رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثامن والاربعون48 بقلم داليا السيد

رواية غرام في العالم السفلي الفصل الثامن والاربعون48 بقلم داليا السيد 

زفاف

رحيل ليال لم يفض أي شيء، خديجة ظلت على حالها، تجهل ماذا يمكنها أن تفعل، انفصال الكواكب عن المجرات يؤدي للضياع وهي الآن ضائعة

لمسة من ابنتها جعلتها تلتفت لها، دمعتها تشق طريقها على وجنتها

ليس لأن جميلة اختارت رجلا لم تفكر به يوما وإنما لأنها بذلك ستنفصل عنها وسترحل هي لعالم آخر وحدها

"ماما هل أنتِ غاضبة مني؟"

ابتسامة حانية واجهت ابنتها، منحتها كل اهتمامها بصدق، فشلت كأم لابن عمرها فهل يمكن أن تفشل الآن أيضا؟

لمست وجه ابنتها براحتها لتمسح دموعها "لا حبيبتي، أنا فقط أخاف أن أفقدك، أنتِ كل من تبقى لي"

"أبدا ماما، لا شيء سيبعدني عنك، أعلم أن ليال ستجد حل، لا تشغلي بالك، وصفوان أيضا سيجد حل"

ونظرت له، تلتمس منه المساعدة فاقترب منهما، قامته طغت عليهما، نظراته لها منحتها طمأنينة

أنا هنا حبيبة القلب

"بالطبع سنجد حل مدام خديجة"

ابتسمت له، سيكون زوج ابنتها وعليها أن تمنحه ثقتها حتى يحافظ على فلذة كبدها "ماما، ستكون زوج ابنتي وستصبح بمكانة الابن الذي.."

وتحجرت الكلمات بحلقها، أغمضت عيونها وغصة تكونت بفمها وقلبها وجمدت الدماء بعروقها وصوت صفوان يعيدها 

"هارون عانى الكثير بحياته وليس من السهل عليه تجاوز كل ذلك بسهولة"

فتحت عيونها المليئة بدموع الألم والندم والتقت بنظرات صفوان الصادقة وهي تتفهم معنى كلماته.. 

هي السبب.. 

هي السكين الذي أدمى ابنها بنصل حاد بلا رحمة.. 

قتلته قبل أن ينال فرصة ليعيش.. 

أتت به الدنيا ثم ألقته بالجحيم والآن تطلب السماح..

لن يمنحها السماح أبدا..

"معك حق بني، مع كل يوم يرحل الأمل بأن أنال ولو حتى نظرة منه، لم يعد لدي سوى جميلة لذا أتمنى أن تحافظ عليها"

مال تجاها، منحها نظرة ثقة.. لا مجال للمزاح مع المنفذ "ثقي بي مد.. ماما"

ابتسمت من بين دموعها، تركت ابنتها وتحركت له "ربما لم أعرفك جيدا لكن الكلمة خرجت منك تحمل صدق ودفء وصل لقلبي، أنا أثق بك بني وأعلم أني لن أندم على زواجكم"

رحلت الأم..

تركتهم وحدهم وهم يتابعوها بنظراتهم حتى اختفت فتقدم ليقف أمام مجنونته التي لطخت الدموع وجهها

رفع يده ولمس وجنتها فرفعت عيونها له وهو يمسح القطرات المتناثرة هنا وهناك

"ستكون بخير"

كلماته تربت عليها، تمنحها راحة طفيفة ومع ذلك هدأت من روعها "هل ستتركها ترحل؟"

لم يترك وجنتها، دفء وجهها منحه حرارة ارتفعت داخله.. أحب نعومة بشرتها.. حركت داخله مشاعر ظن أنه لن يعرفها ولكنه عرفها، قارنها بتلك التي عاشها مع أسما ولكن لا وجه للمقارنة

المجنونة تفوز.. تنتصر.. تهزم بلحظة منها كل ما عاشه مع الشكولاتة الزائفة..

"أخبرتك أننا سنجد حل فهل تهدئي؟"

ظلت تواجه نظراته وقلبها مفعم بالحزن والسعادة بذات الوقت، حزن لأمها وسعادة لتحقيق حلمها "أنت تحبني صفوان أليس كذلك؟"

ظل إبهامه يتحرك على وجنتها، فتاته الصغيرة تبعثر دواخله.. تنثر العقل وتسكن القلب "أنت لا تثقين بي مجنونتي الصغيرة؟"

ما زال يرفض الاعتراف، يخشى من تجربته الفاشلة، الاعتراف بالحب قد يسقطه مرة أخرى وتلك المرة لن يقبل الهزيمة 

هزة طفيفة من وجهها تمنحه الرد "تعلم أني أفعل صفوان أنا فقط.."

لم يمنحها أي وقت لتخترق دواخله.. 

انحنى جاذبا وجهها له وأكمل ما لم ينهيه بالمرة السابقة، استطعم الشفتان الرقيقتان، نال القبلة، لم يمكنه الانتظار

أرادها ولم يتراجع.. 

رحلت أنفاسها، ارتفع القلب بدقاته محاولا التجاوب مع ما يحدث له..

ارتجف جسدها، دارت الدنيا بها فرفعت يداها وتعلقت بصدر قميصه ولم تفكر بأن تفر منه

أرادت تلك القبلة، أن تشعر.. تدرك.. تصل لقلب العملاق

أنا أرغب بذلك الرجل..

عندما تمايل جسدها توقف، أدرك انهيارها تحت سطوته بل هو ذاته فقد سيطرته.. 

ذلك المذاق مختلف.. أنتِ مختلفة يا فتاة.. 

تأمل وجهها المحلى بلون الورد المتفتح، عيونها منغلقة باسترخاء.. أنفاسها تتبارى لتمنحها الهواء الذي سرقه منها بقبلته

"لنجعله زواج"

فتحت عيونها على اتساعها، شمس نابضة بالحياة تشرق منهما، تمنحه ضوء، دفء وحياة ظن أنه لن ينالها، سرقتها أسما ومنحته المجنونة أجمل منها ألف مرة

"ماذا؟"

لم يحررها، ما زالت راحته تستقر على وجنتها، يداها تقبض على قميصه، قامته تنحني لتصل لوجهها 

"سأطلب من هارون غرفة بالأعلى نتزوج بها حتى ينتهي البيت، أنس فعل المثل، أريدك زوجة بأقرب وقت"

دائخة من قبلته، تائهة من طلبه، بلا عقل بحضور القلب، لم تعرف بماذا تجيب فقط تعثرت بالكلمات "أنا.. لا.. صفوان أنت.."

وصمتت، ولم تعرف من أين تأتي بالكلمات فقد هجرتها..

ابتعدت، تحررت من سطوته التي أهلكتها، أضعفت أي قوة داخلها 

"سننتظر إذن"

التفتت له ورأت قتامة نظراته، الأخضر اختفى بلحظة لكن بلا غضب، لن يجبرها على شيء "صفوان أنا لا أرفض، أنا فقط، خائفة"

عاد وتحرك لها محاولا تفهم مشاعرها "مني؟"

مال وجهها بلا شعور قبل أن تجيب "أخاف منك وأنت ستكون زوجي؟ أنا أخاف أن تندم على تعجلك الزواج، أن تدرك أنك لم ترغب بي وإنما بالعودة لها"

رأى كل شيء بعيونها فما زالت صغيرة لا تعرف كيف تخفي حقيقة ما داخلها

بريئة، صادقة حتى ولو كانت مدللة "لم لا تصدقين أنها انتهت من حياتي؟ أنتِ بنفسك رأيتِ حقيقتها فهل تظنين أنني بيوم ما قد أعود لها وأتقبلها؟"

وجهها مرتفع ليواجه قامته العالية، هل حقا هذا الوسيم سيكون لها؟ ماذا عن الندم؟

"أنا مجنونة ومدللة وقد تندم على تعجلك الزواج"

ابتسم وما أجمل العملاق حين يبتسم.. 

الجاذبية والوسامة تتحدث "لقد سلمت أمري لله وقبلت بالمجنونة والمدللة فقط لأنها تحبني لكن.. ألن تندم الصغيرة على السقوط برجل.."

رفعت يدها، أوقفت الشفاه عن الإكمال "تعلم أنك كل ما تمنيت"

أمسك يدها التي على فمه ووضع قبلات على أصابعها "أعدك ألا تندمي"

ابتسمت "هل الغرفة واسعة؟"

مالت رأسه بلا فهم وردد "غرفة!؟ أي غرفة!؟"

تركت يدها بيده وهي تبتسم بسعادة "التي سنتزوج بها؟"

استوعب كلماتها ثم سرعان ما ضحك الاثنان حتى جذبها له واحتضنها بسعادة وسطوة فهي الآن امرأته..

**** 

انتقلت خديجة لبيت البستاني بعد تنفيذ أوامر ليال

تم إعداد البيت بكل ما يناسبها

عدة أيام كانت كافية لإعداد الزفاف ودعوة الشخصيات الهامة.. 

الريس لم يشارك بشيء.. ترك الأمر للديبة وهي أفضل من يقوم به

ألاء أيضا شاركت معهم، خديجة ساهمت مرة ثم تركت الأمر لليال

صفوان لم يمرر يوما دون رؤية مجنونته، منحها أسس وقواعد زواجهم، الريس أولا وكل شيء يأتي خلفه وهي لا تعترض

ألاء سعيدة بحياتها رغما عن انشغال أنس ولكنها أخبرتها أن عمله لم يقلل أبدا من حبه واهتمامه بها فتعلمت الدرس جيدا

التفتت الفانيليا للريس وهو يغلق باب غرفتهم وتحركت له بجدية "هارون هل تمزح؟ تأخرت جدا"

نظراته مرت على جسدها الذي استعاد جماله بعد أن تعافت من آثار الولادة، حتى أحمد الصغير تحسن كثيرا وبعد أيام أصبح طبيعيا..

