رواية طير حب الفصل السادس6بقلم حبيبة نور الدين


رواية طير حب الفصل السادس6بقلم حبيبة نور الدين

يادكتور.. المريض قلبه وقف. 
سمعت الجملة… ومن غير ما دمعة تنزل، حسّيت إن قلبي اتاخد خطوة لورا ومارجعش.
الدكتور رِجع جَري ودخل هوّ والممرِضة. 

 نص ساعة والدكتور خرَج، وقِف وغمّض عينيه بإرهاق: الحمدلله عدِّت على خير.. لحقناه. 
كان هيمشي بس عمّو حسن وقّفه بصوت مهزوز: هوّ هيفوق إمتى يادكتور  ؟ 
إتكلِّم بتردّد: واللّه دي حاجة في علم الغيب.. بس المفروض يفوق في خلال أربعة وعشرين ساعة. 
آدم قرَّب خطوة منّه وهو بيسأل بحَذَر: وِلو مفاقش ؟ 
_كده غالِباً هيكون دخل في غيبوبة. 
مِشي… والكلمة اللي قالها وقفت في الهوا، ثابتة وما بتتهزّش… كإنها حقيقة تقيلة نزلت قدّامنا ومحدّش قادر يعدّيها.

_________
عدّي شهر ونص وهوّ لسّه نايم متحرّكش.
قعدت في المستشفى مع طنط صفيّة وبقيت ببات معاها؛ علشان بسمة سابتها ومقدرِتش تفضل موجودة كل يوم... وبصراحة أنا حابة كِده. 
 كنت طول الفترة دي بدخُل عنده بعد مَ طنط صفيّة تنام، وأقعد أقرأ قرآن جنبه بصوت هادي. 
وفي يوم دخلت الأوضة يتاعته زي كل يوم وقعدت على الكُرسي اللّي جنب السرير وحبّيت أقرأ المرة دي سورة “فُصّلت”. 
بدأت اقرأ، و أوّل ما وصلت لآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً، فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾…
وقِفت.
حسّيت إن الآية بتاخد بإيدي وأنا قاعدة جنبه.
الأرض اللي كانت ساكنة… ناشفة… مافيهاش روح، ربنا بيردّ لها الحياة بلمسة واحدة.
ساعتها قلبي اتوجَع واتطمن في نفس اللحظة…
وقولت لنفسي: لو الأرض بتقوم بعد موتها، يبقى هو كمان ممكن يقوم.
___________
تاني يوم صحيت لَقيت نفسي لسّه على الكُرسي، حرّكت رقبتي وأنا بدلّكها بألم، فتّحت عيني بصعوبة بسبب شُعاع الشمس اللّي نوّر الأوضة، وبصيّت على الكنبة الجلد اللّي في الأوضة لكن مَ لَقتش طنط صفيّة. 
قومت أشوفها فين بس وقّفتني رعشة إيده، بصّيتلها بتركيز وأنا قلبي بيدق، فضلت واقفة خمَس دقايق مستنيّة أشوف أيّ حركة بس مَفيش. 
قعدت من تاني بخيبة أمل وأنا مش قادرة أصدّق إنّ ده مُجرّد تخيّل. 
بصّيتله وسرحت، كل يوم بيعدّي بيزيد التقل في قلبي. 
جفن عينه إترعش، ودام لثواني كانت كافية تأكّدلي إنّي شايفة صح. 
كان بيحاول يفتّح عيونه وبيرجع يقفلها تاني بسرعة، وقفت وقرّبت منّه بلهفة، مدّيت إيدي ألمس إيده بس إتراجعت وأنا بفكّر نفسي إنّه لسّه مش جوزي. 
إتكلِّمت بحشرجة في صوتي: سامِر.. انتَ سامعني؟ 
فتّح عيونه، وهو بيحاول يقاوم ضوء الشمس، لف راسه ناحيتي ببطئ. 
بصّ لي بعيونه الدبلانة، ومنطقش،معرفتش المفروض أعمل إيه،   فَ إلتفتت بسرعة علشان أخرُج أبلّغ الدكتور إنّه فاق، لكن وقّفني صوته التقيل: إســــــــتــــــنِّـــــــي
حسّيت إن قلبي رجع ينبض من تاني، وكإنّي مكنتش حاسة إنه بينبض طول الفترة دي. 
قرّبت منّه وأنا ببتسم بدموع في عيني: أنا هِنا. 
_صوتِك وحِش.. كنتِ تشغّلي الشيخ عمر بن ضياء أحلى.
ضحكت والدموع نزلِت، إتكلِّمت بحرَج وأنا بمسحها: انتَ سمعتني؟ 
ابتسم بخفوت وقال بصوت بقا واضح: 
أيوه… سمعتِك.
أنا كنت في حتّة غريبة… أصوات داخلة في بعض، وفي أصوات معرفتش أمّيّزها… كإن الدنيا مش واضحة.
بس صوتِك إنتِ… كان بيوصل صريح.
كنت بسمعه من غير ما أفهم أنا فين… ولا ليه.
بس كنت بعرفه.

