رواية غرام في العالم السفلي الفصل الرابع والاربعون44 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل الرابع والاربعون44 بقلم داليا السيد 

 الفصل الرابع والأربعين

حارس شخصي

جلس صفوان بجواره بالاستراحة، الأطباء أعادت القلب للعمل، ما زال لها عمر ولكنها لم تفيق بعد

"هل أنت بخير؟"

كان يسند رأسه على الحائط من خلفه، يغمض عيونه، صراعه الداخلي لا يرحمه، ما بين قلب يؤنبه وعقل رافض لكل ما يفعله 

أصبح يرغب لأول مرة بالفرار.. 

لم يفتح عيونه، لم يرغب برؤية أحد لكن قدماه رفضت الرحيل، سكن على المقعد متجاهلا كل ما يدور حوله 

"هارون هل تسمعني؟"

"نعم"

وضع صفوان يده على ساق رفيقه، القلق أخذه عليه، وضع جميلة المنهارة بالغرفة لتهدأ وعاد لصديقه وأنس يراقبه من بعيد لكن هو لن يتركه 

"ربما لو رأتك تتحسن حالتها"

الصمت عاد، أغلق شفتيه، رفض منحه أي قرار..

هو لم يتخذ أي قرار، لا يستطيع، شيء ما يوقفه..

ظلال الماضي تقف بوجهه تنحت داخل عقله قول واحد "هي سبب كل ما عشته من برد وجوع وألم"

أبعد صفوان وجهه، يعلم جيدا عناد الريس

لم يتفاجأ لرؤية الديبة تتحرك لهم، أنس أخبرها وهو يعلم أنها لابد أن تكون هنا الآن، بجوار الديب

نهض صفوان وترك لها مكانه، بجوار قلبها، روحها

رائحة الفانيليا وصلت له "هارون"

فتح عيونه يعرف ما ينتظره

السوداء تمتلئ بالقلق لأجله.. كانت يدها قد حطت على ذراعيه المعقودين على صدره 

"حبيبي هل أنت بخير؟"

"ماذا تفعلين هنا!؟"

لم تبعد يدها عن ذراعه ولا نظرات الحنان والقلق عن وجهه المتعب "أطمئن على خديجة"

لم تمنحه كلمات الضعف، هو لن يقبل

هو الريس.. هو من يمنح المساندة

وجهه فر منها، حدق بالواجهة الخالية أمامه "الهاتف كان يكفي ليال"

ضغطت على ذراعه، تخبره أن يهدأ، يوقف غضبه المنتظر لأي قفزة لينفجر بوجه أحدهم ولن تمانع لو كانت هي 

"أردت أن أكون معك"

"لست بحاجة لأحد"

هي تفهم، تدرك كل كلماته..

نظرات صفوان من بعيد عنت الكثير وقلق أنس وصلها بالهاتف

صمته مزقهم، ملامحه أيقظت مخاوفهم على رفيقهم لذا لم يفكروا إلا بها

"أعلم حبيبي، هل رأيت جميلة؟ عرفت أنها انهارت"

صمت..

جميلة تربط علاقته بها بأمها وهو لن يسمح بلوي الذراع

"هارون هي بحاجة لك، تعلم أنها صغيرة ومتهورة"

نفس الصمت ولكن مع نقطة بيضاء تسقط على الظلام المسيطر عليه

أخته.. متهورة، صغيرة..

أحلام، ألاء.. 

أخته.. نقطة بيضاء

هل تساعد الغريبات وتتراجع عن أختك يا ريس؟

لم تيأس الفانيليا، تعرف قلب حبيبها، هو أنقذ العديد ولن يبخل على أخته 

"جميلة بحاجة لك يا ريس"

تحركت نظراته لها، تركت خيط الإخوة وسحبت واجب الريس تجاه عائلته

تعرف من أين تؤكل الذراع..

قبضت على عيونه وعرفت أنها أصابت هدف، النقطة البيضاء تتسع "لنراها معا حبيبي"

ونهضت ويدها لا تترك ذراعه، تدعو أن يلين قلبه، تتزحزح قسوة السنين ولو إنش واحد عن قلبه ونجحت

نهض..

تكورت على الفراش، مهدئ لم يجعلها تنام لكن تهدأ، تكف عن الصراخ وتوقف الانهيار

دموعها لا تجف ونظراتها ثابتة على الفراغ بأرض الغرفة التي تلاشت معالمها من أمامها، لا تذكر سوى تلك اللحظة..

توقف القلب، توقفت حياتها.. 

ظلام حل عليها، أمها، كل من لها، تتركها، ستسقط بالهاوية، ستضيع بلا سند

حتى عاد النبض وعاد معه نبض قلبها لكن والخوف يعشعش داخلها، يملأ كل الفراغات التي تركها الأمل ورحل

"جميلة حبيبتي هل أنت بخير؟"

انتفضت لصوت ليال التي انحنت عليها تلمس ذراعها بحنان، رحلت عيونها لوجه ليال هل حقا أتت لأجلها؟ 

لم تتركها وحدها، لم ترفضها، صفوان أيضا لم يرفضها، كان السند وقت الشدة

"جميلة كلنا هنا معك، أخيك أيضا هنا"

أخيها!؟ هارون هنا؟

رحلت نظراتها خلف ليال ورأته، ما زال يقف بشموخ، لكن من داخله مهزوم، ملتصق برذيلة لم يرتكبها لكن دفع ثمنها

نظراته باردة، خالية من أي مشاعر، قلبه متمرد رافض لأي معنى، فارغ فراغ الفضاء بلا جاذبية ولا هواء..

"أخي"

واهتز القلب.. 

توقف عن التمرد فجأة

سقط من الفضاء بجاذبية صلة الدم

أخي.. هو بالفعل أخيها حتى ولو رفض التسليم بذلك

أخيها حقا وليس فتاة انضمت للعائلة ومنحها مساندته، أخته الصغيرة وعليه واجبات تجاها ولا علاقة لها بما بينه وبين خديجة

تراجعت ليال، تمنحه بعيونها نظرات رجاء بأن يمنح الفتاة بعض الراحة، الأمل، الحنان 

أجبر جسده على التحرك..

