي معنى "لا، فقط لم أفكر بإجابته مؤخرا"

تحرك واستند على المائدة ليقترب منها وهي ثابتة مكانها، متعبة، لم تنم، الطعام كان معه فقط، القلق ساكن نبضها ورحيل أمها يسيطر على عقلها 

"وهل فكرتِ؟"

الغريب أنه يهتم، لم يفهم نفسه وهي أيضا لا تفهم.. 

ومع ذلك تجيبه "نعم، لم أعد أذكره، لم يكن حب، الحب الحقيقي لا ينسى لأنه يترك بصمة عميقة في الروح والقلب، ويتحول إلى ذكرى خالدة تظل تنبض حتى مع الغياب"

ونبض نبض غريب داخله، كلماتها لا تصدر من فتاة مثلها "تعرفين الحب جيدا"

"بل قرأت عنه كثيرا، لم أعرف أحد سوى ياسر وأنت الآن عرفت نهاية معرفتي به"

صمت ولكنها لم تصمت "أحببت زوجتك السابقة؟"

تراجع، كان لابد أن يتوقع ذلك السؤال، كما سألها ستسأله وكما أجابت لابد أن يجيب "ظننت مثلك أني أحببتها"

انتبهت لكلماته، ظنت أنه لن يجيب، سيغضب ويثور ويخبرها ألا حق لها بالسؤال لكنه لم يفعل بل وأجاب

غريب أنت أيها العملاق! بل الوسيم..

ظلت تنظر له، تنتظر باقي الحكاية لكنه منح كوب القهوة الذي استقر البن بقاعه راكدا بلا حركة، نظراته "لماذا انفصلتم؟"

سؤال أكثر جرأة والمنفذ يرغب بالرد "أرادت ما ليس لها"

تجهم وجهها، ضاقت عيونها بلا فهم وسكنت أنفاسها كي لا تزعجه بلحظته

استرجاع الماضي ليس أمر سهل ولو كان ذكرى سيئة فيكون الأمر أكثر سوء 

"مكان ليال، وقتها كان هارون مفقود"

تفهمت وهو أبعد وجهه وما زال السبب الحقيقي عالق، عاد لها، ألقاه بلا فهم لنفسه "لم ترغب بأولاد قبل أن تنال ما أرادته، تناولت حبوب منع الحمل"

جمدت، لا تصدق أنها فعلت به ذلك "وأنت لم ترى كل ذلك قبل زواجكم؟"

السخرية احتلت ابتسامة واهنة على شفتيه، من نفسه، من تهوره وقتها "لا، هل نذهب؟ تأخر الوقت"

لم يبقى معها بالغرفة، بل ظل بالخارج وهي منحته جاكته والليل لم يبقى كثيرا، رحل أمام سطوة النهار والطبيب يخبره أن المرأة أفاقت

عاد للغرفة ودق الباب فلم تجيب، فتح قلقا فوجدها نائمة، تلف الغطاء عليها ولا شيء سوى وجهها يظهر، تردد بالدخول حتى اتخذ قراره ودخل.. 

ظل أمام الفراش يمرر نظراته على ملامحها الجميل

جميلة وهي جميلة، كانت مختلفة معه بالأمس، تتحدث بعقلانية تناقض فكرته عنها، هل الجنون واجهة تخفي خلفها ذلك الألم من الرفض الذي تواجه من الجميع؟

تحركت وفتحت عيونها لتجده أمامها

لم تفزع، بل ظلت عيونها ثابتة على عيونه.. 

كانت تحلم به، تراه يمد لها يده وهي تسقط بحفرة عميقة وكانت على وشك أن تضيع بها وهي ترفع يدها لكي تصل ليده عندما فتحت عيونها لتراه أمامها..

هو المنقذ لها.. 

"والدتك أفاقت"

وتراجع للنافذة مانحا لها خصوصية النهوض وهي انتفضت "حقا!؟ لنذهب لها، بسرعة"

وتحركت وهو يتبعها، مجنونة وهو مجنون مثلها تماما

أقنعها بالعودة للبيت لاستبدال ملابسها والراحة ويمكنها الرجوع على موعد الزيارة بالمساء فأطاعت على مضض

ما أن دخلوا حتى التقوا بهارون وهو ينزل، تأخر بالبيت هل سيبقى اليوم؟ 

لا يخرج كثيرا منذ عودته، الفانيليا بحاجة لوجوده.. بل حمايته، السويفي ما زال حرا وجسار لا يؤتمن

لم تنظر له، ظنت أنه سيتجاهلها ككل مرة لكنه وقف أمامهم ولم يبتعد "عدتم مبكرا؟"

