رواية قمر الهواري الفصل الخامس5بقلم نور محمد

رواية قمر الهواري الفصل الخامس5بقلم نور محمد

صرخة صفية المفتعلة رنت في جدران الدوار، زلزلت سكون الصبحية. قمر جريت بأقصى سرعتها على مكتب الجد، عبايتها بتطير وراها، ونسيت كل التمثيل والخطط لما شافت "رضوان الهواري"، جبل العيلة وعمودها، واقع على الأرض جنب مكتبه ووشه شاحب زي الموتى.
نزلت قمر على ركبها جنبه، حطت راسه على حجرها وهي بتبكي بوجع حقيقي:
"جدي! جدي رضوان رد عليا! حد يطلب الحكيم بسرعة!"
صفية كانت واقفة بتمثل اللطم والعياط، بس عيونها كانت بتلعب بخبث ناحية الخزنة الحديدية الكبيرة اللي بابها مفتوح على آخره، وفاضية تماماً من كل عقود الأراضي والمصانع. صرخت صفية بصوت عالي متعمد عشان الخدم يسمعوا:
"يا مراري الطافح! الخزنة اتنهبت! شقا الهوارية اتسرق يا ناس، وعمي العمدة مات من الحسرة!"
قمر رفعت راسها وعيونها بتطق شرار، صرخت في الخدم اللي اتجمعوا على الباب:
"محدش يقف يتفرج! اتصلوا بالدكتور فوراً، وكلموا فارس بيه يرجع حالاً!"

في أقل من ربع ساعة، كان فارس داخل الدوار زي العاصفة، وشه متشنج وعيونه بتدور على جده. أول ما شافه نايم على السرير والدكتور بيفحصه، قلبه اتقبض.
الدكتور خلص فحصه، وبص لفارس بأسف: "الضغط وطي جداً بشكل مفاجئ، كأنه أخد صدمة عصبية قوية.. أو..." سكت الدكتور وبص حواليه بشك.

فارس مسكه من ياقته بخوف: "أو إيه يا دكتور؟ انطق!"
الدكتور بلع ريقه: "أو اتعرض لنسبة من مادة مهدئة قوية جداً في مشروب مثلاً، خلته يفقد الوعي وتوقف عضلة القلب مؤقتاً. أنا إديته حقنة منشطة، بس لازم يفضل تحت الملاحظة، لو مافاقش للصبح لازم يتنقل المستشفى."

فارس حس بالدنيا بتلف بيه، بس قبل ما ينطق، صفية بدأت فصل جديد من مسرحيتها. رمت نفسها تحت رجلين فارس وصرخت:
"إلحقنا يا ولدي! الخزنة اتسرقت! شقاك وشقا أبوك وجدك راح! ومفيش حد غريب دخل الدوار من الصبح."
لفت صفية وبصت لقمر اللي واقفة في زاوية الأوضة، ورفعت صباعها في وشها باتهام مباشر:
"مفيش غيرها! مراتك اللي كانت بتصرخ الصبح وبتقولك طلقني وأنا ماشية! أكيد كانت بتلهينا عشان تسرق الخزنة وتهرب، ولما عمي رضوان كشفها، زقته ووقعته!"
الخدم كلهم شهقوا. قمر بصت لصفية بذهول من كمية الشر اللي جوه الست دي.

فارس بص لقمر، عيونه اسودت، ووشه اتحول لكتلة من الغضب المتجسد. قرب منها بخطوات بطيئة ومرعبة. قمر رجعت لورا خطوة، قلبها دق بخوف حقيقي لأن نظرة فارس مكنتش بتمثل.
مسكها فارس من دراعها بقوة وعصرها لحد ما تأوهت، وزعق بصوت هز أركان الدوار:
"إنتي اللي عملتيها يا قمر؟ سرقتي جدي عشان تنتقمي مني؟ وصل بيكي الفجر إنك تمدي إيدك على راجل عجوز عشان شوية ورق؟"
قمر بصت في عينيه، شافت فيها رسالة خفية وسط الغضب، فهمت إنه بيكمل المسرحية ببراعة. مثلت الانهيار والضعف وقالت وهي بتبكي:
"والله ما حصل يا فارس! إنت عارف إني مستحيل أعمل كده! حرام عليك تظلمني تاني!"
فارس زقها بقسوة ناحية الباب وصرخ في الغفرا:
"خدوها ارموها في المخزن اللي تحت الأرض! واقفلوا عليها بقفل حديد. قسماً بالله لو جدي حصله حاجة، لكون دافنها حية! ومحدش يبلغ البوليس لحد ما أتصرف معاها بيدي."
صفية ابتسمت ابتسامة نصر خفية، خطتها نجحت بامتياز. العمدة بيموت، قمر اتلبست التهمة وهتتطرد بفضيحة، والورق زمانه في إيد طارق!