أطاعته قدماه وهو يحل مكان زوجته وعيونه تقابل شمس خافته، رحلت أشعتها خلف غيامة أمها الضائعة ويأسها من حياة مجهولة تخيفها 

"ماما تضيع مني، ليس لي سواها"

انقبض القلب الممتلئ عن آخره اليوم، دفع القسوة جانبا وأفسح لتلك المهزومة أمامه مكان

تلونت الزرقاء بلون قاتم، وجميلة لا ترحمه "سأضيع من غيرها"

وعادت للبكاء لكن بلا انهيار

المهدأ يقوم بعمله لكن الحزن أقوى

ماذا لو منحتها الطمأنينة يا ريس؟ هي أختك، رغما عنك وليس باختيارك

"ستكون بخير"

بظهر يدها مسحت دموعها ويدها الأخرى تفاجأه، تمسك يده المستقرة بجواره، باردة، خشنة بجوار بشرتها الناعمة

ضغطت على أصابعه المتجمدة بلا حركة "لن ترفضني أليس كذلك؟"

تخلى أخيرا عن جموده، قبض على أصابعها، مال بجسده عليها "الريس لا يتخلى عن أحد من عائلته"

الدموع لا تتوقف وقلبها يبكي مع عينيها، نزيف يستنزفها، يفقدها قوتها واحتفظت بعقلها، لم تذكر أمها "أنت عائلتي؟"

كان سؤال، لأنها لم تكن تعرف ماذا تمثل له وهو لم ينفي، هو منحها ذلك من قبل وهي من رفضته ولكنه لم يتراجع 

"أخبرتك ذلك من قبل وما زلت أفعل، مكانك ببيت أخيك حتى ترحلي لبيت زوجك، لكن هذا يعني التزام بقوانين الديب"

هزت رأسها، هي عاشت بينهم، لم ترى منهم أي شيء مظلم، كانوا نور يسطع بين بعضهم البعض، بحبهم الصادق وقوتهم أمام الشر.. 

الآن هي تدرك ما لم تدركه عندما دخلت بينهم

"سأفعل أخي، سأفعل كل ما تريده فقط لا تتركني"

رفع يده وأبعد شعرها المبعثر حول وجهها وانحنى ووضع قبلة على جبينها ولم يبتعد وهو يمنحها كلمته "لن أفعل"

وتركها وتحرك خارجا وليال تمسح دموعها وهي تتبعه بنظراتها وصفوان يمنحها نظرات امتنان وأنس خرج خلف الريس 

"شكرا ليال"

ابتسمت لها وسقطت نظرات جميلة على العملاق الذي كان يتابعها

القلق، الخوف ملأ الأخضر وأغلقه فبات عميق بلا لمعان 

**** 

خرجت تبحث عنه فأخبرها أنس أنه يتحدث بالهاتف، صفوان رافقها وتحرك معها للاستراحة وجلسا وأنس رحل لإحضار مشروبات 

"تبدو قلق عليها؟"

زاغت نظراته دون أن تستقر على زوجة الديب، يعلم أنها ستتحدث وهو لا يرفضها لطالما اعتبرها صديقة وأخت 

"نعم"

أبعدت وجهها للمكان الهادئ، الفجر قارب على الوصول والأنوار خفتت والأصوات تكاد تنتهي

ممرضة أو اثنين تظهر من وقت لآخر لكن الجميع بحالة هدوء وربما نوم مثل جميلة

"لم أظن أن تتفقا بعد حربكم التي لم تكن تتوقف"

اتفق معها، هو نفسه لم يعرف كيف سار معها بطريق واحد "ولا أنا ليال ولكن بها شيء يدفعني لها، شعور بأن كلانا ملطخ بعار، أنا بامرأة خدعتني.. وهي كما تقول عن نفسها، المرفوضة"

حدقت بجانب وجهه الجامد كرئيسه، خالي من أي تعابير، تشعر به وتخاف عليه من خوض تجربة جديدة "صفوان أنت.."

قاطعها ووجه يرتد لها "لا تخشين شيء ليال، لست بحالة تسمح لي بأي شيء الآن، أسما جعلت كل شيء أسود أمامي"

لم تترك وجهه رافضة كلماته "أسما ليست مقياس صفوان، هي كانت مرحلة وانتهت ومن حقك أن تجرب مرة أخرى لكن كل ما عليك فعله، أن تتأنى، تتأكد من المرأة التي تختارها، كلانا انخدع بها"

هزات رأسه وافقتها، كلاهم انخدع بها والآن كما قالت عليه التأني قبل الخوض بأي طريق جديد فقلبه لن يتحمل الفشل من جديد

عودة الريس أوقفت كل شيء، جلس بجوارها فوضعت يدها بذراعه ومالت رأسها عليه بلا كلمات

**** 

جميلة استعادت نفسها مع وصول الصباح، مع ليال التي صارعت رغبة الريس برحيلها وظلت معه

صفوان ابتعد، أراد أن يمنح نفسه فرصة كي يجيد الحكم على نفسه

أنس رحل لامرأته بعد أن طلبت ليال من هارون أن يأمره بالذهاب، ألاء بحاجة له لاتخاذ قرار بشأن أمها

تناولت معهم الإفطار بالغرفة حتى خرجوا لرؤية خديجة لكن بدون الريس، تحرك خارج المشفى ولم يرضخ لرجاء زوجته

خديجة ظلت بين النوم واليقظة لكن لا تشعر بما يدور حولها، الطبيب يرى أن الأمر نفسي لأن الجراحة ناجحة والجميع تلقى كلماته بصمت

قلبها موجوع بذنب لم يُغفر وربما لن يُغفر

**** 

أسرعت ألاء للباب عندما رأته ينزل من السيارة، فتحت الباب وانتظرته وألقت نفسها بأحضانه بمجرد وصوله

خائفة، متوترة، حائرة لكن وجوده يوقف كل شيء

أغلق الباب بقدمه وقد تفاجأ من اندفاعها له بتلك الطريقة

لفها بذراعه ومنحها اهتمامه "البسكوتة ليست على ما يرام"

لم تتركه، بل ظلت تسكن أحضانه، تبحث عن الأمان، القوة، الشجاعة باتخاذ القرار..

برفق أبعد صدره ليرى وجهها المتعب، الباكي، المتجهم فتملكه القلق، هناك شيء لذا ليال أصرت أن يعود

"ماذا بكِ؟"

بلحظة أخبرته وخوفها واضح بنبرة صوتها وهو يسمع ويعقل الأمور حتى جذبها وجلست بأحضانه "لا يمكنني منعك عنها حبيبتي، هي والدتك"

لم ترفع وجهها له، ظلت ساكنة تدرك كلماته "ماما ليست الأم التي تضعف لفراق ابنتها، بذلك اليوم طردتني بلا اهتمام لأي علاقة بيننا"

مرر يده على شعرها ورأسه ينفجر من ازدحام الأفكار "ربما كانت تظن أنك ستملين وتعودين"

وأخيرا منحته عيونها "أخبرتها أني أحبك ولن أتركك بأي يوم"

قلبه يتناغم مع كلمات الحب منها، نال أفضل جائزة على صبره، جرح مي كان غائر لا يشفى بسهولة وتلك الصغيرة عرفت كيف تداوي كل جراحه دفعة واحدة، فقط بحبها الصادق له

"ماذا تريدين حبيبتي؟ سأكون معك بأي قرار"

قرارها كان واهن لكن الآن تبدل للقوة "لا أرغب بالذهاب أنس، ماما لم تعد كما كنت أعرفها، موت بابا جعلها شخص آخر، أصبحت أخاف منها خاصة عليك"

رفع يده لوجنتها ولمس دفء بشرتها التي يحب ملمسها الناعم ونبرة صوته كانت قوية "امرأتي لا تخاف طالما أنا على قيد الحياة، قرارك أنا لن أراجعك به فقط لا تندمي"

يدها احتضنت يده على وجنتها والحب هو كل ما تحمله لذلك الرجل "لن أفعل طالما أنت معي"

قبلته منحتها الإجابة حتى همس "أنا معك ولك"

هدأ القلب، امتلأ بالراحة والسكينة بجوار..

