رواية طير حب الفصل الرابع4بقلم حبيبة نور الدين
_يعني ايه مش بيرُد عليك يا حسن؟ وهو فين أصلاً؟... أربع ساعات ياحسن ومفكّرتش تسأل على ابنك؟ إقفل انا هجرّب أرن عليه دلوقتي، إهدى متقلقش.
موبايلي رَن وهو في إيدي كان اسم المُتّصِل "م"،الرقم ده انا سجّلته قبل كده علشان كان بيرن عليّا من خمس سنين تقريباً،ولمّا كنت برُد مكنتش بسمع غير صوت نَفَس مُنتظِم،معملتِش بلوك ساعتها.. مش عارفه ليه ،بس سجّلته بحرف الميم ومش عارفه إيه اللّي خلّاني اعمِل كده بس ده بقالُه، سنة تقريباً قطع الإتّصال، اتردّدت أرُد ولا لأ بس قبل ما الرّنة تخلص ردّيت: ألو
_ايوا يامدام نور، صاحب الموبايل ده عمل حادثة، وهو في المستشفى دلوقت.. لو سمحتي تعالي في اسرع وقت لإن في إقرار لازم يتمضي دلوقتي، ولازم الأهل اللّي يمضوا.
الصدمة لجّمتني، ومع إن عُمري مَ جِه في بالي طول السنين دي إن الرقم لسامر، إلّا إنّي كنت متأكدة إنّه بيتكلّم عنّه.
جريت ناحية باب الشقّة وانا بقلع الهيلز وبلبس الكوتش، إيدي كانت بتترعش وصوتي كان مهزوز وانا بحاول استفسر عن اسم المستشفى ومكانها بالظبط، من مضمون كلامي معاه، أهلي فهموا ايه اللّي حصل تقريباً.
_إستنّي يا نور، إحنا هنيجي معاكي، رِن يا حسين على أخوك بسرعة ويلّا نسبقه إحنا.. يلّا.
مقدرتش استنّى، فتحت الباب وخرجت، نزلت السلالِم كإني في سباق، سمعت صوت بابا وهو بينادي عليّا استنّاهم، لكن اللّي لحقتني همس، مسكتني من دراعي وطبطبت على كتفي برّاحة: إهي يانور، إهدي، هنروح كُلّنا معاكي، مينفعش تبقي لوحدِك.
بصّيت على السّلم بنفاذ صبر، بابا وماما كانوا نازلين، همس إتكلّمت وهي بتمسك إيد بابا تسنده: كلّمت عمو حسن يا بابا؟
_لأ لسّه اوّل مَ نركب هكلّمه.
_____
المستشفى على بُعد ساعة، الوقت بيجري لكن الطريق مش بيخلص، مع إن بابا بيسوق بسرعة كبيرة، لكن حاسّة إنّي ممكن أنزل أجري و أسبقه.
أوّل مَ وصلنا، سبقتهم وجريت، دخلت الإستقبال واتكلّمت بصوت مبحوح: لو سمحتي، في واحد وصل هنا وهوّ عامِل حادثة، من خمَس ساعات تقريباً.
_اه حضرتِك قريبته؟
اتكلّمت وانا بشاور على بابا لمّا شوفتهم داخلين: ايوه، وده يبقى عمّه.. ممكن أعرف هو فين بالظبط؟
_في العناية المُركّزة ، إطلعي الدور التالت..هتلاقيها في آخر الممر الطويل على يمينك. بس ياريت حد يفضل علشان يملّيني بيانات المريض.
سيبت بابا وماما معاها وأخدت همس وجرينا لفوق، أوّل ما وصلنا الدور التالت وبصّيت ناحية الممر اللي على اليمين، شوفت على آخرُه باب كبير و شاب واقف جنب المقاعد وسانِد ظهره على الحيطة، كان مغمّض عينيه بس فتّحها أوّل ما سمِع صوت خطواتنا، جريت وهمس جريّت ورايا، وقفت قصاده، كنت بنهج وباخد نفَسي علشان اقدر أتكلّم.
_حضرتِك مدام نور ؟
استغربت مدام نور اللّي بيقولهالي، بس مش وقته اصّحّح المعلومة: اه انا نور، ممكن تقولّي الدكتور اللّي بيتابِع حالته فين؟ وقال عنده ايه بالظبط؟
نقّّل نظراته بيني انا وهمس قبل ما يتكلّم، وبعدها رَد بإتزان واضِح في صوته: بالنسبة لِ الدكتور فين فَ هو جوّا بيتابِع مؤشّراته الحيويّة، وعنده ايه بالظبط مش عارِف، كل اللّي اعرفه قولتهولِك لمّا كلّمتِك في الفون .. بعد مَ جيبته هنا، كان لازم أوصَل لِحد من أهله، فَ رِجعت أخدت تليفونه من العربيّة ومعرفتش افتح غير مُكالمات الطوارئ.. ومكانش فيها غير اسم حضرتِك.
