
رواية غرام في العالم السفلي الفصل السابع والاربعون47 بقلم داليا السيد
الفصل السابع والأربعين
انتقامات
صراخها كان كنداء غريق.. امرأة تنهار لحظة فقدانها طفلها أمام عيونها
واللحظة واكبت وصوله باحثا عنها ليراها.. شاحبة، عيونها متسعة والفزع هو غلافها الظاهر أمامه
"ليال"
لم تنظر له ويدها المرتجفة تشير للزجاج
لم يحتاج سؤال.. الحضانة فارغة
ابنه اختفى..
في ثانية..
رحل الأب..
اختفى هارون الرجل واستيقظ الشيطان.. الوحش الذي سيدمر بلا تفرقة
صرختها أيقظت كل الموجودين وهو يلفها قبل أن تسقط "ليال، تماسكي"
وهاج المكان وهو يساعدها على الجلوس وركض الكثيرين من حوله ونبرته المخيفة تفزعهم وسؤاله يهزهم
"أين ابني!؟"
الكل التف
الرجال اتحدت خلفه وكل شيء تحرك بدقة وسيطرة من الريس وأمن المشفى ينقاد لأوامره
إفراغ الكاميرات.. مشاهدة الفيديو والمفاجأة كانت من نصيب واحد منهم
أنس!!
تلك المرأة الأنيقة التي تضع بطاقة مزيفة "متابعة رضاعة مبكرة" كانت تتحرك للحضانة وبثبات تحمل الطفل وبلا وعي تنظر تجاه الكاميرا دون أن تراها لتسقط العيون عليها وأنس يهتف
"ميسرة!؟"
لم يهتم أحد بالأمر فقط الكاميرا الخارجية للمشفى تلتقط السيارة والرقم يتم تسجيله والرجال تتحرك والريس يقود وابنه هو من يقوده
سيعيده
لن يكون هارون الديب إن فقد ابنه لأي سبب خاصة لو كان امرأة حاقدة
السيارة لاحت أمامه.. لم تبتعد وقيادة الريس تفوق رجاله
كان يتجاوز السيارات بلا اهتمام لما يتركه خلفه..
شيء واحد كان يشغله..
ابنه..
انتبهت السيارة لسيارة هارون بسبب جنون قيادته فزادت السرعة ولكن هارون تجاوز السيارة وحاول إيقافها
السائق راوغ وبطريق فارغ بهذا الوقت تسابقت السيارات وانضمت سيارة الحراسة ووضعوا ميسرة بالمنتصف حتى توقفت سيارتها
ضغط الفرامل حتى كاد يخرق أرضية السيارة بالدواسة وأطلقت الإطارات صرير مخيف والسيارة تلف لتقف أمام سيارة الخاطفة..
نزل والغضب يهزم هدوئه..
ليس عندما يمس الأمر ابنه..
أشعل الاسكندرية يوم خطفت امرأته ولن يوقفه شيء عن فعلها مرة أخرى لطفله لكن ...
الرجال أوقفت السائق الذي استسلم بلا مقاومة..
انتزع ابنه من يداها وهتف بغضب لم يخفيه "لا أحد يتجرأ على الديب، ستدفعين الثمن غاليا"
الفزع أخذها وهي تصرخ "كان لابد أن أكسر قلب زوجتك على طفلها كما فعلت بي وسرقت مني ابنتي"
أنس من أجاب "أنتِ من فقدت ابنتك بغبائك"
أما هارون فتحرك عائدا للسيارة وطفله بذراعه، الطفل يعافر للتنفس لذا ليس الآن وقت الحساب
هو يعلم الغضب والرغبة بالانتقام داخلها وداخله لكن يعرف جيدا كيف يسترد حقه
صفوان هو من قاد السيارة بالعودة والطفل يحاول التنفس بصعوبة وقلب هارون يتهاوى مع كل نفس من أنفاس ابنه حتى وصلوا
بأقصى سرعة دخل والتمريض يأخذ الطفل للحضانة وهو يقف أمام الحاجز الزجاجي يلتقط أنفاسه متابعا الجميع يهتمون بالطفل
"هارون"
التفت لها وأسرع يساعدها ودموعها تغرق وجهها
كاد قلبها يتوقف من ألم فقدانه، ضمها له بقوة "هو بخير حبيبتي اهدئي"
****
الصباح يأتي بأمل.. الخوف يضمحل قليلا لكنه يظل ساكنا بالقلوب..
لا شيء يضاهي ألم الفقدان..
دخل الغرفة المخصصة للعقاب بالقصر، ميسرة ملقاة على مقعد خشبي مقيدة اليدين والقدمين ولاصق أغلق فمها..
جذب مقعد وجلس أمامها، صفوان فقط من كان يقف بجواره وهو يواجه نظراتها المرتعبة..
كيف ظنت أنها ستنجح وحدها؟
كانت غبية عندما ظنت أن لا أحد سينجح سواها..
أرادت كسر قلب ليال وعندما تلد ألاء تطالب باستبدال الطفلين وتحتفظ بحفيدها لها
غبية.. الديب لا يهاجم وكره إلا الأغبياء..
"أعلم أنكِ تتألمين لكل ما حدث"
دموعها تكورت بعيونها بالحال، الذكريات تندفع لرأسها، هي بالأساس لم تنس شيء لكنها تحاول ألا تذكرها كي لا تتألم
"لكنك نسيتِ أنكم سبب كل ما كان"
هزت رأسها بالنفي
رفع يده لصفوان فتحرك وجذب اللاصق من على فمها فتألمت وتنفست ثم عادت له "كان يمكن أن تعود ابنتي لي، لكن زوجتك أبعدتها وملأت رأسها ضدنا"
ظل ثابتا كعادته أمام أي غريم له، هادئ
ابنه عاد لأحضانه وقد استقر الآن بغرفة تم تجهيزها بالقصر لتكون حضانة، طبيب مقيم، ممرضة كذلك وامرأته تنام براحة بفراشها..
هكذا أراد وهكذا تم..
"وأنتِ تصدقين ما تقولين؟"
ارتفع الحقد بعيونها وانتقل لنبرة صوتها "بالطبع لأنها الحقيقة، هي من تحدت أحمد ووضعت ذلك المجرم بحياتها، كسرت قلبي على ابنتي وأردتها أن تتذوق نفس الألم"
رفع يده وعبث بعيونه التي لم تنم من عدة أيام..
ظل صامتا لحظة ثم عاد لها "ولم تهتمي بأن ابنتك سعيدة مع هذا المجرم أم لا؟"
لم تفكر وهي تجيبه "ربما كان يهددها وتعيش معه غصب"
أسقط يده بجواره ونظراته تلمع عليها "أعجز عن فهمك ميسرة، ابنتك تعيش مع زوجها كل تلك الشهور وتحمل طفله لمجرد أنه يهددها؟ هي لم تحاول حتى الفرار منه مرة واحدة"
الجنون يحاول أن يقودها وهي تنساق معه.. لا تفكر لحظة فيما قال أو فيما ستقول "ربما فعلت ولم تنجح، هو يجبرها على البقاء هنا، لكن لو كان بخاطرها فأنا من سيقتلها لأنها خرجت عنا وسأحرمها من طفلها"
"ماما"
ارتج قلب الأم..
صوت ابنتها خرج مكسورا، مرتعشا، فقد نبرة الحب والبنوة
أم تهدد بقتل ابنتها وكسر قلبها على طفلها من أي جانب ستراها؟
رفعت وجهها، التقت بالوجه المتألم، غارق بالدموع.. رافض حتى التحرك من مكانه..
زوجها خلفها.. الريس أراد الانتقام لكن ليس بالعنف بل..
كسر قلبها على ابنتها مرة أخرى وابنتها تراها مجرمة..
"ألاء، ابنتي أنا.."
أنس صد جسد زوجته المترنح..