"الفستان مفتوح ليال"

تعلم أنه يغار لكنها أخته من تتزوج الليلة "هناك الفرو حبيبي ولن أنزعه"

ضاقت نظراته على عيونها اللامعة، صغيرته تزداد جمالا وهو يزداد كبرا فهل ..

يداها التي استقرت على صدره أوقفته عن التحرك بعيدا "حبيبي غاضب؟"

الزرقاء لا تمنحها أي شيء لكن دقات قلبه المرتفعة تمنحها موجز عن غضب مكتوم "لا"

لم تحرره "يمكنني استبداله"

هل ستفعل حقا؟ جمالها يأخذه وحبها ينمو أكثر داخل قلبه والخوف من فقدانها ينمو معه "ستفعلين!؟"

لم تجيب بكلمات بل تحركت لخزانتها وفتحتها وجذبت فستان آخر واستدارت لتراه خلفها وعيونه تستحوذ عليها "تعلمين أني لن أجعلك تفعلين"

كانت جادة وهي تجيبه "ولكني سأفعل أي شيء لإرضائك هارون، هذا هو كل ما يهمني، سعادتك ورضاك"

راحته استقرت على وجنتها، رحل الغضب وحل الحب والسكينة، الصغيرة تعرف كيف تريح قلب الريس "إلى متى؟"

لم تفهم سؤاله وهو لا يصل بيده لشعرها المصفف بعناية بل اكتفى بنعومة وجنتها تحت أصابعه "إلى متى ماذا هارون؟"

اقترب وجهه من وجهها، لفحتها أنفاسه، استنشقت اللافندر الذي تعشقه "إلى متى ستظلين تحبيني صغيرتي؟"

لم تفكر ولم تهتم بنبرة الحزن بصوته بل بقلبه وقلبها المتعاهدان على الحب "للأبد هارون، حتى آخر نفس من أنفاسي، حتى لو توقفت أنت عن حبي فأنا لن أكف عن حبك فأنت من يجعل قلبي ينبض بالحياة، بدونك أموت هارون"

جذبها له، احتضنها بقوة الألم الرابض داخله من فكرة فقدانها

أكبر فخر للسماء أنك قمرها، أكبر فخر للحب أنك تعرفه، أكبر فخر عندي أنك حبيبي..

همس بجوار أذنيها "لا يهم كم يبقى لي من عمر حبيبة القلب، المهم أن أبقى معك العمر كله"

ضحك قلبها من كلمات ريسه، منحها الحياة والسعادة والراحة، منحته كلماتها "أما بعد فلن أحب أحدا بعدك حبيبي، أما قبل فأنا أساسا لم أعرف الحب إلا بك" 

***** 

دق قلب المجنونة بجنون مثلها.. 

أنهى المأذون كلماته وأخيها يفض يده من يد الرجل الذي أصبح زوجها

وضعت بصمتها بجوار بصمته وقبلة أخيها تركت أثر دافئ على جبينها

المكان واسع وكبير وخديجة انتظرت بعيدا بطلب من ليال حتى تحرك الريس مبتعدا فتحركت لابنتها

فستانها الأبيض منحها ضي رائع وافترش المقعد من حولها، لم يكن مكشوفا لأجل العملاق لكنه كان فاتنا عليها..

احتضنتها خديجة، منحتها مباركة الأم.. 

ليال لحقت بقلبها الذي توقف على أبواب شرفة الحديقة ونظراته غير ثابتة والمدعوين بانتظار العروسين "مبروك حبيبي"

لف وجهه له، الوسامة تختبأ أمامك يا ريس، الجاذبية ستجعله مثار كل النساء وهو ملك لها وحدها

ملك الفانيليا

"تركتِ العروسة وحدها؟"

دفعت يدها بذراعه والتصقت به وابتسامتها تضيء وجهها، صغيرته ترفض منحه لحظة وحده "كنت ترغب بأن أتركك وحدك لتأخذك النساء مني"

ابتسامته منحتها اكتمال روحي لا تعرفه سوى معه "الصغيرة تغار!؟"

تشبثت بذراع جاكته الأنيق ووجها يرتفع له "الصغيرة تغار عليك من روحها وأنفاسها ونسمة الهواء التي تعبث حولك حبيبي، الصغيرة ترغب بحبسك داخل قلبها فلا يراك سواه"

ظلت الزرقاء تتجول على ملامحها الجميلة وهي تمنحه الراحة بكلماتها وقبل أن يجيبها صوت الموسيقى قاطعهم لتعلن عن خروج العروسين 

قبلة العملاق اعتلت جبينها والريس يمنحها له ويحتضنه وقد أصبح زوج أخته

رفعت وجهها الجميل له، أضاءت شمس عيونها وجهه الوسيم، دفء يده التي أحاطت يداها رحلت لها..

التصفيقات استقبلتهم بالحديقة وأحلام تتذكر ليلتها ومر موت سعد على ذهنها لكن ذراع جامد الملامح منحتها الرفقة ودفعت الذكرى بعيدا فابتسمت له ويدها تمر على بطنها.. 

نسمة الصغيرة قاربت على الوصول وكلاهم ينتظرها بفارغ صبر

خديجة توارت بعيدا، تركت ألاء وليال يساعدان المدللة التي نست كل شيء منذ ضمها زوجها له وانطفأت الأضواء العالية وموسيقى هادئة تحتويهم.. تمنحهم الرومانسية التي لم يعرفها كلاهم سوى مع بعضهم البعض..

"أنا محظوظ"

ارتجف قلبها، العملاق لا يمنحها أي شيء سوى قبلته التي تدير الدنيا من حولها

كل يوم مما فات من بعد قراءة الفاتحة كان يخطفها من بين التجهيزات لينال قبلته.. اشتياقه لها ترجمه بأفعال وليس كلمات..

"حقا صفوان!؟ أنت لن تندم لأنك تزوجت مجنونة مدللة ابنة.."

أحنى رأسه لينهي المسافة بينهم، يضمها لأحضانه كما تمنى أوقف كلماتها بكلماته "نحن متشابهين جميلة، كلانا لديه ما يخجل منه لكن معا يمكننا تجاوز كل شيء"

هزت رأسها وطرحتها البيضاء تتأرجح معها، شعرها الأصفر تكوم بمنتصف رأسها وبدت ملكة وابتسامتها تمنحه إشراقة "نعم أنت على حق، معا سنتجاوز كل شيء، صفوان أنا لم أعرف الأمان إلا يوم عرفتك، أرغب بمنحك كل السعادة التي تستحقها"

رفع وجهه ووضع قبلة على جبينها ولولا الوجود وخجله من الريس لأخذ شفتيها الآن 

الموسيقى تبدلت والجميع التف حولهم، حتى ألاء منحها زوجها فستان يليق بالحمل ويمنحها جمالا أكثر من جمالها

الفانيليا شاركتهم فرحتهم والريس توسط مجموعة من رجال الأعمال ولكن عيونه كانت على صغيرته

رشدي حرر العسلية هو الآخر وتركها للبقية تمرح معهم، الحمل لم يوقفهم والضحكات علت الأجواء وهم يرقصون ويدندنون بكلمات الأغاني والعريس اندمج مع الرجال وأنس معه 

"أنت تنسى صغيرتك الليلة"

التفت لها تاركا الرجال التي كان يتحدث معهم وهي تشبك أصابعها بأصابعه وتجذبه لمكان الأصدقاء وهو يحاول إيقافها "ليال، ليال انتظري"

ضحكتها ترن بأذنه وصوتها موسيقاه الخاصة "أنت لي الليلة يا ريس"

تتعمد النطق بالكلمة وهي تصل به للزحام والكل يتراجع للريس والرجال تصيح لوجوده وهو يراها تضحك وتحرك ذراعيه بيداها وتهتف "ابتسم حبيبي، رفيقك يتزوج الليلة"

وبالفعل صفوان تحرك له، احتضنه وليال تتراجع وأنس يغلق الدائرة والريس ترك نفسه لرفاقه..

لأول مرة يخرجون عن المألوف..

لا جدية..

لا خطط..

فقط مرح، رقص، غناء وسعادة 

ثلاثتهم نفض ماضيه بعيدا

فقط ذكرياتهم الجيدة معا.. محبتهم، إخلاصهم وتضحياتهم لبعضهم البعض حتى احتضنا بعضهم والريس يربت على صفوان 

"مبارك أخي"

"ثقتك غالية عندي هارون"

ربت على كتفه ثم ابتعد والفانيليا تلحق به والبسكوتة بالغاضب والعملاق جذب مجنونته له "تركتك كثيرا"

تورد وجهها والابتسامة لا تتركها، سعادتها تعتلي كل شيء، ربما فقدت أصحابها المزيفين حيث كانت، لكن هنا وجدت الصدق والحب والأمان..

أحاطته بذراعيها الصغيرة "وأنا افتقدتك كثيرا أيها العملاق"

رفع حاجبه وردد "عملاق!؟"

وبلحظة كانت ترتفع عن الأرض وهو يرفعها وما زالت يداها حول عنقه وهو يلف بها "العملاق لا يرحم"

التصفيقات تعالت، والصيحات من رجال الديب أحاطت به والزغاريد من منسق الموسيقى أشعلت الأجواء والريس لف الفانيليا بذراعه وهمس لها 

"أحبك"

التفتت له، لمعت مقلتيها على وجهه ونظراته المليئة بالحب لها والتصقت به "وانا أعشقك حبيبي"

الغاضب ابتسم وجذب البسكوتة له "تمنيت منحك حفل كهذا لكن.."

