
رواية غرام في العالم السفلي الفصل السادس والاربعون46 بقلم داليا السيد
لن تندمي؟
خرجت جميلة من العناية، والدتها بدأت تستجيب واليوم تحدثت معها قليلا لكن ما زالت حالتها غير مستقرة
جميلة لم تخبرها أي شيء، ولا عن ليال والطفل
نادت خديجة الممرضة "أريد ابنتي قبل أن ترحل"
ابتسمت الفتاة وقالت "هي لن ترحل فهي موجودة بالخارج مع الرجل الذي زارك منذ يوم أو اثنان"
رحلت ابتسامتها الهادئة.. حاولت الحفاظ على دقات قلبها المريض ثابتة، من الرجل الذي زارها وماذا تفعل ابنتها هنا معه؟
"أي رجل!؟ وماذا تفعل معه؟"
والفتاة بلا سوء نية وصفت لها هارون وكيف أتى وظل واقفا أمام فراشها
سقطت منها دموع لم تشعر بها، لم تواسيها أو تمنحها أي رأفة..
أتى ورآها ورحل دون أن تراه أو تتحدث معه
لم لا يكون ذلك أول الخيط!؟ لم لا يكون بداية الأمل؟
الشيطان تلاعب بعقلها.. لو كان كذلك لأتى مرة أخرى أو على الأقل منحها أي كلمة أو تلميح ..
لكنها كأم لم تستسلم للشيطان بل لمشاعر الأمومة.. قلبه سيرق لها بوقت ما لكنها لن تتعجله فما رآه بسببها يستحق أن تتحمل لأجله الكثير..
لم تسأل عن سبب وجود جميلة معه بل ظنت أنه لم يتركها وحدها وهذا جعل قلبها يرقص طربا، ابنتها الآن لم تعد وحدها بل مع أخيها ولن تشعر بأي خوف عليها بعد الآن
****
الخوف تسرب لألاء، هي الأخرى حامل، هل من الممكن أن تعاني هكذا بيوم ما؟
"لا يرغب بالحديث مع أحد"
رفعت وجهها لزوجها، جعلها تجلس لترتاح، رحل لرؤية هارون ولكن ها هو يعود والتذمر بادي على وجهه
"ماذا!؟"
ظل يحدق بباب غرفة ليال وهي تدرك القلق الذي يأكله عليها، تعلمت على مدار الشهور الماضية ماذا تعني ليال له؟
"هارون، يرفض أن يسمعنا أو يخبرنا ماذا فعل بأمر التاريخ المرضي للعائلة"
لمست يده فأسقط نظراته عليها، منحها الاهتمام رغم التوتر ونظراتها الهادئة منحته رفقة داعمة
"ربما لديه طرق خاصة"
ظلت يده جامدة، لم يقبض على يدها بل تجهم..
هارون لديه طرق عديدة لكن زوجته هي من ترقد بالداخل وبحاجة لحل لا للهروب لأجل أسباب يمكن التفاهم بشأنها..
"أنس ماذا قال الطبيب؟"
عاد لصفوان الذي بدا متجهما
ما بالهم جميعا؟
لا شيء جيد يمر بهم..
ألم وحزن يبدو بالعيون
حتى صفوان، رغم ما بدا بينه وبين جميلة إلا أنهم الآن متباعدان، لا يقف أحدهم مع الآخر ولا يتبادلان حتى نظرات
"لو رئة الجنين مكتملة سيعجل بالولادة، هل أخبرك ماذا فعل بموضوع التاريخ الوراثي؟"
أبعد وجهه لباب الغرفة هو الآخر، لم يتحدث معهم منذ سقطت كلمات الطبيب عليهم كالصاعقة وكل ما فعله هو تركهم يضربون أخماس بأسداس..
ألا يرى أنهم إخوته ويخافون على ابنه وعلى ليال؟
ألا يدرك مكانته لديهم؟
لماذا تجاهلهم وتصرف بعيدا عنهم؟
قبل أن يبحث عن إجابة غير موجودة خرج هارون..
تحرك صفوان وأنس يتبعه تجاهه، حاصروه، لم يمكنه الفرار منهم..
لكن الريس لا يهرب من أحد
أنس ألقى قلقه بوجهه "كيف حالها؟ وإلى ماذا انتهيت؟"
ضاقت الزرقاء على أنس، يعلم الأسئلة التي تدور داخل كل واحد منهم، بسرعة انضم رشدي تتبعه أحلام بحملها والقلق واضح على ملامحها
"هارون، كيف حال الباش مهندسة؟"
ظلت نظراته تواجههم، الأسئلة واضحة وهم بانتظار إجابات "هدأت، بانتظار الفحوصات وبعدها ستكون ولادة مبكرة لإنقاذ الإثنين"
أحلام فزعت، تحب ليال وهارون وباقي العائلة "أرغب برؤيتها"
التفت لها، رؤيتها تذكره بسعد، ابنه الذي كاد يدفع حياته ليثأر له "نائمة"
لم تهتم لكلماته وتحركت للداخل ولم يمكنه الاعتراض بل رأى ألاء تتبعها وصفوان يحدق به فسأله "أين جميلة؟"
شحب وجه صفوان لتوجيه السؤال له مباشرة وتاهت منه الكلمات، ابتعد عنها عندما وصلا لمفترق الطرق..
أخت الريس
نقطة وانتهى السطر بل وانتهت كل الصفحات..
زاغت نظرات العملاق، كان يخجل من مجرد إدراك هارون أن هناك شيء، أي شيء بينهم
"لا أعلم"
اعتلى الظلام عيون الريس، سكن الغموض مكان الهدوء ونظراته تتفحص وجه صفوان الهارب منه حتى قاطعه رشدي "بابا هنا، يجري بعض الفحوصات، سأراه وأعود لكم"
لم يرد أحد فقط صمت لفهم حتى قطعه أنس "ماذا عن التاريخ الوراثي هارون؟"
ابتعد حتى المقاعد المرصوصة، جلس وتبعه الرجلان وهما يتبادلان النظرات وصفوان يعيد السؤال بطريقة أخرى "هل عرفت شيء؟"
لم يواجه أيا منهما فقط ظلت نظراته للحائط المواجه له، كلما تقدم أحدهم من تلك المنطقة يجد حائط سد لكن الريس يدرك كيف يوقف أي جنون داخله، شيطانه يتمرد أحيانا، يخطئ، يسقط لكن سرعان ما ينهض أقوى وأقوى
"المشفى عرف ويتعاملون مع ليال، الولادة كما قلت ستكون مبكرة، قيصرية"
أنس لم يطيق صبرا، الريس يلف بحلقة مفرغة "هل سألت الكبير أم.."
لف وجهه له فأوقف أنس عن الإكمال "أنا لم أسأل أحد أنس ولن أفعل"
لا أحد تمكن من خوض تلك المعركة معه، الكل انسحب أمام تجهمه، غضبه الواضح بنبرة صوته عند ذكرهم
لكن صفوان أراد إطلاق سهم واحد لأرض المعركة "عليك أن تفعل لأجل امرأتك وابنك، ألا تتخلى عن كبرياءك لأجلهم!؟"
استراحت نظرات الزعيم على ذراعه الأيمن، نظرات خطرة، تحمل تحذير هادئ، ممنوع الاقتراب..
"يمكنني إنقاذهم دون التخلي عن كبريائي صفوان، وقد فعلت"
اسود وجه العملاق، أدرك أن صافرات الإنذار انطلقت بوجهه لأنه اخترق منطقة خطر "هارون، هما والداك مهما حاولت إنكار ذلك"
هل يتألم؟
الحقيقة دائما مؤلمة..
هما والداه لكن هو لن يكون ابنهم..