كان يعلم أنها تتألم لكن هارون على حق، لابد أن ترى حقيقة أمها كما رأت حقيقة والدها من قبل لكن رؤيتها تتألم مزق قلبه ويده تقبض على ذراعيها.. تخبرها أنه معها ولن يتركها أبدا
"أنتِ ترغبين بقتلي وحرماني من ابني"
"لا.. ألاء أنا فقط كنت أهدد، مجرد كلمات لكن أنتِ ابنتي ولن يمكنني الإضرار بكِ أبدا"
تمكنت من تحريك جسدها، خطت خطوات مهزوزة ونهض الريس، تراجع وترك لهما المواجهة..
لم يتنازل عن حق ابنه ولن يفعل.. هذا الانتقام مجرد بداية وبكرة الخيط سقطت وستظل تنفك حتى تنتهي
"ولم لا!؟ بابا أراد قتلي ولولا أنس لكنت الآن ميتة وأنتِ مثله، تظنين أني أستحق الموت لأني أحببت واخترت بعيدا عنكم"
الغضب يسيطر، يهد، يفسد كل شيء..
"ليس حب، بل تهور، طيش، لكن ليس حب، لن تحبي مجرم وأنتِ ابنة أحمد فهمي"
"كفى"
صرختها هزت الجدران، واهتز قلب أنس معها وتهاوى قلب ميسرة وعقد الريس ذراعيه مراقبا
الدموع ترافق ألاء بمسيرتها..
لحظة المواجهة مؤلمة لكن هي انحشرت بها ولا تعرف كيف تفلت منها
"كفاكِ اتهامات وكلمات لا صحة لها، أنس ليس مجرم، هو أشرف مائة مرة من الرجل الذي رغبتم بتزويجي إياه، هو حتى أشرف من بابا، أنا أحبه ولن أتركه مهما حدث وعليكِ إدراك ذلك"
المرأة لا ترغب بقبول ما تنطق به الفتاة "سيلقيكِ عندما يمل منك، أنتِ مدللة ولن يمكنه تقبل فتاة مثلك بحياته"
بثقة غريبة أجابت "لن يفعل، لن يتخلى عني أبدا، كاد يموت بسببي، لم لا تفهمي؟"
الصوت ارتفع ونبض القلوب ارتفع معه..
"أفهم ماذا!؟ أنكِ غبية ومتهورة؟"
"بل تفهمي أن ما يربطني به أسمى من كل شيء، ما يربطنا لا يمكن قطعه إلا بالموت، نحن مرتبطون بالحب ماما"
لن تعترف مهما سمعت "حب زائف، وهم"
نبرة أنس الهادئة كانت مخيفة كالريس "بل حقيقة لكنك لن تدركي ذلك أبدا"
وتوقف بجوار امرأته، البسكوتة لم تعد بسكوتة بل امرأة قوية، تحارب وتناطح وهو فخور بها
جمد جسده بجوارها، ملامحه قوية، جامدة، ثابت، أراد منح امرأته ما تستحقه "أنا أحب ابنتك حب حقيقي وليس وهم أو زيف، وهي ستظل زوجتي إلى آخر نفس من أنفاسي"
لمعت عيونها لزوجها، أرادت أن تتعلق به فيحتضنها وتخبره أنها أيضا ستظل زوجته للأبد
"اشبع بها لكن أنا لن أرضى أبدا عن زواجكم، لن تكوني ابنتي طالما هو زوجك"
عادت عيونها للمرأة التي هي بشهادة الميلاد أمها لكن بالواقع هي لا تعرف ما الرابط الذي بينهم؟
ذراعه لفتها، كان يشعر بالألم الذي تعاني منه الآن، فرغب بأن يدعمها وهي ابتلعت الألم وسكن صراخها داخل صدرها لا فائدة من دخول حرب خاسرة..
التفتت له والتقت بنظراته "أعدني بيتي"
لم يفكر وهو يلفها بذراعه ويتحرك وميسرة تصرخ "ستندمين أيتها الغبية، سيأتي يوم ويلقيك فيه بالشارع"
لكن ألاء كانت تصم أذنيها عن السمع، انتهت علاقتها بأمها لكن.. باختيار أمها
عاد الريس للصورة، مواجها المرأة التي فقدت قلبها مع عقلها "الآن انتهينا من جزء من العقاب، ابنتك، ومن الآن استعدي لبقية العقاب، عقاب هارون الديب لمن فكر بأن يمس ابنه"
والتفت ليذهب وهو يمنح صفوان أمره "اتركها"
حدق به صفوان بلا فهم، هل سيتركها حقا؟ وأين العقاب؟
****
ما أن دخلت البسكوتة البيت حتى ظلت واقفة والدموع غشت رؤيتها، لا تصدق، لا تستطيع استيعاب ما كان
هل أحبتها أمها بأي يوم؟ كيف تتخلى عنها لمجرد أنها اختارت رجلا أحبته وتزوجته وواثقة أنه يحبها؟
هي تخلت عنها منذ خطت أقدامها خارج بيت والدها..
يداه لفتها وجسده توقف أمامها.. مدركا الصدمة التي تعاني منها
أسقط نظراته عليها وهي لا تواجه عيونه "هل تهدئي حبيبتي؟ هي لم تقصد ما قالت هي فقط غاضبة"
رمشت والدموع عالقة برموشها وجفونها وعلى وجنتيها "هي لا تفكر بي ولا بسعادتي، أنا لا أمثل لها أي شيء"
رفع يداه وأحاط وجهها بهما لتواجه عيونه المليئة بالحب والحنان "بل أنتِ كل شيء بالنسبة لها لكنها ترغب بمنحك الأفضل وأنا لست الأفضل أنا.."
رفعت يداها على يديه التي تحيط وجهها وهتافها أسكته "أنت زوجي وحبيبي ووالد ابني، أنت أفضل رجل بالعالم ولا أرغب بسواك"
ظل يحدق بعيونها قبل أن يجذبها لأحضانه ويلفها بذراعيه "وأنا أحبك ألاء، أحبك بجنون وأتمنى أن أسعدك ولو كان بعودتك لأهلك"
هتفت من بين أحضانه "لا، أنا سعادتي معك أنس، أرجوك لا تتركني لو تركتني سأموت، لن أعيش بعيدا عنك لحظة واحدة"
الغرام..
ضغط عليها حتى كاد يحطم عظامها..
ضمها أكثر، أراد إسكانها داخل قلبه، إخفائها عن العالم لأن لا حياة له هو الآخر بعيدا عنها
"ولا أنا حبيبتي، أنتِ الحياة، الروح، أنتِ الهواء الذي أتنفسه، وجودك منح حياتي معنى، سبب لأعيش، أنتِ كل شيء بحياتي ألاء، كل شيء"
اكتفت بتلك الكلمات الذهبية، حب أنس لها هو كل ما تعيش عليه
هو زادها.. أكسجين حياتها ولا ترغب بأي شيء سوى هو وابنهما
****
ما أن دخل الريس القصر حتى رأى جميلة تدخل من الحديقة
الكل عاد البيت، الفانيليا طلبت منه أن يسمح لخديجة وجميلة بالبقاء بالبيت حتى يتم تنسيق مكان آخر وبعد إلحاح منها وافق
"أردت رؤية أحمد لكن الحراسة رفضت"
توقف وهي تكمل لتقف أمامه، نظراته لا تمنح شيء "لم أمنحهم أوامر بدخول أحد"
وتحرك ليذهب لكنها نادته "أبيه أنا أردت أن أشكرك"
أبيه!؟ هل تناديه بلقب؟
لم يلتفت لها وهي تكمل "أشكرك لأنك لم تتركنا للشارع وسمحت لنا بأن نبقى هنا"
لف وجهه لها.. هو لم يهتم لأي شيء يخصهم، رفض.. ابتعد.. وضع ستار فولاذي لكن جميلة تكسر قطعة، قطعة
"نحن كنا نعيش بشقة مفروشة قبل أن يخطفنا ذلك الرجل، وقتها ماما كانت تعمل والآن.. أقصد لا مال"
تفهم، أدرك الطريق الذي تقوده له لكنه لم ينقاد "سيجد الرجال لكم مكان ولن تحتاجين أي شيء"
وتحرك بلا كلمة أخرى، هو منحها حمايته لكن خديجة لا، خديجة لا تعني له أي شيء ولن تعني..
