رواية غرام في العالم السفلي الفصل الخامس والاربعون45 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل الخامس والاربعون45 بقلم داليا السيد 

يوم المفاجآت

ليال أرادت تشجيع الفتاة ومنحها بعض المؤازرة لذا رغم التعب الذي تعاني منه رحلت معها للمشفى

زارت جميلة والدتها ثم رحلوا لأحد المحلات التي يتعامل معها هارون وانتقت للفتاة ملابس مناسبة وليال جالسة تشاركها الرأي حتى انتهوا عائدين للسيارة 

"أرغب بزيارة الريس، أحب مفاجأته"

ابتسمت جميلة، ولم تعترض بل لم تنتبه لما تخطط له ليال

الريس يعني صفوان وصفوان يعني القلب الطيب والمجنونة، لكن جميلة لم تفهم ذلك 

"حسنا سأعود المشفى وأنتظر موعد الزيارة الليلية"

وضعت يدها بذراع جميلة بطريقة ودودة وصوتها امتلأ حنان غريب "سنذهب سويا، الفندق سيعجبك جدا"

لم تمنحها فرصة للرفض وهما يدخلان السيارة التي تحركت والحراسة تتبعها وجميلة تشعر بالألفة مع ليال..

منحتها أجواء جعلتها تخرج من أحزانها وتتحسن حالتها قليلا 

أنس هو من استقبلهم "ليال، مفاجأة رائعة، اشتقنا لوجودك معنا، أنت أرحم منه"

ضحكت وهو ابتسم "الريس!؟ تعلم أن ليس هناك أفضل منه"

تحرك معها للداخل، التحيات تحركت لها كالعادة وجميلة تتجول بنظراتها بالمكان "هارون يمتلك كل هذا ليال؟"

منحتها ابتسامتها الهادئة "نعم جميلة، هذا مكتب صفوان لم لا تلقين عليه التحية"

وغمزت لها وأنس يسمع بلا تعليق، تورد وجه جميلة وربما الآن فهمت سبب الزيارة والغريب أنها لم تمانع

هي ترغب باستعادة الهدوء الذي كان بينهم

لم ترد وهي تتوقف أمام باب غرفته وعندما دقت وفتحت لم تجد ما يسرها..

**** 

نهض العملاق واقفا وكأن جسده هو من تلقى المفاجأة وليس عقله فقط

رأسه حاول استقبال الأمر بلا غضب، بلا ارتداد للذكرى لكن بلا فائدة

كاذب من يدعي أن الأمر لا يؤلمه، عدم الرغبة بأولاد منه طعنته برجولته فهل يمكن التغاضي؟

وقفت أمامه، لم تتبدل، هي كما كانت

لم ترتدي الأسود كثيرا على والدها، بمجرد مرور أربعين يوم خلعته..

الحزن بالقلب كما كانت تقول وحزنها على والدها لم يكن بالقدر الذي يحزن به الشخص على والده

هم وانزاح..

"تبدو وكأن صاعقة أصابتك"

هذا هو حاله بالفعل

جسده تجمد..

عقله يعمل بسرعة باحثا عن مكانها بحياته ويتشاور مع قلبه هل ما زالت موجودة عندك؟

نظراته سقطت عليها، الأخضر تعمق، انغلق على طيبته وحل الماضي محله ولكن ما زال يبحث عن التعقل 

"هذا صحيح، لم أتوقع رؤيتك"

صراحته غير مفهومة لها، هل يعني لم يتوقع، أي أنه تمنى وظن ألا تتحقق أمنيته؟ 

أم لم يتمنى رؤيتها من الأساس؟

لم تتبدل ملامحه

خبر عودة هارون شاع بكل مكان ووصل لها بطريقة ما وهذا جعلها تدرك أنها أخطأت عندما ظنت أن صفوان يمكن أن ينال تلك المكانة لأجلها ثم يعيدها له

لم تصدق أنه لم يفتقدها أو يتراجع بالطلاق

ظنت أنه خاتم بإصبعها كما يقال لكن.. ها هو يصفعها.. 

كل تلك الشهور لم يبحث عنها.. 

وحالها ليس بأفضل شيء، ما أن تعود له ستبدل طريقتها وتحصل على ما تريد، صفوان طيب وهي تعلم ذلك

"ولكن أنا اشتقت لك لذا أتيت"

نظراته لها كانت غامضة، الطيب لا يظل طيب العمر كله، أحيانا تخرج له أنياب ويدفع عن نفسه الخطر، وأسما خطر، خطر قبيح يلوث حياته..

"اشتقتِ لي!؟"

السخرية بنبرة صوته لم تجعل الأمر سهل بل شعرت أنها ستسبح ضد التيار

"صفوان أخبرتك مرارا أني أحبك وأنني.."

انحنى ليصل لوجهها مانحا إياها نظرة أوقفت الكلمات على أبواب شفتيها "لا تتحدثين عن شيء لا تعرفينه، الحب كلمة أكبر من أن تنطقين بها"

شحبت، جف حلقها وهو تحرك من أمامها، لا يرغب بأي كلمات منها أو لها، النقاش غير ذي جدوى لكنها ليست هنا لتتراجع 

"أعلم أني أخطأت.."