لمحت بابا وماما في آخر الممر مع عمّو ومراته وآدم وبسمه، وفي نفس الوقت خرَج الدكتور من العناية، عمّو حسن جري عليه بلهفة: طمّنّي يا دكتور، ابني مالُه؟
وقف الدكتور قُدّامنا ونبرة صوته كانت مُتقلّبة بين الجديّة والتعب: إحنا عملنا اللي نقدر عليه في أوّل عملية… وقّفنا النزيف، وخلّينا الضغط على المخ تحت السيطرة شوية.
بس للأسف… في تجمع دموي لازم يتشال، ولو ما اتشالش خلال ساعات ممكن يضغط على مراكز مهمّة.
عمّو حسن منطقش ومكانش في صوت غير لِطنط صفيّة مراتُه اللّي إنفجرت في العياط أوّل مَ الدكتور سكِت.
_العمليّة التانية أدقّ وأخطر... فلازم إقرار من حضرتَك علشان نبدأ.
بعد توقيع الورق، دخلوا بيه العمليّات، عدّت ساعة والتانية، عينيّا متعلّقة باللّمبة اللّي منوّرة أخضر فوق الأوضة، بسمة قامت فجأة بطريقة لفتِت انتباهي وهي بتقرّب عليّا، وفي نظرة سخط في عينيها.
وقفِت قدّامي وقالتلي بإتّهام: إرتاحتي؟ أخويا بين الحياة والموت بسببِك، راح لآخر الدُنيا علشان يجيبلِك هداية وورود ومرجِعش.. كُل ده علشان الهانِم تتفضَّل عليه وترضَى عنّه... انتي السبب.
آدم قرّب منها، شدّها من دراعها بعنف: بس يا بسمة إخرسي.
شدِّت نفسها منّه بقوّة وهي بتقرّب خطوة تاني: انتي متساهليش الحب ده، وكتير عليكي أيّ حد يحبِك، لإنّك متتحبّيش أصلاً..
قالِت كلامها ده وهيّ باصّة في عيني وللأسف عينيها كانِت بتنطّق من الحقد والغل اللّي لحتّى الآن معرفش سببه.
المرّة دي عمّو حسن شدّها وضربها بالقلم: انتي بنت متربتيش، بدل مَ تقعدتي تدعي لأخوكي واقفة تقلّي أدبك على بنت عمّك ؟ يا تترزعي هنا وتخرسي يا إمّا أخلّي آدم يغوَّرِك على البيت.
كنت ماسكة بإيدي طرف الكُرسي اللّي قاعدة عليه، بس غصب عنّي إيدي اترعشِت، حسّيت بخنقة غريبة، وكإن الدموع المحبوسة جوّايا قرَّرِت تطلع بروحي.
قومت بسرعة وجريت من قُدّامهم، الأكسجين معاهم مكانش موجود.
سندت بسرعة على السور اللّي في مدخل المُستشفى من برّا، وقفت دقيقتين وانا باخُد نفَسي بهدوء، بحاوِل مفكّرش في كلامها اللّي عقلي حالِف يعيدهولي، دموعي نزلِت بسخونة لِدرجة إنّي حسّيت إن عيوني بتتحرِق.
_ انا بعتذرلِك نيابةً عنها
كان صوت آدم وهو بيقرّب، وقِف جنبي فَ لفّيت وشّي الناحية التانية وانا بمسح دموعي.
_زمان كُنتِ بتيجي تعيّطيلي مش تخبّي دموعِك عنّي.
_علشان كنت مُغفّلَة، وبعدين مَفيش فرق بينك وبين بسمة كتير... انتم الإتنين أذيتوني بس بِطرُق مُختلِفة.
اتنهّد وهو بيبُصلي بوجع أوّل مرّة أشوفه في عينيه: كان غصب عنّي، مقدِرتِش أخسره،.. يا نور انا...
قاطِعته بإستفهام: مقدرتش تخسر مين؟
بَص بعيد وسكت، ضحكت بسُخرية وبصّيت بعيد انا كمان.
_ ياريت متنساش إنّك خاطب أختي، يعني لو فاكر إني هأذيها بنفس الطريقة اللّي انتَ اذيتني بيها تبقى عبيط.
أخد نفَس طويل وبعدها إتكلّم بصوت مهزوز: علشان كده عايز أسيبها، مش عايز أكسرها.
ردّيت بجمود: عندك حق، همس تستاهل راجل... سيبها يا آدم.. إبعد عن أختي.
_عايزاه يسيبني ليه يا نور ؟......