تنحت الرجال من أمام الباب للريس الذي دخل غرفة ابنه
الطبيب يطمئن على الأجهزة، الممرضة تجهز الأدوات، الصغير مستقر بالمكان المخصص
"كيف حاله؟"
اعتدل الطبيب لرؤيته، التوصية من الكبير ولا أحد يمكن رفض أوامره والطبيب أولهم "بخير سيد هارون، يتحسن بسرعة"
تحرك حتى وقف أمام جسد طفله وملامح الصغير بدأت تتضح..
وجهه يعلن عن وجه أمه، اتساع عيونه، لون بشرته، ابتسم
ستكون ملاك جديد..
"اتركوني"
بالحال رحل الاثنان وظل هو واقفا أمام الصغير، مد يده ولمس وجنته الناعمة، رائحة الأطفال تملأ المكان والهدوء جو مشحون بالعواطف وهو لم يختاره بل طفله منحه له
من داخله كان يتعهد له أنه لن يرى ولو ذرة من العذاب الذي ناله بحياته
ارتفعت يد الصغير فأمسك أصبع والده وكأنه يخبره أنه يشعر به، يدرك وجوده
الأب يكتسب حب ابنه، عاطفة الابوة تكتسب بالوقت وليست كالأمومة، وهو سيمنح ابنه كل ما لم يناله بحياته
الحب، الدفء، الأمان
لن يتخلى عنه أبدا، سيكون الأب الذي لم يناله.. الظهر الذي يستند عليه حتى يأتي يوم ويصبح الصغير سند له.. سيحميه بروحه
لن يشعر يوما بالبرد ولن يعاني من الجوع، لا خوف ولا حرمان.. لا شيء مما عانى منه بطفولته
فاقد الشيء يعطيه..
“أعدك أن أكون الأب الذي لم أناله"
****
نائمة براحة.. ملامحها مسترخية، ابنها بخير، زوجها يحميها وكل شيء على ما يرام، ومع ذلك ظل شبح خوف ضئيل يتسرب لقلبها، هل ستظل للأبد تخاف على طفلها؟
لمسة جعلتها تفتح عيونها وهي تشعر بأصابعه على وجنتها
ابتسمت، الزرقاء واجهتها، اشتياق سكنه لمن ملكت قلبه، أمسكت يده ودفعت راحته لفمها وقبلتها
“هارون"
دفع راحته بعنقها وهو ينحني لفمها "قلب هارون"
والتمس قبلتها.. روى شوق قلبه الذي لا يرتوي منها أبدا..
همس "الحمد لله على سلامتك صغيرتي"
أراحت يدها على صدر قميصه وارتخت عضلاته تحت دفء راحتها "لم أعد صغيرة حبيبي، أصبحت أم ابنك"
دفع شعرها للخلف ونظراته تتجول على ملامحها الرقيقة، جمالها فاتن، هادئ، مثير، يجذب القلب من أول نظرة كما فعلت به
"ستظلين صغيرتي لنهاية العمر حتى لو أنجبت عشر أولاد"
ضحكت، ابتسم، أضاء قلبه، أنارت حياته، ارتوى ظمأ قلبه لضحكتها
"لا هارون، عشرة كثير، لن يعجبك مظهري وقتها وقد ترغب بامرأة أخرى ووقتها.."
قاطعها وهو يضع قبلة على وجنتها "وقتها لن أكون على قيد الحياة، سأموت لو لم تكوني زوجتي"
شهقت، ارتجف قلبها، ارتد لشهور الفقدان ولن يتحمل تكرار ما كان
يدها أسكتت فمه "لا هارون، لا تذكر الموت والفقدان مرة أخرى، لن أتحمل فقدانك مرة أخرى، لن أتحمل"
اعتدل وجذبها لأحضانه وسكنت على صدره تبحث عن الأمان من الفقدان لكن لا أحد يأتمن الفقد
الموت مكتوب على الجميع..
أبعد شعرها وراحته تستقر على وجنتها وهو يضع قبلة حنان على رأسها "لن يكون من السهل التخلص مني حبيبتي، أنا أيضا لن أتحمل فراقك، أنتِ قلب هارون"
وارتاح قلبها نوعا ما، لم يكرر تلك الكلمات التي سبقت حادثته، لن يتركها ولن يتحدث عن الموت والفراق
****
منذ تواجها بالمشفى واعترفت بحبها لم ينفردا مرة أخرى لكن نظراتهم كانت تحمل الوعد..
لن يفرق بيننا شيء..
لكن ما أن عادت البيت مع خديجة ورأت هارون ورفضه ذكر أمها حتى أدركت أن ما زال هناك حواجز لا تعرف كيف ستتجاوزها
خرجت للحديقة، تبحث عنه، هل تهاتفه؟
هاتفته وعندها أجاب، لم يعرف رقمها هي أخذت رقمه من ليال
"نعم"
صوته الهادئ يخترق قلبها، يمنحه نبضة جديدة فوق نبضاته وارتفع الأحمر لوجنتيها
لم تكن تشتاق لذلك الشاب بالسابق كما تشاق لصفوان، ترغب بأن تكون معه بلا انقطاع لكنه شرح لها طبيعة عمله التي تعرفها بالطبع
هي حتى ترى أنس وألاء وتدرك أن عليها أن تثبت حبها له بأن تتحمل أي شيء لأجله
“أنت لا تملك رقمي"
رفع رأسه.. لا يصدق أنها تهاتفه.. هل يمكن أن تفعل؟
أسما لم تكن تبحث عنه بل هو من كان يفعل عندما يملك وقته لكن تلك المجنونة.. تبهره
"أنتِ لم تمنحيني إياه"
ابتسمت وهي تتحرك بلا هدى، الشمس الباهتة توشك على الرحيل، لفت نفسها بالجاكيت الصوف، لم تعد ترغب بملابس مفتوحة ربما لأجله، بل لأجله فعلا
"أنت لم تطلب"
ترك لمة الرجال وتحرك لخارج المخزن، مروان عمها هنا، هو بنفسه من أحضره وتأكد على تأمينه وبقائه، رغب بقتله لكن الريس يوقفه
"كنتِ ستوافقين على منحي إياه؟"
أبعدت خصلة شاردة لخلف أذنها والبرد يزداد كلما دخل الظلام "أين أنت؟"
وصل للسيارة، استند عليها والمكان الخالي يمنحه خصوصية "عمل، هل استقريتم بالغرفة؟"
"أبيه هارون أخبرني أنه سيمنحنا شقة"
ردد "أبيه!؟ هل ناديت هارون أبيه!؟"
توقفت والبيت الخاص بأنس واجها فالتفتت
لم لا يكون لها بيت هنا؟ مع صفوان، ليال ووالدتها؟ حتى مع هارون فهي تحبه رغما عن كل شيء
"نعم، صفوان هل ستتركنا نرحل؟"
أغمض عيونه مستمتعا باسمه "مرة أخرى أيتها المجنونة"
لم تفهم "مرة أخرى ماذا؟ وأنا لست مجنونة صفوان"
ابتسم لغضب المدللة وفتح عيونه "بالنسبة لي أنت مجنونة، مدللة وصغيرة"
الغيظ أكلها، هي كل ذلك بالنسبة له؟ أين المرأة؟
لم يمنحها الفرصة لتغضب بالكامل "وكلهم يعجبوني، مذاق مختلف عن أي امرأة"
قلبها ارتجف، هذا الرجل يأسرها، يأخذها بكلمة ويعيدها بأخرى "وكم امرأة عرفت؟"
نظر للأرض وضرب حجر صغير بقدمه "واحدة، تعرفينها جيدا"
لا تعلم لماذا الآن لا ترغب بذكرها أو التحدث عنها "ومذاقها كان يعجبك؟"
لا يمكن أن تمحى ذكرى أسما تماما من ذهنه ولكن على الأقل يغلق عليها أبواب الذكريات "لذا طلقتها ولم أعيدها مرة أخرى"
تنفست وهو يسمع صوت أنفاسها "إلى متى ستبقين أسما بيننا!؟"
عبست، دموعها سقطت فعاد يقول "تمسحين دموعك بظهر يدك الآن"
توقفت وهي بالفعل كانت تفعل ذلك "صفوان أنا لا أريد ترك البيت، أنا أحب ليال وأريد أن أكون بجوار أحمد الصغير.. وبجوارك"
ضرب الحصى بقدمه مرة أخرى وهو يشعر باكتمال داخلي لم يشعر به من قبل، تلك الفتاة تغلق دائرته التي ظلت مفتوحة طيلة سنوات عمره
منذ انهارت حياته وفقد حلم الصيدلة وانفتحت الدائرة وتبعثر داخله هنا وهناك
"كما أرغب بذلك جميلة"
أغمضت عيونها تستمتع بكلماته القليلة "وماذا؟"
اتخذ قراره بلا تفكير "سأتحدث مع هارون الليلة وأطلبك للزواج هل لديك مانع؟"
دق قلبها بسرعة قصوى، لفت حول نفسها، قطرات من المطر تساقطت عليها فرفعت وجهها للسماء وهي تلف حول نفسها
"جميلة، جميلة هل سمعتِ ما قلت؟"
"حقا صفوان!؟ هل ستطلبني من هارون، ستتزوجني؟ ستتزوج المجنونة والمدللة؟"
ابتسم مرة أخرى تلك المجنونة تجعله يبتسم كثيرا
الفانيليا أيضا تجعل الريس يبتسم
هو الغرام..