لف وجهه لها فتجهمت أكثر وتورد وجهها

نظرته عنت عدم التصديق لأي شيء تنطق به، لم تحارب لأجله كي يصدقها، لم تمنحه ما يجعل كفتها تزن

"أنا كنت متهورة، غبية، الغيرة أعمتني"

أبعد وجهه وصحح "تقصدين الطمع، الجميع وأنتِ منهم، كان وما زال يعلم علاقتي بليال ولن تتبدل وكذلك طمعك، أنا حقا مندهش من وجودك هنا اليوم بعد عودة هارون، لن أكون الريس"

تحركت له، لن تستسلم أو تتراجع

رفعت يدها على صدره مكان قلبه الذي بيوم ما دق لها ولكنه الآن لا يفعل.. 

جرح الكرامة لا يغفر، وهي جرحته مرتان، مرة وقت اتهمته بزوجة أخيه ومرة يوم حرمته من الأطفال فهل يمكن أن يغفر؟

"وهذا أكبر دليل على أني هنا لأجلك وليس لشيء آخر"

أمسك يدها، لم تعد تصعقه اللمسة، لم يرتجف قلبه لقربها ولم تتسارع أنفاسه بل رغب بابتعادها عنه، كان هادئ وسعيد بخروجها من حياته 

"الإنسان لا يتبدل بعدة أيام أسما، ما تركه تصرفك داخلي من أثر لا يمكن محوه بكلماتك هذه ولا بأي شيء لذا لا داعي لهم و.."

دقات على الباب وبلا فرصة لأن يمنح الإذن انفتح الباب ورآها تدخل

المجنونة وصلت.. 

 تراجع.. الذهول سقط عليه مرة أخرى.. 

هل اليوم هو يوم المفاجآت؟ 

نظراتها وقفت على يديهم المتحدة على صدره وقربهما بتلك الدرجة

كل ما تعرفه أنه ليس رجل نساء لكن هذا وضع لا يدل على ذلك

من هي؟

"آسفة، يبدو أني دخلت بوقت غير مناسب"

بكل هدوء يناسب العملاق أنزل يد أسما وتركها وهو يمنح أسما نظراته قبل أن يبتعد "بل تقريبا أنا الشخص الغير مناسب اليوم"

كلتاهما حدقا به..

بلا فهم.. كلماته غير واضحة لهما وهو منحهم ظهره، لا يرغب بأي كلمات منهما على السواء 

لكن.. 

ضوء خافت أضاء وسط عتمة قلبه لرؤية المدللة، ملابسها، ملامحها.. 

كلها كانت مختلفة ومع ذلك ما زالت كلماتها تطعنه بقوة مؤلمة 

"ومن الجميلة؟"

لم يلتفت بل ظل جامدا، اقتبس من الريس عقد الذراعين وفعل المثل وجميلة هي من شعرت بالخجل مما يحدث وأسما تتفحصها بطريقة ملفتة 

"أنتِ يا فتاة، أنا أسألك من أنتِ وماذا تفعلين هنا؟ هل ترغبين بأي خدمة؟ الملهى الليلي بالخارج، اذهبي والهي هناك"

جميلة لا تفهم شيء، كلمات أسما ليست مفهومة ولكن ربما فهمت أنها شابة لاهية تاهت "أنا لا أرغب بالملهى، أنا هنا من أجل صفوان"

هي تنطق اسمه بطريقة لطيفة، رقيقة وهو لم يعتاد ذلك..

أسما انتابها الغضب، فضول، أي شيء تفهم منه حكاية الفتاة الجميلة التي تنطق اسم زوجها السابق بتلك الطريقة

"وفتاة مثلك ماذا تريد من زوجي؟"

التفت العملاق، شحب وجه جميلة..

زوجها!؟ 

أليسوا منفصلين بطلاق؟

"زوجك!؟"

تحرك ليقف أمام الاثنان، نظراته الغاضبة تحرق أسما "أسما هل انتهيت مما أتيت لأجله؟"

التفتت له بغضب أو شخصيتها الأصلية تظهر وقت الغضب وفقدان السيطرة "من تلك الفتاة صفوان؟ هل هي السبب بأنك لم تفكر حتى بمهاتفتي؟ هل كنت تعرفها ونحن زوجين؟ كنت تخونني؟"

ظلام سقط على عيونه أطفأ بريقها، إدراك أن تلك المرأة لا تضمر له أي حب، بل لا تفكر به سوى خائن..

"هل كل امرأة أعرفها أقيم معها علاقة؟ ألا تفكرين بي سوى خائن؟"

جميلة صامتة، نظراتها تتجول بينهما بلا فهم وأسما تهاجم بلا عقل "بل التصرفات هي ما تظهرك هكذا والآن فتاة مثلها بمكتبك وتنطق اسمك بتلك الطريقة تؤكد ذلك، بالطبع هي فتاة من هؤلاء الفتيات اللاتي لا أصل لهم ولا فصل وتسعى خلف صفوان، رجل الريس الأول"

جميلة كانت تحاول استيعاب ما تقوله تلك المرأة والرد ضائع، هي لن تملك القدرة على الرد على امرأة مثلها ولكن صفوان يفعل، المنفذ فاض به 

"رجل الريس الأول.. هذا هو كل ما يهمك، المكانة والسلطة والمال فلتذهبي وتبحثي عنهم بمكان آخر لأنك لن تجدي هنا شيء"

لم تتراجع أو تتبدل أهدافها، كل ما ترغب به يتلاشى بوجود أحد سواها، اختارت التوقيت وهي تعلم ألا نساء بحياته 

