رواية قمر الهواري الفصل السابع7بقلم نور محمد

رواية قمر الهواري الفصل السابع7بقلم نور محمد


عيون طارق كانت بتلمع بجنون وغل، وإيده المرتعشة ضاغطة على الزناد، وماسورة المسدس متوجهة مباشرة لقلب "قمر".
صرخة رعب طلعت من صفية اللي كانت مرمية على الأرض، والجد رضوان قبض على عكازه بقوة وهو بيحاول يقوم، بس السن والمسافة خانوه. قمر اتسمرت مكانها، عيونها الخضرا وسعت بصدمة، شافت الموت بيقرب منها في ثانية، مالحقتش حتى تاخد نفسها أو تنطق الشهادة.
بس في اللحظة اللي طارق ضغط فيها على الزناد، زئير مرعب شق سكون الدوار كأنه أسد جريح شريك حياته في خطر.
"قمرر!"
صوت فارس رجّ الحيطان. ما فكرش، ما حسبهاش، وماخافش على نفسه للحظة. رمى نفسه بكل قوته وعزمه قدام قمر كأنه درع بشري.
"طاااخ!"
صوت الرصاصة دوى في المكان، ريحة البارود ملت الجو، والكل كتم أنفاسه برعب.
الرصاصة خدشت كتف فارس، شقت الجلابية ونزلت خط دم أحمر على دراعه، وكملت طريقها عشان تستقر في الحيطة اللي وراهم.
طارق فتح عينيه بذهول لما لقى فارس لسه واقف على حيله رغم الدم، وقبل ما طارق يستوعب أو يرفع المسدس تاني، كان فارس انقض عليه زي الصقر الكاسر. خبطه براسه في وشه خبطة كسرت مناخيره، المسدس طار من إيد طارق ووقع على الأرض.
فارس نزل فوق طارق ضرب، كل بوكس كان بيطلع فيه غل السنين؛ غضبه على مخازنه اللي اتحرقت، رعبته على قمر من الرصاصة، وقهره من خيانة عمه ومراته.
"بترفع سلاحك على مراتي يا ولد الكلب؟ في نص داري بتستقوى على حتة ست؟ أنا هوريك الهوارية بياخدوا حقهم إزاي!"
طارق كان بيصرخ وبيحاول يحمي وشه، بس ضربات فارس كانت مميتة. الغفرا اتدخلوا بصعوبة شديدة عشان يشدوا فارس من فوقه قبل ما يخلص عليه في إيديهم.
في اللحظة دي، صوت سارينات البوليس ملت المكان بره الدوار. البواب جرى فتح الباب الرئيسي، ودخل ضابط المباحث ومعاه قوة كبيرة.
الجد رضوان كان هو اللي مرتب كل حاجة مع المحامي المخلص "عادل"، ومبلغين البوليس من بدري عشان يقبضوا على طارق متلبس.
الضابط شاف المنظر؛ طارق وشه غرقان دم، وصفية منهارة على الأرض. أمر العساكر: "كلبشوا الاتنين دول، وخدوهم على البوكس فوراً. تهمة شروع في قتل، وسرقة، وحريق عمد، وتزوير.. حبل المشنقة بيناديكم."
صفية صرخت وهي بتتشد من العساكر وبتبص لرضوان بدموع التماسيح:
"يا عمي أبوس إيدك ارحمني! عشان خاطر حفني ابني اللي مات! هروح في داهية يا عمي!"
الجد رضوان لف وشه الناحية التانية، وخبط عكازه في الأرض بحسم كأنه بيقفل صفحتها للأبد:
"اللي يخون لقمة العيش، ويستبيح دم أهله، ملوش دية عندي. خدوهم يا باشا، دوار الهوارية نضف من السم."
الدوار هدي أخيراً. البوليس مشي، والخدم نظفوا آثار العركة.
قمر كانت واقفة مكانها، بترتعش، عيونها متثبتة على الدم اللي بينزف من كتف فارس. أول ما الغفرا طلعوا، جريت عليه بلهفة نستها كل زعلها ووجعها منه، حطت إيديها الاتنين على كتفه المجروح ودموعها نزلت زي الشلال:
"فارس! إنت بتنزف! إنت اتجننت؟ إزاي ترمي نفسك قدام الرصاصة كده؟ كنت هتموت!"
فارس رغم الوجع، ابتسم ابتسامة خطفت قلبها. رفع إيده السليمة ومسح دموعها بحنية الدنيا كلها، وهمس بصوت دافي ومبحوح:
"لو كان صابك خدش واحد يا قمر، أنا اللي كنت هموت بجد. كتفي يفداكي، وعمري كله يفداكي."
قمر قلبها دق بعنف، بصت في عينيه وشافت العشق الصافي اللي كان مدفون ورا قسوة الأيام اللي فاتت.
الجد رضوان ابتسم بحكمة، وسند على عكازه ودخل أوضته عشان يسيبهم لوحدهم.
فارس قعد على أقرب كرسي، وقمر جابت علبة الإسعافات الأولية وبدأت تطهرله الجرح وتلفه بشاش. الجو كان مليان صمت، بس صمت بيتكلم بميت لغة.
لما خلصت، فارس مسك إيدها اللي كانت بترتعش، وباس باطن إيدها برقة، وقال وعينيه في عينيها:
"أنا عارف إني جرحتك بكلامي أكتر من رصاصة طارق. عارف إني شكيت فيكي وصدقت المظاهر، بس قسماً بالله يا قمر، من اللحظة اللي شيلت فيها النقاب عن وشك، وأنا مسحور بيكي.. مش بس بجمالك، بقوتك، بأصلك، وبكبريائك اللي كسر غروري."
قمر سحبت إيدها بهدوء، رجعت خطوة لورا، ورفعت راسها بكبرياءها المعتاد، بس المرة دي مفيش قسوة، كان في عتاب حبيب:
"إنت أنقذت حياتي يا فارس، وده دين في رقبتي عمري ما هنساه. بس قلبي... قلبي لسه موجوع. الرصاصة اللي في كتفك هتخف وتلم.. بس رصاصة الشك والإهانة اللي ضربتها في قلبي ليلة دخلتنا، لسه بتنزف، ومحتاجة وقت عشان تصفى."
فارس وقف، رغم ألمه، وقرب منها خطوة واحدة، وعيونه مليانة إصرار وعزيمة الصعايدة اللي مابيتراجعوش:
"وأنا تحت أمر قلبك يا بنت عمي. لو هياخد يوم، شهر، أو عمر بحاله.. هفضل أحاول لحد ما أثبتلك إن فارس الهواري ملوش ست في الدنيا دي غير 'قمر'.. وإني هعوضك عن كل دمعة نزلت من عيونك بسببي."
قمر التفتت عشان تداري ابتسامة صغيرة هربت على شفايفها، وقالت بصوت هادي:
"تصبح على خير يا ابن عمي.. ارتاح، الجرح محتاج راحة."
وسابته وطلعت على السلالم، بس المرة دي، خطواتها كانت أخف، وقلبها كان بيدق لحن جديد.. لحن بيبدأ معاه فجر جديد في دوار الهوارية.


                 الفصل الثامن من هنا
تعليقات



<>