رفعت عيونها له، عرف عنها كل شيء، عيونه بكل مكان تمنحه أدق التفاصيل 

وأجاب العملاق "لا حاجة لبقائها هناك العناية بمواعيد"

واجه صفوان، يرى التعب والإرهاق على وجهه "جيد"

"أراك بالليل"

وتركهم وابتعد، انتهى دوره وربما لا يصحبها مرة أخرى

هي ظلت تواجه أخيها لأول مرة، هيبة غريبة تلفه، غموض يحيطه، ملامحه لا تلين إلا أمام زوجته، ليته يمنحها أي شيء

"أنتِ خارج الدائرة جميلة"

محاولة فهم كلماته أخذت منها ثوان قليلة "أنت جعلتني داخلها، لم تراني"

أعجبه الرد "الشمس تخفي النجوم، الريس لا يتخلى عن فرد من عائلته"

وكاد يتحرك لكنها نطقت بما أثار شياطينه من رقودهم "ووالدتك من عائلتك"

ظل جامدا، لم ينظر لها كي لا تحرقها نظراته "أنا ليس لي والدة"

هتفت بلا تفكير كعادتها "إذن أنا لست أختك"

رد باختصار "كما تشائين"

وتركها وتحرك لمكتبه مغلق الباب خلفه

أراد أن يرافق نفسه عندما يمس الأمر تلك المرأة، من أين تأتي السكينة وسكاكين حادة تمزق أعماقه

أمسكت الأرض أنفاسها تحت خطواته، فقدت الغرفة هواءها بحضرته

سكن ضوء النهار على النافذة وصوت العصافير تعزف سيمفونية صباحية مزعجة لمن لا يحبها

وقف، عقد ذراعيه أمامه، رؤية ظلام عنابر النوم سقطت أمامه، برد الشتاء لسعه، نقط المطر تسقط من السقف المخروم..

بلا غطاء يصبح البرد جليد

الليل عذاب والجوع هو السلطان. 

ضاقت أنفاسه، أغمض عيونه، مالك وطلال يبحثون عن حمايته.. 

تعلم وسائل الدفاع عن النفس دون أن يعرف ماجد الحلواني مدير الملجأ..

كان يخرج من فتحة مجهولة، يمنح مدرب بجيم قديم مصروفه من عمله بالملجأ ليدربه وقد فعل

موهوب، جسده ساعده، مهاراته نمت بسرعة وبالعاشرة منح ماجد درس قاسي، أسقط به كل الألم والعذاب الذي ناله هناك وهرب مع مالك وطلال

رنين هاتفه أوقف سيل الذكريات، جذبه للسطح، الواقع، الريس، مكانته التي وصل لها باجتهاده وقوته وعقله

"الموقع صحيح يا ريس، هو يقيم به منذ مواجهته معكم ولا يتركه، أرسلت لك كل التفاصيل والحراسة"

كلمة واحدة منحها للرجل "تمام"

وعاد للعمل رافضا الذكريات مرة أخرى لكن كلمات جميلة أزعجته "والدتك من العائلة"

أغلق عيونه، وأسند رأسه على ظهر مقعده، هل يمكن أن يغفر لها؟ 

ليال ستغفر لأمها لكن هو لن يمكنه أن يفعل، بكل ما كانت سبب بأن يعانيه لن يسامحها أو يغفر لها 

ربما تقبل بحل وسط يا ريس.. تقبل بوجودها لكن لا تسامحها وربما مع الوقت تجد سبب تسامحها لأجله..

بالنهاية حملته أمه وهنا على وهن..

**** 

لم تراه عندما نزلت على موعد الزيارة، ظلت تنظر حولها، تبحث عنه لكن بلا فائدة حتى رأت أحد الرجال يتحرك تجاها 

"السيارة تنتظرك يا آنسة، صفوان منح سعيد التعليمات وسيبقى معك حتى تعودي"

التفتت له، صوته أفزعها ونظراته لها تتجول على كل ملابسها وجسدها

جينز ضيق كعادتها، بلوزة قصيرة تكاد تظهر جزء من بطنها وفتحة الصدر طويلة بشكل مبالغ 

ألم تعرف أن هناك رجال بكل مكان حولها؟

لم ترد وهي تتحرك للسيارة الكبيرة، لو كان معها مال لتصرفت وحدها لكن ألم تتمنى بيوم ما أن يمنحها والدها تلك المعاملة مثل إخوتها الآخرين؟

رؤية خديجة مستقرة جعلتها هادئة، اليوم نطقت كلمتان "أنا بخير"

قبلت يدها وجبينها وهمست "الحمد لله"