"صفوان أنا أبحث عنك أنت، عن حبنا وسعادتنا وأحلامنا"

"على من تكذبين؟ لم يعد بيننا أي شيء مما تتحدثين عنه، ربما لم يكن هناك شيء بالأساس، أنتِ لم ولن تعرفي الحب أبدا، الحب الصادق كالأشباح، كثيرون يتكلمون عنه وقليلون رآه، وأنتِ لم تريه أبدا ولن تريه"

هتافها كان يعني أنها لن تيأس، ستصارع من أجل ما أتت له "لا، أنا رأيته معك وأريد أن نعود صفوان، فرصة أخرى أثبت لك كم أحبك"

"ولا لحظة أخرى سأمنحها لامرأة وثقت بها وخانت ثقتي، لم يعد لكِ مكان بحياتي"

جميلة جامدة بمكانها وهما نسوها حتى انتبهت لثورة غضبه وإدراك أنها علاقة فاشلة، منهارة لا يمكن إعادة ترميمها 

التفتت لتذهب لكن أسما لم تتركها "هو أنتِ أيتها الشيطانة، أنتِ السبب"

توقفت جميلة، لا تفهم ماذا تعني تلك المرأة؟ 

تحركت لها تجذبها من ذراعها وتلتقي بالشمس الحارقة بعيونها "لا تظنين أن فتاة مثلك ممن يسرقون الرجال ستسرق زوجي"

لم يمكنها الصمت أكثر "أنا لست كذلك، وهو ليس زوجك"

"وما شأنك أيتها العاهرة؟ "

أفاق صفوان أخيرا من تلك الكلمة وتحرك ليجذبها بعيدا عن جميلة "كفى، لا شأن لكِ بها"

لكنها لم تتراجع، تهاجم الضعيفة لأنها لا تقوى على القوى، تبحث عن الشماعة لتضع عليها أخطائها "بل لها ولن أتركها"

وتحركت لها، تمد يدها لتجذبها من شعرها لكن العملاق بلحظة كان يقف أمامها يحمي المدللة من تلك المرأة التي أعماها الحقد وأمسك يدها 

"إياكِ والمساس بها"

نبرة التحذير والغضب ملأت صوته، قوة قبضته أخافتها ولكن زادت من جنونها "تدافع عنها!؟ لماذا تنكر إذن أنها تخصك؟"

ضغط أكثر على يدها وأراد إغضابها أكثر ليظهر معدنها الحقيقي "بلى، هي تخصني ويهمني أمرها ولن أسمح لأحد بالمساس بها ولو بكلمة واحدة"

التمعت عيون جميلة، حدقت بأكتافه التي تواجهه 

للمرة الثانية تجده يحميها، يوقف الخطر عنها

مرة يوم عمها والآن المثل..

اشتعلت أسما بالغيرة من الفتاة ونزعت يدها من قبضته "حقا!؟ عشيقتك إذن؟"

قبض أصابعه بجواره، ليس من حقه صفعها الآن فهي لم تعد زوجته واندفاع أسما تجاه جميلة أوقفه أيضا جعله يرفع يده ويدفع جميلة خلفه ويضع جسده العملاق أمام أسما التي فقدت عقلها وهو يمسكها من ذراعيها ويدفعها للخلف 

"كفى، اخرجي من هنا الآن وإلا أقسم أن أحملك وألقيكِ بنفسي خارج الفندق"

وانهزمت التي بيوم ما كانت شكولاتة، سالت على نفسها فأحرقها الحقد والغيرة اللذين كانوا داخلها

شحبت، وجمدت، تداركت أخيرا أنها أفسدت كل شيء والتفتت لترى رجلان من رجال الديب يسدان الباب فاستعادت وعيها الراحل 

فضت ذراعيها وسقطت دمعتان لا أفهم ككاتبة معناهم 

تحركت خارجة واختفت خلف الرجال التي أغلقت الباب وصفوان يغمض عيونه ويتنفس بقوة كأنه خارجا من معركة 

"أنا آسفة"

تذكرها وقد نساها

التفت..

الدموع التي لا تتوقف، كست عيونها

هي السبب، هي من أفسدت كل شيء بينهم..

ظنتها عاهرة 

لا يمكن أن تفكر بها هكذا، هي ليست كذلك..

انهارت بالبكاء، كفيها أخفا وجهها، فقط صوت النحيب 

لا يعلم كيف سيطر القلب الطيب عليه بعد الغضب الذي كان يتملكه بسبب امرأة كانت شيء بحياته

رفع يداه، لمس ذراعيها، أحنى وجهه عليها، تبدلت نبرة الصوت للحنان "توقفي عن البكاء، ألا تفعلين شيء آخر سواه؟"

لم تبعد يداها، غاضبة من نفسها، هو الحنان وهي الجنون، هو الحامي وهي المتمردة، هل غفر لها؟

لمسته مست شيء داخلها، دفء ذراعيها مس شيء داخله

هل حدث شيء بينهما؟

بقلب الكاتبة.. تتمنى 

"أنا لا أستحق ما تفعله لأجلي، أنا السبب بغضبك وغضب زوجتك، أنا آسفة، آسفة"

قلبه الطيب يرتجف، نظراته لا ترغب برؤية هذ الانهيار على وجهها الجميل "هي ليست زوجتي"

أبعدت يداها، أشرق نور الصباح بشمسه الدافئة أمامه، خطفته، أحيت ما مات بسبب امرأة لا يرغب حتى بتذكرها

لم تحرر نفسها من يداه ولا هو تركها أو أبعد وجهه القريب منها

قصيرة، صغيرة.. لكن لا يهم

ظلت النظرات متقاربة، والصمت لغة مختلفة، أفضل من مليون كلمة

بلا وعي رفع يده لوجنتها، لمس البشرة الحريرية، مسح الدموع الكثيرة. 