في منتصف الليل...
الدوار هادي تماماً. الكل نايم في رعب.
في المخزن الضلمة تحت الأرض، قمر كانت قاعدة على كرتونة قديمة، ضامة رجليها لصدرها. فجأة، سمعت صوت مفتاح بيلف في القفل. الباب اتفتح براحة، ودخل ظل راجل وقفل الباب وراه بسرعة.

نور كشاف الموبايل نور المكان، وكان فارس. ملامحه القاسية اختفت تماماً، واتحولت لنظرة كلها أسف وحنان. نزل على ركبه قدامها، مسك إيديها الاتنين وباسهم بعمق:
"حقك عليا.. حقك عليا في كل شدة وكل كلمة قولتها قدامهم. بس كان لازم أعمل كده عشان الحية تآمن."
قمر ابتسمت بتعب ومسحت على شعره:
"عارفة يا فارس.. إنت مثلت أحسن من ممثلين السيما. بس قولي، جدك عامل إيه؟"
فارس اتنهد بارتياح: "جدي فاق من شوية. الدكتور كان صح، الدوا اللي بياخده اتبدل بمنوم قوي. جدي قالي إنه شاف صفية وهي بتديله العصير، وبعدها الدنيا لفت بيه، ومحسش بحاجة غير وهي بتفتح الخزنة وبتسحب الورق."
قمر شهقت: "يعني الورق معاها؟ دي ممكن تبيعه لطارق أو تنقله باسمها!"

فارس ضحك ضحكة خبيثة جداً، ضحكة ذئب الهوارية لما ينصب فخ، وطلع من جيب جلايته لفة ورق مربوطة بشريطة حمرا:
"تبيع إيه بس يا قمر؟ جدي رضوان مش عبيط. جدي من يوم حريقة المخازن وهو حاسس إن في خاين في البيت. الورق اللي في الخزنة ده كله صور ضوئية مضروبة متسواش تلاتة تعريفة. الورق الأصلي جدي كان مخبيه تحت بلاطة في أرضية أوضته، ولسه مسلمهولي من ساعة!"
قمر ضحكت من قلبها لأول مرة من يوم ما دخلت الدوار: "يا ولاد اللذين! يعني صفية وطارق دلوقتي معاهم ورق مايتبلش ويتشرب ميته!"
فارس قام وقف ومد إيده لقمر يوقفها: "بالظبط كده. بس اللعبة لسه ماخلصتش. صفية طول ما جدي عايش، هتبقى خايفة إنه يفضحها لما يفوق، خصوصاً إنها متعرفش إنه فاق وكلمني."
قمر عينيها وسعت برعب: "قصدك إنها ممكن تحاول..."
فارس قاطعها بجمود: "تقتله. وعلشان كده، إحنا مش هنستنى للصبح. إحنا هنطلع أوضة جدي دلوقتي، وهنشوف الحية وهي بتلف حبل المشنقة حوالين رقبتها بنفسها."

في نفس اللحظة، في جناح الجد رضوان...
الباب اتفتح ببطء شديد بدون أي صوت. دخلت صفية، لابسة إسدال أسود، وماشية على طراطيف صوابعها. بصت على الجد رضوان اللي نايم على السرير مبيتحركش.
طلعت من جيبها سرنجة مليانة سائل شفاف، وقربت من المحلول اللي متعلق في إيده.

همست صفية بفحيح وغل السنين:
"عشت كتير يا عمي، وجه الوقت اللي أريحك وتريحني. فلوسك هترجع لحفني ابني، والبت قمر هتشيل الليلة."
رفعت السرنجة، ولسه هتحط السن في أنبوبة المحلول...
فجأة، الأباجورة اللي جنب السرير نورت، وإيد حديد مسكت معصمها بقوة كسرت عضمها!
صفية صرخت صرخة مكتومة، ولفت وشها برعب... عشان تلاقي فارس واقف قدامها، وعيونه بتطلع نار، ووراه قمر شايلة النقاب وبتبصلها باحتقار، وفي إيدها موبايل بيصور كل حاجة صوت وصورة.
وقبل ما صفية تنطق بحرف، صوت قوي وجهوري طلع من على السرير:
"بتحطيلي إيه في المحلول يا مرات الغالي؟"
الجد رضوان قعد على السرير بكامل صحته، وبيبصلها بنظرة فيها حكم الإعدام!

                    الفصل السادس من هنا

تعليقات



<>