رفعت أصابعها على فمه ونظراتها تستقر على وجهه "أنا اكتفيت بك حبيبي، أنت كل ما أردت وتمنيت"

وضع قبلة حانية على راحتها وضمها له "وأنا أحبك ألاء، حياتي بدأت يوم عرفتك وأحببتك"

العسلية تذكرت عندما كانت تحلم بصفوان، كم كانت تتمنى نظرة منه حتى سقطت بالغرام مع الجامد، أصبح صفوان أخ، منقذ بوقت الضيق، صفوان القلب الطيب، أسما لم تكن تليق به لكن..

المجنونة المدللة مختلفة، من تحت هذا المظهر امرأة أخرى سلبت العملاق عقله وقلبه وأحلام تدرك ذلك، رأت نظرة الفتاة له، العسلية تعرف نظرة العشق والغرام لذا صفوان لن يندم على اختياره تلك المرة

ذراع زوجها جعلتها تنتفض من أفكارها، عطره الثمين ككل شيء يملكه جعلها ترفع وجهها له "هل أنتِ بخير حبيبتي؟"

لمست صدره بيدها، استقرت نظراتها العسلية على عيونه التي تحتويها بحنان تعشقه منه "بأفضل حال حبيبي، معهم أشعر بأني بين أهلي، عائلتي"

ابتسم الجامد لها، يمنحها كل الحب الذي يملكه لها بلا ندم "وعائلتي"

هدأت الأجواء واستراحة قصيرة والعروسان جلسا على مائدة بعيدا عن الزحام وخديجة رحلت لابنتها "حبيبتي هل تحتاجين شيء؟"

يدها بيد زوجها الذي كان يطعمها عندما التفتت لأمها "ماما، لا أنا بخير، اجلسي"

ربتت على كتفها وهي تقف بجوار مقعدها وابتسمت بحنان، أم العروسة لكنها تشعر بالغربة بينهم، لا مكان لها هنا فهل ترحل!؟ 

"لا حبيبتي، ابقي مع زوجك أنا فقط اطمئن عليك"

ووضعت قبلة على وجنتها ومنحت صفوان نظراتها "أعلم أنك ستحافظ عليها صفوان ومع ذلك أتمنى أن تسعدها"

رفع يد المجنونة لفمه ووضع قبلة عليها جعل المدللة تلتفت له وهو يتلقى شمس عيونها "أعدك أن أفعل"

ابتسمت لهما ومنعت دموعها من أن تحتل عيونها وتركتهم بلحظتهم الرومانسية وليلتهم الخاصة وتراجعت بعيدا حتى توقفت قبل أن تصطدم برجل رأته من قبل 

"مدام خديجة.. صح!؟"

ملامحها الجميلة ظلت ساكنة، اعتادت نظرات الطمع قديما، لكنها تعلمت جيدا كيف تغلق الأبواب قبل أن تطرق

ارتبكت لنظراته "نعم وحضرتك.."

نست الاسم لكنها تذكر رؤيته بالمشفى "علي زيتون والد رشدي، التقينا بالمشفى"

ابتسامتها الباهتة لم تتسع، ولم تختفِ، ظلت معلقة على شفتيها بلا روح، أما هو فمال قليلا، كأن الضوضاء حولهما غير موجودة 

"فرح جميل.. لكن متعب"

لم تجبه فورا، عيناها مرت فوق الحضور ثم عادت له بحذر "الأفراح دائما كذلك"

راقبها وهو يبتسم، ابتسامة رجل اعتاد أن يأخذ ما يريد أو على الأقل.. يقترب منه 

"كنت أتمنى ظروف أفضل للتعارف" توقف لحظة، ثم أضاف بصوت منخفض "لكن القدر لا يسألنا رأينا"

انقبض صدرها، شعور قديم بالاختناق عاد يزحف، نفس الشعور الذي كانت تظنه مات منذ سنوات

أدارت جسدها نصف استدارة، استعدادا للانسحاب 

"تشرفت بمعرفتك أستاذ علي"

لكنه لم يبتعد، فقط أفسح لها الطريق ببطء "الفرص يا مدام خديجة.." توقفت حين نطق اسمها مرة أخرى "إن لم نغتنمها، قد لا تعود"

مرت من جواره دون رد، خطواتها ثابتة رغم الارتجاف الذي حاول أن يخونها وحين ابتعدت خطوتين، وصلها صوته أخيرا 

"سنلتقي مرة أخرى.. أنا واثق"

لم تلتفت..

لكن يدها انقبضت على حقيبتها بقوة، وكأنها تحاول أن تتأكد أن الماضي.. ما زال خلفها وليس أمامها

**** 

اليوم كان أول يوم تطعم فيه أحمد الصغير بلا شفط، مباشرة من صدرها لذا تركت الزفاف وصعدت لموعد وجبته واحتضنته بسعادة

الممرضة لم ترحل رغم نزع الأجهزة عنه 

نائما بهدوء، صغير، عطر الأطفال يتصاعد بالغرفة وضوضاء الزفاف خارج النافذة لا يزعجه

"كيف حاله سارة؟"

ابتسمت لها الفتاة "بأفضل حال مدام"

رفعته بين ذراعيها.. 

لم يخبرها أحد كيف تفعل بل هي غريزة إلهية.. 

وضعت قبلة على جبينه، تحركت اليد الصغيرة عابثة وهي تبتسم له وتجلس لتمنحه صدرها لإطعامه

تعلم بالصباح كيف يأكل منها وكانت سعيدة جدا كما هي الآن

كانت تحلم كل ليلة بتلك اللحظات وانتظرتها وها هي تتحقق..

نست كل ما مر بها أثناء الولادة ولم تذكر سوى أنه بين أحضانها

انفتح الباب ورأت الريس، لا يتركها كما ادعت عليه بالمزاح "اتركينا"

رحلت سارة بالحال، الجميع يدرك هيبة الريس، رفعت وجهها له بابتسامة رقيقة يحبها وهو يقف بجوارها ويلمس وجنة الصغير 

"كيف حاله؟"

عادت لطفلها المشغول بامتصاص طعامه "يأكل بشهية، سيكون قوي كوالده، حارب لأجل البقاء"

ومنحته نظراتها وهو يتلقاها بهدوئه المعتاد لكن كلماتها أصابت

هو بالفعل حارب وحارب كثيرا لأجل البقاء ولا يمكنها تخيل ما مر به كي يصل لمكانته الحالية 

"ذكي وموهوب كوالدته، هل انتهى؟"

كان بالفعل قد انتهى وهي تغلق فستانها "نعم"

انحنى وبلا استئذان أخذه منها.. 

رفعه وضمه لصدره، ربت على ظهره كما علمته حتى أصدر الصغير صوتا فابتسم وهي تنهض لتقف أمامه 

"أرغب بعمل عقيقة له هارون"

لم يترك الصغير، رأسه الصغيرة تميل على كتف والده، أنفاسه العطرة تدغدغ عنق الزعيم والزعيم سعيد بطفله "افعلي ما تشائين ملاكي، لكِ كل ما تريدين"

ابتسمت وأحاطت خصره بذراعها فلفها بذراع وابنه بالآخر وعائلته بين أحضانه ورأسها يستقر على صدره "تحبك صغيرتك"

وضع قبلة على رأسها.. يخبرها أنها تسكن قلبه بلا منافس

**** 

النصف الثاني من الزفاف كان أهدأ، توقف الجميع في حلقات، لا رقص، بل موسيقى هادئة حتى تجمدت نظرات صفوان فجأة على مكان ما من الحديقة المزينة بالأنوار والورود

"صفوان أنا أتحدث معك!؟"

لكنه لم يكن يسمعها..

نظراته ثابتة.. أنفاسه تكاد تكون معدومة.. الكوب يكاد يتحطم تحت ضغط أصابعه وتحولت نظرات المجنونة للمكان الذي سرقه منها..

أسما!!

انقبض قلب المدللة، سكنت نظراتها على المرأة التي اتهمتها يوما بالعهر والتي هي منافسها الوحيد على قلب هذا الرجل

الريس انتبه هو الآخر لنظرات صفوان، أنس توقف عن الحديث مع زوجته.. 

تحركت الشكولاتة الزائفة، عرفت بالزفاف من الميديا.. 

من لا يتحدث عن المنفذ!؟ 

هل تألم قلبها!؟ 

الظلام حط عليها بمجرد أن عرفت.. ضاع الأمل بعودته.. انتهت أحلامها وذبحت على أرض الواقع

ظل الجميع بأماكنهم حتى ليال، لم تخطو خطوة واحدة، ومن له الحق بالتصرف ما زال ثابتا مكانه.. 

لن تفسد تلك الشوكة ليلته

يد قبضت على ذراعه جعلته يفيق، يرتد للمدللة التي امتلأت نظراتها بالفزع، التهبت شعلة غضب داخله للخوف الذي تجرأ ولمس امرأته بليلة زفافها

اللعنة أسما سأقتلك لو فكرت المساس بالنور الوحيد بحياتي..

"أتيت لأبارك"

الدائرة مغلقة، لا أحد تحرك ليفسح لها، النظرات تكاد تحرقها وهي تملك جرأة غريبة للبقاء ثابتة هكذا 

عندما لم يجيبها أحد منحت المجنونة نظراتها "سيلقيك كما ألقاني فهو لم يحب سوى واحدة"

تراجعت ليال والجنون يعصف بأسما..