"والصغيرة، سأتزوجهم كلهم وأمري إلى الله"
ضحكت وفتحت ذراعيها تستقبل المياه وهي تلف حول نفسها سعيدة بكلماته، بالمطر بالحياة التي ستنالها أخيرا..
****
تركها ترتاح بعد أن زارا أحمد سويا وساعدها على العودة للغرفة ثم نزل لمكتبه، منح أنس راحة ليكون بجوار امرأته وجلس يراجع أعماله المتأخرة عندما دق الباب ودخل رفيقه الأول..
"مساء الخير"
رفع عيونه لصفوان ومن نظرة واحدة أدرك الكثير فعاد للجهاز "مساء الخير، مروان مبسوط؟"
وقف أمام مكتب الريس، ارتباكه كان واضحا، بالخارج كان متحمس والشجاعة تدفعه لكن ما أن دخل والتقى بنظراته اللامعة حتى فقد كل شجاعته
العملاق يرتجف..
لم يجيب، هو بالأساس لم يسمع السؤال، كل تركيزه بكيف سيخبره ما أتى لأجله..
هارون رفع وجهه للصامت والتقى بالخضراء الزائغة أمامه فارتد بالمقعد "ماذا!؟"
ابتلع صفوان ريقه، حبات عرق تناثرت على جبينه رغم البرد والمطر وهو يستجمع كلمات من هنا وهناك
"أريد التحدث معك"
أسند رأسه على أصابعه وثبت نظراته على ذراعه الأيمن وبهدوء رد "وأنا أوافق على طلبك"
تراجع العملاق، ضاقت عيونه ثم اتسعت ثم عادت لوضعها الأصلي بلا فهم، تعثرت الكلمات على شفتيه "طلبي!؟ أي طلب، أنا.."
نهض الريس..
تحرك بثبات تجاه الرجل الذي شاركه نصف حياته وربما أكثر حتى وقف أمامه وسجن الخضراء بالزرقاء خاصته
"الطلب الذي لا تعرف كيف تطلبه مني، أنا أوافق صفوان، لن أجد أفضل منك ليعيد تنشئتها من البداية"
بلل شفتيه بلسانه، بحث عن الكلمات، حاول إسكات قلبه عن الدق ولم يعرف كم كان شاحبا بتلك اللحظة "هارون أنا، أنت.. "
وسكت، لم يمكنه تجميع جملة كاملة، الريس يصدمه "أنت لست بحاجة لتطلب صفوان بل أنا أتمنى أن تكون من نصيبك، جميلة بحاجة لرجل مثلك ليحميها ويحافظ عليها ويشكلها جيدا"
"ثقتك هذه أكثر مما أستحق"
لمس ذراعه ولمعت عيونه "وأنت تضحي بنفسك لأجلي؟ بلى تستحق، تعلم أني لو وثقت بأحد فلن يكون سواك صفوان، أنت أخي ورفيقي والظهر الذي أستند عليه"
رفع رأسه، كلمات هارون بلسم، يد حنون تربت عليه، لطالما كان الأخ الأكبر الذي يمنحه ما لم يعرفه بحياته
فارق العمر بينهم جعله يتعلم منه الكثير ولم يندم على مرافقته
"بل أنت الحامي لنا جميعا هارون، كلنا نعيش تحت حمايتك يا ريس"
ابتسم لرفيقه وتراجع "جيد، متى ترغب بالخطوبة؟"
جلس الريس وتقدم صفوان بلا تردد "زفاف هارون، لن نتواجد ببيت واحد وهي ليست امرأتي وبأقرب وقت، ما أن أنتهي من إعداد البيت"
ضاقت عيون الريس للحظة ولكنه عاد للرجل "هي لن تبقى هنا صفوان، كلفت فريد بمنحهم شقة بأحد المباني الخاصة بنا"
جلس صفوان، تلك المنطقة صعب اختراقها لكن عليه أن يفعل، المرأة ستكون حماته المستقبلية "كنت أفكر بأن تبقيهم حتى نتم الزفاف كي يمكنني حمايتها"
ظل صامتا، انغلقت نظراته، أبعد وجهه ورأسه تدور ولا أحد يفهمه "يمكنك توفير رجال لحراستها صفوان لكن لن يبقوا هنا"
نبرته الآمرة اعتلت كلماته، أخبرت صفوان أن لا مجال للجدال لكن الريس يمنحه مكانة خاصة لذا لم يستسلم "البيت لن يأخذ أكثر من شهر هارون، مدة ليست بطويلة وأظن أن والدة جميلة لن تخرج من غرفتها كثيرا ويمكنني طلب ذلك من جميلة"
ظل هادئا، لا يمنح أي تعابير، منغلق، عتمة سكنت الزرقاء.. يداه ثابتان على أذرع مقعده "لا"
كلمة واحدة فضت النقاش وصفوان أدرك أن لا مجال للجدال مع الريس فمن يخاطبه الآن ليس رفيقه، ليس أخو المرأة التي سيتزوجها بل الريس
الرجل الذي يرفض أي تدخل من أحد عندما ينحرف الجميع لتلك المنطقة
"كما تشاء، اسمح لي أن أنتقي لهم المكان"
منحه إيماءة موافقة فسأله صفوان "ما رأيك لو نقرأ الفاتحة؟"
"عندما نجتمع جميعا يا رجل وربما نقيم حفل صغير لأجلكم وبعدها تبدأ الإعدادات اللازمة"
تفهم صفوان وشكر ريسه على ما يمنحه إياه من اهتمام وثقة "شكرا هارون، شكرا على ثقتك وأعدك أن أكون عند حسن ظنك"
اعتدل وعاد للجهاز "أعلم أنك ستكون، هل تخبرني أخبار مروان الآن ومتى يمكنني زيارته لإنهاء الأمر قبل زواجكم؟"
****
المخزن بارد جدا بهذا الوقت من السنة، المطر ترك أثره على أرضيته الاسفلتية، صفير الرياح نتيجة اختراقها الفتحات المتهاوية للصاج المحيط جعل المكان مخيف، إضاءة تكاد لا تذكر
صناديق خشبية متهاوية، لا دفئ ولا أي صوت للرحمة، المقعد الخشبي احتمل جسد مروان الذي سقطت رأسه على صدره وذراعيه مقيدة للخلف
صرير الباب الحديدي أفزعه، جعله ينتفض بمكانه هل حان وقت الحساب؟ صفوان لم يمسه ولم يفهم معنى ذلك.