الغرام

**** 

استقرت حالة المرأة على منتصف اليوم لكن كما هي بلا وعي كلي والريس أصدر قراره..

عودة النساء البيت، صفوان بقي وسعيد قاد بهم والريس رحل للعمل..

رنين هاتفه وصوت الكبير "كيف حالها؟"

النافذة والمطر بالخارج تلقت نظراته "استقرت حالتها"

صمت حل بينهم، كلاهم يحمل غضب تجاه نفس المرأة لكن هو يحمل غضب تجاه كلاهم 

"هل رأيتها؟"

جامدا جمود الصخر أجاب "لا"

تفهم الأب وليس الكبير "لن تسامحها؟"

تنفس بقوة، رافضا الضعف "لا أظن أن الأمر يخصك يا باشا"

"هارون تجاوزك لم يعد مقبول"

هو عاد وداخله قوة فتاكة ترفض أي خضوع لأحد حتى ولو كان الكبير "اعزلني أو اقتلني لترتاح من تجاوزي لأني لن أتوقف عنه"

وأغلق وأسقط الهاتف بجيبه والكبير يضغط الهاتف بأصابعه من شدة غضبه "اللعنة هارون، لم لا يمكنك ولو مرة التنازل عن كبرياءك؟"

لأنك من تسبب بذلك..

لو كنت منحته أبوتك لكان تعلم الكثير.. لكنك تخليت عن حقوقك كأب والآن تطالب بواجباته كابن؟

عش بأوهامك لأن الأمر أكبر من أن يتحقق..

**** 

الفانيليا استقرت بالفراش ونامت، لكن بعد وقت الهاتف أيقظها فجذبته ظنا أنه هارون لكن صوت آخر أتاها، صوت تعرفه "أردت الاطمئنان عليكِ"

شفتاها نطقت بلا صوت "بابا"

اعتدلت قليلا وهو عاد يسأل "هل حفيدي بخير؟"

أجابت "نعم"

تذكرت أنه أنقذها من جسار لكنه تلقى طلق ناري وهارون أخبرها أنهم لم يجدوا جثته 

عاد وقال "جيد، أنا آسف ليال، آسف على ما قلته وفعلته بذلك اليوم، طمعي أعماني لكن وقت شعرت أنكِ قد تضيعي مني عرفت أني لا أرغب بأي مال فقط أنتِ"

سبحت عيونها بالظلام، لا تعرف هل تصدقه أم لا؟ 

"أعلم أنكِ قد لا تصدقين كلماتي فقط اعتني بنفسك وبحفيدي وأتمنى رؤيته بيوم ما"

وأغلق، لم ينتظر منها أي كلمات، دموعها ارتفعت والباب يفتح مما أفزعها "من!؟"

أضاء النور وفزع لوجهها الباكي فتحرك لها والقلق امتلك كل كيانه وهو يجلس بجوارها "ماذا بكِ!؟ هل تتألمين؟"

أغمضت عيونها، كلمات الرجل تعبث بعقلها، قلبها بل كلاهم، هي تتألم، لا تعرف لأي طريق تنساق!؟ 

حبه أم كرهه؟ 

لمسة يده على وجهها جعلتها تواجه نظراته "ليال ماذا حدث؟ أنتِ تزيدي قلقي"

أخبرته ما كان، لم يهتم فقط هي "هل تهدئين!؟ أنت متعبة، نامي الآن وبالصباح نتحدث"

"أحتاج لأحضانك هارون"

لم يفكر وهو يتمدد جوارها بملابسه ويجذبها له بقلق

هي تتحمل الكثير، منه وممن حولها ومع ذلك صامتة لذا يخاف عليها..

**** 

نامت المجنونة نومًا متقطعًا، كوابيس تلاحقها بموت والدتها فتفزعها لذا لم تبقى بالفراش، أخذت حمام وقبل أن ترتدي ملابسها هاتفت المشفى واطمأنت، الحالة مستقرة

قبل أن تغلق سألت عنه وتفاجأت بصوته يجيبها، كان قريبا فنادوه لأجلها "صباح الخير"

رفع رأسه لصوتها "صباح الخير"

صمتت، تاهت الكلمات عند سماع صوته العميق ثم جذبت كلمات "كيف حالها؟"

عبث بعيونه، لم ينال أي نوم منذ.. نسى عدد الأيام ولم يهتم 

"بخير، رأيتها منذ ساعات قليلة وكانت بحالة جيدة"

ابتسمت بسعادة "حقا، أنا قادمة"

فتح عيونه "لا ترتدي تلك الملابس المفتوحة، هناك رجال من حولك، سعيد سينتظرك"

فتحت فمها لتعترض كعادتها لكنه لم يمنحها أي فرصة، أغلق..

ملابسها تجعله غاضب، رغم ما كانوا يمرون به بالأمس لكنه لم يتغاضى عن نظرات الرجال لها والغريب أنه لم يفكر بأنها قد تتمرد عليه..

هي بالفعل اعتادت أن تعترض.. 

لكن صوته هذه المرة لم يترك لها مساحة حتى للغضب

نظرت للهاتف لثواني قليلة، كأنها تتساءل هل حقا قال ما قال؟

الغريب أنها لم تغضب.. الغضب كان أسهل

ما أربكها حقا أنه قالها ببساطة، بلا نقاش كأمر طبيعي أن يهتم

التفتت لخزانتها الصغيرة، سحبت فستانا كانت على وشك أن ترتديه، نظرت إليه، جذبته وظلت تتذكر كلماته، هناك رجال من حولك 

وماذا!؟ 

لطالما كانت هكذا فما الجديد؟ 

هو لا يملك أي شيء عليها حتى ولو كان قد ساندها فهذا لا يمنحه الحق بالتحكم بها

ارتدت الفستان.. 

رؤيتها لنفسها تلك المرة كانت ممختلف

ليست نفس الفتاة بل فتاة متمردة حتى ولو لم تعترف بذلك

**** 

لم ينهض الريس مبكرا، ظل مستيقظا لوقت متأخر مشغول الذهن لذا نام ولم يشعر بها وهي تنال نوبة غثيان جديدة ثم حمام أراحها

طلبت إفطار ونالته من ثمية وعادت لتراه جالسا بمنتصف الفراش والهاتف بيده

فضيحة السويفي وصلت للجميع وعزيز يخبره بتتابع الأحداث

وضعت الطعام فشعر بها "مرة أخرى ليال"

نفض الغطاء وبدا غاضبا وهو يتحرك لها، يداها تعرف طريقهم على عضلات صدره

لها، كل هذا لها هي، كم تعشقه وتحبه ولا تتمنى سواه هو وطفلهم

"أحب أن أدللك قليلا يا ريس"

راحتيه ضمت وجهها الناظر له ولحنان نظراته وخوفه عليها "وأنا أريده لكن بعد أن يصل هو وتعودي لي بسلام صغيرتي"

عيونها تنير بالحب له، قلبها يفرح بوجوده وقربه "وصغيرتك تعشق خوفك عليها، أنا أحبك هارون، أنا مجنونة بحبك يا ريس قلبي وعمري وحياتي كلها"

جذب وجهها له وقبلها بقوة..