"أنا ليس لي والدين صفوان، هذا ما عشت عمري كله عليه، لن يتبدل شيء الآن"
مدير الملجأ كان دائما يقول "كي تعيش مرتاح في هذا الكوكب العجيب، عليك أن تتعلم فنون القسوة وأن تمتلك قلبا كالحجر"
عاش وهو يردد تلك المقولة بذهنه لكن.. هل حقا أصبح يملك قلب من حجر!؟
من قلب الكاتبة ..
يا ريس أنت لا تقسو على الآخرين، أنت فقط تقسو على نفسك
يقال أن الأحزان تصهر النفوس، تخلصها من القسوة والكبر والغرور وتجعلها أكثر رقة وتواضعا
وأنت عانيت الكثير والكثير من الأحزان
أنس واجه صديقه "أنت لست بتلك القسوة التي تتجمل بها"
ثورة المحيط تتعالى داخل المقلتين.. هو لا يتجمل هو يتألم وشتان بين الاثنان..
"بعض القسوة لذيذ أنس، أحيانا لا يبقى سواها بخزانة الأدوية"
صفوان يتألم لرفيقه، هو الآخر عانى من والده كثيرا لكن..
ما زال من داخله يرغب بأن يكون له والدين يتمنيان رضاه "القسوة ليست دائما عنوان القلوب الميتة كما تحاول أن تدعي هارون، فبعض القلوب الطيبة تقسو فقط لأنها مجروحة، وقلبك قلب طيب يا صديقي"
ظل يواجه صديقه، هل يظنون به ذلك؟ أن قلبه طيب؟
"وأنت تحبني أكثر من اللازم صفوان وتلتمس لي الأعذار"
وكاد ينهض لكن أنس تدخل "ليس وحده من يحبك هارون، أنا كذلك، زوجتك، أحلام، رجالك كلهم، كل موظفيك، أنت لا تعرف قيمة نفسك جيدا يا رجل"
سكنت نظراته عليه..
وصول جميلة أغلق الحوار، توقفت أمامهم، صفوان أبعد وجهه، ولا أحد نهض وهي تسأل "كيف حال ليال؟"
زاغت نظراتها غصبا تجاه العملاق لكنه لم يبادلها النظرة والريس يمنحها نظراته "أين كنتِ؟"
توردت، جف حلقها، لم تعتاد تلك الطريقة "عند ماما"
وتحركت لكنه نهض ولمس ذراعها وتحرك بها "هل تدركين ما تعرضتِ له بالأمس جميلة؟"
كانت تتحرك معه ونظراتها عالقة بجانب وجهه "نعم، لكن أنا.."
أوقف كلماتها "عليكِ إدراك أنه قد يتكرر مرة أخرى لأن مروان لن يتوقف، هذا حتى أجده"
كان قد ابتعد عن رجاله، وقف فجأة والتفت مواجها لشمسها المشرقة بالقلق والفزع..
المرة السابقة التي انفرد بها كان ثائرا.. غاضبا ومخيفا وما زالت تخاف منه
"هذا يعني أن تظلي بجواري أنا أو أحد رجالي طوال الفترة القادمة، وأظن صفوان الأفضل، أنقذك من الموت رغم كلماتك له"
المتمردة فقدت قدرتها على التمرد أمام الريس، لم يمكنها الصياح بوجهه وإخباره أنها حاولت الاعتذار لكنه رفضها لكن..
"اعتذرت له"
رفع رأسه لكن ليس عيونه وهو يتابع تورد وجنتيها والدموع النابضة بعينيها محاولا أن يفهم أين المشكلة؟
"و..؟"
أيضا لم تنظر له وهي تذكر كلماته "قال أنها الحقيقة وأنني أخت الريس"
لم يرد، يفهم وجهة النظر والتي لا تعجبه.. لكنها واقع
واقع غير مفروض على أحد قبوله بل يمكن تخطيه، من حقهم فرصة لحل مشاكلهم سويا دون تدخل منه لذا ثبتت خطواته هنا ولم يتقدم خطوة
"هذا يوقفك!؟"
والتقت بنظراته المغلقة، لم لا يكون بسيطا يمكن قراءة دواخله؟
لماذا عليها أن تعاني كلما وقفت أمامه كالتلميذة أمام الناظر؟
"لا أفهم"
"هل كونك أختي يوقفك عن شيء ترغبين به؟"
السؤال بأبسط الكلمات وهي ما زالت لا تفهم "أنا لا أرغب بشيء، أنا لم اعتاد على أني أخت الريس وأن عليّ اتباع طرق وقواعد محددة"
سؤاله اتجه عندها لمسار مختلف ومع ذلك تركها تسير به، سيأتي يوم وتفهم..
"مع الوقت ستفعلين، فقط كوني حذرة"
وتحرك عائدا لغرفة زوجته وانضم له الرجال ونظرات صفوان تتحرك غصبا تجاها وهي تتبع أخيها حتى التقت بعيونه وتمنت لو تحدث معها مرة أخرى
أرادت سؤاله عن التغيير المفاجئ هذا، هل هو حقا لأنها أخت الريس أم أن وجود أسما كان له تأثير خفي؟
رؤيته لهارون يأخذها بعيدا صدقت على ما قرره، هارون غضب لأجله بتلك الليلة لكن ربما استعاد نفسه وأدرك أنه لا يجوز لأخته أن..
أن ماذا يا عملاق؟
ألم تكتفي من الجراح؟
امرأة خانت ثقتك والأخرى أخبرتك أنك مجرد حارس شخصي، عليك أن تتراجع..
تكف عن جنونك هذا، تلك المدللة لا تصلح لك، قد تغفل عن فارق العمر لكنك لن تغفل عن باقي الفروقات..
هكذا صفعه عقله ..
لم تستيقظ رغم وجود الجميع بغرفتها.. الأحلام كانت تتلاعب بها
والدها يتحرك تجاها وهي ترى نظرات غريبة بعينيه، يداها تحمي بطنها.. ألم شديد وهي تتراجع ومد يده عندما..
فتحت عيونها.. عادت للواقع
كان الريس يقف أمام النافذة، يعقد ذراعيه أمام صدره كعادته، ذهنه رحل لبعيد
"أنا لا أعلم كيف أجيب سؤالك هذا هارون ولكن هناك الكثير يمنعني من الاعتراف بك"
تجهم، تلون بكل الألوان عدا الأحمر فقد انتهت كل الدماء من وجهه "وأنا أريد إجابة، لماذا جذبتني بذلك الطريق طالما لا ترغب بي!؟ كنت اتركني أختار"
التفت الكبير له، ما زال بعمر جيد، حدق بعيون الابن الذي عرف حقيقته والآن يطالب بحقوقه..
عشر سنوات استطاع خلالها أن يصنع منه زعيم والآن عرف أن هذا الرجل والده، ولكن لا يمكن أن يعرف سواه
سيظل الأمر سر..
"لم تكن لتنجو من قسوة الحياة، كنت ستضيع صدقني"
أشاح بيده، غضب، ثار، ارتفع صوته "أنت لا ترى جيدا يا باشا.. أنا ضائع بالفعل"
القوة نبضت من كلماته "لا هارون أنت تعرف طريقك جيدا وأوشكت أن تحقق هدفك"
ابتعد، الألم يكاد ينسفه من داخله ولا يبقي به ولو جزء صغير سليم..
أم تخلت عنه وهو طفل رضيع لأن زوجها رفضه، وأب يراه دون المستوى، كلاهم رفضه، حتى الآن يرفضونه
"وأنت ترى أن هذا كافي؟"
صمت.. بلا رد
تحرك حتى وقف أمامه، لم يكن أبدا طفلا متهورا ولا شابا فاقدا للعقل، بل كان يحمل عقلا أكبر من عمره..
