رواية مهرة الكابر الفصل الرابع4بقلم نون
أنت وعدتني إنك مش هتقرب لي
ابتسم جاسر بخبث وقال انتى فكرك راح فين أنا قولت اقلعي الخلخال
وقف جاسر أمامها كالجبل الراسخ بعدما نطق بكلمات الغيرة التي أحرقت الهواء حولهما صدره يعلو ويهبط بأنفاس حارقة وعيناه مثبتتان على خصلات شعرها الفاحم التي انسدلت على ظهرها كأنها شلال من الليل
تراجعت دهب خطوة للخلف وقد أدركت للمرة الأولى أنها ليست أمام رجل عادي بل أمام طوفان إذا فاض سيغرق الجميع
مد جاسر يده الخشنة وتلمس خصلة من شعرها ببطء شديد جعل القشعريرة تسري في جسدها كله وقال بصوت هامس لكنه يحمل وعيداً مرعباً
الشعرة دي اللي طارت في الهوا وشافها الغريب تمنها غالي قوي يا دهب وأنا مابسبش حقي
حاولت أن تجمع شتات قوتها وقالت بصوت مرتجف
أنا ماقصدتش الطرحة وقعت غصب عني وأنت اللي حكمت عليا أركب الخيل
لم يمهلها لتكمل كلامها بل قبض على ذراعها وسحبها خلفه بقوة نحو ركن مظلم في الغرفة حيث توجد مرآة طويلة
أوقفها أمام المرآة ووقف خلفها وحاصرها بجسده الضخم ونظر لانعكاسهما معاً
همس عند أذنها وعيناه تأكلان صورتها في المرآة
بصي كويس يا بت رضوان شايفة إيه
قالت بصوت مخنوق شايفة سجان وأسيرة
ضحك جاسر ضحكة ساخرة بلا روح وقال
لا بصي زين أنتي شايفة
حرم الكابر
اللقب اللي تتمناه بنات الأكابر كلهم بس أنتي بجهلك مش عارفة قيمته ومن اللحظة دي أنتي محبوسة في الجناح ده رجلك ماتخطيش العتبة والشمس ماتشوفش وشك إلا بإذني
استدارت له تواجهه وقالت بحدة
عايز تحبسني عشان خايف مني ولا خايف من نفسك
تجمدت ملامح جاسر وتحولت عينيه إلى جمر مشتعل اقترب منها حتى اختلطت أنفاسهما وقال ببرود قاتل
أنا ماخافش غير من اللي خلقني يا دهب وأنتي هنا مش محبوسة عشان خايف أنتي هنا عشان أنتي بقيتي "ملك الكابر" لازم يتدارى عن عيون الناس لحد ما أقرر هعمل ايه فيكى
تركها وخرج من الغرفة وأغلق الباب بالمفتاح صكة المفتاح في القفل كانت كأنها طلقة رصاص استقرت في قلب دهب
جلست على الأرض تضم ركبتيها وتبكي بصمت ليس ضعفاً ولكن قهراً على حريتها المسلوبة
في الأسفل كان المجلس يغلي
دخل جاسر بهيبته المعتادة ليجد أمه "الحاجة صفية" تجلس وعلى وجهها غضب الدنيا وحولها نساء العائلة يتهامسن
وقفت صفية وضربت بعصاها الأرض وقالت بصوت جهوري
عملتها يا ولد الكابر نزلت بت السايس تترقص بشعرها قدام الغفر والرجالة
دي أخرة تربيتي فيك
جلس جاسر على مقعده الوثير وأشار للخدم بتقديم القهوة وقال ببرود استفز الجميع
مرتي وأنا حر فيها يا حاجة واللي عنده كلمة يبلعها
صرخت أمه وقالت
دي سحرتلك يا ولدي ركبتك العار وأنت ساكت بت رضوان مش هتعمر في الدار دي ليلتها مش هتعدي
نظر جاسر لأمه نظرة حادة جعلت الجميع يصمت وقال بصوت لا يقبل النقاش
دهب في حمايتي واللي يقرب لها كأنه بيقرب لجحيمى شخصياً والموضوع ده يتقفل سيرة مرتي متبقاش لبانة في خشم الحريم
انتهى المجلس وصعد جاسر لغرفته في وقت متأخر من الليل
فتح الباب ليجد الغرفة غارقة في الظلام ودهب تجلس بجوار الشرفة تنظر للقمر وضوءه خلخلها الفضي ينير وجهها الحزين فبدت كلوحة فنية حزينة ومغرية في آن واحد
شعر جاسر بشيء يتحرك في صدره شيء حاول قتله منذ سنوات تجاهلها وخلع عباءته ورماها بإهمال وقال بصوت آمر
قومي يا عروسة حضري الحمام ولا فاكرة نفسك هانم بجد
قامت دهب بكرامة مجروحة ولم تنطق بحرف جهزت له الحمام ووضعت المنشفة ووقفت تنتظر أوامره
خرج جاسر وقطرات الماء تتساقط من شعره وصدره العاري يلمع تحت ضوء الغرفه الخافت
جلس على طرف السرير وقال
وهو يشعل سيجارة
تعالي هنا
اقتربت بحذر
قال وهو ينفث الدخان في وجهها بوقاحة متعمدة
اقلعي
اتسعت عيناها برعب وتراجعت للخلف وقالت
أنت وعدتني إنك مش هتقرب لي
ابتسم جاسر بخبث
وقال انتى فكرك راح فين
أنا قولت اقلعي الخلخال اللي بيرن في رجلك ده صوته بيصدعني
تنفسَت الصعداء لكن الإهانة كانت واضحة
جلست على الأرض ومدت يدها لفك الخلخال الفضي من قدمها
كان جاسر يراقبها بتركيز شديد يراقب انحناءة عنقها وأصابعها المرتجفة
وفجأة وبدون مقدمات مد يده ورفع ذقنها بأصبعه لتنظر إليه
تلاقت العيون في نظرة طويلة وصامتة
نظرة فيها ألف كلمة
مال جاسر بوجهه نحوها وكأنه مغيب فقدت دهب القدرة على التنفس ظنت أنه سيقبلها
اقترب حتى تلامست الأنوف ثم همس بصوت مبحوح
شعرك ده... لو شوفت فتلة منه بانت تاني هحلقهولك سامعة
ثم دفعها برفق ونام وأعطاها ظهره
ظلت دهب مكانها قلبها يدق كطبول الحرب لا تعرف هل تشكره لأنه ابتعد أم تلعنه لأنه يتلاعب بأعصابها وبأنوثتها
لكنها لم تلمح تلك الابتسامة الماكرة التي ارتسمت على وجه جاسر وهو معطياها ظهره
ابتسامة صياد أدرك أن الفريسة بدأت ترتعب ليس منه بل من دقات قلبها هي
جاسر بيلعب بأعصاب دهب بطريقة الترغيب والترهيب تفتكروا مين فيهم اللي هيضعف الأول قدام التاني وهل دهب هتقدر تحول سجنها لمملكة تحكم فيها قلبه