حبها له هو كل ما أراده منذ سنوات، الحلم، الأمنية

حبه لها لم ينافسه به أي امرأة، احتلت قلبه وسيطرت عليه، لم يهتم كونها صغيرة بل رآها امرأة وهي الآن امرأته هو ولن تكون لسواه

لم تتحدث عن والدها وظلت صامتة، أفكارها حبيسة داخلها فهي تراه مثقل بهموم لا حصر لها

صامتا مثلها لكن ليس كما ظنت بل كان ينتظرها أن تتحدث

"هل أنتِ بخير ملاكي؟"

انتبهت، منحته نظراتها وهي تفهم مغزى سؤاله "نعم" صمتت قليلا وزاغت نظراتها بعيدا "أنا لا أعرف مشاعري تجاهه هارون، لا أعرف ما إذا كان صادق معي أم لا؟ فقط هو أنقذني من جسار"

سكب الشاي لها ولنفسه ورفع الكوب لها والتقى بالقلق بنظراتها "وهو أيضا لم يذكر اسمك بتلك الليلة ليال، هو يحميك بطريقته، نزعته للمال غصبا عنه"

"لا أعلم، ربما تكون على حق لكن.."

تركت كوب الشاي وتراجعت بالمقعد، تلك الآلام أصبحت مزعجة، عليها برؤية الطبيب قريبا وهو معها، كما كانت تحلم وتتمنى 

"لكن أنتِ لا ترغبين بوجوده"

نظراتها كانت تائهة لا تعرف أين تستقر كما هي أفكارها "هكذا أفضل هارون، اعتدت على غيابه عني، احتياج الفرد لوالديه أمر طبيعي لكن.."

وتراجع بالمقعد، كأنها لمست نفس الجرح.. 

بل هي فعلت..

ملامحه جامدة لا تمنحها أي شيء، حتى لو كان يحتاج والدين فهو أبدا لن يعترف بذلك

"لدي أنت هارون"

انتبه لها، منحها يده فأمسكتها فجذبها فضحكت ونهضت "أصبحت ثقيلة الوزن"

جلست على ساقيه كما اعتادت ببداية زواجهم وهو لفها بذراعه واستنشق عطر الفانيليا ومرر أصابعه بشعرها 

"هذا أجمل وزن بالنسبة لي ملاكي، أنت وهو بين أحضاني، هل تدركين كم حلمت بذلك ليال؟"

لمست لحيته، ويدها الأخرى تتلاعب بخصلات شعره الطويل

تحبه، أرسلت على الانترنت طلبات لشراء كل ما يصلح لشعره، منذ عاد وهي من تهتم به وهو يتركها تفعل سعيد بسعادة صغيرته

"وأنا تمنيت وجودك بكل مرة كنت أتابع بها عند الطبيب، تمنيت أن تكون معي وهو ينمو شهر بشهر، تسمع نبضه وتشعر بحركاته، مررت بليال سيئة جدا بغيابك هارون"

جذب وجهها له وقبل وجنتها وشفاها "سأعيش لأعوضك عن كل ما مررت به بغيابي ملاكي"

هاتفه ينزعهم فوضع قبلة على شفاها وهي نهضت بمساعدته "لا أعلم لماذا لم أغلقه قبل أن تستيقظ"

جلست مكانه وهو رحل للهاتف واسم رشدي تلألأ أمامه "أهلا رشدي"

"هارون، لدي بعض الأمور التي جدت بخصوص تطورات المعمورة"

ظل مكانه وهو يجيبه "هل أرسلتها لي؟"

العسلية كانت تربط له ربطة العنق وهو ينتظر أمامها بطاعة كاملة، تفعلها أفضل منه الآن، وهو يعشق اهتمامها به ويخشى من وصول نسمة الصغيرة فتخطف عسليته منه

"نعم هارون منذ لحظات، أحتاج صفوان"

ذراعيها لفته من الخلف، رأسها استقر على ظهره فانشغل قلبه بها، يرغب بالبقاء معها لأطول وقت فما زال شوقه لها لم يرتوي 

"متى؟"

التفت لها، فاستقر رأسها على صدره 

"اليوم، أمامي ساعتان وأكون هناك"

عبثت يده بعنقها وهي تضع قبلات على صدره، الفانيليا تسيطر على الريس وهو لا يرضخ سوى لها 

"تمام"

أسقط الهاتف بعيدا ولفها بذراعه ينال قبلة قوية "أنتِ مجنونة"

"بك"

ورحل الريس... غرق بالفانيليا

***** 

توقفت المجنونة أمام باب العناية، نظراتها تتحرك بلا ثبات حتى واجهتها الممرضة مبتسمة "سألت عنكِ منذ قليل"

أسرعت لها، ما زال الجسد النحيف راقدا على الفراش، وجه فاقد للحيوية، عيون محلقة.. أنفاس مرتبطة بانتظام الجهاز المجاور

"ماما"

فتحت خديجة عيونها بتعب واضح "جميلة"

الصوت ضعيف، متعب، يجاهد ليخرج

وضعت قبلة على جبين والدتها، سعيدة أنها تنظر لها وتسمعها "نعم ماما أنا هنا، كيف حالك؟ اشتقت لكِ، متى ستعودين؟"

أغمضت عيونها، حزنها ملأ قلبها المريض فزاده مرضا فوق مرضه وكأن الجراحة لم تقدم لها أي شيء "لا تقلقي، سأكون بخير حبيبتي، المهم أنتِ"

أمسكت يد أمها ووضعت قبلة عميقة على ظهرها ودموعها تنساق ضعيفة على وجنتيها "أنا بخير طالما أنتِ بخير"

تحركت لها الممرضة "هي متعبة لا ترهقيها بالحديث"

استجابت وهي تمسح دموعها بظهر يدها "سأبقى بجوارها بلا حديث"

خرجت بعد وقت قصير ودموعها لا تجف، تشاركها وحدتها، اليوم لا أحد معها..

رأت الطبيب يتحرك تجاها، نظراته تتفحص قوامها الملفوف بفستانها القصير والضيق، مفتوح الصدر بشكل ملفت، يخفي أقل مما يظهر

المجنونة تمردت على الكاتبة.. ولم تستجيب للعملاق..

"أهلا آنسة جميلة، هل رأيتِ والدتك؟"

ابتسمت بتورد، لم تخاطب الطبيب وحدها من قبل، صفوان لم يكن يتركها "أهلا دكتور، نعم رأيتها لكنها نائمة"

بدا بأواخر العشرينات، بني العيون والشعر، بدا مهتم بها ولكنها لم تكن مدركة ذلك أو ربما ذهنها مشغول عنه..