ما زالت تعبث بأفكارها السوداء وهارون لن يرحمها لو سمع كلماتها ومن الأفضل ألا يتدخل لكن الريس لا يتراجع

لقد سمع كلماتها ولم يسكت "زوجتي!؟"

التفتت له النظرات

الريس يعرف كل شيء..

صفوان، ليال وحتى أنس لم يخبروه حقيقة تصرفات أسما ولكنه عرف، هو يعرف كل شيء بطرقه الخاصة

رحلت الدماء من وجه الغارقة بالحقد، انتفض قلبها وهي لم تواجه الريس من قبل 

"عيبك أسما أنكِ لم تعرفي تلك الرجال جيدا"

فتح صفوان فمه ليتحدث..

أنس أراد التدخل..

ليال لزمت الصمت، ليست محل اتهام حتى لو رغبت أسما بوضعها به، هي تعرف أن زوجها يثق بها

"بل أنت الذي لم تعرف، غيابك بدل الكثير و.."

صفوان تخطى مرحلة الهدوء "كفى"

ارتجت من داخلها، هل فكرتِ أن ما تفعليه سيعيده؟ 

أنتِ خسرتِ كل شيء ولن تخسري وحدك، عليكِ بهدم المعبد على الجميع

هكذا أمرها شيطانها..

الريس رفع يده، أوقف اندفاع صفوان، غضب أنس، خوف المدللة، حتى صمت الفانيليا 

"غيابي أظهر الحقيقة التي كانت تتخفى وراء المظاهر، قدمي التهاني وارحلي أسما وجودك غير مرحب به"

شحبت، لم تكن هذه خطتها، أن تواجه الريس فهذا لم يكن بحساباتها بل أرادت صنع فضيحة كبيرة و..

النبرة الهادئة مخيفة.. 

ارتجفت منها شفتاها، حاولت التماسك، رفعت ذقنها بتحد مصطنع لكن عينيها خانتاها، الهزيمة كانت أوضح من أي كلمة

نظرت لصفوان، تبحث عن أي شرخ، أي ضعف، أي نظرة قديمة..

لم تجد شيئا..

كان يقف جوار زوجته الجديدة، كتفه مائل نحوها، جسده يحجبها عنها دون قصد منه، وكأن عقله الباطن أعلن اختياره منذ زمن

تراجعت، خاصمت الشيطان الذي تخلى عنها وتركها وحيدة..

"حسنا.. أنا.. فقط.. أردت أن أبارك"

خرجت الكلمات باهتة، بلا روح، لا تشبه النيران التي اشتعلت داخلها قبل دقائق..

لم يرد صفوان.. الصمت كان أقسى من أي إهانة..

جميلة شدت على ذراعه بخفة، لا خوفا وقد رحل الخوف بوجوده ووجود أخيها

بل ثباتا. 

رفعت رأسها، نظراتها هادئة، لا انتصار فيها ولا شماتة، فقط يقين

وهذا ما قتل أسما

الريس خطا خطوة واحدة، صوته منخفض كعادته لكنه نافذ، قوي ومخيف "الزفاف ليس ساحة لتصفية الحسابات، أنتِ جئت متأخرة.. كل شيء انتهى"

تراجعت خطوة دون أن تشعر..

انكسر شيء داخلها.. ليس بسبب كلماته، بل لأن الحقيقة صُفعت بها علنا؛ لم تعد جزءا من أي شيء

استدارت ببطء، خطوتها الأولى كانت مهزوزة، الثانية أكثر ثقلا.. وعندما ابتعدت، لم يلتفت لها أحد، حتى الموسيقى لم تتوقف

عادت الأصوات، عاد الهمس، عاد الفرح وكأن وجودها لم يكن سوى ظل عابر..

العملاق مال على جميلة، همس لها بصوت لم يسمعه سواها "انتهت"

أغمضت عينيها لثانية، تنفست بعمق.. ثم ابتسمت

أما أسما.. 

فخرجت من الحديقة محملة بما لا يُرى؛ وجع الخسارة حين تأتي متأخرة، وحقيقة أن بعض الأبواب لا تُغلق في وجهك..

بل تُنسى..

**** 

انتهى الزفاف كما تنتهي الليالي الكبيرة.. 

بقايا موسيقى هادئة، ضحكات متعبة، كؤوس وضعت على الطاولات، وأضواء بدأت تخفت كأنها تلتقط أنفاسها الأخيرة

غادر العروسان، تبعهم الأقل قربا، وبقي القصر أقل ازدحامًا، أكثر صمتًا، كأن المكان يتهيأ لشيء لا علاقة له بالفرح

السيارات الفارهة التي توقفت أمام بوابة القصر لم تكن ضمن طقوس الوداع 

اعتدل رجال الديب في أماكنهم، توتر غير معلن انتشر، والديب نفسه لم يتحرك، لم يرمش، جامد، هادئ، مخيف

الكبير..

لم تكن لحظة مناسبة، ولم يكن توقيتا بريئا، لكن هذا الرجل لا يعرف التوقيتات، هو يصنعها

توقف صاحب السلطة أمام الريس، لا خوف، لا ارتجاف، بل سطوة، افتخار، قوة واعتزاز..

أب أمام ابن لم يقبل الوصايا، نظرات لا تعرف التراجع، وكلمات تقاس بميزان القوة لا المشاعر

"أعلم أني تأخرت"

ثبات هارون يثير جنون من يواجه، يجعل أفكاره تتقلب يمينا ويسارا بلا شط..

عيون الكبير ثبتت على ابنه المتمرد عليه، ما بينهم لا يمكن تجاوزه، لكن هارون عاد من الموت وقد نزع الرحمة من قلبه

هذا ما كان يظنه

أجاب الريس بنبرة لا تحمل شيء "هذا صحيح"

ضاقت زرقاء الكبير، هارون يصيب أهداف والكبير يفقد أخرى متفهما معاني كلماته 

"طائرتي تأخرت بسبب الطقس، تهانيّ للعروسين"

منحه هارون إيماءة برأسه بلا كلمات والكبير يرحل بنظراته للفانيليا الثابتة بجوار زوجها "أفتقد مهاراتك ليال والمجلس كله يشيد بغيابك"

ملامحها لا تمنحه أي شيء، تعلمت من تلك الشهور الكثير وغياب زوجها "شكرا يا باشا"

"هل لي برؤية الصغير؟"

تجهم وجه الريس، رحلت نظرات الديبة له، أنس جامدا لا يبعد عيونه عن رجال الكبير وهارون يحارب غضبه 

"غير مسموح لأحد برؤيته من خارج العائلة"

عاد له الكبير، اقترب ومال بجسده على ابنه المتمرد..

كم مرة فرض حمايته عليه؟ 

كم مرة ساعده دون أن يعلم حتى يعلم فيغضب ويثور معترضا بلا فائدة

كم مرة ترجاه ليكون بجواره، ليترك له إرثه ومكانته، ابنه الذي يتمناه لكن.. 

بلا فائدة..

خف صوته، كان فقط لابنه، ليس من حق الرجال معرفة ما يخصه لكن، الريس لا يفهم ذلك "هو حفيدي شئت أم أبيت"

رفع هارون ذقنه، التحدي بنظراته كادت تحرق الرجل بمكانه لكن الرجل كان هادئ كابنه، ينثر المياه لتطفئ الحريق..

"ابني ليس له أجداد، فقط أم وأب"

ابتسم الكبير، ابتسامة ثقة، يقين، شعور أب يعرف أن ابنه غاضب، لكن هو يحارب لأجله.. يرغب بدفع الثمن لاسترداده وقد حاول طوال سنوات بلا ملل ولا تراجع..

مال الكبير بجسده قليلا، صوته انخفض، صار خاصا، أبويا على غير عادته "لا أحد سيوقفني عن ابني أو حفيدي حتى لو كان أنت، فقط أمنحه وقت ليقوى وبعدها.."

ولم يكمل.. وهارون شد فكه، التحدي يشعل عينيه، أب لا يعترف بالهزيمة وابن لا يعترف بالدم

كلمات قليلة، نظرات أثقل منها..

ثم..

حركة خاطفة لم ينتبه لها أحد إلا في اللحظة الخطأ

وميض اخترق الظلام.. 

صوت رصاصة شق الهواء.. 

وفي اللحظة ذاتها، تحرك الكبير خطوة للأمام..

جسده كان الحاجز

ارتطم هارون بقوة إلى الخلف، وانهار الكبير أمامه..

يده تضغط على صدره حيث بدأ الدم يزحف سريعا بين أصابعه

صرخة ليال مزقت السكون

أنس اندفع، رجال الديب انتشروا والديب واقفا..

ينظر إلى الرجل الذي ارتد أمامه..

إلى أبيه، الذي اختار أن يسقط بدلا عنه..

ضحى بنفسه ليمنحه هو الحياة..

عاد للواقع..

صدر الكبير ارتد للخلف، نصف خطوة، كأن الضربة لم تصبه بعد، ثم جاءت الحقيقة..

يده ارتفعت ببطء، توقفت عند صدره وعندما سحبها.. 

كان الدم.. 

أحمر داكن، كثيف، يتسرب بين أصابعه، يسقط نقطة.. ثم أخرى.. ثم يسيل

العينان التقتا.

لا عتاب..

لا دهشة..

فقط نظرة ثابتة.. قصيرة.. كأنها تقول شيئا لم ينطق يوما

جسد الكبير بدأ يثقل.. ركبة خذلته.. ثم الثانية..

وقع.

والأرض تحته لم تكن أقسى من الصمت الذي ابتلع المكان..

والليل الذي بدأ بفرح، أغلق أبوابه على الدم..