حارب المعاناة بالملجأ، هزم الشارع.. فرض قوته على كل من فكر أن يهزمه ووضع مكانه بين الجميع
"أنا لست بحاجة لأب ولا أم، أنا لست بحاجة لك أو لسواك وكما ترفض الاعتراف بي فأنا أيضا لا أرغب الاعتراف بك، أنا بالأساس لم أطلبه، فقط أردت معرفة السبب"
الكبير يفقد السيطرة أمام الشاب الذي نشأ تحت كنفه وكم تمنى لو استطاع ضمه لصدره فهو يستحق، كم مرة كاد ابنه يموت لأجله؟ كم مرة حقق له كل ما أراد؟
اليوم وهو يطالبه بأبسط حق وربما رد لدين بسيط من ديونه.. يرفض منحه أي شيء..
هل هذا هو الثمن؟
القطة أكلت لسانه، صنعت منه أخرس لا يعرف كيف يتحدث "وقد عرفت يا باشا، المال، السلطة، المكانة الاجتماعية، جيد لتهنأ بهم ولننسى أي حوار دار بيننا الآن ولكن ولا واحد منا سيفتح هذا الأمر مرة أخرى أو يطالب الآخر بأي شيء"
وخرج صافعا الباب خلفه مغلقا الحكاية التي لم تغلق حتى الآن..
"هارون"
جذبته من قاع الذكريات، التفت لها وهي تنظر له بقلق "هارون"
والإجابة واحدة "قلب هارون"
وتحرك لها، راكعا على الأرض بجوارها، متعب، مثقل بهموم أرهقته..
قبض على يدها ورأت التعب بعيونه، شعرت به من لمسة يده فحركت يدها الأخرى لوجنته، لحيته الغزيرة "ماذا بك حبيبي؟"
لم يكن الرجل الذي يشارك أحد خبايا قلبه، حتى امرأته، لا يعرف كيف يتحدث معها، كيف يخبرها أو يعترف بما يتصارع الآن داخله
قبلته على يدها كانت عميقة، أدركت بقلبها وليس بعقلها أنه يتألم لكن بصمت ولن يتحدث "لا شيء ملاكي، فقط قلق عليكما"
لم يواجه نظراتها.. وضع مخدر على جراحه وهمد الألم.. مؤقتا
"لا تقسو على نفسك حبيبي"
والتقى بنظراتها، سوداء عيونها رائقة لا يمكن أن تشبه سواد حياته أو ظلمات مأساته بل هي النور، الحلم، الحب الذي ملأ كل فراغات قلبه
راحته ملأت وجنتها الشاحبة..
انتظار الولادة ليس بسهل لكنها تحارب بشجاعة ولن تستسلم "لا تهتمي بي ملاكي، أنا بخير طالما أنت بخير"
أدارت وجهها ولمست شفاها راحته ووضعت قبلتها عليها مدركة أنه لن يخبرها شيء
****
الجميع عاد البيت عدا جميلة، ظلت معها بالغرفة مع هارون، صفوان انتظر بالطبع لحراسة الريس وزوجته لكن خارج الأنظار
الليل مر بهدوء..
إشراقة الصباح بنشاط بكل مكان.. ممرات عامرة بالممرضات والأطباء، تعقيم، تنظيف.. ضوضاء وجميلة تساعد ليال على الاغتسال والعودة لفراشها عندما دخل الطبيب وهارون خلفه
"صباح الخير مدام، أين.."
هارون قاطعه "هنا"
التفت له ولم تتبدل ملامحه "جيد، أرى أن نجري الولادة اليوم، حالة الطفل جيدة والوقت مناسب قبل أن تؤثر المضاعفات الوراثية عليهما"
لم ترمش عيونه وشحب وجهها لكن ظلت متماسكة، الخوف استقر ببطن قلبها، يتخفى وراء لقب الديبة
"وهل هناك أي خطورة على زوجتي؟"
تنهد الطبيب "إن شاء الله ستكون بخير، كلما تعجلنا كلما كان أفضل"
لم يجيب ونظراته ثابتة على الطبيب الذي كان ينظر لها وهي من أجابت "فيم انتظارك إذن دكتور؟"
الأنظار كلها كانت لها، تحوز إعجاب الطبيب الذي لمعت عيونه عليها مما جعل الريس يتحرك له "هل ستظل تحدق بها كثيرا أم سترى عملك؟"
تجهم الطبيب، لا يفهم سبب غضب الريس
الجميع تحدث عن هارون الديب ورجاله وحالة من الترقب سادت المشفى لوجوده لكن أن يرى وجه الديب الغاضب فهو ما جعله يعتدل بمكانه ويتلعثم بالكلمات
"ماذا!؟ نعم، نعم بالطبع.. سنبدأ التجهيزات فورا"
وتحرك خارجا يريد الاختفاء بأي جحر من نظرات ذلك الرجل المحرقة
جميلة هي الأخرى أدركت غضبه فتحركت "سأرى ماما"
ابتعد..
جنون.. ما يحدث له جنون..
هي امرأته ولا يتحمل نظرة رجل لها..
نهضت، تمسك بطنها بيدها حتى وصلت له وكعادتها يداها التفت حوله من الخلف ورأسها استقر على ظهره
التفت لها بالحال، القلق هو كل ما واجها وقبل أن يعنفها منحته ما يهدأ غضبه
"تحبك صغيرتك"
انسكب الماء على النار فانطفأ وتحول لرماد..
أحاط وجهها بيداه "وأنا مجنون بكِ صغيرتي، أنا لم أحب سواكِ ليال ولن تكوني سوى لي"
ابتسامتها منحته سكينة، راحة، اطمئنان..
"والريس لن يكون سوى لي"
وضع قبلة على شفتيها "الريس لكِ بكل جزء من كيانه وكل نقطة من دمائه"
وقبلته لم تكن كالأولى، رقيقة، واهنة..
بل قوية، مهلكة، أخذت أنفاسها بلا اعتراض واختلطت الشفاه بلا كلمات ترسخ معاني الحب بينهما وتؤكد أنها ستدوم لنهاية العمر
*****
أوقفت الممرضة جميلة أمام باب العناية "هي ستخرج بعد قليل فلا داعي لدخولك الآن"
ابتسمت، كادت ترقص من السعادة، والدتها ستنجو، ستعود لها وتؤنس وحدتها..
ليال رائعة ولكن أمها هي حياتها
بالغرفة التي منحهم هارون إياها، استقرت المرأة، بحالة أفضل، منذ عرفت أن هارون زارها وتحسنت حالتها بسرعة غريبة..
القلب يعيش بالأمل.. يضخ دماء للحياة التي تمناها وهي عندما ندمت تمنت وحتى الآن لم تنال ما تمنته
ضحكت جميلة، ابتسمت عيونها وأشرقت الشمس داخلها..
الأم حياة لأولادها بدونها تغرب كل الحيوات..
"ماما حبيبتي، الحمد لله على سلامتك"
وأحكمت يداها على يد أمها تغرقها بالقبلات وهي تمنح قلبها السعادة التي كان ينتظرها
خديجة ما زالت تتعايش بقلب مريض لكن يعافر من أجل ابنة، ابن، من أجل استعادة ما ضاع منها ولا تعلم هل سيمكنها تعويضه أم لا؟
"كيف كانت أحوالك بغيابي حبيبتي؟"
كانت تختار كلماتها بعناية لأجل صحة أمها "بخير ماما، ليال كانت معي وهارون أخبرني أنني أصبحت من العائلة ووجب عليه حمايتي"
وابتلعت باقي الكلمات وخديجة لم تنتبه بل تخطت الأمر ولمعت عيونها بسعادة لاستقرار الأمور بين ابنها وابنتها، حتى لو ماتت اطمأنت أنه لن يتركها..