توقف القلب لحظة عن الدق وكأن صدمة ضربته ثم فجأة نبض بجنون 

شعور غريب لمسهم، كلاهم يختبر مشاعر جديدة

صفوان لم يعرف ماذا يحدث له!؟ لم يقترب من أسما وقت الخطوبة كلها ولم تفعل به اللمسة ما يخيفه الآن. 

ارتجاف جسدها بلا شعور بالبرد كان غريب عليها، ذلك الشاب الذي كانت تعرفه، ما اسمه؟

نسته، نست حتى ملامحه، تلك الخضراء التي تطل عليها من هذا الارتفاع الشاهق، تسحرها، تسقط تعويذة غير واضحة عليها تجعلها ترضخ سمعا وطاعة

لماذا يشعر وكأنه على وشك الدخول برحلة مليئة بالدهشة والترقب؟ 

شعور جعله يرى العالم بشكل مختلف بوجودها، كأنها فجأة أصبحت العالم كله والغريب أنها تشعر نفس الشعور

لحظة اكتشاف وجود أنت في أنا وتغير مسار الحياة. 

الحب يبدأ بنظرة، بكلمة، أو حتى بشعور لا يمكن وصفه، ويصبح هو بداية لكل شيء جميل

زاد الاقتراب بلا وعي من كلاهم، قوى مغناطيسية تجذب كلاهم للآخر

ما هي تلك القوة؟ ما سببها!؟ 

لا يهم الرد، فقط الشمس جعلت الخضراء تزدهر وهي ثابتة عليها 

رحل الهواء من بينهم وانتهت المسافة وأغمضت عيونها عندما هبت أنفاسه على وجهها وبانتظار أول قبلة توقف كل شيء.. 

عاد الهواء... 

توقفت الأنفاس من الفزع وهاتف يرن بقوة يقطع لحظة الاقتراب الأولى

تراجع، انفلتت يده من على وجنتها..

فتحت عيونها لتواجه نظراته..

لم يهتم بهاتفه وهي ظلت ترفع وجهها وتلتقي بنظراته ووجهها متورد

الدموع تبلل رموشها لكن لا تسقط، توقف الحزن ورحل الألم

صمت حل بينهم...

وهي تفيق مما كانت به، ضائعة، لا تفهم ما الذي حدث، تراجعت خطوات دون ترك نظراته

لا يفهم، لا يستوعب، لا يصدق ما كاد يفعله

المدللة؟ المجنونة؟ أخت الريس

التفتت وبلا إنذار أسرعت تفتح الباب وخرجت لا تعرف إلى أين؟

البرد واجها بمجرد أن تخطت خارج باب الفندق..

توقفت.. رأسها تلف هنا وهناك

لا تفهم، لا تعي لا تدرك شيء عما يحدث لها..

اختلاط الوجوه، تخبط الأجساد بها

تحرك رجلان تجاها لا تعرفهم، لا تفهم ما الذي يحدث إلا عندما اختلطت الأصوات بضوضاء مرتفعة 

ذراع قوية تلتف حولها تجذبها لجسد صاحبها الصلب والقوي

صراخ من هنا وهناك وصوت..

طلق ناري..

بلحظة كانت تسقط على الأرض لكن محمية من أي صدام بالجسد القوي وسيارة تحميهم، تخفيهم واستوعبت ما يدور

**

ما أن خرجت مسرعة حتى أفاق العملاق من الذهول وتبعها بلا تفكير

لن يتركها وحدها، تلك المتهورة لا تدرك ماذا تفعل بنفسها

ما أن وصل للبوابة الزجاجية حتى لمح الرجل بالسلاح خلف آخر على سكوتر يمر من أمام الفندق فاندفع لها ولفها بذراعه وسقط بها على الأرض وسلاحه بيده لكن الرصاصة أصابت السيارة وهو اعتدل ليصوب لكن الرجلان فرا هاربين..

**** 

فتحت الفانيليا الباب دون أن تدق لتراه يضع رأسه بالشاشة فابتسمت، تكاد تكره الساعات التي يبتعد فيها عنها، تريده معها بكل لحظة، دقيقة، ثانية لتعوض معه ما لم تعيشه

رفع رأسه، شعر بها، رائحة الفانيليا احتضنته

تراجع بالمقعد وهي تمنحه ابتسامتها وتتحرك له "الريس مشغول!؟"

وصلت له، لفها بذراعه وهي تستقر بمكانها على ساقيه وتمنحه شفتيها وذراعيها تستقر حول عنقه 

"اشتقت لي؟"

أبعد خصلاتها المتطايرة حول وجهها "أكثر مما يمكنك التخيل"

وضع قبلة على شفتيها "كان من المفترض أن ترتاحي بالبيت ملاكي"

"أنا بأفضل حال وجميلة كانت بحالة سيئة، بالطبع الريس يعرف"

سكنت ملامحه وبدى أن المدللة وجدت سبيل جديد، زوجته "تستحق"

داعبت لحيته وهي تحب ملمسها ثم رفعت عيونها للزرقاء "هل تظن أن الأمر صواب؟ صفوان لن يتحمل صدمة جديدة"

دفع يده بعنقها وأصابعه تداعب مؤخرة رأسها وشعرها يسكن بين أصابعه "الديبة تسأل؟"

ضحكت فابتسم لها وحدها ..

