رواية ارواح لا تستبدل الفصل العاشر10 بقلم الاء محمد حجازي
بصي... أنا كنت محتاج أتكلم معاكي في موضوع... ويمكن الظروف مش أنسب حاجة... بس والله غصب عني... مش قادر أصبر أكتر من كده.
نغم اتوترت:
خوفتني...
إبراهيم ابتسم بحرج:
أنا... بحب وفاء.
نغم اتصدمت:
إيه؟!
إبراهيم بسرعة:
بحبها بجد... مش من دلوقتي... من زمان... من قبل حتى كل اللي حصل... كنت بحاول أساعدها عن طريق خلود... أحاول أقرب منها... أفهمها... أقف جنبها... لكنها كانت دايمًا بترفض... كانت تايهة... مكسورة... ومليانة غضب.
نغم سكتت تمامًا.
إبراهيم كمل:
أنا شايف فيها إنسانة كويسة جدًا... قلبها من جوا نضيف... بس الحياة بوظتها... الضغط... الإهمال... المقارنات... كل ده شوّهها... وأنا... مش قادر أشوفها غير إنها تستحق تتحب صح.
نغم دموعها لمعت:
يا إبراهيم...
إبراهيم ابتسم:
أهو كده... قوليلي إبراهيم... كلمة دكتور دي محسساني داخل أعمل عملية.
نغم ضحكت لأول مرة من قلبها:
بصراحة فعلًا... إبراهيم أحلى... وبعدين أنت بعتبرك زي مازن بالظبط.
إبراهيم:
وده شرف ليا.
نغم بصتله بجدية:
بس يا إبراهيم... وفاء شافت كتير... واتكسرت كتير... واتحطت تحت ضغط نفسي مرعب... يعني لو ناوي تدخل حياتها... لازم تبقى فاهم إنك داخل تعالج روح... مش مجرد ترتبط ببنت.
إبراهيم هز راسه:
وعارف... ومستعد.
نغم بدأت تتكلم بصدق عميق:
بص... أي حد مر بظروف زي وفاء... أو حتى أقل... لازم يفهم إن القسوة عمرها ما كانت حل... لا على نفسه ولا على غيره... ربنا
سبحانه وتعالى قال:
"ولا تيأسوا من روح الله."
يعني طول ما النفس فينا... فيه أمل.
وفاء محتاجة حد يفهمها... ياخد بإيدها... يعرفها إن ربنا مش عايز يعذبها... ربنا رحيم.
محتاجة حد يحببها في ربنا بالراحة... مش بالخوف... مش بالعنف... مش بالتأنيب...
يفهمها إن ربنا بيقبل التوبة... إنه بيبدل السيئات حسنات... إن الإنسان مهما غلط... باب الرجوع مفتوح.
لازم تحسسها إن قيمتها مش في جمالها... ولا مقارنة بحد... ولا في مين أخد منها إيه...
قيمتها في نفسها... في روحها... في قربها من ربنا.
إبراهيم كان بيسمعها بانبهار.
نغم كملت:
متضغطهاش... متفكرهاش بماضيها كل شوية... حبها بهدوء... افتح لها باب الأمان... خليها لأول مرة تحس إنها مش لازم تحارب علشان تتحب.
البنت اللي اتربت على الألم... بتحتاج وقت طويل علشان تصدق إن فيه حب بجد.
إبراهيم بصوت متأثر:
والله إني بحبها بالشكل ده فعلًا.
نغم:
يبقى اصبر... لأن الشفاء النفسي مش بيحصل بسرعة... وممكن تلاقيها بتبعد... بتخاف... بتشك... لكن لو كنت صادق... هتعرف توصل.
إبراهيم:
طب تساعديني؟
نغم ابتسمت:
هساعدك... بس بشرط.
إبراهيم:
اللي تطلبيه.
نغم:
متكسرهاش... أبدًا.
إبراهيم حط إيده على قلبه:
وعد.
نغم:
وفاء محتاجة حد يحتويها... مش يغيرها بالعافية... حد يفهم إن الدين رحمة... وإن الحب الحقيقي ستر... وأمان... وصبر.
وبصراحة؟
إبراهيم:
إيه؟
نغم ابتسمت بحب:
أنت أول حد أحسه ممكن يكون فعلًا عوض ليها.
إبراهيم لأول مرة حس إن قلبه قرب فعلًا من حلمه.
وقال بابتسامة:
يعني عندي أمل؟
نغم ضحكت:
عندك أمل كبير... بس خدها بالراحة... دي أختي... وغالية أوي.
إبراهيم:
أغلى مما تتخيلي.
وفي اللحظة دي...لأول مرة...بدأت حكاية جديدة...مش مبنية على انبهار... ولا خداع... ولا كسر...لكن على فهم... وصبر... وحب حقيقي... يمكن يكون هو النجاة اللي وفاء احتاجته طول عمرها.