أين العملاق؟

"نعم، نمنحها الكثير من العقاقير منها ما يبقيها نائمة، أنتِ ما زلتِ طالبة؟ تبدين صغيرة"

جذب انتباها الآن، الحوار خرج عن إطار المرض 

شمسها الفاترة تسطع على وجهه المربع، لا تفهم مغزى كلماته "نعم، متى ستخرج ماما من العناية؟"

رفع يده لشعره البني ومررها به وما زال ثابت النظرات عليها "لا أحد يعلم، عندما تصبح أفضل ستخرج، هل يمكن أن أدعوك لعصير.."

"لا، لا يمكنك"

صوت صفوان العميق منحه الرد

ارتبك الطبيب، شحب وجهه أمام العملاق

ارتبكت، شعرت بالسعادة لرؤيته بلا مبرر ولم تشعر بالطبيب وهو يرحل وانتبهت وهو يلتفت لها بغضب واضح وينحني عليها وصوته بدا مخيفا رغم انخفاض نبرته

"ألم أخبرك ألا ترتدي مثل تلك الملابس؟"

رحلت سعادتها بكلماته، اصفر وجهها ثم ارتفع الأحمر خجلا وغضبا لوجنتيها وتبدلت ملامحها والتمرد يكتسح بلا عقل 

"ومن منحك الحق بإصدار أوامرك علي؟"

جمد مكانه، من منحه الحق فعلا؟ 

كيف ظن أن هناك شيء يجعلها ترضخ لرغبته بمنحها مظهر أكثر احتشاما واحتراما

"لا أحد، لكن مظهرك هذا يجعل نظرة الرجال لك سيئة"

ثار الغضب، ما الذي يقوله؟ 

لطالما افتخرت بملابسها وسعدت بنظرات الإعجاب بعيون الشباب، لم تظن أن نظراتهم كانت سيئة

هل يهذي؟

"وماذا يفهم أمثالك بنظرات الرجال لامرأة أنيقة؟"

مال تجاها.. 

تراجعت وقد عاد الفزع لها من نظراته المشتعلة ببريق ناري نزع الأخضر الرائق منها "الأناقة ليست تعري، الأناقة احترام قبل إظهار الجمال، هذا اسمه لحم رخيص"

كاد يذهب ولكنها لم تقبل الصمت ولملمة جنونها "أيها.. كيف تخاطبني بتلك اللهجة؟ هل نسيت من أنت ومن أنا؟ أنت مجرد حارس شخصي ولا يمكنك التطاول علي"

رحلت الدماء من وجه

لكمة سددت لوجهه أعادته للخلف أمتار جعلته يرتطم بالواقع 

هو مجرم من العالم السفلي، حارس شخصي، من ظن أنه كان حتى يفرض رأيه عليها ويطالبها بالاحتشام؟

هي على حق..

لملم إهانته وكرامته المبعثرة ونزع نظراته منها والتفت مبتعدا للمصعد ومنه إلى سيارته وضغط دواسة الوقود بقوة الألم الذي اعتصر جزء منه..

من أنت؟

لا شيء.. 

حارس شخصي لا قيمة له.. 

ألا تعلم أن هارون منحه استثمارات خاصة يمتلكها لحسابه الشخصي ومنحه الحق بالانسحاب من حياته بأي وقت؟

هو ليس تابع لأحد، هو فقط يحب هارون، يجد نفسه بجواره، رفيقه، أخيه

هارون وأنس كل عائلته ولن يعيش وهم ليسوا معه

هاتفه يزعجه.. 

اسم هارون..

أغمض عيونه ويده تعصر المقود، من الصعب الانفصال عن الألم وتصنع سواه

"هارون"

"رشدي يحتاجك بالمعمورة هل لديك وقت له؟"

أسند رأسه على أصابعه محاولا جمع شتات عقله و.. قلبه

"بالطبع، كنت بطريقي لك"

نبرة صوت رفيقه ليست على ما يرام، هو لا يتحدث وهارون لم يعتد الضغط عليه 

رد هارون جاء هادئا "لست بحاجة لك، أنا بالبيت"

"وأنا بطريقي للمعمورة"

أدار هارون وجهه والسؤال رحل لشفتيه "أنت لست بالمشفى!؟"

نفخ العملاق وكاد يشتم وسيارة الأجرة تكاد تصدم سيارته والعصبية تتحكم به "لا"

الاختصار منح هارون صورة كافية.. 

خروج الفانيليا من الحمام أوقفه عن فتح أي مواضيع "أخبرني بالأمر أول بأول"

أغلق هارون الهاتف وما زال يفكر حتى التفت لها "هل ترتاحي قليلا؟"

جلست على طرف الفراش "سأهاتف الطبيب لتحديد موعد، تلك التقلصات مؤلمة"

تحرك لها باهتمام "هل نذهب الآن؟"

بجوارها جلس ويده تقبض على يدها، ابتسمت "لا حبيبي، أنا أفضل لكن أرغب بالاطمئنان، لديك عمل؟"

لديه شيء أهم..

مواجهة..

مواجهة مع نفسه..

اختبار لشجاعته..

هزيمة الماضي.. 

خطوة عليه القيام بها لكن.. 

وحده. 

"ربما، نامي الآن ولن أتأخر"

وضع قبلة على جبينها وتحرك لارتداء ملابسه

رحيل صفوان من المشفى يعني أن جميلة وحدها، لحظات وستعود البيت هي الأخرى وهو يرغب بأن يكون وحده..

**** 

رحلت المجنونة بالفعل، دخلت بالسيارة وسعيد يقود

لا مجال لرؤية أمها مرة أخرى قبل المساء..

مسحت دموعها بطفولية، ما الذي فعلته وقالته؟ 

هو كان يخاف عليها، لا أحد منحها الاهتمام بتلك الطريقة حتى والدها لم يمنعها من شيء

هل كان وحيد يراها بالأساس؟

**

وصل الريس المشفى بسيارته

خرج بلا رجال أو حراسة، أراد أن يقوم بذلك وحده، يهزم الألم الذي يحاول السيطرة عليه.. 

تحرك للداخل

ما بال تلك الخطوات بطيئة جدا هكذا؟ قدماه ثقيلتان، معبأتان بثقل الماضي

عاش عمره كله يقنع نفسه أن رفضهم له لم يؤلمه، لكن..

الآن.. 

هنا وعلى بعد خطوة من ماضي تجسد بالحاضر انكسر الوهم، تحطم، الألم موجود

هو هنا كي يرى ضعفه بعينه.. يواجه، يهزمه وينتصر عليه..

لم يقف أحد بطريقه.. 

هل يدركون أهمية وجوده هنا الآن؟ 

هل تلك الأشباح التي تتحرك حوله جمهور يجلس يشاهد المشهد بترقب؟

تعب من تلك الغرف المتشابهة..

باردة..

الأجهزة تنبض بنبض ليس له.. لكن نبضه هو الآخر يرتفع داخله..

على الفراش جسد هزيل، ملامح شاحبة، امرأة لا تشبه الصورة التي صنعها لسنوات

الآن يرى ملامحها بوضوح.. لا قسوة، لا هروب.. 

فقط ضعف

ظل واقفا، لم يلمسها

خاف، خاف إن اقترب أن ينهار شيء داخله لن يستطيع إصلاحه.. 

فقط نظر إلى وجهها طويلا

لم ير أما..