لم تعرف ماذا تفعل عندما خرجت من العناية، هو من كان يفعل كل شيء، اعتمدت عليه والآن لا تعرف ماذا تفعل!؟ 

السائق سعيد وصل لها "الطبيب قال أنها مستقرة ولا داعي لبقائك وصفوان أبلغني باصطحابك للبيت"

تمردت، عادت لطبيعتها المجنونة وغضبها ربما لأنه لم يأتي معها أو رفضها لأوامره "بل سأبقى، البنات هنا أصحابي سيجعلونني أراها مرة أخرى"

ولم تمنحه فرصة للاعتراض تحركت للاستراحة وجلست وهو ظل يتابعها ثم تحرك خارجا ليخبر المنفذ ولكن هاتفه كان مغلق..

كان يقود سيارة الريس، أفرغ رأسه منها، ما كانوا بطريقهم له يعني إما قاتل أو مقتول والريس هادئ يخاطب الفانيليا "عشر دقائق وأغلقي الكاميرات صغيرتي"

بطريقة ما جعلته يشاركها بالأمر، منحها الموقع وبمهارتها المميزة منحته كل شيء عن الفيلا والحراسة والكاميرات، بل وهو استغل ذلك بطريقته، للانتقام لامرأته 

عندما كانت الفانيليا تعمل مكان الريس بغيابه حصلت على أفضل الأجهزة الحديثة والآن بفراشها تجلس أمام جهازها وتدير له الكاميرات والأضواء 

أنس تابع كلماته "أنت تثق بما تفعله ليال هارون؟"

أبعد وجهه للنافذة وهو يعرف قدراتها جيدا "كثقتي بنفسي أنس"

نظر أنس لصفوان ولكنه لم يمنحه أي نظرة، هو أيضا يثق بليال وحاليا هو يرغب بالحديث معها ولكن وجود الريس أوقف كل شيء 

الهجوم على الفيلا لم يكن سهلا لكن إيقاف الكاميرات ومنحهم مواقع الحراسة جعل الأمر أيسر والوصول لغرفة السويفي سلس والتمتع بمشاهدته بملابسه الداخلية وهو يهرع لجذب سلاحه قبل أن يوقفه هارون

"لا تتهور يا رجل فالتهور يكلف الكثير"

شحب وجهه وهارون يتحرك للمقعد الوثير بالغرفة والمرأة تجذب الغطاء على جسدها العاري والخوف بل الهلع يتصاعد لوجهها "كيف تجرؤ هارون؟"

نظرات هارون لسلاحه الذي بيده كانت تعني الاستخفاء بالرجل الجبان "كيف أجرؤ على دخول بيتك وغرفة نومك وتهديدك بملابسك الداخلية مع عاهرة؟" 

رفع عيونه بشعلة نيران تمتص لحمه وتأكل عظامه "وأنت كيف تجرؤ على تهديد امرأة الديب؟"

النبرة كانت مخيفة، تحمل غضب الديب، ارتجف السويفي لها، كل جسده ارتجف، فقد السيطرة على نفسه إلا شيء واحد تبقى أن يفعله، يبلل ملابسه..

"هي من تحدتني هارون، هي.."

لم تتبدل نبرته "تحدتك وأنت تؤوي والدها وتساعده على اقتلاعها وأخذ مكاني؟"

تحرك السويفي حركة خفية ربما يخطف سلاحه لكن رصاصة أصابت الأرض بجوار قدمه على بعد بوصة جعلته يقفز من على الأرض ويصرخ "لا، أنا لم أرغب بشيء، صدقني هارون زوجتك تهورت و.."

رصاصة أخرى بين قدميه جعلته يرقص كالبهلوان، الغضب يسيطر لكن الريس يسيطر أكثر "لا تذكرها على لسانك، لدينا ورقة لك لتوقعها"

تحرك له أنس ورفع الورقة أمام وجهه والكلمات جعلت وجهه أبيض بلا قطرة دماء

عيونه تتسع وهارون أخرج هاتفه وعبث به والرجل يصرخ "انتحار!؟ لا، أنا لن أنتحر هارون، لن أفعل"

أنس تحرك وأخذ هاتف هارون وعاد به للجبان، فيديوهات الرجل مع النساء كانت تدور أمام عيونه المتسعة، لا يصدق أن هناك من صوره مع العاهرات

"تلك الفيديوهات ستنزل على حسابك الشخصي ومن هاتفك"

صفوان ظهر بهاتف السويفي، جذب يده ليفتح البصمة وعاد به للريس والرجل أصيب بالهلع "هارون لا، زوجتي وأولادي، هارون أرجوك لا تفعل ذلك سأفعل أي شيء كي لا تنشر ذلك"