نغم ابتسمت لإبراهيم ابتسامة هادية، فيها دفء أخت بدأت أخيرًا تشوف بصيص نور حقيقي في حياة أختها، وقالت له وهي بتحط إيديها على كتفه بخفة:
بص يا إبراهيم... أنا هساعدك، بس الأهم من مساعدتي أنا؟!
إنك أنت بنفسك تقرب لها... اتكلم معاها... افهمها... حاول تدخل قلبها واحدة واحدة... هي محتاجة تحس إن اللي قدامها مش شفقة... ولا مجرد دكتور بيعالج حالة.
هي محتاجة تحس إنك فعلًا شايفها إنسانة تستحق الحب... تستحق فرصة جديدة... حاول تحببها فيك بهدوء... من غير ضغط... من غير استعجال... خليك الأمان اللي عمرها ما عرفته... ولو قلبها ارتاح لك... صدقني... هتكسب أجمل قلب ممكن تعرفه.
إبراهيم ابتسم من قلبه:
هحاول... ووعد، لو ربنا كتبلي مكان في قلبها، عمري ما هكسره.
نغم ضحكت:
كده أقدر أسيبك وأنا مطمنة.
استأذنت ومشيت...
>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
نغم أول ما وصلت بيت أبوها، كانت داخلة بطاقة مختلفة تمامًا عن أي يوم فات...
وشها منور... عينيها فيها لمعة فرحة حقيقية... خطواتها سريعة... وكأنها رجعت طفلة صغيرة شايلة خبر حلو ومش قادرة تستنى.
أول ما دخلت الصالون وشافت مازن قاعد،
شهقت بفرحة:
ماااازن!
وجريت عليه بسرعة، من غير تفكير، وارتمت في حضنه بحماس طفولي واضح.
مازن ضحك وهو بيحضنها:
يا روح قلبي... يا رب دايمًا أشوفك بالفرحة دي... مالك؟
في إيه؟
شكلك زي عيلة جابت لبس العيد وجاية تفرج أبوها عليه!
نغم بعدت عنه بسرعة وهي بتضحك:
بجد! هو ده بالظبط!
أنا مبسوطة أوي أوي أوي أوي... مش متخيل!
مازن بص لها بحب:
يارب دايمًا مبسوطة يا حبيبتي... بس احكيلي، إيه سبب السعادة التاريخية دي كلها؟
نغم قعدت جنبه بسرعة:
أنا لسه جاية من المستشفى عند وفاء... ومش هتصدق حصل إيه!
مازن رفع حاجبه:
خير؟
وفاء كويسة؟
نغم بحماس:
أيوه كويسة... بس المفاجأة إن إبراهيم... طلع بيحب وفاء من زمان! وعايز يتجوزها!
مازن وقف فجأة بفرحة:
يا نهار أبيض! بجد؟!
نغم هزت راسها بسرعة:
آه والله!
مازن حضنها بفرحة:
ألف مبروك يا حبيبتي... عقبالك أنتِ كمان... عقبال اليوم اللي أفرح بيكي فيه وأسلمك لعريسك بإيدي.
لكن فجأة...
ابتسامة نغم هديت... ونظرتها انكسرت شوية.
وقالت بصوت أهدى:
لا... أنا مش عايزة أتجوز دلوقتي.
مازن بصلها باهتمام.
نغم كملت:
أنا دخلت تجربة... واتوجعت... وانكسرت... ومش مستعدة أكرر ده تاني... مش قادرة أعيد نفس الألم... لسه بحاول أتعافى من القديم... هبدأ جديد إزاي وأنا أصلًا لسه بلملم نفسي؟
تعرف يا مازن... أنا ساعات بزعل من قلبي... إزاي حب حد أناني بالشكل ده؟
إزاي صدق؟
إزاي اتعلق؟
بجد ساعات بحس إني كنت ساذجة... بس يلا... تجربة واتعلمت... رغم إن... وجعها لسه جوايا.
مازن سحبها تحت دراعه بحنان:
بصي يا نغم...
كلنا... كلنا بندخل تجارب... في ناس بتكمل... وفي ناس بتكون مجرد درس.
والغلط مش إنك حبيتي... الغلط الوحيد إنك توقفي حياتك عشان تجربة فشلت.
الحياة ما بتقفش عند حد... ولا عند خذلان... ولا عند كسر.
أنتِ محتاجة تدي نفسك وقت... وقت حقيقي... تتعافي... تفهمي نفسك... تحبي نفسك من جديد.
لأن اللي خارج من علاقة مؤذية... أكبر غلط ممكن يعمله... إنه يا إما يقفل قلبه تمامًا... يا إما يدخل علاقة جديدة وهو لسه مكسور.
الاتنين ظلم.
لازم الأول... تضمدي جروحك.
اخرجي... اتفسحي... عيشي... اعملي ذكريات جديدة... ارجعي لنفسك... لشخصيتك... لروحك.
تعلمي إن سعادتك مش مرتبطة بوجود شخص.