"يعجبني اللقب يا ريس، هيا هارون تحدث"

جذب وجهها له ونال قبلة وتحدث على شفتيها "هي بحاجة لمن يوقف جنونها ويمنحها الحنان، صفوان يفعل وبطريقة تذهلني"

"وصفوان بحاجة للحب هارون، أسما كانت كذبة جرحته وتألم كثيرا بسببها"

قبلة أخرى على فمها كانت تمنحها الحياة "هو سيعلمها كيف تحبه صغيرتي"

"كما علمتني أنت حبيبي"

نعست نظراته عليها، أنفاسه الدافئة تحط بهدوء على بشرتها الناعمة، عطر اللافندر يأخذها لعالمه "أنتِ الحب ذاته صغيرتي"

وسكنت شفاهه على شفاها بقبلة طويلة بطعم الحب، الشوق 

الغرام..

دقات قوية جعلته يقطع قبلتهم ويرى أنس يندفع "هجوم مسلح لكن تم التعامل معه"

ساعدها لتقف وهو بجوارها وكلماته هادئة "أين؟ من المقصود؟"

"أمام بوابة الفندق و.."

تحرك تجاه أنس حتى وقف أمامه "وماذا أنس؟ أجب"

"المقصود كان جميلة وصفوان أنقذها"

تحرك ليخرج لكن صفوان كان يحمل الفتاة التي فقدت الوعي بين ذراعيه وتحرك بها للأريكة

فتحت عيونها وليال تضع لها بعض العطر وتناديها "جميلة، جميلة هل أنت بخير؟"

رمشت مرة واثنان ومن خلف ليال الوجوه تعددت والنظرات مليئة بالقلق "نعم، هل صفوان بخير؟"

اهتز جسده، هل تهتم به حقا؟

تحرك هارون لمكتبه وجلس وهو يمنح كلمات بسيطة "مروان لا يخسر وقت"

التفت له صفوان "مروان!؟"

وضع هاتفه على أذنه وتحدث "مروان الزيني، أريده"

وترك الهاتف وهو يعود لصفوان "عمها صفوان، هو يظن أن أوراق بوليصة تأمين على الحياة مع خديجة وهو يرغب بها كي ينال المال"

الكلمات ترددت ولا أحد كان يفهم لكن من بين الكلمات تتضح المعاني..

لمسة يد جعلت ليال تلتفت لها وساندتها لتجلس وعادت لها العيون الخضراء والزرقاء وكل عيون موجودة 

"أريد ماما"

انخلع قلبه رغما عنه، المنفذ فقد قوته أمام المدللة، أراد أن يكون مكان ليال ويلفها بذراعيه، يمنحها الحنان الذي ترغب به الآن لكن..

"اهدئي جميلة أنت بخير" وضمتها ليال لها والفتاة تبكي بلا صوت

"ما أن يأتي به الرجال حتى نراه أولا وبعدها نتخذ القرار"

صفوان لم يفكر "هو ميت هارون، هذا هو القرار"

ضاقت عيون الريس، سكنت سحابة فوق الزرقاء أخفت أسراره خلفها.. 

لا أحد يراجعه بقراره لكن صفوان فقد السيطرة

المجنونة كادت تضيع..

أنس من تدخل "حسنا صفوان فقط تهدأ الأمور وبعدها نتحدث"

ونظر للفتاة، لا حديث أمامها فابتعد لا يرغب برؤية ضعفها وهو عاجز عن فعل أي شيء على عكس الريس الذي تحرك لزوجته وأخته 

"البيت أولا، هيا"

ساعد زوجته وأخته وصفوان مقيد بجنازير، أراد أن يحملها مرة أخرى، يلفها بأحضانه.. أي جنون هذا الذي تفكر به يا عملاق؟ 

*****

الوقت لم يكن مناسبا لأي شيء، ظلام حالك اخترقه صرخة قصيرة قطعت هدوء الليل وسكون القصر

ليال..

صوتها وهي تحاول التقاط أنفاسها وهي تقبض على بطنها مزق كل شيء..

الألم زاد فجأة، أقسى من المعتاد، هب من نومه على صرختها وانتفض على صوتها "أنا متعبة جدا"

وكان القرار

القصر كله استيقظ، الجميع يهرول، يتنفس، حتى الجدران تنفست بصعوبة وهو يحملها وكلماته صارمة 

"السيارة.. بسرعة"

نفس المشفى وهو اقتراح أنس ولم يجادل

بالسيارة سكنت بين أحضانه أنفاسها متلاحقة وحبات العرق تملأ جبينها، شاحبة

ألاء تتبعهم بسيارة أنس مع جميلة، صفوان يقود بجنون والقلق سكن قلبه قبل عقله على أخته وزوجة أخيه

بالمشفى، تغير كل شيء بسرعة..

أطباء بكل مكان، تلك الممرات المخنقة، أوامر قصيرة ووجه ليال شاحب أكثر مما يحتمل قلبه

ظل جامدا مكانه، نظراته على باب الغرفة التي دفعوها داخلها، كل عقله بالمرأة التي سلمها قلبه ولم يندم

لا يمكنه أن يفترق عنها مرة أخرى، حبهم قصة تحكى هنا وهناك..