تراجع صفوان وهو يعد الحبل وهارون يتلاعب بسلاحه أمام وجهه بهدوء ثم رفع نظراته للجبان "وقع الورقة"

"أنت ستقتلني هارون، أرجوك لا تفعل، سأعتذر لزوجتك ولو شئت سيكون اعتذار علني، سأفعل كل ما تأمر به لكن لا تقتلني"

انتهى صفوان ونهض هارون واقفا وأنس يتحرك للمرأة ويكتم أنفاسها بمنديل معطر

توقف الريس أمام السويفي، العتمة احتلت الأزرق، عمق المحيط وما يخفيه هو ما واجه نظرات الفزع عند السويفي 

"ستوقع الورقة ولن أقتلك، ستموت لكن ليس بيدي ولا بيد رجالي، بيدك أنت"

امرأة أخرى تم وضعها بالفراش نائمة وتم نقل الأخرى والسويفي لا يفهم شيء لكنه كان يرتعد، الرعب سكن كل خلاياه "لا هارون، أرجوك ارحمني"

مال هارون تجاهه وقوة الريس مخيفة "وأنت كنت سترحم زوجتي وأنت تنصب لها الفخ هي وابني؟ صفوان"

فزع الجبان، ارتعد من نبرة هارون، صرخ والرجلان يمسكان به ويضعانه بمكانه والحبل حول عنقه "هارون أرجوك، ارحم أولادي، لا ذنب لهم"

تحرك دون النظر له "أولادك لن يعرفوك عندما يشاهدون فضائحك" 

ودفع المقعد بيده وتهاوى الجسد وارتجف وجحظت عيونه ولم ينتظر الرجال وهم يتبعون الريس وسكن الجسد وورقة الانتحار تسكن بدورها تحت أقدامه

بالسيارة تلقى صوتها "أنت بخير؟"

هي لا تتركه لحظة، تلاحقه كأنفاسه، تلتصق به كظله وهو يحب ذلك، لم يكن له من يحبه أو يهتم به مثلها، نعم رجاله تحبه ويحبهم لكن هذا الحب مختلف..

"نعم ملاكي"

تحركت للنافذة، ترى ألاء وهي تتحرك للقصر "أريد عشاء من طاهيك الخاص يا ريس"

ابتسم بانتظار صفوان "طلباتك أوامر ملاكي"

ضحكت وقد نسى كلاهم ما كان مع دعاء، هي تعرف مكانها بقلبه وغيرتها عليه أمر طبيعي للحب الراسخ بقلوبهم

تحرك صفوان بالسيارة وانتهى الأمر وصمته عنى أيضا أن لديه ما يشغل عقله والريس يفهم لكنه يلزم الصمت احترام لصديقه وخصوصيته لكن لوكان الأمر كما يفكر فمن حقه التدخل..

**** 

نزلت لمقابلة ألاء التي بدت شاحبة، الحمل يؤثر بالطبع لكن ليس الحمل سبب ما بدا على وجهها "ألاء، تبدين متعبة"

جلستا بصالة الانتظار، ألاء بدت مشتتة حتى استقرت "ماما ترغب برؤيتي"

رحلت ابتسامة ليال، ميسرة رفضت ابنتها بالبداية فما الذي تبدل الآن؟

"هذا غريب"

فركت يداها ببعضها البعض والقلق يجيب "نعم، هي تقول أنها اشتاقت لي ولكني لا أشعر بالراحة ليال، هي رفضتني كثيرا فلماذا الآن؟"

هي تفكر بتعقل وليال تدرك ذلك "هل أخبرت أنس؟"

نفت ونظراتها زائغة، لم تراه لتخبره ولم تعتاد مهاتفته وهو مع الريس، لن يجيب..

"لم أراه بعد"

مالت ليال تجاها تحاول رؤية أي شيء بعيونها ولكن الفتاة كانت تائهة لا تحمل أي شيء داخلها أكثر من الحيرة "لنرى رأي أنس وبعدها نقرر وربما هارون يشارك معنا أم لديك مانع!؟"

رفعت نظراتها لها تحمل الدهشة "مانع!؟ أمانع أن يشارك الريس بأمر يخصني؟"

ابتسامة الفانيليا لفتاة رائعة، أحبتها حقا ومنحتها كل ما استطاعت من حب وحنان "هارون يعتبرك أخت صغيرة له ككل الموجودين"

"أعلم، ماذا سيفعل مع والدته وأخته؟"