ولما تيجي العلاقة الصح... هتيجي وإنتِ قوية... مش محتاجة حد يكملك... لكن حد يضيفلك.
ما تخليش تجربة واحدة تخوفك من كل الناس... مش كل الناس شبه بعض... زي ما فيه الوحش... فيه اللي يستحق.
بس الأهم... ما تستعجليش.
خدي وقتك... ابني نفسك... حبي نفسك.
وأوعي تفتكري إن فشلك مع شخص يعني إنك غير قابلة للحب.
بالعكس... أحيانًا الشخص الغلط بيكسرنا... علشان لما الصح ييجي... نعرف قيمته.
نغم كانت ساكتة... بتسمع... وعينيها دمعت.
مازن مسح دموعها:
أنتِ لسه صغيرة... والدنيا لسه فيها كتير... فبلاش تحكمي على عمرك كله من تجربة واحدة.
عايزك توعديني...
نغم بصتله:
أوعدك بإيه؟
مازن:
توعديني إنك هتعيشي... هتخرجي... هتدي نفسك فرصة تتعافى... وهتدي قلبك فرصة يحب تاني... لما يكون مستعد... مش خوفًا... ولا هروبًا... لكن لأنك تستحقي.
نغم دموعها نزلت، لكنها ابتسمت:
أوعدك... هحاول.
مازن بضحكة:
هحاول دي ما تطمنش.
نغم ضحكت:
خلاص... أوعدك.
مازن باس راسها:
كده بنتي الشاطرة.
وفجأة نغم شهقت:
صح! أنا نسيت المفاجأة اللي قولت عليها؟!
مازن ضحك:
لسه فيه مفاجآت تاني؟
نغم:
إيه هي؟
مازن ابتسم بمكر:
فرح ابن عمتي الأسبوع الجاي... في كفر الشيخ.
نغم فتحت عينيها بصدمة:
بجد؟!
مازن:
وأخدت إذن أبوكي... وهنسافر أنا وأنتِ.
نغم صرخت بفرحة:
الله! بجد يا مازن؟!
هنروح الريف؟! ونشوف الأراضي
؟ والزرع؟ والبقرات؟ والجاموسات؟!
مازن انفجر ضاحك:
آه يا بنتي... هنشوف البقرات و الجاموسات كمان.
نغم حضنته:
أنا بحبك خالص!
مازن ضحك:
وأنا بحبك أكتر.
نغم بطفولة:
بجد؟
مازن:
آه والله... أنا موجود في الدنيا أصلًا علشان أساعدك وأرخم عليكي وبس.
نغم بضحك:
طب لما تلاقي بنت الحلال هتنساني.
مازن حط إيده على قلبه:
والله لو قفلتهم أربعة... عمري ما هنساكي.
نغم:
يعني هفضل أهم؟
مازن:
أنتِ؟ أنتِ مش مهمة... أنتِ قطعة من قلبي.
نغم دموعها لمعت، لكن المرة دي كانت دموع أمان.
ولأول مرة من شهور...ضحكت من قلبها فعلًا...وشافت إن الحياة... لسه فيها لحظات تستحق تتعاش.
>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
أما عند خالد...
كان قاعد لوحده في أوضته... الهدوء حواليه خانق... ولأول مرة من سنين، يواجه نفسه بصدق.
كان ماسك صورة قديمة لنغم... بيفتكر ضحكتها... براءتها... لهفتها عليه... حبها اللي كان صادق بشكل موجع.
غمض عينيه، وافتكر موقف قديم...
نغم كانت بتكلمه بحماس طفولي بريء:
تعرف يا خالد... أنا بحبك أوي... يعني بجد حاسة إنك عوض ربنا ليا... بتمنى لما يبقى عندنا أطفال نقرب منهم أوي... نسمعهم... نحتويهم... نفضل أصحابهم قبل ما نكون أهلهم... نفسي ولادنا ما يحسوش بالوحدة اللي أنا حسيتها...
وقتها...
كان رد خالد ببرود:
نغم، اقفلي دلوقتي... أنا مش فاضي للتفاهة دي.
افتكر سكوتها بعدها... وجعها اللي خبته... وحاولت تضحك رغم كسره.
فتح عينيه بسرعة، وكأن قلبه بيتعصر.
همس بصوت مكسور:
أنا إزاي ضيعت حد حبني بالشكل ده...؟
إزاي كنت غبي للدرجة دي...؟
إزاي ما شفتش قيمة النعمة اللي كانت في إيدي؟
افتكر مواقف كتير... رسائلها... خوفها عليه... محاولاتها تتغير عشانه... دموعها... كسرتها...
مسك شعره بعنف:
أنا ضيعت إنسانة كانت بتحبني بصدق... وأنا كنت أعمى.
لكن فجأة... نبرة التملك رجعت لعقله.
وقف وقال بجمود:
بس لأ... نغم ليا... وملكي... وهتفضل كده طول عمرها... مهما حصل... مهما كلفني الأمر... هعمل المستحيل عشان ترجعلي.