خرج الطبيب عابسا وهارون لا يتحرك والرجل يواجه قتامة نظراته "هناك شيء خطأ سيد هارون، نحن نشتبه بمضاعفات وراثية.. مما قد يعرضها لنزيف وتصبح حياتها وحياة الطفل بخطر، نحتاج تاريخا صحيا من جهة العائلة"

تجمد الريس..

من جهة العائلة.. الكلمة وحدها كفيلة بإعادته سنوات لا حصر لها للخلف 

هو بدون عائلة..

"أي عائلة؟"

سؤال بصعوبة خرج ولا يرغب بسماع الإجابة "عائلة الأب، أنت سيد هارون"

أنس، ألاء، صفوان، جميلة.. 

الكل ليس لديه سوى إجابة واحدة..

خديجة..

لكن ليس هو..

هو لن يلجأ لها، بالنسبة له هي ليست ملاذا

هو ليس جاهزا للاعتراف بأمومتها، لا أمام نفسه ولا أمام العالم 

هو فقط أغلق بابها داخليا ولا يرغب بفتحه

من داخله جملة تتكرر "المرأة التي تركتني وأنا طفل لا تحميني اليوم"

لم يكن يبحث عن أم.. كان يبحث عن أمان

ولا، لن يدق أبواب الكبير، لو فعل سيكون ابنه وهو لن يعترف بذلك وحاليا هو يحتاج أن يكون زوج لامرأته والذي عليه إيجاد الحل

والكبير ليس الحل، ولن يفكر به، ليس تجاهلا،  بل لأن العقل لا يستدعي من لم يكن حاضرا يوما

الاثنان خذلوه بلحظات الاحتياج لم يكن أيا منهما موجود لذا لن يلجأ لمن خذله بل يلجأ لمن اختاره هو لا لمن فرض عليه

بعض الأبواب إن طرقت الآن، لا تغلق أبدا..

ابتعد عن الدائرة فجأة

تاركا الطبيب والباقين في حالة ذهول وعقله لا يتوقف عن التفكير ليس كابن ولا كرجل مجروح بل كزوج وأب لذا لابد من إيجاد شخص هادئ، خارج الصراع، لا يطالبه بشيء

الهاتف بيده والاسم يتردد بعقله، صديق قديم، ذراعه الأيمن قبل صفوان، وافترقت الطرق بينهم لكن والصداقة موجودة لم تنتهي

الرجل الذي كان يعرف كل أسراره الجيد منها والسيء، حضر انهياراته قبل انتصاراته، يعلم أنه لن يحاسبه ولن يطالبه بأن يكون قوي

هو الملاذ الآمن بدلا من الكبير، أو ربما هو الرجل الوحيد الذي لم يكن بديلا عن الكبير بل هو الشعور بالأمان بعيدا عن أي تنازل

"لا أصدق أني أسمع صوت الريس"

رفع رأسه والصوت يقلب عليه ذكريات مؤلمة لكن لن يمكنه أن يمحوها، لم يرد فورا لكن..

صوته خرج أخفض مما اعتاد "تعلم أنك بمكان خاص آمن"

ضحكة خافتة يعرفها وصلته "أعلم يا ريس"

قلبه انقبض لامرأته التي بين الحياة والموت هي وابنه، أغمض عيونه واستدرك الطريق الذي اختاره "زوجتي تلد وهي في خطر"

ساد صمت قصير، لم يثقل اللحظة، لم يحمل دهشة ولا أسئلة "أسمعك هارون"

ما زالت عيونه مغلقة، لا يرغب برؤية شيء سوى ضحكتها التي ارتسمت بمخيلته وسماع صوتها "أنت ريس قلبي وروحي"

"لا أرغب بأحد يسألني عن شيء، لا يفكرني من أنا"

الصوت الهادئ يشبهه كلاهم، كان بنفس الطباع لكن الريس لن يكون سوى ريس نظيف وآمن اختار مكان آخر رفضه وافترقا وهم أصدقاء 

"لا تقلق، أخبرني ماذا أفعل وسأفعله لأجلك"

زفر ببطء، كأن الهواء عاد لرئتيه "أحتاجك بالمشفى، تضبط كل شيء، أرغب بأن أكون بجوارها فقط"

الرد كان حاسم وبلا نقاش "لا تقلق، أنت لست وحدك يا صديقي"

وانتهت المكالمة

نظر للهاتف ثانية، اسم الكبير ما زال موجود لكن هناك ذاكرة لم تلتئم، أغلق الهاتف وأسقطه بجيبه.. ليس هروبا..

لكن

بعض المعارك لا تخاض بنفس الليلة.. 

تحرك بخطوات ثابتة للداخل مواجها العيون التي امتلأت بالتساؤلات ولكنه لم يجيب وهو يفتح باب غرفتها ويدخل وقد عرف لماذا هاتف آمن

لأن هذه المرة .. لم يحتاج عائلة، كان يحتاج أمانا..

***** 

تحرك صفوان تجاه المجنونة، كانت منكمشة تستند على الحائط، متعبة، مشتتة الذهن لا تعرف ماذا تفعل؟

رأت والدتها منذ قليل، الطبيب حذرهم من سؤال خديجة عن السجل الوراثي، المرأة مريضة قلب ولن تتحمل أي ضغط نفسي أو قلق على حفيدها

بكت بصمت أمامها لم تخبرها سوى أنها بخير، لم تخبرها أن مروان حاول قتلها أو أن صفوان أنقذ حياتها.. لم يعد العملاق المتوحش بل أفضل رجل بالعالم، الظهر، السند

الأمان..