رأى إنسان أخطأ، ودفع الثمن بطريقته، من داخله همس صوت ضعيف "كان من الممكن.." 

وتوقف الصوت.. هو أوقفه.. 

لم يكمل لأن بعض الجمل إن قيلت لا تعود

استدار وتحرك للباب وقبل أن يفتحه ليخرج، التفت مرة أخيرة ونظرته كانت تعني شيء واحد 

لم يغفر..

لكن هناك شيء آخر .. لم يكره

وخرج كما دخل..

وحده

**** 

العملاق كان يواجه كل من حوله بغضب، عصبية، لا يحاول حتى السيطرة على نفسه بل.. تركها تنتقم بلا ذنب لمن حوله..

رشدي لم يكن غبي، يعرف الرجال التي اقترب منها بالشهور الماضية وسأله "هل أنت بخير؟"

لف وجهه له، لم تعد مقلتيه تنبض بالأخضر غصن الزيتون بل بالأحمر لون الدم، رغب بممارسة هوايته 

لكن.. 

قلبه الآن لن يتحمل نزع ظفر واحد حتى..

"نعم، هل انتهينا؟"

انتهوا نعم، صفوان لا يتجاوز بالعمل، يقوم به على أكمل وجه، تلميذ لأفضل أستاذ

"نعم، ما رأيك لو نسرع بالتجهيزات والافتتاح يكون بموسم الصيف؟"

تحركا للخارج، السيارات توازي الرصيف، تنتظر بصمت مقتبس من صمت الليل، همس الريح بدأ يتحول لصراخ وليلة ممطرة عاصفة تعلن عن نفسها 

أجاب العملاق بتروي "دعنا نتابع الأمور أولا ولا نتعجل"

ركب سيارته وانطلق بلا كلمة أخرى ورشدي يتابعه بلا تعابير، جامد لكن جموده تلك المرة بسبب اندهاشه فصفوان ليس كما اعتاد عليه

القصر سبح بالظلام والأمطار تساقطت والبرق يصحبه رعد ملأ السماء

هرع إلى بيت الرجال حيث استقر لكن هاتفه أضاء، الريس

"أريدك"

كلمة كافية لجعله يرتد غير عابئ بالمطر ولا مدرك للنظرات التي تابعته من أعلى

غاضبة.. هل منه أم من نفسها؟ 

سؤال تاهت إجابته بين خلافهم الدائم، لماذا فعلت ذلك؟ 

كانت سعيدة بالهدوء الذي ساد بينهم، حكاياتهم على مائدة العشاء

أرادت أن تسمعه، تعرف عنه كل شيء والآن أغلقت الباب ووضعت بدل القفل عشرة

"مساء الخير"

لم ينظر هارون له، ظل يتأمل المطر بالخارج من نافذته

بقي بالمكتب بعد عودته من المشفى، يقنع نفسه أنه ارتاح، رحل الضعف وصفع شيطانه فأسقطه مهزوما

من المهزوم يا ريس؟ ضعفك أم شوقك؟

"ماذا حدث بينكم؟ بالمشفى؟"

تجمد صفوان بمكانه، ليس من المطر الذي بلل ملابسه وشعره ولا من البرودة المسيطرة على الجو 

بل لأن الريس أصاب بمقتل

عندما طال صمته لف هارون رأسه له، رأى نظرة الحيرة بعيون الصادق، طيب القلب..

"ظننت أنكم حللتم خلافاتكم الدائمة"

بلل صفوان شفتيه بلسانه، ابتلع أي شيء بفمه الجاف ليمنح حلقه ملين كي يمرر كلماته "نحن من هارون؟"

عاد الريس للمطر وذراعيه معقودة على صدره، يدرك كل شيء من نظرة لمن يقف أمامه فما بالك برجل عاش معه نصف عمره؟

"لا أحب أن تستخف بي صفوان"

نفخ العملاق..

أدار رأسه يمينا ويسارا حتى تحرك ليقف بجواره "تعلم أني لا أفعل لكن.."

لم ينظر له، يدرك كل ما يدور بعقله لذا منحه راحة وتحدث بدلا منه "أنت رفيقي وظهري قبل أن تصبح هي أختي"

رفع وجهه له، اختصر كل شيء بتلك الكلمات، منحه ما أراح قلبه تجاهه لكن بالنسبة لها لم ينتهي الأمر 

"وحارسك الشخصي"

ضاقت الزرقاء على عاصفة الريح النابضة داخله يستوعب كلماته "هي أخبرتك بذلك؟"

زاغت نظرات صفوان للظلام الحالك كالذي سكنه منذ مواجهته معها

وضعته بمكانه حيث يستحق "هي على حق، أنا من تجاوز"

فك هارون ذراعيه، التفت له..

هاج الموج الأزرق وارتفع بنبرة صوت "هي حمقاء مدللة لا تفقه شيء عن حياتنا"

لم يواجه الريس

ظل هاربا بنظراته

بقلبه المتألم..

بماضيه الملون بالرذيلة وحاضره المزين بالدماء..

هو لا يحق له أي شيء 

"وأنا ليس لي عليها أي شيء هارون، هو خطأ، خطأ كدت أسقط به وهي انتزعتني قبل فوات الأوان، تجربة واحدة تكفي"

والتفت ليذهب لكن يد الزعيم ارتفعت على كتفه، توقفه

عيونه تواجه الخضراء الغائمة، نبرته تحمل كل الحب الذي يكنه له "دائما هناك اختيار آخر صفوان نحن فقط من نغلق عيونا وندعي العكس"

لف وجه له التقى بقلق رفيقه "أو يكون غير لائق بنا لذا نتركه قبل أن يؤلمنا أكثر"

وتحرك وسقطت يد الريس وهو يتابع صفوان والغضب يرتفع داخله

وغضب الريس.. 

لن تؤلم طفلة مدللة رفيقه أبدا، هي لا شيء..

والدها مجرم متسخ بكل الرذائل وهي تظن أن أطيب قلب أقل منها؟

الغضب يدفع لطريق أعوج...

**

جلست الجميلة على طرف فراشها، تتذكر تلك الأوقات التي كانت تقضيها معه..

بكائها على صدره..

ذراعه التي أحاطتها بلحظة انهيارها 

مشاعر عاشتها بثواني قليلة لكن مرت عبر جسدها، قلبها وحتى عقلها.. 

لمسته رسمت داخلها مسار غريب لم تفهمه.. 

ظنت أن تمردها سينقذها، سيحملها فوقه وينجو بها من الغرق لكن كان سراب، جبان تخلى عنها ورحل وتركها الآن متألمة

دقات على الباب أفزعتها، نهضت وفتحت لتتراجع أمام حضور الريس.. 

نظراته غير مفهومه، تحمل داخلها توعد صامت لم تفهمه

هل حقا يقف أمامها؟ 

"لدي ما أقوله"

كلماته كانت باردة، لم تمنحها بداية جيدة، هل أخبره العملاق شيء؟

تراجعت بأقدام مرتجفة..