الفصل الثامن والأربعون

زفاف

رحيل ليال لم يفض أي شيء، خديجة ظلت على حالها، تجهل ماذا يمكنها أن تفعل، انفصال الكواكب عن المجرات يؤدي للضياع وهي الآن ضائعة

لمسة من ابنتها جعلتها تلتفت لها، دمعتها تشق طريقها على وجنتها

ليس لأن جميلة اختارت رجلا لم تفكر به يوما وإنما لأنها بذلك ستنفصل عنها وسترحل هي لعالم آخر وحدها

"ماما هل أنتِ غاضبة مني؟"

ابتسامة حانية واجهت ابنتها، منحتها كل اهتمامها بصدق، فشلت كأم لابن عمرها فهل يمكن أن تفشل الآن أيضا؟

لمست وجه ابنتها براحتها لتمسح دموعها "لا حبيبتي، أنا فقط أخاف أن أفقدك، أنتِ كل من تبقى لي"

"أبدا ماما، لا شيء سيبعدني عنك، أعلم أن ليال ستجد حل، لا تشغلي بالك، وصفوان أيضا سيجد حل"

ونظرت له، تلتمس منه المساعدة فاقترب منهما، قامته طغت عليهما، نظراته لها منحتها طمأنينة

أنا هنا حبيبة القلب

"بالطبع سنجد حل مدام خديجة"

ابتسمت له، سيكون زوج ابنتها وعليها أن تمنحه ثقتها حتى يحافظ على فلذة كبدها "ماما، ستكون زوج ابنتي وستصبح بمكانة الابن الذي.."

وتحجرت الكلمات بحلقها، أغمضت عيونها وغصة تكونت بفمها وقلبها وجمدت الدماء بعروقها وصوت صفوان يعيدها 

"هارون عانى الكثير بحياته وليس من السهل عليه تجاوز كل ذلك بسهولة"

فتحت عيونها المليئة بدموع الألم والندم والتقت بنظرات صفوان الصادقة وهي تتفهم معنى كلماته.. 

هي السبب.. 

هي السكين الذي أدمى ابنها بنصل حاد بلا رحمة.. 

قتلته قبل أن ينال فرصة ليعيش.. 

أتت به الدنيا ثم ألقته بالجحيم والآن تطلب السماح..

لن يمنحها السماح أبدا..

"معك حق بني، مع كل يوم يرحل الأمل بأن أنال ولو حتى نظرة منه، لم يعد لدي سوى جميلة لذا أتمنى أن تحافظ عليها"

مال تجاها، منحها نظرة ثقة.. لا مجال للمزاح مع المنفذ "ثقي بي مد.. ماما"

ابتسمت من بين دموعها، تركت ابنتها وتحركت له "ربما لم أعرفك جيدا لكن الكلمة خرجت منك تحمل صدق ودفء وصل لقلبي، أنا أثق بك بني وأعلم أني لن أندم على زواجكم"

رحلت الأم..

تركتهم وحدهم وهم يتابعوها بنظراتهم حتى اختفت فتقدم ليقف أمام مجنونته التي لطخت الدموع وجهها

رفع يده ولمس وجنتها فرفعت عيونها له وهو يمسح القطرات المتناثرة هنا وهناك

"ستكون بخير"

كلماته تربت عليها، تمنحها راحة طفيفة ومع ذلك هدأت من روعها "هل ستتركها ترحل؟"

لم يترك وجنتها، دفء وجهها منحه حرارة ارتفعت داخله.. أحب نعومة بشرتها.. حركت داخله مشاعر ظن أنه لن يعرفها ولكنه عرفها، قارنها بتلك التي عاشها مع أسما ولكن لا وجه للمقارنة

المجنونة تفوز.. تنتصر.. تهزم بلحظة منها كل ما عاشه مع الشكولاتة الزائفة..

"أخبرتك أننا سنجد حل فهل تهدئي؟"

ظلت تواجه نظراته وقلبها مفعم بالحزن والسعادة بذات الوقت، حزن لأمها وسعادة لتحقيق حلمها "أنت تحبني صفوان أليس كذلك؟"

ظل إبهامه يتحرك على وجنتها، فتاته الصغيرة تبعثر دواخله.. تنثر العقل وتسكن القلب "أنت لا تثقين بي مجنونتي الصغيرة؟"

ما زال يرفض الاعتراف، يخشى من تجربته الفاشلة، الاعتراف بالحب قد يسقطه مرة أخرى وتلك المرة لن يقبل الهزيمة 

هزة طفيفة من وجهها تمنحه الرد "تعلم أني أفعل صفوان أنا فقط.."

لم يمنحها أي وقت لتخترق دواخله.. 

انحنى جاذبا وجهها له وأكمل ما لم ينهيه بالمرة السابقة، استطعم الشفتان الرقيقتان، نال القبلة، لم يمكنه الانتظار

أرادها ولم يتراجع.. 

رحلت أنفاسها، ارتفع القلب بدقاته محاولا التجاوب مع ما يحدث له..

ارتجف جسدها، دارت الدنيا بها فرفعت يداها وتعلقت بصدر قميصه ولم تفكر بأن تفر منه

أرادت تلك القبلة، أن تشعر.. تدرك.. تصل لقلب العملاق

أنا أرغب بذلك الرجل..

عندما تمايل جسدها توقف، أدرك انهيارها تحت سطوته بل هو ذاته فقد سيطرته.. 

ذلك المذاق مختلف.. أنتِ مختلفة يا فتاة.. 

تأمل وجهها المحلى بلون الورد المتفتح، عيونها منغلقة باسترخاء.. أنفاسها تتبارى لتمنحها الهواء الذي سرقه منها بقبلته

"لنجعله زواج"

فتحت عيونها على اتساعها، شمس نابضة بالحياة تشرق منهما، تمنحه ضوء، دفء وحياة ظن أنه لن ينالها، سرقتها أسما ومنحته المجنونة أجمل منها ألف مرة

"ماذا؟"

لم يحررها، ما زالت راحته تستقر على وجنتها، يداها تقبض على قميصه، قامته تنحني لتصل لوجهها 

"سأطلب من هارون غرفة بالأعلى نتزوج بها حتى ينتهي البيت، أنس فعل المثل، أريدك زوجة بأقرب وقت"

دائخة من قبلته، تائهة من طلبه، بلا عقل بحضور القلب، لم تعرف بماذا تجيب فقط تعثرت بالكلمات "أنا.. لا.. صفوان أنت.."

وصمتت، ولم تعرف من أين تأتي بالكلمات فقد هجرتها..

ابتعدت، تحررت من سطوته التي أهلكتها، أضعفت أي قوة داخلها 

"سننتظر إذن"

التفتت له ورأت قتامة نظراته، الأخضر اختفى بلحظة لكن بلا غضب، لن يجبرها على شيء "صفوان أنا لا أرفض، أنا فقط، خائفة"

عاد وتحرك لها محاولا تفهم مشاعرها "مني؟"

مال وجهها بلا شعور قبل أن تجيب "أخاف منك وأنت ستكون زوجي؟ أنا أخاف أن تندم على تعجلك الزواج، أن تدرك أنك لم ترغب بي وإنما بالعودة لها"

رأى كل شيء بعيونها فما زالت صغيرة لا تعرف كيف تخفي حقيقة ما داخلها

بريئة، صادقة حتى ولو كانت مدللة "لم لا تصدقين أنها انتهت من حياتي؟ أنتِ بنفسك رأيتِ حقيقتها فهل تظنين أنني بيوم ما قد أعود لها وأتقبلها؟"

وجهها مرتفع ليواجه قامته العالية، هل حقا هذا الوسيم سيكون لها؟ ماذا عن الندم؟

"أنا مجنونة ومدللة وقد تندم على تعجلك الزواج"

ابتسم وما أجمل العملاق حين يبتسم.. 

الجاذبية والوسامة تتحدث "لقد سلمت أمري لله وقبلت بالمجنونة والمدللة فقط لأنها تحبني لكن.. ألن تندم الصغيرة على السقوط برجل.."

رفعت يدها، أوقفت الشفاه عن الإكمال "تعلم أنك كل ما تمنيت"

أمسك يدها التي على فمه ووضع قبلات على أصابعها "أعدك ألا تندمي"

ابتسمت "هل الغرفة واسعة؟"

مالت رأسه بلا فهم وردد "غرفة!؟ أي غرفة!؟"

تركت يدها بيده وهي تبتسم بسعادة "التي سنتزوج بها؟"

استوعب كلماتها ثم سرعان ما ضحك الاثنان حتى جذبها له واحتضنها بسعادة وسطوة فهي الآن امرأته..

**** 

انتقلت خديجة لبيت البستاني بعد تنفيذ أوامر ليال

تم إعداد البيت بكل ما يناسبها

عدة أيام كانت كافية لإعداد الزفاف ودعوة الشخصيات الهامة.. 

الريس لم يشارك بشيء.. ترك الأمر للديبة وهي أفضل من يقوم به

ألاء أيضا شاركت معهم، خديجة ساهمت مرة ثم تركت الأمر لليال

صفوان لم يمرر يوما دون رؤية مجنونته، منحها أسس وقواعد زواجهم، الريس أولا وكل شيء يأتي خلفه وهي لا تعترض

ألاء سعيدة بحياتها رغما عن انشغال أنس ولكنها أخبرتها أن عمله لم يقلل أبدا من حبه واهتمامه بها فتعلمت الدرس جيدا

التفتت الفانيليا للريس وهو يغلق باب غرفتهم وتحركت له بجدية "هارون هل تمزح؟ تأخرت جدا"

نظراته مرت على جسدها الذي استعاد جماله بعد أن تعافت من آثار الولادة، حتى أحمد الصغير تحسن كثيرا وبعد أيام أصبح طبيعيا..