رحلت ابتسامتها، حتى الآن لم يمكنها فتح الأمر معه مرة أخرى، ملامحه تمنحها الرفض، غضبه يرتفع بثانية "لا أعلم ألاء، هارون يرفض الحديث بالأمر"

**** 

ما أن فتح صفوان هاتفه حتى انهالت الرسائل، تجاهلها وهو يركز على الطريق، لكن رنين الهاتف المتواصل أجبره على النظر 

اسم سعيد يلمع على الشاشة ينتظر الرد فأجاب دون أن يبطئ السيارة "ماذا هناك؟"

الريس انتبه لنبرة صفوان وأنس أيضا ونبرة سعيد جاءت مختلفة.. مشدودة "والدة الآنسة بحالة خطر صفوان، توقف القلب ويحاولون تنشيطه"

اهتزت يده على المقود للحظة، كادت السيارة تنحرف لكنه استعاد سيطرته سريعا، ابتلع ريقه، صوته خرج ثابتا على غير ما في داخله "حسنا عد وابق بالداخل"

أنهى الاتصال ورفع عينيه إلى المرآة الأمامية، عيناه التقتا بعيني هارون.. نظرة قصيرة لكنها حملت الخبر كله 

"والدة جميلة، توقف قلبها ويجرون لها تنشيط الآن"

توقف لحظة، ثم أضاف، صوته لا يحمل اقتراحا بقدر ما يحمل اختبارا "هل نتوجه للمشفى؟"

القرار لم يكن هينا.. 

لا أحد يفرض عليه شيء لكن الأقدار الآن تفعل، تضعه أمام قرار واحد لا بديل له

ماذا لو لم يتخذه؟ لا أحد سيحاسبه، بل هناك من سيحاسبه لكنه لا يعترف به..

هزة تكاد لا ترى صدرت من رأسه كانت كافية لأن يغير صفوان مساره ويأخذ طريق المشفى وعقله ترك الريس ورحل للمجنونة بالتأكيد منهارة، ألم يخبروه أن المرأة أفاقت؟ 

ما الذي تبدل؟

أوقف السيارة أمام المشفى ونزل ليفتح للريس.. 

لكن..

الريس بقي لثواني مكانه، كأن قدميه فقدتا معنى الحركة.. 

جسده نفسه تمرد عليه، يأمره أن يتراجع بقراره لكن الريس لم يعتاد على التراجع أبدا

ممرات المشفى ليست جديدة عليه لكن الآن بدت باردة، بيضاء أكثر من اللازم والرائحة خانقة تكاد تسرق منه أنفاسه..

جميلة تشهق من البكاء..

صفوان وقف أمامها لا كلمات يمكن أن ينطق بها لكنه تفاجأ بها تلقي رأسها على صدره وانفجر بكائها حتى تبلل صدر قميصه ولم يجرؤ على رفع يده عليها..

فقط ساندها بصمت، بدقات قلبه المتألمة لأجلها

لم يتحرك الريس من مكانه، نظراته ثابتة على الباب الذي كان مفتوحا ونسوا غلقه، صوت الأجهزة يتسلل من هذا الباب المفتوح، نبضات متقطعة لا تشبه الحياة.. 

مرت ثوان ثقيلة والأطباء تخفي الجسد الراقد .. ثم..

صفير طويل...

توقف كل شيء..

تجمد هارون.. لم يسمع شهقات جميلة، كانت خيالات للأطباء يتحركون بسرعة من أمامه، أصوات متداخلة 

"أدرينالين!"  "ابدأ الإنعاش مرة أخرى!"

كان كل شيء يحدث أمامه لكن هو لم يراهم.. عيناه على الفراش من بعيد، جسد سكن، ملامح لم يعرفها إلا بعد فوات الأوان لكن..

قلبه.. يعرف هذا الوجع.. 

صدره انقبض كأن الهواء انقطع.. 

لم يبك، لم يصرخ فقط صوت من داخله "لم لا يمكنني مسامحتك؟"

ارتفع صراخ جميلة باسم أمها.. 

صفوان تجرأ وجذبها له ولفها بذراعيه ولكن عينيه على رفيقه لا على الغرفة.. 

كان يرى الألم الهارب من صدره لعينيه..

معركة لا يستطيع أحد خوضها بدلا عنه

عاد الصوت.. نبض ضعيف، متقطع وما زال جامدا مكانه.. 

نصف خطوة ثم توقف، كأن القدر منحه فرصة أخرى وترك له القرار

ومع ذلك ظل واقفا أمام الباب.. لا ابنا ولا غريبا، فقط رجلا تأخر عن قراره..

             الفصل الرابع والاربعون من هنا

تعليقات



<>