دخل، خطواته تضرب الأرض تكاد تهتز من قوتها

أغلقت الباب وظلت لحظة قبل أن تلتفت وهو لا يلتف لها

"ماذا حدث بينك وبين صفوان؟"

اتسعت عيونها، انتهت أنفاسها حتى شعرت بالاختناق فشهقت 

التفت لها وهي تحمر وتصفر وانتهت للأبيض بلا دماء، فرت من عروقها

ماذا بينهم؟ لا شيء

"ما.. ماذا تع.. تعني!؟"

عاد لها حتى وقف أمامها والعتمة سطت على وجهه ونظراته وحتى قلبه لكن ما زال عقله ساكنا، يعمل بهدوء 

"أنتِ تدركين ما أعني، لا تظني أن تجاهلي وجودكم ببيتي يعني أني لا أدرك تصرفاتك؟"

ارتجفت كأن برد طوبة ضربها كله دفعة واحدة، جبل ثلج انهار فوق رأسها 

ومنحها كلماته "لو كنت أرى صفوان مجرد حارس شخصي ما كنت تركتك تنهارين على صدره، صفوان ليس فقط رجل من رجالي بل أخ، صديق، رفيق، ظهر وسند وقد يموت بدلا مني لو شعر بخطر يواجهني"

أخفضت وجهها، لقد أخبره بتهورها وجنونها، والتمرد الذي ظنت أنه نجاة هو ما أغرقها، أسقطها ببركة راقدة لوثتها عن آخرها 

بكت.. دموعها أغرقت وجهها 

"هو .. أخبرك"

نبرته المخيفة جعلتها تزداد ارتجاف وانكماش، هل سيصفعها لينتقم لرفيقه؟ 

"هو لم يخبرني أي شيء لكن أنتِ لا تعرفين من أنا؟ أخبرتك أن وجودك هنا مرتبط باتباع قوانيني والديب لا يقبل بإهانة أي فرد من أفراد عائلته وصفوان أول فرد بها هل تسمعيني؟"

أغمضت عيونها من قوة نبرته، خائفة، منهارة، فاقدة لأي نجاة "ليس له حق بأن يتحكم بي، يطالبني باستبدال ملابسي"

لمعت عيونه، لحظة إدراك، تأخر الريس وصفوان اتخذ المبادرة 

مرر تأخيره وأكمل "هو نفس الحق، حق كل فرد من العائلة تجاه الآخر، حق رجل يخاف على امرأة من عائلته، هو محق، لن أراكِ بتلك الملابس مرة أخرى وإلا ستبقين بتلك الغرفة ولن تخرجي منها"

وتحرك خارجا، غضب من نفسه لأنه لم يدرك ما أدركه صفوان ربما كان مشغول بنفسه، لم يراها، لم يستوعب ما كانت تفعله بنفسها

ما بال حياته انقلبت منذ ظهورهم؟ 

الغضب الأكبر الذي تفاقم الآن كان من رحلته السابقة للمشفى

رأى الديبة تخرج من غرفتهم، خرجت تبحث عنه

تخطاها وفتح الباب ودخل وهي تحدق به بلا فهم ثم تبعته للداخل

المياه الباردة تتلقاه، تعاقبه على غفوته

رؤيته لها من بين المياه جعلته يوقفها "لا تفعلي، المياه باردة"

توقفت ونبرته الجادة أوقفتها لابد أن يتحدث، لن تتحمل رؤيته هكذا

ظلت واقفة حتى انتهى ومنحته المنشفة 

دخولها الفراش كان يسبقه وانتظرته حتى ارتدى ملابسه وتحرك لها وتمدد فأراحت رأسها على صدره

سكنت الغرفة، الضوء الخافت يتسلل من الشرفة وصوت الرياح يحاول اقتحام هدوءهم

لم تنم، كانت تدرك، تشعر، تفهم الرجل الذي تخلل تحت جلدها "ماذا بك؟"

أغمض عيونه وتنهد برفق ولكنها شعرت به "متعب"

رفعت وجهها لترى لمعان عيونه بالظلام لكنه لا ينظر لها بل كان الماضي وجهته

وحده

كانت تشعر به، تفهمه "أنت لم تكن بالعمل"

كان إقرار وليس سؤال، صوته خرج ضعيفا "لا"

خمنت، أو ربما لأنها أصبحت تعرفه جيدا قالت "ذهبت المشفى؟"

لم يندهش أنها تفهم.. 

منحها نظرة قوية ثم التف ذراعه حول جسدها..

قربها منه، احتياجه لها ليس بالكلمات بل بما يتسلل بينهم من خلال لمسة، نفس أو قبلة

الرد جاء منه ثقيل جدا "نعم"

ليست هي من يخفي عنها شيء فقط لا يحب مشاركة لحظاته تلك مع أحد

الآن وقد هدأ منحها الرد، أبعد نظراته ولم تعد ترى نظراته بوضوح بعتمة الظلام لكنها شعرت بالشرخ في صوته

ارتفعت يدها على صدره، فوق قلبه، لم تضغط فقط وضعتها، أنا هنا، معك

ثوان ثقيلة مرت وكأنه لا يشعر بوجودها

ما زال يرى كل شيء وزد عليه أخت متمردة وليال صامتة

تمنحه ما يرغب به.. وحدته

"من الجيد أنك ذهبت"

زفر ببطء وكأنه يجذب هواء ليمنح قلبه الحياة، هواء بعطر من تمنحه سبب للحياة فتسارعت أنفاسه "لست متأكد"

وضعت قبلة على صدره، شعر بها، ضغطت يده على جسدها 

وهي همست "أنت لا تفعل سوى الصواب حبيبي"

عادت رأسها على صدره وسقطت نظراته عليها وتلك المرأة تمنحه راحة غريبة بكلمات بسيطة وهي حتى لا تطالبه بأي شيء

لا اعترافات.

لا أسئلة.

ولا وعود..

فقط حبيبها عاد إلى فراشها، يحتضنها بجوار قلبه، 

لكن..

هو يعلم كما تعلم هي أنه..

يحمل داخله ضعفا لم يعرف كيف يتركه خارج الغرفة. 

أغمض عينيه على أمل أن يكون النوم أرحم من التفكير

***** 

الصباح لم يكن أفضل من الأمس، بارد ، غائم، السماء تخشى أن تمطر فظلت تحمل السحب بلا شكوى

نزلت الصغيرة معه، كلاهم أفضل اليوم

لم تتحدث معه مرة أخرى لكنها شعرت ببداية الأمل "هارون موعد الطبيب غدا لا تشغل وقتك؟"

توقف أمامها وهي تواجه ملامحه التي تحسنت كثيرا عن الأيام السابقة لكن هي لا

لمس وجنتها "هذا أمر لا ينسى ملاكي"

وضع قبلة على جبينها ورحل وهي تسمع صوت السيارات تبتعد، كادت تتحرك لصالة الجلوس وتهاتف ألاء عندما رأت جميلة تنزل..

توقفت وهي تمنحها اهتمامها والفتاة ما زالت شاحبة، وجهها نحف وعيونها الجميلة فقدت رونقها

توقفت أمام ليال..