"الفستان مفتوح ليال"

تعلم أنه يغار لكنها أخته من تتزوج الليلة "هناك الفرو حبيبي ولن أنزعه"

ضاقت نظراته على عيونها اللامعة، صغيرته تزداد جمالا وهو يزداد كبرا فهل ..

يداها التي استقرت على صدره أوقفته عن التحرك بعيدا "حبيبي غاضب؟"

الزرقاء لا تمنحها أي شيء لكن دقات قلبه المرتفعة تمنحها موجز عن غضب مكتوم "لا"

لم تحرره "يمكنني استبداله"

هل ستفعل حقا؟ جمالها يأخذه وحبها ينمو أكثر داخل قلبه والخوف من فقدانها ينمو معه "ستفعلين!؟"

لم تجيب بكلمات بل تحركت لخزانتها وفتحتها وجذبت فستان آخر واستدارت لتراه خلفها وعيونه تستحوذ عليها "تعلمين أني لن أجعلك تفعلين"

كانت جادة وهي تجيبه "ولكني سأفعل أي شيء لإرضائك هارون، هذا هو كل ما يهمني، سعادتك ورضاك"

راحته استقرت على وجنتها، رحل الغضب وحل الحب والسكينة، الصغيرة تعرف كيف تريح قلب الريس "إلى متى؟"

لم تفهم سؤاله وهو لا يصل بيده لشعرها المصفف بعناية بل اكتفى بنعومة وجنتها تحت أصابعه "إلى متى ماذا هارون؟"

اقترب وجهه من وجهها، لفحتها أنفاسه، استنشقت اللافندر الذي تعشقه "إلى متى ستظلين تحبيني صغيرتي؟"

لم تفكر ولم تهتم بنبرة الحزن بصوته بل بقلبه وقلبها المتعاهدان على الحب "للأبد هارون، حتى آخر نفس من أنفاسي، حتى لو توقفت أنت عن حبي فأنا لن أكف عن حبك فأنت من يجعل قلبي ينبض بالحياة، بدونك أموت هارون"

جذبها له، احتضنها بقوة الألم الرابض داخله من فكرة فقدانها

أكبر فخر للسماء أنك قمرها، أكبر فخر للحب أنك تعرفه، أكبر فخر عندي أنك حبيبي..

همس بجوار أذنيها "لا يهم كم يبقى لي من عمر حبيبة القلب، المهم أن أبقى معك العمر كله"

ضحك قلبها من كلمات ريسه، منحها الحياة والسعادة والراحة، منحته كلماتها "أما بعد فلن أحب أحدا بعدك حبيبي، أما قبل فأنا أساسا لم أعرف الحب إلا بك" 

***** 

دق قلب المجنونة بجنون مثلها.. 

أنهى المأذون كلماته وأخيها يفض يده من يد الرجل الذي أصبح زوجها

وضعت بصمتها بجوار بصمته وقبلة أخيها تركت أثر دافئ على جبينها

المكان واسع وكبير وخديجة انتظرت بعيدا بطلب من ليال حتى تحرك الريس مبتعدا فتحركت لابنتها

فستانها الأبيض منحها ضي رائع وافترش المقعد من حولها، لم يكن مكشوفا لأجل العملاق لكنه كان فاتنا عليها..

احتضنتها خديجة، منحتها مباركة الأم.. 

ليال لحقت بقلبها الذي توقف على أبواب شرفة الحديقة ونظراته غير ثابتة والمدعوين بانتظار العروسين "مبروك حبيبي"

لف وجهه له، الوسامة تختبأ أمامك يا ريس، الجاذبية ستجعله مثار كل النساء وهو ملك لها وحدها

ملك الفانيليا

"تركتِ العروسة وحدها؟"

دفعت يدها بذراعه والتصقت به وابتسامتها تضيء وجهها، صغيرته ترفض منحه لحظة وحده "كنت ترغب بأن أتركك وحدك لتأخذك النساء مني"

ابتسامته منحتها اكتمال روحي لا تعرفه سوى معه "الصغيرة تغار!؟"

تشبثت بذراع جاكته الأنيق ووجها يرتفع له "الصغيرة تغار عليك من روحها وأنفاسها ونسمة الهواء التي تعبث حولك حبيبي، الصغيرة ترغب بحبسك داخل قلبها فلا يراك سواه"

ظلت الزرقاء تتجول على ملامحها الجميلة وهي تمنحه الراحة بكلماتها وقبل أن يجيبها صوت الموسيقى قاطعهم لتعلن عن خروج العروسين 

قبلة العملاق اعتلت جبينها والريس يمنحها له ويحتضنه وقد أصبح زوج أخته

رفعت وجهها الجميل له، أضاءت شمس عيونها وجهه الوسيم، دفء يده التي أحاطت يداها رحلت لها..

التصفيقات استقبلتهم بالحديقة وأحلام تتذكر ليلتها ومر موت سعد على ذهنها لكن ذراع جامد الملامح منحتها الرفقة ودفعت الذكرى بعيدا فابتسمت له ويدها تمر على بطنها.. 

نسمة الصغيرة قاربت على الوصول وكلاهم ينتظرها بفارغ صبر

خديجة توارت بعيدا، تركت ألاء وليال يساعدان المدللة التي نست كل شيء منذ ضمها زوجها له وانطفأت الأضواء العالية وموسيقى هادئة تحتويهم.. تمنحهم الرومانسية التي لم يعرفها كلاهم سوى مع بعضهم البعض..

"أنا محظوظ"

ارتجف قلبها، العملاق لا يمنحها أي شيء سوى قبلته التي تدير الدنيا من حولها

كل يوم مما فات من بعد قراءة الفاتحة كان يخطفها من بين التجهيزات لينال قبلته.. اشتياقه لها ترجمه بأفعال وليس كلمات..

"حقا صفوان!؟ أنت لن تندم لأنك تزوجت مجنونة مدللة ابنة.."

أحنى رأسه لينهي المسافة بينهم، يضمها لأحضانه كما تمنى أوقف كلماتها بكلماته "نحن متشابهين جميلة، كلانا لديه ما يخجل منه لكن معا يمكننا تجاوز كل شيء"

هزت رأسها وطرحتها البيضاء تتأرجح معها، شعرها الأصفر تكوم بمنتصف رأسها وبدت ملكة وابتسامتها تمنحه إشراقة "نعم أنت على حق، معا سنتجاوز كل شيء، صفوان أنا لم أعرف الأمان إلا يوم عرفتك، أرغب بمنحك كل السعادة التي تستحقها"

رفع وجهه ووضع قبلة على جبينها ولولا الوجود وخجله من الريس لأخذ شفتيها الآن 

الموسيقى تبدلت والجميع التف حولهم، حتى ألاء منحها زوجها فستان يليق بالحمل ويمنحها جمالا أكثر من جمالها

الفانيليا شاركتهم فرحتهم والريس توسط مجموعة من رجال الأعمال ولكن عيونه كانت على صغيرته

رشدي حرر العسلية هو الآخر وتركها للبقية تمرح معهم، الحمل لم يوقفهم والضحكات علت الأجواء وهم يرقصون ويدندنون بكلمات الأغاني والعريس اندمج مع الرجال وأنس معه 

"أنت تنسى صغيرتك الليلة"

التفت لها تاركا الرجال التي كان يتحدث معهم وهي تشبك أصابعها بأصابعه وتجذبه لمكان الأصدقاء وهو يحاول إيقافها "ليال، ليال انتظري"

ضحكتها ترن بأذنه وصوتها موسيقاه الخاصة "أنت لي الليلة يا ريس"

تتعمد النطق بالكلمة وهي تصل به للزحام والكل يتراجع للريس والرجال تصيح لوجوده وهو يراها تضحك وتحرك ذراعيه بيداها وتهتف "ابتسم حبيبي، رفيقك يتزوج الليلة"

وبالفعل صفوان تحرك له، احتضنه وليال تتراجع وأنس يغلق الدائرة والريس ترك نفسه لرفاقه..

لأول مرة يخرجون عن المألوف..

لا جدية..

لا خطط..

فقط مرح، رقص، غناء وسعادة 

ثلاثتهم نفض ماضيه بعيدا

فقط ذكرياتهم الجيدة معا.. محبتهم، إخلاصهم وتضحياتهم لبعضهم البعض حتى احتضنا بعضهم والريس يربت على صفوان 

"مبارك أخي"

"ثقتك غالية عندي هارون"

ربت على كتفه ثم ابتعد والفانيليا تلحق به والبسكوتة بالغاضب والعملاق جذب مجنونته له "تركتك كثيرا"

تورد وجهها والابتسامة لا تتركها، سعادتها تعتلي كل شيء، ربما فقدت أصحابها المزيفين حيث كانت، لكن هنا وجدت الصدق والحب والأمان..

أحاطته بذراعيها الصغيرة "وأنا افتقدتك كثيرا أيها العملاق"

رفع حاجبه وردد "عملاق!؟"

وبلحظة كانت ترتفع عن الأرض وهو يرفعها وما زالت يداها حول عنقه وهو يلف بها "العملاق لا يرحم"

التصفيقات تعالت، والصيحات من رجال الديب أحاطت به والزغاريد من منسق الموسيقى أشعلت الأجواء والريس لف الفانيليا بذراعه وهمس لها 

"أحبك"

التفتت له، لمعت مقلتيها على وجهه ونظراته المليئة بالحب لها والتصقت به "وانا أعشقك حبيبي"

الغاضب ابتسم وجذب البسكوتة له "تمنيت منحك حفل كهذا لكن.."