المنفذ لا يرحم فلماذا تركه؟
الأرض اهتزت تحت أقدام الريس ورجلاه، عن يمينه وعن يساره حارساه الشخصيان وإن لم يكن بحاجة لحراسة أبدا فمن الذي لا يعرف هارون الديب؟
وقف أمام الجسد الذي أكلته البرودة وهزمه الخوف حتى صرعه وقد قصد الريس ذلك.. تركه هكذا حتى لا يحتاج المنفذ لإرهاق نفسه مع جبان مثله
أو ربما الريس تبدل بعد عودته من الموت..
عقد الريس ذراعيه أمام صدره، ثابتا أمام الوجه المحتقن والنظرات المرتعبة "هل استمتعت بإقامتك معنا؟"
مال رأس مروان من الضعف، ساعات كثيرة بلا طعام أو شراب وبالطبع الوهن ملأه والخوف نماه "الرحمة"
"هل عرفت عن الديب الرحمة مع عدوه!؟"
نظراته امتلأت بالحيرة "أعرف عنه العدل، أنا لم أكن عدوك بأي وقت هارون، أنا لا أعلم سبب غضبك مني؟"
هو يعلم ذلك، لا أحد يعرف علاقته بجميلة، لا أحد يعرف أن خديجة أمه ولا يحتاج لأن يخبر أحد فهو لم يعترف بأمومتها له
"لكنك تعلم أن جميلة بحمايتي، ألم يخبرك صفوان من قبل؟"
شحب الوجه المرتعب أكثر، سقطت حبات عرق على وجهه تناقض برودة الجو المحيط "أردت الانتقام من خديجة"
ملامح الريس جامدة، لا يمكن أن تنطق بأي شيء لكن لسانه ينطق بما يريد "وسبب الانتقام؟"
"هي.. أقصد، لا يهم"
فك ذراعيه، تحرك بهدوء حتى وقف أمام مروان، نظراته تستقر عليه "يهم، أظن أنك لست بحاجة لتنشيط ذاكرتك"
اهتزاز رأسه السريع دل على الفزع والخوف "لا، لا، أنا فقط لا أظن أن الأمر يهمك"
مال الريس تجاه ضحيته التي يتلذذ برؤيتها ترتجف أمامه "أنا من يحدد ما يهمني من عدمه، أسمعك"
بلل شفتيه بلسانه ونظراته ثابتة على عيون هارون القاتمة "أردت أن أتزوجها وهي رفضت"
التقت عيون أنس بنظرات صفوان، بينما تجهم هارون، أمه تعد بالفعل جميلة ورغم عمرها إلا أنها بمقاييس الجمال جذابة وتحتفظ بجمالها بلا فتور لكن أن يطمع بها أخو زوجها فهذا يغضبه أكثر..
"أردت الزواج من زوجة أخيك وأنت متزوج من أخرى؟"
لم يدرك مروان أن من يتحدث عنها هي أم الرجل الواقف أمامه..
قلبه ممتلئ بالغضب تجاها والآن لا مجال للتفاهم، يرغب بأن يعرف ويفهم
"أرملته، ولا مانع من الزواج من أخرى وأخرى، الشرع حلل أربعة، أخي نفسه تزوجها على زوجته"
اعتصر هارون قبضته بجواره والغضب يحاول السيطرة عليه، كلمات الرجل تثيره رغما عنه"
"وهي رفضتك!؟"
كان سؤال أكثر منه إقرار والجبان رد "نعم، رغبت بالتأمين كله لنفسها واحتفظت بالأوراق كي لا أعرف شيء عنه"
مالت رأس هارون قليلا ثم اعتدل وتحرك خطوات قليلة أمام الجبان "وأنت صدقت أن هناك تأمين!؟"
تجهم الوجه المتعرق، لمعت عيونه وزاغت نظراته بلا فهم "مازن ابني قال.."
التفت له هارون فتوقف الغبي عن التنفس من نظرة هارون ثم عاد وأكمل "أخي أخبره أن لديه بوليصة تأمين على الحياة وبالطبع من حق الجميع أن يقبض المال وخديجة هربت وسرقت الأوراق"
هارون علم من صفوان بذلك لذا بحث وعرف "وأنت لم تكلف نفسك عناء البحث والتأكد؟"
رجع رأس الجبان للخلف وعلامات التساؤل ملأت كل ملامحه "مازن قال..، لا لم أبحث"
ظل هارون ثابتا للحظة ثم عاد ليقف أمامه "أخيك لم يؤمن على حياته، ابنك اخترع تلك القصة كي تسعى أنت لقتل أخيك وتنال المال وينال مازن الشركة التي كان يشارك أخيك فيها وقد فعل أليس كذلك!؟"
شحب وجه مروان، أدرك أن ابنه خدعه وصنع منه هلهولة بلا فائدة..
لم يجد كلمات يرد بها بل ظل متجهما، رأسه بابنه المخادع، مثله تماما، نال كل جيناته وزاد عليها..
"أنا لا أهتم لكل ذلك، كل ما يخصني هو أنك تجرأت على ما يخص الديب وهذا ما وضعك هنا بانتظار عقابك"
رفع مروان وجهه لهارون.. متهم خلف القضبان ينتظر حكم القاضي
وخيم السكون على المكان، لا صراخ، لا ضرب، فقط أنفاس متقطعة لرجل أدرك متأخرا أنه أخطأ الحساب وخطى بطريق لا رجعة منه
الريس أمامه، ثابتا، لا يحمل ملامح غضب ولا شماته.. ذلك كان الأسوأ
عيونه تسقط ببطء على مروان، نظرة قصيرة لضحيته، كأنها وزنته وانتهت "يمكنني تركك ترحل"
رمش مروان من نبرة الريس الهادئة واهتز جسده دون أن يلمسه أحد "ويمكنني أن أتخلص منك في دقائق بل ثواني" توقف لحظة، ثم أكمل بنبرة أخفض "لكن هذا ليس عقاب"
اقترب خطوة واحدة فقط، المسافة بينهما لم تعد آمنة "أنت لم تخطئ لأنك طمعت.."
ابتسم ابتسامة خالية من أي دفء وأكمل "أخطأت لأنك طمعت في شيء يخص الديب، من هذه اللحظة.."
واعتدل صوته، كان كالقاضي وهو ينطق الحكم "كل باب كان مفتوح لك أُغلق، كل اسم كنت تستند عليه انتهى، كل عمل.. كل نفوذ.. كل حماية، انتهت"
اتسعت عينا مروان، حاول أن يتحدث، لكن الصوت خانه وهارون يضيف بلا تردد "ولا تفكر بأن تضع نفسك بطريق جميلة وإلا .."
صمت لحظة ثم انحنى قليلا ليكون صوته وحده ما يصل إليه "إياك ومحاولة فهم لماذا فعلت ذلك، الفهم امتياز وأنت فقدت كل الامتيازات"
استقام، استدار نصف استدارة، وكأن الأمر انتهى بالفعل، وقبل أن يرحل قال جملته الأخيرة دون أن ينظر خلفه "اعتبر نفسك خرجت من هنا حي وهذه هي الرحمة الوحيدة التي نلتها"
وتحرك خارجا والرجال تتبعه والباب أُغلق خلفهم بصوت معدني حاسم..
بقي مروان وحده.. لا مكسور الجسد لكن.. مهدوم المكان
مسلوب القيمة..
محكوم عليه أن يعيش وهو يعرف أن الديب رآه واختار ألا يقتله
****
ما أن دخل البيت وصفوان وأنس معه حتى التقى بالمجنونة، نظراتها سكنت على العملاق الذي تلقى نظراتها بهدوء كريسه..
"جيد أنكِ هنا، اجلسي"
القلق بدا واضحا على معالمها.. لم يخبرها هل طلبها من هارون أم لا وهي لم تخبر أحد حتى خديجة..
خائفة.. تحلم وتتمنى.. وجهها متورد ويداها متجمدة..