دقات على الباب ورأت ألاء تدخل "صباح الخير، طنط، الحمد لله على سلامتك"
ابتسامة ألاء بريئة، الشخص الوحيد الذي لا توجد بها شائبة واحدة سوى عائلتها
"شكرا يا ابنتي، كيف حال الحمل معك؟"
ظهرت معالم الحمل عليها.. ملابسها تبدلت للأناقة والاحترام، الغاضب صنع منها امرأة صغيرة وجميلة أكثر مما كانت وهي تعشقه
"بخير يا طنط"
بالطبع لم يتحدث أحد منهم عن ليال خشية التأثير على المرأة التي سألتها "أنت هنا وحدك؟ بدون أنس؟"
نظرت لجميلة بدهشة من السؤال "بل معي، الجميع هنا لأجل.."
وصمتت وجميلة تقاطعها "لأجلك ماما"
وبدت النظرات غريبة وخديجة تتساءل "ماذا حدث جميلة؟ هل هناك ما تخفيه عني!؟"
هتفت جميلة وشحب وجه ألاء التي لم تقصد أن تخبرها بشيء "أخفي ماذا ماما؟ ليس هناك ما أخفيه"
دقات ودخلت الممرضة التي توجهت لخديجة ثم نظرت لألاء ومنحتها الكلمات "لقد سألت لأجلك مدام، مدام ليال دخلت العمليات منذ عشر دقائق"
تجهمت الوجوه وحدقت جميلة بألاء التي رحلت الدماء من وجهها وجميلة شهقت بلا شعور
أما خديجة فاتسعت عيونها التي تشبه عيون الزعيم وهي تهتف بلوعة "ليال بالعمليات!؟ لماذا!؟ ماذا حدث لها؟"
أسرعت جميلة لها، تحاول تهدئة روعها خوفا عليها "لا شيء ماما، هي بخير، صدقيني"
تراجعت الممرضة بلا فهم بينما وجهت لها خديجة كلمات حاسمة "ماذا بها ليال يا آنسة؟ أجيبي"
ارتبكت الفتاة والتوتر ساد الأجواء وزاغت نظراتها هنا وهناك حتى تعثرت بالرد "ولادة.. ولادة مبكرة"
لم يعد هناك ما يمكن أن يؤلم قلبها أكثر، لكن زوجة ابنها وحفيدها!؟
"هل حياتها بخطر؟ والطفل؟ أخبريني وإلا سأنهض وأذهب لأعرف بنفسي"
انحنت عليها جميلة وملامحها تحولت للرجاء "ماما اهدئي من فضلك وأنا سأخبرك"
وأخبرتها..
****
انغلق باب غرفة العمليات وظل واقفا..
قوامه الفارهة لا معنى له الآن، عاجزا عن فعل أي شيء.. أراد أن يكون معها.. يساندها، يدعمها ولكن هو لم يمكنه رؤيتها وهي تُجرح أمامه
آخر كلماتها له "تحبك صغيرتك"
يد صفوان لمست كتفه لتعيده للواقع.. هي ليست معه
"ستكون بخير هارون"
لم يجيب وتحرك مع رفيقه وأنس يتحرك لهما "خديجة خرجت من العناية وعرفت بأمر ليال"
لم يمنح كلماته أي اهتمام، تجاهل ما قاله وارتد للحائط واستند عليه..
أغمض عيونه وقلبه ينبض بفزع وخوف لم يعرفهم من قبل، الآن يواجه حياة مختلفة
تبادل الرجلان النظرات..
تجاهله لخديجة هو الرد على كل حوار يخصها..
ما زال قلبه مفعم بالقسوة تجاها ولا يظنون أنه سيغفر لها بأي يوم..
ضوضاء مرت بالمكان، صوت أقدام رتيبة تتحرك، ازدحام مفاجئ من الرجال ولم يرفع رأسه أو يفتح عيونه ليرى جزء من كوابيسه أمامه
"كيف حال زوجتك والطفل؟"
كان يعلم أنه سيأتي، ما زال يظن أنه سينال الابن الذي قذف به للموت بلا رحمة مرة وللشارع مرة أخرى
"بخير"
كلمة واحدة منحته الرد.. أنا لست بحاجة لك هنا..
"كيف لم تخبرني؟"
ثابتا كعادته، لا أحد يحاسبه ولا أحد يملك أي شيء تجاهه "ولماذا أفعل؟"
تعصب، غضب، ثار ولكن.. ظل هادئا أمام الجميع فهو الكبير
"حياة ابنك وزوجتك بخطر وتسالني هذا السؤال؟ كان لابد من سفرها للخارج"
فتح عيونه أخيرا ليواجه نفس ثورة المحيط بعيون من نال جيناته..
رجاله تقف بجواره بطريقة ملفتة وهارون لا يرمش، فقط منحه نظرة قاتمة تخفي خلفها كل ما يحمله صدره
"ومن منحك الحق بتقرير ما يخص زوجتي؟"
اعتصر الرجل قبضته بجواره، جز على أسنانه، يعلم أن هارون عاد وداخله نيران تدمر وليس فقط تحرق وهو يعبث بمن حوله دون أن يشعر أحد
"هارون، أخبرتك من قبل ألا تتجاوز"
صفوان وأنس يقفان كأسدين بجوار ريسهم، الآن يفهمان تلك اللامبالاة التي يتعامل بها هارون معه "هل أفعل!؟"
رفع يده فانصرف الرجال وتبقى رجل واحد، يعرفون أنه حارسه الشخصي، تميم، أناقته من أناقة الكبير والكبير لا يرتدي من مصر بل من أفخم دور الأزياء بإيطاليا أو باريس
"هل تظن أني سأظل صامتا أمام تجاوزاتك هذه؟ هل تنسى من أنا؟"
أبعد وجهه، لا يرغب بأي جدال حاليا، رأسه بالتي تعاني بالداخل وتحمل طفلهم
لم يرد
الكبير انحنى عليه "أوقف جنونك هذا لأنه لن يمنحك الصواب"
عاد له، التقى بالزرقاء، التحذير بهما واضح لكن هو لا يهتم ولا يخاف "وأنت أوقف تلك التمثيلية الهزلية، لا تليق بك"
خرج عن شعوره، فقد الهدوء "اللعنة هارون لم لا تصدق أني حقا أهتم؟"
تراجع الرجال..
ثورة الكبير كموجة لا نهاية لارتفاعها ولو سقطت ستقتلع بطريقها كل شيء
"وما الفارق لو صدقت!؟ لن يتبدل شيء"
لم يعتدل الرجل، تعب من الاختباء خلف المظاهر الاجتماعية، أراد ابن يعتمد عليه بأيامه الأخيرة، ابن طالما أحبه واحتفظ لنفسه بمكانة كبيرة داخل قلبه لأنه مختلف..
نعم..
هارون مختلف..
هو ابن لأب لم يعترف به..
سند لرجل لا سند له..
والأب أو الرجل لا يستحقه..