"هل أنتِ بخير!؟"

فتحت عيونها على صوته العميق.. نظراته حملت لها العديد من المعاني ولأنها صغيرة وبلا خبرة لم تفهم سوى معنى واحد، القلق

بظهر يدها مسحت دموعها وهي تعتدل وتخفض نظراتها عنه..

تلك العيون تفعل بها الكثير، تجعلها ضحية ضعيفة واهنة وبذات الوقت قوية جدا، تضاد غريب لفتاة لم تفهم حتى نفسها

"نعم"

ثم هزت رأسها بالنفي فجأة وانهارت مرة أخرى "لا، لا لست بخير"

تقطع قلبه وتمزق لفتات لتلك العيون التي لم يراها سوى وهي باكية

ترى لو ضحكت أو مزحت كيف ستكون؟ 

لم تعد لديه إجابات لأي أسئلة وهو لم يعد يسأل فقط أراد أن يكون معها، يحميها، يضمها له، يوقف تلك الدموع بأي شكل لكن..

"هل تهدئي، أنا.. أقصد كلنا معك"

رفعت عيونها المشرقة له، ليتها تظل مشرقة بلا ظلال الدموع، نظراتها استكانت على الخضراء المشبعة بالحنان

ليال لا تقول عنه سوى القلب الطيب وهو ما رأته منه..

تلك المرأة، زوجته السابقة، غبية، لا تقدر قيمة الرجل الذي كان معها..

"ماما، ليال، أنا لا أعلم ماذا يحدث!؟ أنا أحب ليال جدا، والله أحبها وهي لا تستحق ما يحدث لها"

نفخ، أدار رأسه يمينا ويسارا ويده تتخلل شعر رأسه، عاجزا عن فعل أي شيء

هارون يأخذ الصمت، يتصرف بعيدا عنهم وهذا يغضبه، لا ينكر أن هارون له طرقه الخاصة بعيدا عنهم لكن تلك الأمور هم بها معا

"ستكون بخير، فقط يعرف الأطباء المشكلة وبعدها ستكون بخير"

مرة أخرى اليد الرفيعة تمسح الدموع لترتفع له بوجهها الصغير والجميل "كان بإمكانه سؤال ماما"

"الطبيب رفض هذا الحل أمامنا وهارون لم يكن ليفعل ذلك، جميلة هارون لم يمكنه أن يغفر لهم ما فعلوه به"

تفهمت، من كل ما سمعته وعرفته عن هارون أدركت أن الرجل ليس من السهل أن يسامح من باعوه طوال عمره، الآن لن يسامحهم لمجرد أنه بورطة..

"أشعر أني بعيدة عنه جدا وأحيانا أخرى أخاف منه"

أحنى رأسه ليصل لوجهها وهي لا تترك نظراته..

لا تعرف متى أصبحت ترغب بالنظر له بلا توقف؟ ولا كيف تعلقت بوجوده بجوارها بذلك الشكل؟ 

أصبح الأمن والأمان والاستقرار

"هارون أكثر الرجال شجاعة وقوة وإخلاص، يحب بصدق ويحمي عائلته بروحه وأنتِ عائلته ولن يضرك أبدا"

أدركت لماذا غضب هارون منها عندما أغضبت صفوان "أنا آسفة مرة أخرى عما قلته بذلك اليوم"

ظل وجهه ثابتا بلا أي تعابير، يفهم ما تقول ولكن هل حقا سعيد باعتذارها؟

"لا تعتذري، ما قلته كان الحقيقة"

وأبعد وجهه وكاد يبتعد لكن يدها لمست ذراعه

أوقفته..

صعقته بلمستها فارتد وجهه لها وهي تواجه نظراته المظلمة "أنت لست كذلك، ليس بالنسبة لأخي ولا، ولا بالنسبة لي"

وتعالت الدقات

عاد القلب للحياة.. 

هل من حقه فرصة أخرى؟ 

حتى لو، هل يصح أخت الريس؟

نظر ليدها التي تلمس ذراعه وهي لم تبعدها فعاد لعيونها "أنتِ أخت الريس"

لا.. 

هي جميلة..

فقط جميلة التي لم تظن أن لها أخ مثل هارون ولا يهمها الآن سوى.. ماذا؟ 

ماذا تريد؟ 

بل يريد قلبها وقلبها يريده "أنا جميلة فقط"

هو يعلم لكن ما زال هارون بينهم

"وما زال هارون أخيك، شئنا أم أبينا"

وتركها وذهب وسقطت يدها بجوارها وسقطت معها دموعها..

هو يغلق الباب بوجهها، يخبرها أن أخيها يقف حاجزا بينهم، هل هناك بينهم؟

نعم.. هناك شيء ما.. 

هناك ما جعله يفديها بنفسه وينقذها من الموت، هناك ما جعله يحميها مرة واثنان وثلاث..

هناك ما لم تدركيه يا مجنونة..

باعتراف الكاتبة.. 

هناك غرام..