رفعت أصابعها على فمه ونظراتها تستقر على وجهه "أنا اكتفيت بك حبيبي، أنت كل ما أردت وتمنيت"

وضع قبلة حانية على راحتها وضمها له "وأنا أحبك ألاء، حياتي بدأت يوم عرفتك وأحببتك"

العسلية تذكرت عندما كانت تحلم بصفوان، كم كانت تتمنى نظرة منه حتى سقطت بالغرام مع الجامد، أصبح صفوان أخ، منقذ بوقت الضيق، صفوان القلب الطيب، أسما لم تكن تليق به لكن..

المجنونة المدللة مختلفة، من تحت هذا المظهر امرأة أخرى سلبت العملاق عقله وقلبه وأحلام تدرك ذلك، رأت نظرة الفتاة له، العسلية تعرف نظرة العشق والغرام لذا صفوان لن يندم على اختياره تلك المرة

ذراع زوجها جعلتها تنتفض من أفكارها، عطره الثمين ككل شيء يملكه جعلها ترفع وجهها له "هل أنتِ بخير حبيبتي؟"

لمست صدره بيدها، استقرت نظراتها العسلية على عيونه التي تحتويها بحنان تعشقه منه "بأفضل حال حبيبي، معهم أشعر بأني بين أهلي، عائلتي"

ابتسم الجامد لها، يمنحها كل الحب الذي يملكه لها بلا ندم "وعائلتي"

هدأت الأجواء واستراحة قصيرة والعروسان جلسا على مائدة بعيدا عن الزحام وخديجة رحلت لابنتها "حبيبتي هل تحتاجين شيء؟"

يدها بيد زوجها الذي كان يطعمها عندما التفتت لأمها "ماما، لا أنا بخير، اجلسي"

ربتت على كتفها وهي تقف بجوار مقعدها وابتسمت بحنان، أم العروسة لكنها تشعر بالغربة بينهم، لا مكان لها هنا فهل ترحل!؟ 

"لا حبيبتي، ابقي مع زوجك أنا فقط اطمئن عليك"

ووضعت قبلة على وجنتها ومنحت صفوان نظراتها "أعلم أنك ستحافظ عليها صفوان ومع ذلك أتمنى أن تسعدها"

رفع يد المجنونة لفمه ووضع قبلة عليها جعل المدللة تلتفت له وهو يتلقى شمس عيونها "أعدك أن أفعل"

ابتسمت لهما ومنعت دموعها من أن تحتل عيونها وتركتهم بلحظتهم الرومانسية وليلتهم الخاصة وتراجعت بعيدا حتى توقفت قبل أن تصطدم برجل رأته من قبل 

"مدام خديجة.. صح!؟"

ملامحها الجميلة ظلت ساكنة، اعتادت نظرات الطمع قديما، لكنها تعلمت جيدا كيف تغلق الأبواب قبل أن تطرق

ارتبكت لنظراته "نعم وحضرتك.."

نست الاسم لكنها تذكر رؤيته بالمشفى "علي زيتون والد رشدي، التقينا بالمشفى"

ابتسامتها الباهتة لم تتسع، ولم تختفِ، ظلت معلقة على شفتيها بلا روح، أما هو فمال قليلا، كأن الضوضاء حولهما غير موجودة 

"فرح جميل.. لكن متعب"

لم تجبه فورا، عيناها مرت فوق الحضور ثم عادت له بحذر "الأفراح دائما كذلك"

راقبها وهو يبتسم، ابتسامة رجل اعتاد أن يأخذ ما يريد أو على الأقل.. يقترب منه 

"كنت أتمنى ظروف أفضل للتعارف" توقف لحظة، ثم أضاف بصوت منخفض "لكن القدر لا يسألنا رأينا"

انقبض صدرها، شعور قديم بالاختناق عاد يزحف، نفس الشعور الذي كانت تظنه مات منذ سنوات

أدارت جسدها نصف استدارة، استعدادا للانسحاب 

"تشرفت بمعرفتك أستاذ علي"

لكنه لم يبتعد، فقط أفسح لها الطريق ببطء "الفرص يا مدام خديجة.." توقفت حين نطق اسمها مرة أخرى "إن لم نغتنمها، قد لا تعود"

مرت من جواره دون رد، خطواتها ثابتة رغم الارتجاف الذي حاول أن يخونها وحين ابتعدت خطوتين، وصلها صوته أخيرا 

"سنلتقي مرة أخرى.. أنا واثق"

لم تلتفت..

لكن يدها انقبضت على حقيبتها بقوة، وكأنها تحاول أن تتأكد أن الماضي.. ما زال خلفها وليس أمامها

**** 

اليوم كان أول يوم تطعم فيه أحمد الصغير بلا شفط، مباشرة من صدرها لذا تركت الزفاف وصعدت لموعد وجبته واحتضنته بسعادة

الممرضة لم ترحل رغم نزع الأجهزة عنه 

نائما بهدوء، صغير، عطر الأطفال يتصاعد بالغرفة وضوضاء الزفاف خارج النافذة لا يزعجه

"كيف حاله سارة؟"

ابتسمت لها الفتاة "بأفضل حال مدام"

رفعته بين ذراعيها.. 

لم يخبرها أحد كيف تفعل بل هي غريزة إلهية.. 

وضعت قبلة على جبينه، تحركت اليد الصغيرة عابثة وهي تبتسم له وتجلس لتمنحه صدرها لإطعامه

تعلم بالصباح كيف يأكل منها وكانت سعيدة جدا كما هي الآن

كانت تحلم كل ليلة بتلك اللحظات وانتظرتها وها هي تتحقق..

نست كل ما مر بها أثناء الولادة ولم تذكر سوى أنه بين أحضانها

انفتح الباب ورأت الريس، لا يتركها كما ادعت عليه بالمزاح "اتركينا"

رحلت سارة بالحال، الجميع يدرك هيبة الريس، رفعت وجهها له بابتسامة رقيقة يحبها وهو يقف بجوارها ويلمس وجنة الصغير 

"كيف حاله؟"

عادت لطفلها المشغول بامتصاص طعامه "يأكل بشهية، سيكون قوي كوالده، حارب لأجل البقاء"

ومنحته نظراتها وهو يتلقاها بهدوئه المعتاد لكن كلماتها أصابت

هو بالفعل حارب وحارب كثيرا لأجل البقاء ولا يمكنها تخيل ما مر به كي يصل لمكانته الحالية 

"ذكي وموهوب كوالدته، هل انتهى؟"

كان بالفعل قد انتهى وهي تغلق فستانها "نعم"

انحنى وبلا استئذان أخذه منها.. 

رفعه وضمه لصدره، ربت على ظهره كما علمته حتى أصدر الصغير صوتا فابتسم وهي تنهض لتقف أمامه 

"أرغب بعمل عقيقة له هارون"

لم يترك الصغير، رأسه الصغيرة تميل على كتف والده، أنفاسه العطرة تدغدغ عنق الزعيم والزعيم سعيد بطفله "افعلي ما تشائين ملاكي، لكِ كل ما تريدين"

ابتسمت وأحاطت خصره بذراعها فلفها بذراع وابنه بالآخر وعائلته بين أحضانه ورأسها يستقر على صدره "تحبك صغيرتك"

وضع قبلة على رأسها.. يخبرها أنها تسكن قلبه بلا منافس

**** 

النصف الثاني من الزفاف كان أهدأ، توقف الجميع في حلقات، لا رقص، بل موسيقى هادئة حتى تجمدت نظرات صفوان فجأة على مكان ما من الحديقة المزينة بالأنوار والورود

"صفوان أنا أتحدث معك!؟"

لكنه لم يكن يسمعها..

نظراته ثابتة.. أنفاسه تكاد تكون معدومة.. الكوب يكاد يتحطم تحت ضغط أصابعه وتحولت نظرات المجنونة للمكان الذي سرقه منها..

أسما!!

انقبض قلب المدللة، سكنت نظراتها على المرأة التي اتهمتها يوما بالعهر والتي هي منافسها الوحيد على قلب هذا الرجل

الريس انتبه هو الآخر لنظرات صفوان، أنس توقف عن الحديث مع زوجته.. 

تحركت الشكولاتة الزائفة، عرفت بالزفاف من الميديا.. 

من لا يتحدث عن المنفذ!؟ 

هل تألم قلبها!؟ 

الظلام حط عليها بمجرد أن عرفت.. ضاع الأمل بعودته.. انتهت أحلامها وذبحت على أرض الواقع

ظل الجميع بأماكنهم حتى ليال، لم تخطو خطوة واحدة، ومن له الحق بالتصرف ما زال ثابتا مكانه.. 

لن تفسد تلك الشوكة ليلته

يد قبضت على ذراعه جعلته يفيق، يرتد للمدللة التي امتلأت نظراتها بالفزع، التهبت شعلة غضب داخله للخوف الذي تجرأ ولمس امرأته بليلة زفافها

اللعنة أسما سأقتلك لو فكرت المساس بالنور الوحيد بحياتي..

"أتيت لأبارك"

الدائرة مغلقة، لا أحد تحرك ليفسح لها، النظرات تكاد تحرقها وهي تملك جرأة غريبة للبقاء ثابتة هكذا 

عندما لم يجيبها أحد منحت المجنونة نظراتها "سيلقيك كما ألقاني فهو لم يحب سوى واحدة"

تراجعت ليال والجنون يعصف بأسما..