"أنت أوشكت أن تكون أب، عندما تحمل ابنك بين ذراعيك ستدرك الفارق، ستفهم معنى وجع القلب على ضناك"
اعتدل.. وقف رأسا برأس مع من أراد أبوة لا حق له بها، عيناه غاضت بمعاني لأول مرة تظهر بهما
"وهل تظن أنك نفس الأب؟"
شحب وجه الرجل.. هل بدأت المحاكمة؟
مواجهة العيون استمرت لثواني قليلة حتى نطق الكبير مبتلعا المعنى الضمني للسؤال "لا، لست نفس الأب ولم تسمح لي الأقدار لأن أكون لكني أحاول تعويض ما فاتني معك لكن أنت تغلق كل الأبواب"
تنفس بقوة، لعل الأنفاس تؤازره، تربت عليه "وظننت أن اليوم هو المناسب لفتح أي باب؟"
هو على حق، ليس اليوم هو المناسب لأي تصفية حساب، اليوم لديه ما يكفيه ليفكر به ولن يضيف عليه حساب تأجل كل تلك السنوات
نفخ الكبير، أبعد وجهه وتدارك كلمات ابنه، عاد واستقر على وجهه الهادئ، يحبه، يسكن قلبه، لم يأخذ فقط جزء منه بل أخذه كله
"ربما ليس كذلك ولكن لابد أن يأتي يوم ونفعل، أنا على أتم الاستعداد للاعتراف بك أمام العالم هارون فقط تسامحني"
وتحرك مبتعدا وحارسه يتبعه وصفوان يقول "هو يمنحك ما يرغب به أي ابن"
رفع وجهه للعملاق، نظراته لا تظهر أي شيء مما يكمن داخله "لكن بشرط صفوان، أن أسامحه، ربما لو منح بلا شروط لفكرت بالأمر"
وعاد يجلس وصفوان يفهم الآن أن الرجل سلك طريق خطأ
هي ليست صفقة كي يربط الاعتراف بالسماح، هي مشاعر ولم ينجح بتوصيلها..
الوقت مر بصعوبة حتى انفتح الباب وخرج الطبيب، ملامحه هادئة، لا قلق ولا خوف ولا أخبار سيئة
التفوا حوله وبلا أسئلة وجه إجاباته للريس "مبروك، ولد"
ليس هذا ما أراد معرفته لذا لم ينزاح التجهم من على وجهه "هل هما بخير!؟"
تفهم الطبيب، حالة الاثنان كانت بخطر لذا طبيعي رؤية هذا القلق بالعيون "نعم، المدام بالإفاقة والطفل سيظل بالحضانة وطبيب الأطفال سيحدد ما يحتاج له"
"أرغب برؤيتهم"
الطبيب يعلم أن لا حواجز أمام الريس "ما أن ينتهوا من الحالة سيخبرونك"
وفر هاربا من مواجهة هارون وكأن عيون هذا الأخير تحرقه بمكانه، تصهره بلا رحمة
نفخ أنس بقوة، أنفاسه تحمل القلق الذي كان يكتمه داخل صدره "الحمد لله على سلامتهم يا رجل"
صفوان مرر يده بشعره وتنهد "الحمد لله أنهما بخير، مبارك علينا أحمد هارون الديب"
رفع وجهه لصفوان..
الاسم يتردد بأذنه، يخترق قلبه
أحمد هارون الديب..
ابنه..
ابنهما..
ثمرة حبهما الذي ارتوى بشوق السنوات، عاش ونما رغم كل الصعوبات وأثمر هذا الأمل..
"كيف حال ليال والطفل؟"
التفتت العيون تجاه الصوت الواهن إلا هو..
لم يفكر حتى بالنظر لها.. ليس بحاجة لاهتمامها
ربما ليس حقيقي ولو حقيقي فلن يبدل شيء
تحرك مبتعدا...
اقترب من باب العمليات بلا رغبة حتى برؤية من ألقت به بظلمات الحياة
جميلة كانت تسندها وألاء عاجزة عن فعل شيء..
تجاهله جعل المرأة تترنح وصفوان أول من تحرك لها ونظراته تلتقي بالمجنونة..
كانت مفعمة بالخوف، القلق، لم ترغب بمنحها التوتر والضغط النفسي بمجرد خروجها ولكن الممرضة فعلت..
إصرارها على الخروج جعلها ترضخ لها..
"مدام خديجة اهدئي.. ليال والطفل بخير"
أخفضت المدللة وجهها، أنس لمس ذراع زوجته وأدرك شحوب وجهها فسألها "هل أنتِ بخير؟"
رفعت وجهها له، عيونها منحته الرد، ليست بخير، تشعر بالذنب
ربت عليها وجذبها له فالتصقت به، هو درعها بمواجهة أي خطر..
لم تجد الأمان سوى معه، منحها حياة أحبتها وأدركت أنها لم تخطئ يوم وافقت عليه
"لماذا ولادة مبكرة؟ هل حدث شيء؟"
كانت تنظر لصفوان، تنتظر منه إجابة وصفوان أسقط الخضراء عليها وبقلبه الطبيب أجاب "مضاعفات وراثية والحمد لله تخطت الأزمة وأحمد وصل بسلام لكنه بالحضانة"
عادت نظراتها للواقف بعيدا
عاش وحده ..
لكن الآن لديه زوجة وطفل وهو ما يسعدها كأم حتى لو رفضها هي فما يهمها أن لديه ما يملأ حياته..
ممرضة فتحت الباب وكادت تصطدم به لكنها تراجعت ونظراته توقفها، وسامته لفتت كل الأنظار له ولكن نظراته لزوجته أوقفتهم
"أرغب برؤية زوجتي وابني"
بالطبع لا أحد لم يعرفه من طاقم التمريض والأطباء "نعم، تفضل"
ولنفس المكان البارد، نفس رائحة المعقمات والعقاقير، صوت الأجهزة وهمس الممرضات
جسدها المستقر على الفراش..
إلى متى ستظل تلك المرأة قوية!؟
لم يسبب لها سوى الألم والتعب، لم يمنحها أي سعادة
"هل أنتِ هنا صغيرتي!؟"
يده تمسك يدها.. تمتمت باسمه بضعف "هارون"
قبلة على ظهر يدها بث فيها كل تعبه وضعفه الذي لم يشاركه به أحد..
ممرضة همست من خلفه "الطفل من هنا سيد هارون"
التفت للفتاة وقلبه ينبض بقوة
طفل! طفله هو!
نعم يرغب برؤيته.. الحلم.. الأمل..
اسمه سيظل من بعده..
تعقم جيدا قبل أن يدخل..
الممرضة قادته لفراش ابنه، بلا ملابس رقد الجسد الصغير فقط الحفاض هو الموجود، اسورة التفت حول معصمه عليها اسمه
أحمد هارون الديب..
ديب جديد انضم للعائلة، وليس أي ديب، هو الوريث، هو حامل اللقب
مد يده ولمس وجنته الناعمة
له استدارة وجه الديبة، رأسه بلا شعر، بشرة بيضاء وعيون مغلقة لكن بدا أنها ستكون واسعة كوالدته
لم يتحرك الطفل مع لمسته.. فقط تحركت اليد الصغيرة ثم استقرت فمد يده للأصابع الصغيرة جدا وأمسكها وانحنى وهو لا ينحني سوى لصغيرته والآن لابنه
لمست شفاهه يد الصغير التي قبضت على اصبعه بطريقة دغدغت قلبه..
نبض بقوة، ابتسم الريس، وضع قبلة على الأصابع الصغيرة
"مرحبا يا صغير، أنا والدك"
ضغطت اليد على إصبعه فعاد يبتسم وطفله يسرق نبضة من نبضاته، يتمنى لو يحمله بين ذراعيه ويضمه لصدره فقلبه يقفز فرحا بوجود هذا الصغير
****
ساعدت جميلة الممرضة وهي تضع ليال بالفراش، ألم الجرح يجعلها تتلوى بصمت..
