رواية قمر الهواري الفصل السادس6بقلم نور محمد
السرنجة وقعت من إيد صفية على الأرض بصوت مكتوم، بس في ودانها كان أضعاف صوت الرعد. عينيها جحظت برعب وهي بتبص للجد رضوان اللي قاعد على السرير بكامل هيبته، مفيش فيه ذرة تعب، وعينيه بتطق شرار يحرق الأخضر واليابس.
فارس لوى دراع صفية ورا ضهرها بحركة سريعة خليتها تصرخ وتتلوى من الألم، وزعق بصوت خلاها ترتعش من ساسها لراسها:
"بتسمي جدي يا صفية؟ بتمدي إيدك على الراجل اللي لحم كتافك وكتاف ابنك من خيره؟ ده إنتي شيطانة مريضة!"
قمر قربت منها بخطوات هادية، رفعت الموبايل في وشها وقالت ببرود وثقة:
"كل حاجة متسجلة صوت وصورة يا مرات عمي. دخولك، كلامك المسموم، ومحاولتك لقتل جدي. الفيديو ده كفيل يرميكي في السجن بتهمة الشروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد.. وحبل المشنقة هيلف على رقبتك بجد المرة دي."
صفية انهارت، ركبها سابت ووقعت على الأرض تحت رجلين الجد رضوان وهي بتبكي وتولول، بس المرة دي بكي حقيقي من الرعب:
"سامحني يا عمي! شيطان وعماني! طمعت في القرشين عشان أأمن مستقبل حفني ابني.. والله العظيم ما كنت هقتلك، ده كان منوم تقيل بس عشان أقدر أهرب بالورق قبل ما تفوق!"
الجد رضوان خبط عكازه في الأرض بقوة خلت صفية تتنفض، وقال بصوت مليان قرف وكسرة:
"اخرسي! إياكي تجيبي سيرة حفني، ابني اللي مات وسابك أمانة في رقبتي، لو كان عايش وشاف وساختك دي كان غسل عاره بيده. أنا أمنتك على بيتي وعرضي، وإنتي طعنتيني في ضهري، ورميتي الباطل على بنت أخويا، وكنتي ناوية تخربي بيت فارس!"
فارس نزل لمستواها، مسكها من فكها بقسوة وبصلها بعيون الصقر:
"فين الورق اللي سرقتيه من الخزنة؟ وفين الكلب اللي اسمه طارق؟ انطقي بدل ما أدفنك هنا ومحدش هيسمعلك صوت!"
صفية بلعت ريقها بخوف، وهي بتترعش زي الورقة:
"الورق.. الورق خبيته في أوضتي.. وطارق.. طارق مستنيني أكلمه عشان ييجي ياخد الورق، وهيسافر بيه مصر الصبح عشان يسجله ومحدش يقدر يطوله!"
قمر بصت لفارس بابتسامة انتصار خفية، وفارس ردلها النظرة بفخر. ساب فارس صفية ووقف، وقال بصوت حاسم:
"هتقومي دلوقتي، تطلعي تليفونك، وتكلمي طارق. هتقوليله إن جدي مات.. وإن الدوار كله مقلوب، ولازم ييجي حالاً من الباب الخلفي ياخد الورق ويهرب بيه قبل ما البوليس ييجي والورق يتختم عليه. فاهمة ولا أعيد كلامي بطريقة تانية؟"
صفية هزت راسها برعب ومسحت دموعها: "حاضر.. حاضر يا فارس، هعمل كل اللي تقول عليه، بس والنبي متودينيش في داهية!"
بعد نصف ساعة.. في جنينة الدوار الخلفية..
الليل كان كاحل، والسكون مريب. الباب الخلفي الصغير للجنينة اتفتح ببطء شديد. دخل "طارق"، لابس جاكيت أسود ومغطي راسه، وعينيه بتلف في المكان بخبث وحذر.
مشى بخطوات سريعة ناحية باب المطبخ زي ما صفية وصفتهوله في التليفون. كان بيبتسم بانتصار، حاسس إن الدنيا دانت ليه؛ العمدة مات، الثروة هتبقى في إيده، وفارس اللي كان متكبر عليه هيتفضح وهيخسر كل حاجة.
فتح باب المطبخ ودخل صالة الدوار الضلمة. مفيش أي صوت، كأن البيت مهجور.
"صفية.. إنتي فين؟" همس طارق بصوت واطي.
فجأة، وبدون أي إنذار.. أنوار الدوار كلها نورت في لحظة واحدة! نور قوي كشف كل زاوية في المكان.
طارق حط إيده على عينه من شدة النور، ولما فتحها.. اتسمر مكانه والدم نشف في عروقه.
فارس الهواري كان واقف قدامه على أول السلم، لابس عبايته وماسك عصاية خيزران غليظة، وعيونه بتطلع شرر. وعلى يمينه قمر، واقفة بشموخ وكبرياء، وعلى شماله.. الصدمة الكبرى.. الجد رضوان قاعد على كرسيه، حي يرزق وبكامل هيبته!
ورا طارق، ظهر اتنين من أضخم غفرا الدوار، قفلوا الباب وبقوا سد منيع يمنع أي محاولة للهرب. وفي الزاوية، كانت صفية قاعدة على الأرض، مربوطة ومترامية زي الكلب الجربان.
طارق بلع ريقه بصعوبة، حاول يرسم ابتسامة غبية على وشه المبهوت، وقال بصوت بيترعش:
"فارس بيه.. أنا.. أنا كنت معدي وسمعت إن العمدة تعبان، قولت أجي أطمن.."
فارس نزل السلالم خطوة خطوة، وكل خطوة كانت بترن في قلب طارق زي دقات الموت.
"تطمن؟" فارس ضحك بسخرية مرعبة. "يا راجل كبر مخك! إنت جاي تاخد الورق اللي سرقته مرات عمي، وجاي تحتفل بحريقة مخازني اللي دبرتها عشان تكسرني، وجاي تباركلي على التليفون اللي حطيته في أوضتي عشان تلبس مراتي تهمة الخيانة!"
طارق رجع لورا خطوة، ملامحه اتغيرت من الخوف للمكر، وحس إن اللعبة انتهت، فقرر يلعب بآخر كارت معاه.
"أثبت يا فارس! معاك دليل على حرف واحد من اللي بتقوله؟ صفية دي كدابة، أنا محامي محترم، ولو لمستني هوديك في ستين داهية!"
قمر ضحكت باستهزاء، ونزلت كام درجة من السلم، وقالت بصوت قوي:
"محامي محترم؟ المحامي المحترم ما بيتفقش مع ست خاينة على قتل راجل عجوز! المحامي المحترم مابيسجلش مكالماته مع شركائه عشان يبتزهم بيها بعدين!"
قمر رفعت تليفون صفية وشغلت تسجيل صوتي.. كان صوت طارق وهو بيتفق مع صفية على خطة حريق المخازن وسرقة الخزنة!
طارق وشه جاب ألوان، عرف إنه متكتف من كل ناحية. الغل عماه، وبدل ما يستسلم، إيده امتدت بسرعة البرق لداخل الجاكيت بتاعه، وطلع مسدس أسود صوبه ناحية فارس!
"محدش يتحرك!" صرخ طارق بهستيريا والمسدس بيترعش في إيده. "مفكرين نفسكم أذكية وهتوقعوني بسهولة كده؟ أنا طارق الدسوقي، مابقعش بالساهل! لو هروح في داهية، هاخد كبيركم معايا!"
ولف المسدس فجأة، وصوب السلاح مباشرة ناحية قمر!