جلسوا، كلهم جامدي الملامح..
صفوان أخبر أنس، هو رفيقه الثاني ولابد أن يدرك الأمر وقد كان سعيد لأجله
"صفوان طلب يدك للزواج"
ارتفعت الدقات بتهور.. نبضات متسارعة، عيون تلمع بنظرات خجلة لأخيها الذي لا يرحمها وهو يحثها على الرد
"جميلة هل سمعتِ شيء مما قلت؟"
ابتلعت ريقها.. فركت يداها الباردة كالقطب الشمالي، حركت عيونها لصفوان الذي تجهم، هل عادت بقرارها!؟ لا ترغب به؟
"نعم، سمعت"
ظلت يدا الريس مستقرة على ذراعي المقعد، نظراته أيضا ثابتة عليها "إذن امنحيني رأيك"
الفانيليا تتدخل..
أخبرها الريس بالأمر ورغبت بأن تخبرها هي ولكنه لم يعتاد أن يكون أخ لأخت مدللة أو لسواها "يا ريس ارفق بالفتاة"
نهضت جميلة، اندفعت لليال وكأنها تحتمي بها، ترغب بمؤازرتها ضد الأخ الذي لا يعرف شيء عن التدليل
ربتت ليال عليها، منحتها يدها وتحركت بها لتجلس، ما زالت تتألم من جرحها
أبعد وجهه وهو كان أكثر رفقة عندما تعامل مع أحلام وقت أزمتها والآن لا يفعل مع أخته
جلست الفانيليا والمجنونة بجوارها وأنس هو الآخر تعاطف معها "زوجة أخي دائما على حق"
لف وجهه لأنس "حقا!؟"
ابتسمت وجميلة تجلس بجوارها ويدها تقبض على يد ليال، تخفض وجهها ولا تجرؤ على مواجهة أحد
العملاق شاحب وكأنه مراهق، لم يمر بتجربة سابقة، أسما انتهت تماما، لا يذكرها من الأساس، قلبه يهتف باسم المجنونة..
كيف سرقت المدللة قلب العملاق!؟
الغرام لا يعرف أي قيود..
"اهدأ يا ريس، الفتاة خجلة وأنت لا ترحمها"
عاد لها، نظراته رحلت لأخته، هدأ عندما رأى تورد وجهها، التمست القوة من ليال التي قالت بحنان "جميلة، أخيك يرغب بسماع رأيك، هل توافقين على صفوان؟"
لم ترفع وجهها، قلبها يدق بعنف، يوافق بالطبع، بل سيقفز حالا ليستقر بين أحضان العملاق معترفا بالحب مرة أخرى بل مرات لا نهائية
هزة طفيفة من رأسها رآها العملاق بقلبه قبل عيونه جعلته يزفر بقوة يسمعها الريس فيدرك أن الغرام سيطر على رفيقه
لن يلومه فهو ساقط به حتى أخمص قدميه من سنوات بالفانيليا
ابتسمت ليال، والريس منح قراره "جيد، لنقرأ الفاتحة ونحدد وقت الزفاف"
زاد تورد وجهها ولم ترفع عيونها بل ظلت تدفنهم بيدها التي ارتفعت لتقرأ الفاتحة معهم وصفوان ينهض مخرجا ذلك الخاتم الذي اشتراه بالصباح وتحرك لها
"هذا هدية بسيطة"
انحنى وهي أخيرا ترفع وجهها لتلتقي بالعيون الفاتنة
الأخضر لمع على شمسها الساطعة وهو يكاد يضع الخاتم بإصبعها ثم نطقت بصوت خافت "ألن تحضر ماما؟"
تجهمت الوجوه..
نهض الريس واقفا "ارتدي الخاتم ثم افعلي ما شئت"
ارتجفت من نبرته ورفعت يدها بلا اعتراض بالطبع وصفوان لمس أصابعها الرفيعة والتقى بنظرتها الحزينة "مبروك"
ابتسمت له، نست حزنها لأنه أصبح لها، نفذ كلماته، لم يتراجع عنها ولم يرفضها، لم يترك يدها ولم تنتبه لرحيل الريس ولا لنهوض ليال ليجلس هو بجوارها
ليال طلبت من ثمية إخبار خديجة التي نزلت بعد وهلة لا تفهم شيء لكن ليال تقدمت منها، نظرات خديجة لابنتها التي كانت تتبع عيون الرجل الذي اختاره قلبها ولا تشعر بوالدتها
"صفوان طلب جميلة من هارون وهي وافقت"
لفت وجهها لليال بطريقة ملفتة، المفاجأة ضربتها، صفوان!؟
الرجل الذي كانت ابنتها تكرهه وتصارعه ولا تطيق رؤيته؟
ماذا حدث خلال فترة مرضها؟
"ماذا تقولين ليال!؟" والتفتت لابنتها الغارقة ببحور العشق والغرام "جميلة هل وافقتِ على صفوان؟"
فزعت الفتاة، انفلتت يدها من يد المنفذ، نهضت واقفة وهو تمهل قبل أن ينهض ليؤازرها
"ماما أنا.."
تحركت خديجة لتقف أمام صفوان، قامتها ليست قصيرة، وجهها كان يواجه صفوان الذي لم يهتز أمامها، مستعد لأي شيء من أجل المجنونة
"متى وكيف بدأت تلك العلاقة؟ كلاكم كان يكره الآخر؟"
كان هادئا، يشعر باهتزاز فتاته، يدرك نظرات خديجة، رجل سبق له الزواج، أكبر باثني عشر عاما عن ابنتها، يعمل لدى ابنها ..
"كل شيء يتبدل بلحظة"
لم تتراجع المرأة، لن ترتبط بالمكان وصاحبه يطردها "وأنت تدرك الفوارق بينكم؟"
رفع رأسه مدركا صحة أفكاره "بالطبع وابنتك تعرفها، لم أغشها"
التفتت لابنتها والقوة واضحة بملامحها
كأم تفاجأت بما يحدث حولها بل وربما ترفضه لأنه ليس الرجل الذي تمنته لابنتها ولا العالم الذي كانت تنتمي له
"تعرفين أنه كان متزوج ويكبرك بكثير"
هزت المجنونة رأسها.. فوارق لم تهتم لها لأن كل ما اهتمت به هو أنه أرادها كما أرادته "نعم أعرف ماما"
تجهم وجه المرأة أكثر، دقات قلبها المريض لا تنبئ بالخير لكن عليها التماسك فابنتها تفر من أحضانها "جميلة كان من المفترض أن نرحل، أخيكِ لا يقبل بوجودنا ونحن.."
قاطعتها "أخي أخبرني أني لن أخرج من بيته إلا لبيت زوجي"
تراجعت المرأة "أنتِ تتخلين عني؟ هذا يعني انفصالنا جميلة وأنا.."
اندفعت لأمها، دموعها ترتفع بلا مقدمات ولا حواجز "لا ماما، أنا لا يمكنني الانفصال عنك"
التفتت لصفوان "صفوان نحن لن نترك ماما أليس كذلك!؟ لن يمكنني الابتعاد عنها"
"اهدئي جميلة، تلك الأمور لن تنتهي بليلة، تعرفين موقف هارون"
هتفت بخوف "لا أفهم، هل سنترك ماما وحدها!؟ أنا لا يمكنني صفوان"
أبعد وجهه ليلتقي بعيون الديبة، تدرك ما يدور، تتفهم المأساة ولكنها تتساءل، هل خديجة ترفض صفوان بسبب هارون أم ماذا؟
لذا وجهت ليال كلماتها لجميلة "كل امرأة مكانها مع زوجها جميلة والأم تتفهم ذلك"
التفتت لها خديجة، ملامحها تدل على الرفض، هل سيأخذون ابنتها منها؟
"هل هذا ما رغبتم به ليال؟ أخذ ابنتي مني؟"
تحركت ليال لتقف أمامها ونظراتهم لا تفترق..