رؤيتها القلق على وجه زوجها جعلها تتماسك
إلى متى ستظل قوية!؟
"الطبيب سيمر لرؤيتها بعد قليل"
تراجعت الفتاة وصفوان يمنحها مال فابتسمت له، الإعجاب لمع بعيونها والمدللة تتابع بغضب غير مبرر
بل مبرر.. الغرام
تحرك الريس لصغيرته ومال واضعا قبلة على جبينها "الحمد لله على سلامتك ملاكي"
احتفظت بالألم لنفسها وابتسمت ابتسامة شاحبة ولم ترد
دقات الباب والطبيب يدخل والرجال تخرج عدا زوجها "ألف مبروك سيد هارون، مبروك مدام"
هي من أجابت "شكرا، أريد رؤية ابني"
أمسك يدها ليقيس النبض وأجاب "الطبيب سيحدد الوقت المناسب، أنتِ أيضا بحاجة للراحة، الجرح تجميلي ولن يترك أثر"
لم تترك يد هارون يدها وهي تتابع الطبيب "ألن أطعمه؟"
رفع عيونه لها "بلى، ولكن بالبداية ستقوم الممرضة بشفط اللبن ومنحه له بأنبوب حتى يمكنه أن يفعل وحده عندما يتحسن تنفسه"
لمعت دمعة بعيونها لطفلها المريض "هل حالته خطر؟"
ترك يدها ونظراته عليها "لا، حالته أفضل مما توقع الطبيب فلا داعي للقلق"
أكمل الفحص ثم منحها التعليمات وخرج الطبيب وهي أغمضت عيونها محررة الدمعة وقلبها يتألم
لماذا لم تنال ولادة طبيعية وطفل طبيعي كباقي البشر؟
"ليال هل أنت بخير؟"
مسحت دمعتها وواجهت القلق بعيونه "نعم هارون، هل رأيته؟ ابننا"
تألم لها..
قلب الأم كله لأبنائها وقلب الفانيليا هش، ضعيف رغم قوتها الظاهرة
"نعم ملاكي، هو بخير صدقيني"
البكاء حاصرها، تريد طفلها، تريد أن تراه، تضمه لأحضانها، تطعمه من صدرها، تقبل يده، تستنشق رائحته.. تريد من حملته تلك الشهور وانتظرته بلهفة وشوق..
جلس وجذبها برفق لأحضانه وهو يمنحها كلمات تهدئة وثقة بأنه معها وطفلهم سيكون بخير..
****
نهض صفوان وهو يتحرك بجوار أنس للخارج "هارون على حق، لا يمكن إبقاء أحمد هنا"
السيارة تلقتهم "نعم، ما زال باب جسار مفتوح ولم يغلق"
قاد صفوان..
الريس أصدر أوامره، إعداد حضانة مجهزة بالقصر، لن يبقى الطفل بالمشفى هو يفهم ما يدور فأجاب
"الكبير سيوقفه بكل قوته، الآن هو يرغب بالفوز بمعركته مع هارون لذا سيقدم أي شيء وكل شيء لينتصر وهزيمة جسار أول الأشياء"
"معك حق، تجاهله لخديجة مؤلم لها"
ضغط على المقود، متذكرا ما كان ونظرات المدللة..
لم يتبادلان أي كلمات منذ آخر مرة، هو يتجاهلها، وهي لا تحاول التحدث معه مرة أخرى..
"من الصعب غلق هذا الباب مع رجل كهارون أنس، الغفران لن يكون بيوم وليلة، لقد رفض اللجوء لهما وقت الولادة فهل تظنه سيستسلم؟"
تنهد أنس مدركا كلماته "نعم، أنت على حق، تلك المداولات لن تنتهي أبدا، الكبير أخطأ بحقه كثيرا وما فعله اليوم أيضا خطأ"
هاتف صفوان يعود للرنين فعاد له والعمل يجذبه بعيدا عن الريس قليلا..
****
دخول خديجة الغرفة جعله يبتعد، تقدمت للفراش رغم نظراتها له
عادت لليال "الحمد لله على سلامتك حبيبتي"
ما أن وصلت للفراش وجميلة بجوارها حتى تحرك هو خارجا..
يمنحها تأكيد على موقفه..
لا مكان لكِ بحياتي
"شكرا لكِ"
تابعت نظرات خديجة بحزن لأجلها حتى خرج "هو يرفض كل المحاولات"
نعم هو حتى يرفض السماح لها بأن تحاول "للأسف هو يرفض حتى التحدث معي"
التفتت لها خديجة والحزن كسى كل ملامحها "كنت مثله بالصغر، أتمسك بغضبي لآخر وقت"
جعلتها جميلة تجلس وليال تحاول منحها بعض الراحة "أظن أنكِ ستحاولين مرة أخرى، لن تستسلمي، الآن هو منح جميلة حمايته ولن يتركها ترحل وأنتِ ستظلين معها"
لم ترفع وجهها لليال "أنا شاكرة كل محاولاتك ليال، لكن لا يمكنني البقاء وهو يرفضني، هو لن يكون على راحته وجميلة كانت ترغب بالرحيل"
جميلة لم تعد تفكر بالرحيل نهائيا، لو رحلت ستترك من تعلق به قلبها لذا لم تفكر وهي تندفع بالرد "كنت ماما لكن الآن لا"
التفتت لها المرأة بدهشة وتورد وجه الفتاة وأدركت اندفاعها والورطة التي سقطت بها وليال تنقذها "بالطبع لن تفعل وأخيها يمنحها الحماية، هي بحاجة له، كلاكم بحاجة له ولحمايته"
امتنت الفتاة لليال، ولم تتحدث مرة أخرى وخديجة تعود لزوجة ابنها "وهل سيقبل ببقائي؟"
تحملت ليال ألم جرحها وأجابت "سيفعل لأجل جميلة، دعينا لا نتوقع السيء وندعو أن يلين قلبه قليلا"
أخفضت وجهها والألم يتوارى خلف رموشها ونبرة صوتها الضعيفة "كنت مغصوبة ليال، لم يمكنني مواجهة الحياة بطفل يحتاج لرعاية ومال، صاحب العمل هدد بطردي لو احتفظت بالطفل ومحمد لم يكن بخططي لذا فعلت ما فعلته"
أغمضت ليال عيونها، الآن وهي أصبحت أم لا تتخيل أنها قد تتخلى عن طفلها تحت أي سبب ولكنها لن تحكم على المرأة، كانت لها ظروفها..
"بوقت ما سيتقبل عذرك، قد لا يغفر ولكن قد يتقبل وجودك، نحن سننتظر والأيام هي من تداوي الجراح"
لم ترد حتى تعبت فرحلت ونالت الديبة رعاية التمريض وشفط اللبن للطفل وطالبت برؤيته مرات كثيرة حتى سمح الطبيب فعاد الريس لها وساندها حتى استقرت بالمكان المخصص
قلبها يرفرف بانتظار من انتظرته، من عاشت ليالي تخاطبه، تبثه أحزانها، تمنحه كل شيء عن والده وقصة حبهما..
الآن تشتاق لرؤيته وضمه لها
مغمض العين.. هادئ بمكانه المخصص رأته
لم توقف دموعها وهي تميل لتضع قبلة على جبينه رغم ألم جرحها..
لمست وجهه ويده وصدره وكل جزء منه، همست باسمه واستمتعت به
استنشقت عطر الأطفال، بشرته الناعمة، ملامحه الصغيرة..
"أنا ماما حبيبي"
وضعت قبلة على أصابعه "أنا هنا وسأظل بجوارك حتى أضمك لأحضاني، أعلم أنك ستكون قوي كوالدك وستنهض سريعا"
ذراع زوجها لفتها بإحكام، ما زالت ضعيفة، متعبة وهو لا يفلتها ولن يفلتها أبدا
دموعها غشت رؤيتها "حبيبي افتح عيونك، أريدك أن تراني، أنا ماما"
ابتسم الطفل رغم عيونه المغلقة، فضحكت "هارون انظر، إنه يضحك"
بالفعل..