**** 

هدأ الألم.. سكنت التقلصات بفعل المحلول المعلق أو ما فعله الأطباء معها، المهم أنها ارتاحت

لمسة على يدها جعلتها تنطق "هارون"

ولفت وجهها لتنظر له، تعرف لمسته دون أن تراه

انحنى ورفع يدها لفمه، قبلة دافئة جعلتها تطمئن لوجوده "كيف تعرفين أنه أنا صغيرتي؟"

التعب ظهر بوضوح على ملامحها، تعب مختلط بالخوف على طفلها "قلبي هو من يعرفك هارون، يشعر بك ولو من بين آلاف الرجال"

وضع قبلة على جبينها وقلبه لا يتحمل كل هذا الحب منها كما لا يتحمل ما تعانيه "أنا لا أستحق كل هذا الحب"

ضغطت على يده "ومن يستحق إن لم تكن أنت حبيبي؟ هل سيكون بخير؟"

تألم للألم الذي بدى بنبرة صوتها، هي تخوض المعركة وحدها وليست كل المعارك تنتهي بالنصر 

لم يخف بحياته، لم يخف حتى من الموت لكن.. 

منذ دخلت حياته أصبح الخوف رفيقه، يخاف عليها والآن على طفلهم أيضا

"نعم حبيبتي، الأطباء لديهم حلول طبيبة لكل شيء"

"هل سألوها؟ خديجة!؟"

تجهم، سكنت أنفاسه لحظة ولمست برودة بيده، ليتها ما سألت "لا تفكري بالأمر، هناك من يهتم بتلك الأمور، المهم أنتِ"

"لو لم أنجو..."

وضع أصابعه على فمها "لا تفعلي، تلك الكلمات نندم عليها فيما بعد، فهي جعلتك تتألمين يوم نطقت أنا بها وندمت عليها ليال ولا أرغب بأن تندمي، لن تتركيني ليال، لا حياة لي وأنتِ لست بها"

ابتسمت بتعب..

وجهها الشاحب يمتص الروح من داخله، يوقف قلبه عن نبضاته، يأكل النور من حوله.. 

أنا لا وجود لي بلا ملاكي

"كلماتك تمنحني القوة والشجاعة على مواجهة الأمر"

عاد ليدها، يضع عليها قبلة عميقة تحمل كل القلق والخوف والألم الذين تجمعوا دفعة واحدة داخله وكأن جدران العالم كله تساقطت فوق رأسه دفعة واحدة 

"وامرأتي قوية، الديبة تواجه كل الصعوبات بقوة وشجاعة وهي تعلم أن الديب بظهرها يحبها ويعشقها لآخر نفس من حياته"

دخول الطبيب أوقفهم عن متابعة كلماتهم، واعتدل هارون دون أن يترك يدها والطبيب يقف أمامهم ونظراتهم تواجه عيونه الغارقة بالأسود 

"بعد الاطلاع على كل شيء، لابد من اتخاذ القرار"

ضغطت يدها يده، أدرك مخاوفها ومنح الطبيب اهتمامه "الذي هو؟"

حامت عيون الطبيب عليها مرة وعلى الريس مرة حتى نطق "لابد من ولادة مبكرة، لا يمكن المجازفة، لدينا مضاعفات وراثية وخطر نزيف وبالطبع الضغط النفسي، لذا لابد من إخراج الجنين بأقل خسائر ممكنة"

حالة من الرعب هيمنت عليها، أخذتها لظلام، متاهة لا تعلم كيف تخرج منها

الريس ثابت، داخله ثورة المحيط، نابضة بزرقاء مقلتيه "وماذا؟"

الكلمة خرجت منه صارمة، هزت الطبيب رغما عنه "قيصرية طارئة ولكن قبلها سنرى وضع الرئة للجنين فلو كان وقته سمح سنتعجل الولادة وإلا سنضع أدوية لتسريع نضج الرئة"

سقطت دموعها، لا قوى تسكنها الآن حتى وهو بجوارها يمسك يدها.. 

انهيارها تأخر كثيرا، انتظر حتى عاد هو والآن تتمنى وصول الصغير الذي تدعو أن يصل بسلام

"افعل الصواب دكتور"

تنهد الطبيب ومنحهم هزة من رأسه وتحرك خارجا دون مواجهة وظلت صامتة.. 

كعادتها وقت الشدة.. قوية

الديبة لا تنهار.. هارون على الحافة.. يمشي على النصل الحاد للسيف وعليها أن تؤازره لا أن تكون عبئ عليه.. 

وطفلها بحاجة لها قوية

الأمومة تفرض واجباتها عليها.. حماية ابنها حتى آخر نفس من أنفاسها

ستخوض المعركة وستفوز، ستنجو بطفلها وتمر به من عنق الزجاجة.. ستحمله وتعبر به بحار، محيطات حتى ولو صعدت الفضاء.. ستفعل

ريح خفيفة دافئة هبت على وجهها جعلتها ترفع رموشها المبللة بدموع رفضت أن تحررها، لا مكان للضعف عند ليال هارون الديب 

"ليال.."

لم يكمل لأنها قاطعته "سأفعل أي شيء حتى يكون بخير"

رأى القوة على وجهها، حتى الدموع لم تكن تعني الضعف بل الشجاعة

لا تراجع ولا استسلام بوجه امرأة هارون الديب..

"طالما لديه أم قوية مثلك سيكون بخير، كلاكم سيكون بخير"

وضمها، أغمضت عيونها وأحضانه تمنحها السكينة..

تؤازر قوتها..

يخبرها أنه معها لنهاية العمر

           الفصل السادس والاربعون من هنا

تعليقات



<>