للحظة تمنت لو احتضنتها بقوة، تحتاج لضمة ذراع، أمان أخت أو صديقة ولكنها لم تعتاد ليال بعد 

"أهلا جميلة، هل من أخبار جديدة عن والدتك؟"

لمعت دموع بعيدة بعينيها وكأنها تمنعها من الوصول "لا، ما زالت بالعناية"

هي تدرك أن المرأة يائسة لأجل ابنها وتمنت لو تحدث مع أمه، أفرغ غضبه، ألمه، لكنه لم يفعل، اختار الصمت 

وهي تفهمت تجربته بالأمس لذا لم تزد الضغط عليه

"هل أنتِ بخير جميلة؟"

سؤال قد يكون غريب لأي أحد لكن للديبة لا، لديها بصيرة كزوجها 

تخترق القلوب 

وصلت الدموع وسقطت فأخفضت وجهها..

اقتربت ليال، أحاطتها بيداها بحنان وقلق "جميلة ماذا حدث؟ أشعر أن الأمر لا يتعلق بوالدتك"

وانهارت المجنونة، بالبكاء، هزيلة، وحيدة..

مرفوضة

احتضنتها الديبة..

**** 

الصمت لف ثلاثتهم، أنس مشغول بزوجته ووالدتها التي تلح عليها لرؤيتها

العملاق ما زال غاضب، ناقم على نفسه

الريس ماضيه يطارده ويقيد عنقه بقيود من نار لكنه..

لا يغفل عن رجاله..

"أنس لا تأمن ميسرة"

لف أنس وجهه لهارون بنظرة امتلأت بالدهشة..

هل يعرف؟ هو لم يخبره شيء

"هارون!؟"

منحه نظرة لا معنى بها لكن تحتها معاني تخص الريس "هي لن تمرر موت زوجها على يد زوج ابنتها التي ترى أنه بالأساس خطفها"

اصفر وجه، جف حلقه..

نظرات صفوان ثابتة على الطريق، يهوى القيادة كلعب التنس والآن يشعر أنه الكرة التي تتلقاها المضارب

عاد أنس لهارون "هي ترغب برؤيتها وتلح بذلك، ظننتك لا تعرف بأمرها"

أبعد وجهه، لا يعني التقليل منه لكن هو يدرك كلمات أنس "كل ما يخص عائلتي يخصني أنس، مشاكلي الخاصة لا تنسيني مشاكلكم"

نظرة ارتفعت من عيون صفوان للمرآة له لكنه لم يمنحه شيء، جانب وجهه، فقط 

"تظن أنها تخطط لشيء؟"

"بالطبع، وشيء كبير ليس لك وحدك بل لنا جميعا، لذا منحت تعليمات بتشديد الحراسة على القصر بغيابنا، النساء وحدها هناك"

الوجوه جامدة، نساء تخص كلا واحد منهم، لكن العملاق تجاهل الأمر، لم تعد تخصه ولن يفكر بها، انتهى الأمر بالنسبة له

كاذب يا عملاق..

**** 

"وهل كنتِ تتعاملين معه على أنه حارس شخصي!؟"

تورد وجهها بعد الشحوب وأخفضت نظراتها ولم تواجه ليال "جميلة لم لا تردي؟"

مسحت الدموع بتلك الطريقة، ظهر يدها وأحيانا ملابسها، متى ستكبر!؟

"لا أعلم ليال، بالبداية كنت أكرهه، أراه عملاق متوحش، لكن عندما ساندني وظل بجواري رأيت جانب آخر به"

لم تتردد ليال بكلماتها "الجانب الحقيقي له، القلب الطيب، هذا هو صفوان"

بكت بشدة مرة أخرى، لا تعرف ماذا تفعل أو كيف تخرج من تلك الأزمة؟

"أنا لم أعتد أن يعنفني أحد، حتى بابا لم يكن يفعل"

مررت ليال يدها على بطنها، تربت على طفلها وتلك التقلصات لا تتوقف ولكنها تتحامل هي ليست مدللة..

هي تتعامل مع المدللات فقط 

"والدك لم يكن يراكِ من الأساس جميلة، لم يكن لديه وقت لكِ، ووالدتك كانت تمنحك كل شيء كي تجنبك قسوة الحرمان، لكن رجل كصفوان لن يقبل ذلك على امرأة من نساء عائلته"

رفعت عيونها الممتلئة بالدموع، وجهت كلمات ليال "أنا من عائلته؟"

ابتسمت الديبة "كلنا عائلة واحدة، لكن لو صفوان يمثل لكِ حارس شخصي فلماذا تهتمي بغضبه؟ يمكنك تجاوز الأمر واعتباره كأن لم يكن"

جمد وجهها، لا، الأمر لم يكن كذلك

غضبها من نفسها لتصرفها لا يعني أن صفوان كان حارس شخصي "أنا لا أعلم ليال، أنا كل ما أعرفه أن كل من حولي كانوا يرفضوني ووقتها شعرت أنه هو الآخر يرفضني"

منحتها ابتسامة هادئة جعلتها تشعر بالراحة "لو كان يرفضك ما كان ساندك من أول يوم وأنتم كنتم كالديك والفرخة"

ألا تنتهي تلك الدموع؟ عيناها أصبحت لا تشفى من الألم بسبب البكاء 

"معكِ حق، هل تظنين أنه قد يغفر لي؟"

ملاك الريس تعرف كيف تمنح الراحة لمن حولها "لا مانع من التجربة ولو أني أعلم صاحب القلب الطيب جيدا"

**** 

انتصف النهار، استقروا بالفندق، الريس بمكتبه وصفوان وأنس اتخذوا مكتب ليال السابق مكتب لهما 

هارون لم يفتح الأمر مع صفوان مرة أخرى، اكتفى بما قال وفعل مع أخته المتهورة وانتظر رد الفعل..

يتوقعه لكن لا ينطق به

أنس ظل معه وصفوان اختار التواجد وحده بالمكتب، الصداع يفتك برأسه

الأريكة هبطت تحت ثقل جسده ورأسه اختار الرجوع للخلف ربما الدواء يوقف الصداع

دقات على الباب جعلته ينفخ، لا يرغب برؤية أحد..

منذ الأمس وكل الشريط يدور أمام مخيلته..

جميلة وكلماتها له..

هارون الذي كان يدرك كل ما يدور دون أن يشير ولو بكلمة..

ليال رأت وربما أنس أيضا والرجال

هل كان واضحا تورطه معها لتلك الدرجة؟ 

كان يساندها، فتاة وحيدة، أخت هارون، أمها تنهار بالعناية هل كان من المفترض تركها وحدها؟

لكنه يعلم أن الأمر أكبر من ذلك..

انفتح الباب وانتظر صوت أحد الرجال يخبره بشيء يجذبه من خلوته لكن بدلا من ذلك سمع صوت لم يكن يتوقعه

"كيف حالك صفوان؟ اشتقت لك"

فتح عيونه على آخرها وهو يعيد رأسه للأمام وشفتاه تنطق بالاسم الذي ظن أنه لن ينطق به مرة أخرى 

أسما!!؟

                الفصل الخامس والاربعون من هنا

تعليقات



<>