ابتسم الطفل لأمه
يعرفها جيدا، الصلة بينهم لا تنقطع بقطع الحبل السري بل تبدأ الرحلة من جديد، رحلة لا تنتهي بنهاية شهور الحمل..
بل تستمر لنهاية العمر..
عادت لفراشها وهو يساعدها
نامت من أثر الدواء وهو لا يرحل، يتابع عمله بالهاتف.. يتابع أنفاسها
جميلة تأتي وتذهب وهو يشكر لها وجودها
ألاء عادت للبيت بسبب تعب الحمل
أحلام وصلت وهي تستيقظ، رشدي هنأها وخرج مع الريس وسرعان ما عادت خديجة لها والحديث دام لحظة عندما دق الباب ودخل علي زيتون
"مساء الخير يا ابنتي"
نهضت أحلام لحماها الذي تحسنت صحته..
اقترب من فراش ليال التي ردت "أهلا عمي، شكرا لوجودك، مدام خديجة والدة جميلة، سيد علي والد رشدي زوج أحلام"
والتقى الرجل بعيون خديجة، هل للإعجاب عمر محدد يقف عنده ولا يتقدم لسواه؟
العيون الزرقاء المجهدة ضربته.. الرجل ندم على الزواج من نانا، استعاد ذكرياته مع والدة رشدي لكن الآن وميض غريب لمع بعيونه لتلك المرأة..
"أهلا مدام"
تورد وجه خديجة رغما عنها من نظرت الرجل الجريئة
هي أيضا شعرت بشيء غريب برؤية تلك العيون، كأنها تعرفه منذ سنوات..
"أهلا سيد علي"
نهضت وجميلة تهرع لها لكنها أصبحت بخير، الطبيب سمح لها بالخروج لكنها لن تخرج بدون ليال وحفيدها الذي لم يسمح لها برؤيته حتى الآن
"اسمحوا لي"
تابعها الرجل وهي ترحل وأسئلته عنها كانت ملفتة وليال لم تكن بحالة تسمح لها برؤية شيء
أحلام كانت تهتم بالتفاصيل، الولادة خطوتها القادمة لذا خائفة..
عودة الريس ورجاله تمنحها الراحة
رحب بعلي الذي لم يبقى كثيرا ورشدي يتحرك مع العسلية للخارج وأنس يقترب منها "زوجة أخي، كنتِ تبدين أفضل بالحمل"
ابتسمت بتعب "حقا!؟ لديك زوجتك اذهب واستمتع بمظهرها"
ضحك أنس وصفوان يقترب والريس يجلس قريبا من فراشها "زوجة أخي جميلة بكل حالتها أنس، مبارك علينا أحمد ليال"
ابتسمت للقلب الطيب "شكرا صفوان، سيكون محظوظ بأعمامه"
ملامحهم جامدة وأنس يرد "وبوالدته القوية"
ظلوا وقتا يتبادلون المزاح حتى خرجوا والتفتت له..
عيونه تحتويها، يخبرها أنه معها للأبد..
مدت يدها له فنهض وجلس بجوارها قابضا على يدها رافعا إياها لفمه ليضع قبلة عليها
"سببت لك الكثير من القلق هارون"
رفع يده لوجهها، يبعد شعرها المتناثر عن وجنتها "هو لا شيء بجوار ما تحملته بغيابي صغيرتي"
ابتسمت "خذني بأحضانك"
برفق جذبها له، تشعر بأنها عادت بخير، بعض القلق والخوف رحل عن قلبها بمجيء طفلها وتبقى أن يصبح بخير
وضع قبلة على عنقها.. الصمت يلفهم
دقات القلوب تقطعه..
همس الليل من حولهم موسيقى تمنحهم سكينه "سيكون بخير ملاكي"
تنهدت "يا رب"
ارتج صدره من الكلمة..
يا رب..
ولا مرة كان يذكر الله..
لم يخبره أحد كيف يدعو..
كيف يلجأ له ولكن ردها جعله يرتجف داخليا..
سؤال يرتفع داخله
هل يمكن أن يأتي وقت وتعرف الله!؟
ولم لا يا ريس..
الله بكل مكان وأنت بك ذرة خير ترتوي بكل ما تفعله وبيوم ما قد تترك الرذيلة كلها عن آخرها وتصبح الفضيلة عنوانك ووقتها ستجد طريقك إلى الله..
عودته من الموت منحته قلب يرغب بالأبيض الناصع وربما توبة خالصة..
من يعلم..
****
سكن الجميع بالليل عدا المجنونة، لم تجد نوم وخديجة نامت وتركتها وحدها لليل..
التفت بجاكيت أحضرته لها ألاء وتحركت خارجة ربما تجد شيء دافئ بالكافيتريا
تحركت والضوء الخافت سيطر على الممرات، الهدوء هو الصوت الوحيد، قلة من الممرضات من رأتهم بطريقها وما أن انفتح باب المصعد لتدخل حتى رأته يخرج فتوقف كلاهم بمواجهة الآخر
العيون التصقت.. الأنفاس تهاوت بلا هوية، القلوب تدق بموسيقى متناغمة تتفق على نغمة واحدة لدى جميع العاشقين
صوت من مكان ما جعلهم يتنفسون، يستوعبون لحظة الصمت الطويلة وهو يتقدم خارجا لينغلق المصعد ويسقط نظراته عليها
"ماذا تفعلين خارج الغرفة بهذا الوقت؟"
لم تعد تغضب من نبرة الحماية..
خوفه عليها هو ما فهمته وأحبته، هكذا أخبرها أخيها وهكذا تقبلت الأمر
"أردت شيء دافئ يساعدني على النوم"
التفت للمكان من حولهم، الصمت، الفراغ جعله يشعر بالقلق
استدار وضغط على زر المصعد "كان يمكنك طلبه بالغرفة"
نعم كان يمكنها ذلك لكنها تعمدت الخروج، تمنت لو تراه وتقريبا الليلة هي ليلة تحقيق الأمنيات فها هو أمامها.
دخلت المصعد خلفه.. وجمدت وهو يمنحها ظهره.. لا يرغب برؤية عيونها..
سينهار..
الكافيتريا كانت فارغة، رجل واحد يعمل بذلك الوقت
تأخرت لمائدة بها مقعدان وجلست وهو طلب لها ينسون وعاد به وتوقف لحظة لرؤيتها جالسة..
هل سيبقيان هنا؟
وضع الكوب أمامها وقهوته ما زالت بيده ولم تعد ساخنة
جسده هو من امتص الحرارة منها وتأجج بالدفء بل حرارة توازي حرارة البركان
"آسفة إن أزعجتك"
تناول القهوة الباردة..
أسقط الكوب على المائدة ثم رفع الخضراء لها..
شمسها لا تلمع.. الشروق واهن، مكسور وحزين وهو لا يفهم السبب
"وأين الإزعاج؟"
لفت الكوب بيداها تلتمس الدفء منه وعيونها تركت عيونه
لون الينسون توافق مع عتامة شمسها "أنت لم تعد ترحب بوجودي، أصبحت شيء غير مرحب به بالنسبة لك"
تراجع بالمقعد، تاركا الكوب.. ماذا عليه أن يخبرها؟
أنها لا يمكن أن تسير معه بنفس الطريق؟
هو طريق مروي بالدم وهي تستحق طريق أبيض
لكنه لم يجد كلمات، هي أخت الريس وهو حارس شخصي
نهضت واقفة، تقاوم الدموع
لم تشرب الينسون..
كرامتها مهانة..