الباب إتفتَح وطنط صفيّة أوّل مَ شافته جريت عليه وضمّت جسمه ليها،   حطت راسها على صَدره وهي بتتكلّم بعياط وبتطبطب عليه: 
الدنيا كانِت مضلّمة.. كانت مضلّمة من غيرَك يانور عيني. 
مسكِت إيده وفضلِت تبوسها، انسحبت بهدوء؛ علشان أبلّغ الدكتور إنّه فاق. 
و أوّل مَ خرجت لَقيت آدم وبسمة في وشّي، كُنت مُبتسِمة وأوّل مَ شوفتهم الإبتسامة اختفِت تلقائي. 
_خير؟  فرحانة إنّك خلِصتي منّه ولّا إيه. 
"و هييجي الخير منين يا بسمة وانتي موجودة؟" 
قولتها ببرود، وتخطّيتهم ومشيت. 

_____________

الدكتور خبّط ودخل وأنا دخلت وراه. 
_حمدالله على سلامتك.. عرِفت إنّك فوقت وقدرت تتكلّم. 
سامر حرّك راسه وهو بيقولّه بإنزعاج: 
بس عندي صداع جامِد. 
_ده طبيعي.. بقالك شهر ونص مشوفتش ضوء، متقلقش شويّة والصداع هيروح. 
ضم حواجبه بإستغراب: شهر ونص! 
"اه.. انتَ كنت مُقيم معانا هِنا.. شرّفتنا بس ياريت ما شوفكش هِنا تاني." 
قالها بنبرة مرِحة، و استأذن وخرَج. 

قرّبِت بسمة من سامر، و قالت وهيّ بتحط إيدها على راسه: حمدالله على سلامتك ياحبيبي.. أكيد الحادثة دي حصلِتلك علشان ربّنا يرحمَك من مصيبة أكبر من دي. 
بصّلها بحدّة وهو بيشيل إيدها: 
إيدك بس يا بسمة علشان مصدّع. 
بصّ ناحيتي يشوف تأثير كلامها عليّا بس أنا ماكنتش متأثرة.. يادوب كانِت عيني بتطلّع شرار وأنا ببصّلها وبتخيّل نفسي قاعدة عليها وجايباها من شعرها. 
بصّلها تاني بسرعة وكإنّه قرأ  أنا بفكّر في إيه، وقالّها: روحي يابسمة بسرعة كلّمي بابا وعرّفيه إنّي فوقت. 
_طيب هكلّمه هِنا. 
اتكلِّم وهو بيجزّ على أسنانه: 
مَ قولتلِك مصدّع.. إطلعي كلّميه برّا. 
___________
في آخر اليوم الدكتور كتبله على خروج، بعد مَ دخل واتطمن عليه. 

بابا جه المستشفى وصمّم إنّه يوصّل سامر البيت بنفسه، وآدم ياخُد باقي عيلته في عربيته. 
كنّا في الطريق،  أنا قاعدة من قدّام وسامر ممدد جسمه ورا،  ماما رنّت وقالِت لبابا ميرجعش على بيتنا؛ لإنّها عاملة أكل وهتوصّله لبيت عمّي وتطمن على سامر. 

وصلنا، وبابا نزل فتح الباب لسامر وهو بيسنده علشان ينزل،  نزل وكان هيقفل باب العربية بس إتفزع من صوت بابا المُندفِع: عنّك انتَ يابني، هقفله أنا. 
_يا عمّي أنا مش لسّه والِد.. العمليّة كانِت في راسي والجرح خف أصلاً. 
كتمت ضحكتي على شكلهم مع بعض؛ بابا كان بيقوله يمسك إيده ويسند عليه وهوّ بيحلفله إنّه مش خارِج من عمليّة ولادة مُتعثرة. 
وفي ظل الموقِف العبثي ده كانت عربية آدم وصلت وبدأوا ينزلوا منها. 
آدم أوّل مانزل راح لسامِر وهوّ بيقولّه: يلا تعالى إسند عليّا. 
_بقولكوا إيه.. واللّه أرجع المستشفى تاني. 
سابهم ودخل العمارة وهوّ مُتذمّر. 
راحت طنط صفيّة وراه وهيّ بتسرّع خطواطها: 
إستنّى يا سامِر.. إستنّى ياحبيبي. 
_______________
كنت واقفة على باب أوضته وبتفرّج على مشهد حنفي ومراته في مسرحيّة المتزوجون؛  سامِر كان قاعد على السرير وطنط صفيّة جنبه، وكل مَ يحاول يتكلّم تحط لُقمة في بوقّه تِخرِسه. 
كانت لسّه هتحط لُقمة تانية في بوقّه،  مسك إيدها وإتكلّم بعد مَ خلّص الأكل اللّي في بوقّه: 
خلاص ياماما مش قادر.. انتي بتحشي حمام؟ 
_يابني كل،  انتَ ياحبة عيني مفيش أكل دخل جسمك من زمان. 
باس إيدها وهوّ بيبتسم بهدوء: 
ياحبيبة قلبي أنا شبعت، تسلم إيدك ياست الكل. 
ردّت عليه وهي بتغمزله: لأ ياحبيبي مش أنا، دي حماتَك اللّي عملته. 
عمّو حسن اتكلّم بتشجيع: يلّا قوملنا بالسلامة كده علشان نخطبلك حبيبة القلب. 
_لأ يا بابا.. أنا مش هخطب نور. 

                     الفصل السابع من هنا
تعليقات



<>