ما زالت تعبث بأفكارها السوداء وهارون لن يرحمها لو سمع كلماتها ومن الأفضل ألا يتدخل لكن الريس لا يتراجع

لقد سمع كلماتها ولم يسكت "زوجتي!؟"

التفتت له النظرات

الريس يعرف كل شيء..

صفوان، ليال وحتى أنس لم يخبروه حقيقة تصرفات أسما ولكنه عرف، هو يعرف كل شيء بطرقه الخاصة

رحلت الدماء من وجه الغارقة بالحقد، انتفض قلبها وهي لم تواجه الريس من قبل 

"عيبك أسما أنكِ لم تعرفي تلك الرجال جيدا"

فتح صفوان فمه ليتحدث..

أنس أراد التدخل..

ليال لزمت الصمت، ليست محل اتهام حتى لو رغبت أسما بوضعها به، هي تعرف أن زوجها يثق بها

"بل أنت الذي لم تعرف، غيابك بدل الكثير و.."

صفوان تخطى مرحلة الهدوء "كفى"

ارتجت من داخلها، هل فكرتِ أن ما تفعليه سيعيده؟ 

أنتِ خسرتِ كل شيء ولن تخسري وحدك، عليكِ بهدم المعبد على الجميع

هكذا أمرها شيطانها..

الريس رفع يده، أوقف اندفاع صفوان، غضب أنس، خوف المدللة، حتى صمت الفانيليا 

"غيابي أظهر الحقيقة التي كانت تتخفى وراء المظاهر، قدمي التهاني وارحلي أسما وجودك غير مرحب به"

شحبت، لم تكن هذه خطتها، أن تواجه الريس فهذا لم يكن بحساباتها بل أرادت صنع فضيحة كبيرة و..

النبرة الهادئة مخيفة.. 

ارتجفت منها شفتاها، حاولت التماسك، رفعت ذقنها بتحد مصطنع لكن عينيها خانتاها، الهزيمة كانت أوضح من أي كلمة

نظرت لصفوان، تبحث عن أي شرخ، أي ضعف، أي نظرة قديمة..

لم تجد شيئا..

كان يقف جوار زوجته الجديدة، كتفه مائل نحوها، جسده يحجبها عنها دون قصد منه، وكأن عقله الباطن أعلن اختياره منذ زمن

تراجعت، خاصمت الشيطان الذي تخلى عنها وتركها وحيدة..

"حسنا.. أنا.. فقط.. أردت أن أبارك"

خرجت الكلمات باهتة، بلا روح، لا تشبه النيران التي اشتعلت داخلها قبل دقائق..

لم يرد صفوان.. الصمت كان أقسى من أي إهانة..

جميلة شدت على ذراعه بخفة، لا خوفا وقد رحل الخوف بوجوده ووجود أخيها

بل ثباتا. 

رفعت رأسها، نظراتها هادئة، لا انتصار فيها ولا شماتة، فقط يقين

وهذا ما قتل أسما

الريس خطا خطوة واحدة، صوته منخفض كعادته لكنه نافذ، قوي ومخيف "الزفاف ليس ساحة لتصفية الحسابات، أنتِ جئت متأخرة.. كل شيء انتهى"

تراجعت خطوة دون أن تشعر..

انكسر شيء داخلها.. ليس بسبب كلماته، بل لأن الحقيقة صُفعت بها علنا؛ لم تعد جزءا من أي شيء

استدارت ببطء، خطوتها الأولى كانت مهزوزة، الثانية أكثر ثقلا.. وعندما ابتعدت، لم يلتفت لها أحد، حتى الموسيقى لم تتوقف

عادت الأصوات، عاد الهمس، عاد الفرح وكأن وجودها لم يكن سوى ظل عابر..

العملاق مال على جميلة، همس لها بصوت لم يسمعه سواها "انتهت"

أغمضت عينيها لثانية، تنفست بعمق.. ثم ابتسمت

أما أسما.. 

فخرجت من الحديقة محملة بما لا يُرى؛ وجع الخسارة حين تأتي متأخرة، وحقيقة أن بعض الأبواب لا تُغلق في وجهك..

بل تُنسى..

**** 

انتهى الزفاف كما تنتهي الليالي الكبيرة.. 

بقايا موسيقى هادئة، ضحكات متعبة، كؤوس وضعت على الطاولات، وأضواء بدأت تخفت كأنها تلتقط أنفاسها الأخيرة

غادر العروسان، تبعهم الأقل قربا، وبقي القصر أقل ازدحامًا، أكثر صمتًا، كأن المكان يتهيأ لشيء لا علاقة له بالفرح

السيارات الفارهة التي توقفت أمام بوابة القصر لم تكن ضمن طقوس الوداع 

اعتدل رجال الديب في أماكنهم، توتر غير معلن انتشر، والديب نفسه لم يتحرك، لم يرمش، جامد، هادئ، مخيف

الكبير..

لم تكن لحظة مناسبة، ولم يكن توقيتا بريئا، لكن هذا الرجل لا يعرف التوقيتات، هو يصنعها

توقف صاحب السلطة أمام الريس، لا خوف، لا ارتجاف، بل سطوة، افتخار، قوة واعتزاز..

أب أمام ابن لم يقبل الوصايا، نظرات لا تعرف التراجع، وكلمات تقاس بميزان القوة لا المشاعر

"أعلم أني تأخرت"

ثبات هارون يثير جنون من يواجه، يجعل أفكاره تتقلب يمينا ويسارا بلا شط..

عيون الكبير ثبتت على ابنه المتمرد عليه، ما بينهم لا يمكن تجاوزه، لكن هارون عاد من الموت وقد نزع الرحمة من قلبه

هذا ما كان يظنه

أجاب الريس بنبرة لا تحمل شيء "هذا صحيح"

ضاقت زرقاء الكبير، هارون يصيب أهداف والكبير يفقد أخرى متفهما معاني كلماته 

"طائرتي تأخرت بسبب الطقس، تهانيّ للعروسين"

منحه هارون إيماءة برأسه بلا كلمات والكبير يرحل بنظراته للفانيليا الثابتة بجوار زوجها "أفتقد مهاراتك ليال والمجلس كله يشيد بغيابك"

ملامحها لا تمنحه أي شيء، تعلمت من تلك الشهور الكثير وغياب زوجها "شكرا يا باشا"

"هل لي برؤية الصغير؟"

تجهم وجه الريس، رحلت نظرات الديبة له، أنس جامدا لا يبعد عيونه عن رجال الكبير وهارون يحارب غضبه 

"غير مسموح لأحد برؤيته من خارج العائلة"

عاد له الكبير، اقترب ومال بجسده على ابنه المتمرد..

كم مرة فرض حمايته عليه؟ 

كم مرة ساعده دون أن يعلم حتى يعلم فيغضب ويثور معترضا بلا فائدة

كم مرة ترجاه ليكون بجواره، ليترك له إرثه ومكانته، ابنه الذي يتمناه لكن.. 

بلا فائدة..

خف صوته، كان فقط لابنه، ليس من حق الرجال معرفة ما يخصه لكن، الريس لا يفهم ذلك "هو حفيدي شئت أم أبيت"

رفع هارون ذقنه، التحدي بنظراته كادت تحرق الرجل بمكانه لكن الرجل كان هادئ كابنه، ينثر المياه لتطفئ الحريق..

"ابني ليس له أجداد، فقط أم وأب"

ابتسم الكبير، ابتسامة ثقة، يقين، شعور أب يعرف أن ابنه غاضب، لكن هو يحارب لأجله.. يرغب بدفع الثمن لاسترداده وقد حاول طوال سنوات بلا ملل ولا تراجع..

مال الكبير بجسده قليلا، صوته انخفض، صار خاصا، أبويا على غير عادته "لا أحد سيوقفني عن ابني أو حفيدي حتى لو كان أنت، فقط أمنحه وقت ليقوى وبعدها.."

ولم يكمل.. وهارون شد فكه، التحدي يشعل عينيه، أب لا يعترف بالهزيمة وابن لا يعترف بالدم

كلمات قليلة، نظرات أثقل منها..

ثم..

حركة خاطفة لم ينتبه لها أحد إلا في اللحظة الخطأ

وميض اخترق الظلام.. 

صوت رصاصة شق الهواء.. 

وفي اللحظة ذاتها، تحرك الكبير خطوة للأمام..

جسده كان الحاجز

ارتطم هارون بقوة إلى الخلف، وانهار الكبير أمامه..

يده تضغط على صدره حيث بدأ الدم يزحف سريعا بين أصابعه

صرخة ليال مزقت السكون

أنس اندفع، رجال الديب انتشروا والديب واقفا..

ينظر إلى الرجل الذي ارتد أمامه..

إلى أبيه، الذي اختار أن يسقط بدلا عنه..

ضحى بنفسه ليمنحه هو الحياة..

عاد للواقع..

صدر الكبير ارتد للخلف، نصف خطوة، كأن الضربة لم تصبه بعد، ثم جاءت الحقيقة..

يده ارتفعت ببطء، توقفت عند صدره وعندما سحبها.. 

كان الدم.. 

أحمر داكن، كثيف، يتسرب بين أصابعه، يسقط نقطة.. ثم أخرى.. ثم يسيل

العينان التقتا.

لا عتاب..

لا دهشة..

فقط نظرة ثابتة.. قصيرة.. كأنها تقول شيئا لم ينطق يوما

جسد الكبير بدأ يثقل.. ركبة خذلته.. ثم الثانية..

وقع.

والأرض تحته لم تكن أقسى من الصمت الذي ابتلع المكان..

والليل الذي بدأ بفرح، أغلق أبوابه على الدم..

             الفصل التاسع والأربعون من هنا


تعليقات



<>