لكن قبل أن تتحرك قبض على معصمها ليوقفها
أراد وجودها، لم يرغب بأن تضيع رغم كل الصعوبات
"ليس من السهل أن نكون معا وحدنا بهذا الوقت وليس لأن وجودك يزعجني"
نبض القلب نبضة مؤلمة لكن ألم لذيذ، ألم جعلها ترتد جالسة وهو يفلت يدها ويعيد يده على المائدة أمامه لا يترك عيونها التي تتحرك على ملامح وجهه المجهد
كلماتها خرجت ثابتة "نحن لا نفعل أي شيء خطأ، ونجلس بمكان مفتوح"
الهدوء صفة سائدة برجال الريس، علّمهم أن الغضب سكين حاد يمزق صاحبه قبل عدوه لذا كلهم تعلموا الهدوء والتحكم بالغضب
لكن ليس كالريس
"من الأفضل أن نبتعد، ما نفعله خطأ"
الوضوح والصراحة من أهم صفاته ولن يلف ويدور وهي توردت مما يعني أنها تفهم معاني كلماته
"لماذا!؟ لأني مجنونة ومتهورة ومدللة!؟ لأني لم أسمع كلماتك بتبديل ملابسي؟ كنت مخطئة وتداركت خطئي"
لم يعد الصمت يجدي، هما يسيران بطريق لابد من الوصول لنهايته ولا أحد يعرف ما النهاية
"جميلة هل تدركين من أنا؟ ما هو عملي؟ هل نسيت كلماتك لي ببداية معرفتنا؟ أنا وحش، مجرد حارس شخصي، منفذ، ملوث بالدماء"
انحنت للأمام.. تواجه نظراته القاتمة.. تمنحه إدراك أنها تفهم كل ذلك ولا تفكر به..
هي اختارت البقاء كفرد من أفراد تلك العائلة وهي تعلم نتائج اختيارها "كل هذا لا يهم لو كان هو سبب ابتعادك وليس لأجل زوجتك"
تراجع بدهشة، لم ترد أسما على ذهنه
منذ وجودها بمكتبه وهي انتهت من حياته نهائيا، لم يعد يرغب حتى بذكر اسمها أمامه
"أولا هي لم تعد زوجتي بل طليقتي، ثانيا ابتعادي ليس لأجلها نهائيا بل إدراكي أن بيننا الكثير مما يوقفنا جميلة.. فروقات لا يمكن التجاوز عنها، العمر، أخيكِ، عملي وماضيّ"
لم تتراجع..
خروج أسما من الصورة منحها أمل جديد، قوة بأن تحارب من أجل قلبها..
صفوان يستحق..
الرجل الذي وقف بجوارها، ساندها وحماها وأنقذ حياتها يستحق..
هل يمكن ألا تحبه؟
نعم هي تعترف لنفسها أنها أحبته وتمنت لو يحبها..
"هل فارق العمر صنع شيء بين هارون وليال!؟ وهارون لا يعتبرك حارس شخصي بل أخ ورفيق وكاد يقتلني يوم أغضبتك بكلماتي"
تراجع بالمقعد، لا ينظر لها بل لكل حياته، قراراته، سعادته التي لم يجدها سوى بلياليه مع هارون، أنس، الرجال وليال..
هذه هي العائلة التي عاش معها ولها والآن.. لا يعلم
جذبته برقة صوتها "الماضي سيظل ماضي ولن يؤثر على حاضرنا، وعملك ربما يتبدل بيوم ما، أعلم أن أخي يختار الفضيلة حتى ولو زينت برذيلة فبيوم ما الأبيض سيسود حياته وحياتكم معه"
كلماتها تجتاز الصعاب، تدوس عليها وتساويها بالأرض وكأنها لم تكن
هل حقا يمكن أن يلتقيان؟
ولم لا؟
أنس فعل مع ألاء وهو يعيش بسعادة فلماذا هو لا؟
الكلمات عجزت عن القفز فوق الصمت الذي هيمن عليهم، فقط نظرات تحمل الكثير من المعاني..
رغبة بالتحرر من الرذائل العالقة والسمو لعالم ظن أنه عرفه بيوم ما مع امرأة خدعته..
اليوم هو يرى نظرة مختلفة.. يشعر بمشاعر أخرى.. يدرك الاختلاف..
تلك المرة هو لم يندفع بطريقها بل وتراجع كي لا يندم لكن قلبه كان يتمزق..
"أنا لا أبغي سلطة جميلة، ولا أعرف شيء سوى عملي مع أخيكِ ولن يمكنني تقديم أكثر مما تعرفيه عني"
تنهدت، تشعر أن الباب قد يُفتح وستضع قدم على أعتاب هذا العالم "وأنا سأحتاج الكثير لأتعلم كيف لا أكون تلك المجنونة المدللة.. أحتاج لأن أصدق أني لست مرفوضة لأن أمي كانت خادمة بيوم ما"
ولمس نظرة الألم بعيونها، يشعر بها.. نفس الشعور بالرفض..
تحركت يده ليدها الساكنة على المائدة ولمسها
سقط القلب بين أقدامها.. وجالت نظراتها على ملامح وجهه التي لانت من الجمود للوسامة السائدة..
ولم تبعد يدها..
لمسته مررت شعور لذيذ داخلها..
حرارة..
كهرباء جعلتها ترغب بالقفز بمكانها وتركت قلبها يهوي ويرتد مرة وراء الأخرى ودقاته تكاد تخترق صدرها..
"أنا لا يهمني من كانت والدتك، أنا يهمني أنتِ، يهمني أن.."
المجنونة نالت اللقب بجدارة وهي تقاطعه بلا تفكير "أحبك"
وتورد وجهها..
ونبض قلبه الطيب بقوة، جسده العملاق لم يمكنه تحمل قوتها
الكلمة اخترقت كل الحواجز التي بناها حول نفسه فأسقطتها بلا رحمة..
هزت العملاق..
أسقطت الوحش..
اعترف..
أنا ساقط بالغرام..
ضغطت يده على يداها وضمهما بين راحتيه وجذبهما لفمه ونظراته لا تترك شمسها التي أشرقت حياته فأنارت ظلامه وأحيت كل ما مات داخله
"لن تندمي؟"
نفت برأسها وتركت قلبها يدق وهي لا تعترض فهي دقات الحب..
الغرام
ومن الذي يمكنه الوقوف ضد تيارهم؟
"أبدا"
لم يترك يداها ولم يشعرا بالريس وهو يراقبهم من بعيد
هو لا يخطئ، ما أدركه كان صواب
لم ينطق بكلمة وهو يلتفت ويعود خارجا من المشفى يستنشق بعض الهواء
***
فتحت ليال عيونها..
الظلام بالغرفة والتعب خف كثيرا..
قلبها انقبض فجأة
"هارون"
لم تجده..
لم يعتاد تركها وحدها
تحاملت ونهضت وهي تضع يدها على جرحها وكأنه سيسقط منها..
لا تعلم لماذا تآكل قلبها فجأة قلقا على أحمد لذا لم تتردد وهي تتحرك للمكان المخصص له
المكان كالعادة هادئ جدا بذلك الوقت..
لم تتراجع، شيء ما يدفعها للحضانة حتى وصلت..
لا يوجد أحد
الزجاج فصلها عنه.. نائم يداه بجوار رأسه، جسده الصغير محاط بأسلاك، مغلق العيون وهي حتى الآن لم تراهم مفتوحين..
ابتسمت رغم الألم الذي لازمها
ضوضاء خافتة لفتت نظرها فاستدارت..
لمحت رداء التمريض ينتهي داخل غرفة الحضانة من الباب الآخر..
تحركت كي تذهب وتطلب الدخول لكنها تراجعت والتفتت ثم أدركت
طفلها ليس بمكانه..
قلبها سقط.. أدركت ما يحدث لكن بعد فوات الأوان والألم شقها نصفين
"ابني"