خلط الأمور لا مكان له هنا وعليها منح تفسير "لو لم يكن صفوان هو الرجل الذي طلبها للزواج كنت سترفضين أيضا؟"
شبح الحيرة حام حول وجه خديجة، السؤال كان مباشر كطبيعة الديبة، لا تجميل ولا تلوين للحقيقة
"ماذا تعنين ليال!؟"
"أعني أن أي رجل كان سيتزوج ابنتك، كان سيأخذها لبيته فما الخطأ بزواجها من صفوان؟"
السؤال صم الآذان.. منح شرارة أضاءت كل ما أخفاه ظلام الحزن والألم
"الخطأ بكونه كان متزوج من قبل، أكبر منها، رفيق الرجل الذي.."
وصمتت.. الدموع تكونت داخل الزرقاء.. الألم حاصرها وبعثر كلماتها فضاعت منها وأغمضت عيونها وهي تدرك مرارة الحقيقة المعروفة
ابنها الذي يرفضها..
لمستها ليال برفق وحنان "لا تجعلي ألمك وحزنك يفقدها سعادتها فلا ذنب لها"
فتحت عيونها لترى نظرات ليال، قاتمة، غامضة مثل زوجها لكن كلماتها واضحة
التفتت لابنتها التي امتلأ وجهها بالبكاء "أنت تحبينه!؟"
ظلت واجمة لا تعرف بماذا تجيب وهي تخفض وجهها والأم تدرك، السكوت علامة الرضا وابنتها ترضا بذلك الرجل
"هل تحبها!؟"
ورفعت المجنونة وجهها للعملاق، تنتظر الرد، هو لم يخبرها شيء عن مشاعره ومع ذلك مال تجاه خديجة ونظراته تحمل الجدية
لا أحد يستجوب المنفذ
"هذا سؤال من حقها هي فقط أن تسأله وتسمع إجابته ولكني سأخبرك أن لا شيء يجبرني على الزواج من امرأة لا أرغب بها"
التفتت لابنتها بغضب "هو لا يحبك، بل يتسلى بكِ وبعد أن يمل منكِ سيلقيك بلا هوادة"
الفتاة شعرت بالضياع..
أمها تهز ثقتها بالرجل الذي تحبه وهو لم يمنحها شيء يقوي ثقتها به، لم يمنحها وقت للتفكير بالرد
"لن أحاسبك على كلماتك هذه فأنتِ بالنهاية والدة امرأتي ولكن لابد أن تفهمي أن رجال الديب لا تتلاعب بنسائها ولا تتخلى عنهم"
هتفت بلا تفكير "لكنك فعلت، تخليت عن زوجتك بعد شهر واحد من زواجكم"
رفع إصبعه والغضب يحاول فرض نفسه على العملاق لكنه يستمد هدوئه من حبه لفتاته ورغبته بنجاح علاقتهم "أنتِ لا تعرفين شيء عن زواجي السابق لكن ابنتك تعرف كل شيء، أنا لم أفرض عليها شيء لكني أريدها ولن أتخلى عنها طالما هي تعرف معنى أنها أصبحت امرأتي"
التفتت لابنتها، الجنون تخطى حدوده معها لكن جميلة لم تيأس "ماما، صفوان ليس سيء، هو الوحيد الذي ساندني وقت كنت وحدي، لم يرفضني ولم يتخلى عني، حماني وأنقذني من الموت.. عمي أراد قتلي وهو من أنقذني"
شحبت المرأة، حاولت استيعاب كلمات ابنتها..
لفت نظراتها عليهم حتى استقرت على ليال "من حقك الرفض مدام خديجة لكن صدقيني لن تجدي رجلا يحمي ابنتك أفضل منه، فقط ضعي حدا فاصلا بينه وبين هارون"
هزمتها الدموع وسقطت على وجهها الشاحب "وكيف أفعل وابنتي ستقيم ببيت ليس لي مكان به ليال؟"
أجاب العملاق "ابنتك ستكون عندك بأي وقت ترغبين برؤيتها، أنا سأتزوجها ولن أسجنها"
الصمت لفهم
أنس صامتا لا يتدخل..
جميلة تبكي بصمت وليال تتفهم ألم الأم التي التفتت لابنتها ترى حزنها فاقتربت منها والحنان هزم الغضب
"جميلة حبيبتي أنا لا أرغب سوى سعادتك ولو كان صفوان هو من سيمنحها لك فأنا.. أوافق"
تنفس العملاق بقوة، اندفعت المجنونة لأحضان أمها باكية وسعيدة
ابتسمت ليال، نهض أنس ولمس كتف رفيقه "مبارك أخي"
هز صفوان رأسه محاولا نفض القلق الذي كان يتملكه من قليل وابتعدت جميلة والتفتت الأم لصفوان "ربما لم أعرفك جيدا لكن أن تحمي ابنتي فهذا يجعلني مدينة لك رغم أني لا أفهم حوار عمها هذا"
مال تجاه حماته ومنحها كلمات هادئة "أنتِ لست مدينة لي بأي شيء، حمايتها واجبي وعمها لم يعد يمثل أي تهديد، الريس أنهى أمره"
ابتلعت ريقها، الريس أنهى أمره، ابنها حقا يحمي أخته، كيف فكرت بإبعاد جميلة عن هارون؟
صفوان رفيقه الأول وكونها ستكون زوجته فهذا يعني أقصى درجات الأمان ولن تنكر أنها ترى نظرات الرجل لابنتها كما ترى عيون ابنتها..
الغرام واضح لكن تخشى أن تكون مراهقة، مجرد إعجاب ينتهي بسرعة كما أضاء بسرعة "جميلة أنا فقط.."
همست الفتاة "ماما أنا عرفت صفوان جيدا وأثق به"
أسقط نظراته عليها، تلك الكلمات جعلته يهتز من داخله
****
الفانيليا تصل له.. يدرك ما كان يدور بالخارج دون حتى أن يشارك به
رفع وجهه عن الشاشة، ابتسامتها تمنحه حياة مختلفة، لم تجلس على ساقيه بسبب جرحها بل نظر لها وهي تقف أمامه "تبدو مشغول"
"قليلا، لم لا تصعدين لتنالي بعض الراحة"
اقتربت حتى لمست خصلاته الهاربة ودفعتها للخلف ولمساتها تمنحه راحة وهدوء يحبه "أردت مشاركتهم اللحظة يا ريس"
لمس يدها، أبقاها بيده "تكثرين منها منذ عدت، ريس"
ضحكت، واستندت على حافة مكتبه "لأني عرفت معنى تلك الكلمة بغيابك وأدركت أنك وحدك من يستحق هذا اللقب وعدم مناداتك به تقليل منك"
نهض واقفا، دفع راحته بعنقها وانحنى ليصل لوجهها "أنا معك هارون، زوجك ولا أرغب بوجود الريس"
استندت على صدره كعادتها، منحته نظراتها العاشقة "أنت معي، حبيبي، قلبي وروحي سواء كنت هارون أو الريس فكلاكم واحد"
وضع قبلة على شفتيها وهمس لها "هارون ليال، الريس تضع الكثير أمامي ومعك لا أرغب بأي شيء سواك"
لفته بذراعيها، تمنحه أحضانها، حبها وعشقها، تفهم معنى كلماته وذراعه تلفها برفق "لا شيء سيكون بيننا سوى الحب حبيبي"
قبلة أخرى وهو يكمل "نعم ملاكي، أحبك صغيرتي"
داعبت شعره "وصغيرتك، حبيبتك، ملاكك لا تحب سواك"
انتهت قبلته وهي تأخذ نفس عميق قبل أن تلقي بكلمة تحاول بها اختراق جداره الصلب "ستسمح لهما بالبقاء حتى الزفاف؟"
لم يفلتها، عيونه النصف مفتوحة سكنت على وجهها
لم ترى ما تخفيه نظراته..
لم تعرف ماذا يحمل داخل صدره وتتمنى لو منحها أي كلمات
"لا"
وتركها وتحرك للنافذة، اختراق ماضيه غير مسموح به، أغلق على نفسه كل الأبواب وصنع أقفالا صلبة لا يمكن كسرها وملاكه لا يقبل الاستسلام
"هارون، جميلة ابنتها وأختك، رابط لن يمكنك قطعه"
لم ينظر لها، الظلام الخارجي يشبه ظلام قلبه الآن، أصبح يلف حول كوكب مجهول، غير صالح للسكن..
الآن الهواء ملوث بماضي مخيف يخنقه.. يدمر حاضر يحاول فرض نفسه عليه لكن.. الريس لا يقبل الإجبار
"وأنا ملزم بها هي فقط"
تشجعت لأنه لم يرفض الحوار، لم يصفع الباب بوجهها "وهي لن تنفصل عن أمها هارون، كادت تموت وخديجة بالمشفى"
منحها نظرة جانبية وهو ما زال ثابتا، قميصه الأسود مفتوح الصدر، بنطلونه الكلاسيكي الأنيق الاسود أيضا يتناسب معه، خلع الجاكيت وألقاه بمكان ما..
"ولا مانع عندي من أن تظل مع أمها حتى تتزوج إلا لو كان صفوان سيتزوج الاثنان"
تحركت لتقف بجواره ونظراته ما زالت تحط عليها وهي تمنحه عيونها، لا تقطع الاتصال ربما أفرج عما يحمله داخل صدره ويبعثر بعضا منه عليها
هي الأحق بأن تحمل معه فلم لا يفعل؟
"دعهم هنا حبيبي، لا تصعب الأمور على جميلة وصفوان، أعدك أن.."
رفع يده، أوقفها كالقاضي، يمنع الحديث بالقاعة فينصت له الباقين "لا تمنحي وعود قد لا يمكنك الوفاء بها ليال"
لمست يده، قبضت على قلبه الجامد بتلك المنطقة "لا تدفعني لذلك إذن، فقط فترة تجهيز جميلة، هي بحاجة لأمها معها وبعدها.."
مال تجاها ويداهم بينهم "وبعدها سنخوض طريق جديد ومنه لسواه وهكذا، لذا من الآن لا ليال، لن تبقى هنا"
وتحرك ليبتعد من أمامها فارتفعت اليدين الصغيرتين لتستقرا على صدره وتحبس نظراته على وجهها "أعلم أنك لن تسامحها، لن تغفر لها ولا أحد يطلب منك أن تفعل لكن.."
عاد يمسك يداها، برودة يده منحتها نبذة عن دواخله "لكن ماذا ليال؟ وجودها هنا يعني أني تغاضيت عن كل شيء وأنا لم أفعل ولن أفعل"
وأسقط يداها وابتعد وهي أدركت قتامة عيونه، ظله الشرير يخترق طيب قلبه، شيطانه يصارعه لكن ليال توقفه..
ليال هي السجان الذي يملك مفاتيح أقفاله وهي الآن تقف بمواجهته
"لتبقى ببيت البستاني، أنا رأيته منذ عدة أيام ولدي أفكار لجعله صالحا للبقاء به وهناك لن يمكنك رؤيتها لكن جميلة ستكون بيننا وبجوار صفوان"
واقفا أمام فراغ، نظراته تسبح بظلام ماضيه
ماذا لو عرفتِ شيء عما عانيته بالصغر ليال؟ ماذا لو رأيتِ الفتى المتشرد ذي الملابس الممزقة والمتسخة، بلا طعام، بلا أمل بمستقبل؟
الفتى الذي اتخذ القوة سبيل ليعيش، ذراعه وعقله كانوا وقوده ليصل لما خطط له..
لو لم تكن القوة طريقه لسقط بالمستنقع للأبد
أغلق عيونه وهو يرى مظهره، ملابس لا تغطي كل جسده، هي بالأساس ملابس تبرعات، حذاء مفتوح من الأمام ومن الأسفل
الليل يلسع من برودته، الجوع كان آخر اهتماماته وهندية كانت تسرب لهم أطعمة
لمسة رقيقة على ذراعه جعلته يرتد للواقع، أنا الريس..
"هارون أنت تعلم معنى الحرمان"
اعتصر عيونه المغمضة فهو الآن يغرق بالحرمان، يسبح ضد الماضي الذي يجرفه منذ ظهرت بحياته
لمسة على لحيته المشذبة بعناية جعلته يزفر بقوة، مخرجا أنين قلبه وهو يدرك أنها لن تتركه
فتح عيونه التي تلونت بالأحمر.. لون ألم الذكرى استقر بدلا من الأزرق
"الحرمان كلمة لا تصف أي شيء ليال، فلا تنبشي بالماضي، ستجدين ما لا يعجبك وقد يجعلك تندمين على حبك لي"
لم تترك وجهه، نظراتها امتلأت بالحب والحنان والصدق "أبدا حبيبي، حبي لك محفور داخل قلبي لا شيء يمكن أن يمحوه إلا الموت"
رفع يداه على ذراعيها، قبض عليهم ورأت الألم يحيط الزرقاء
حبيبي يتألم والماضي يطعنه بلا رحمه، كيف يمكنني أن أحمل الألم عنك حبيب القلب؟
"أنا أحمل ماضي غير مشرف ليال ووجودها ينبشه، هي سببه، هي من وضعتني على أعتابه فهل تدركين معنى أن أتجاوز عن معاناة عمر كامل؟"
قلبها يتمزق لأجله، غاضبة من خديجة، كيف تفعل أم ذلك بابنها؟
استسلمت لقبضته على ذراعيها ربما تمتص جزء من ألمه وغضبه "أعلم أنك لن تفعل ولا أطالبك بذلك أنا فقط أريدك أن تمنح أختك ما لم تناله بحياتك، هي فقدت والدها وخديجة لا تمثل لها أي حماية، هي بحاجة لك حبيبي، أخ وسند حتى تمنحها للرجل الذي سيكمل مسيرتها"
انقبض قلبه، تفتت من طعنات نالها بلا حصر وعاش يحاول تضميد جراحه ويوم فاز بحبها داوى كل الجراح
ضاعت كلماته، لا يعرف ماذا يخبرها؟
رفعت يدها الأخرى لوجنته الثانية، أحاطت وجهه براحتيها
عيونها امتلأت بالحب الحقيقي له ونبرة صوتها تغنت بما ينبض به قلبها تجاهه وهي تتفهم ما أراد قوله
"أعلم حبيبي أن ما كان مؤلم، قاسي، لا يمكن نسيانه أبدا لكن من منا لم يواجه ألم بحياته؟ أعلم أن ألمك كان لا مثيل له وأنا لا أطلب منك أن تنسى أنا فقط أخاف أن تدفع جميلة ثمن ألم لا ذنب لها به"
ارتجف القلب الحزين، أخته، جزء منه حتى لو كانت من أمه فقط
عليه أن يعيد ترتيب أفكاره
لمعت عيونه عليها وهي تعيد كلماتها بصيغة أخرى "وجعك حقك حبيبي، لكن أختك لا ذنب لها، أنت تمنح الجميع حمايتك ورعايتك وجميلة الأحق بها هارون ووجود أمها بجوارها حق من حقوقها سيجعلها تدرك أنك الأخ والحامي وليس رجل سقطت بحياته بالصدفة"
تخاطب كعادتها الريس داخله، لا تضغط عليه كابن، لا تطالبه بما لن يمنحه.. السماح أو الغفران
اعتدل، تركت يداها وجنتيه لتستقر على صدره، مكانهم المحبب بجوار قلبه الذي كان ينبض بقوة، ليس تيه أو ضياع فهو الريس لكن غضب سنين طويلة، تفكير لاتخاذ قرار لا يندم عليه
"لا أرغب برؤيتها داخل أو خارج القصر ليال"
ابتسمت، أنفاسها عادت طبيعية "أنا أعشقك يا ريس"
مالت رأسه فضحكت بدلال نسته مع كل ما واجهوه بالأيام السابقة "ستظل ريس قلبي وروحي لنهاية عمري حبيبي"
وأخيرا
ابتسم الريس..