رواية الاخطبوط الفصل الرابع عشر14 بقلم اماني سيد


رواية الاخطبوط الفصل الرابع عشر14 بقلم اماني سيد

حنان فضلت ساكتة والخط لسه مفتوح، صوت أنفاسها كان مسموع لرحيم اللي حس إن ورا السكوت ده كلام كتير.
رحيم (بنبرة هادية بس فيها تركيز):
— "مالك يا ست حنان؟ سكتي ليه؟ حاسس إنك كنتِ عايزة تقولي حاجة تانية.. فيه مشكلة تانية في الدار؟"
حنان (بتردد، وهي بتفرك إيدها في بعضها):
— "ها؟ لا يا رحيم بيه.. مفيش حاجة، بس كنت بفكر في مسؤولية البنات والعيال، الدنيا بقت تخوف والواحد مابقاش ضامن بكره فيه إيه."
رحيم (بذكاء):
— "الخوف مبيغيرش النصيب يا ست حنان.. المهم إننا بنعمل اللي علينا. وعمار؟ لسه بيجيلكم؟"
الاسم نزل على حنان كأنه كهرباء، بلعت ريقها وقالت بسرعة:
— "عمار؟ أيوة.. أيوة بيعدي يطمن علينا. هو كمان فيه جدعنة غريبة المرة دي."
رحيم سكت لحظة، وكأنه بيوزن كلامها
— "في إيه يا حنان؟ انطقي.. حد ضايقكم؟"
حنان (باندفاع):
— "عمار يا رحيم بيه.. عمار جاب ابن سعيد هنا، خطفه وجابه وقالي خليه تحت عينك كام يوم. أنا قولتله لأ، وقولتله ده طفل ملوش ذنب، بس هو ركب دماغه وهددني إنه لو مخدتوش هنا هيوديه في مكان "خرابة" ومحدش هيرحمه هناك. أنا وافقت بس عشان أحمي الواد، لكن قلبي واكلني.. سعيد ده بتاع مشاكل ومالوش خير فى حد وممكن يقلب الدنيا ويحبسنا كلنا."
ساد صمت رهيب على الناحية التانية من الخط. رحيم مقاطعهاش، لكن حنان حست ببرودة الصمت ده لدرجة إنها خافت تكون غلطت لما حكت.
رحيم (بصوت منخفض ومرعب):
— "عمار عمل كدة؟ ومن ورايا؟"
حنان:
— "بيقول إنه بيرجع حق عزة.. بس دي مش طريقتنا يا رحيم بيه. أنا قولت لازم أقولك عشان تلم الموضوع، عمار بيغرق وهو مش حاسس، والمرة دي داخل في وش القطر."
استغرب رحيم من تصرف عمار وايه علاقته بعزه ومين عزه دى اصلا 
سأل رحيم حنان عن موضوع عزه وهى حكتله الحكايه من اولها 
رحيم (ببرود):
— "اقفلي يا ست حنان.. وسيبي الولد عندك، ميتكلمش مع حد، ومحدش يعرف هو ابن مين. وأنا هعرف أحاسب عمار على "السرحان" اللي هو فيه ده."
في شقة سعيد بن
سعيد كان لسه واقف مكانه، شيرين قربت منه وهي بتترعش:
— "قالك إيه يا سعيد؟ انطق.. الواد فين؟"
سعيد (بصوت مشروخ):
— "بيقول رد المظالم.. بيقول إنه واحد أنا أكلت حقه. بس إزاي دخل هنا؟ وإزاي خرج بالواد؟ الكاميرات يا شيرين.. الكاميرات مفيهاش غلطة!"
في اللحظة دي، عين سعيد وقعت على "المنور" الصغير اللي في المطبخ، المنور ده ضيق جداً ومستحيل حد ينزل منه، بس بدأ يشك في كل خرم إبرة في البيت.
أمه (بصوت مليان حكمة وشماتة):
— "اللي دخل يا سعيد مدخلش من الباب.. اللي دخل ده عارف سكتك كويس. فكر يا ابن بطني، مين اللي وجعته لدرجة إنه يجيلك من السما عشان يحرق قلبك؟"

سعيد ساب أمه وشيرين ، ودخل مكتبه وقفل الباب بالمفتاح. قعد وفتح درج مكتبه وطلع "دفتر أسود" قديم، فيه أسماء الناس اللي كان بيستقوى عليهم، اللي أكل عرقهم، واللي نصب عليهم في توريدات الشغل.
إيده كانت بتترعش وهو بيمسك التليفون، طلب أول رقم.. (المعلم جابر المقاول).
— "ألو.. أيوة يا معلم جابر.. أنا سعيد."
جابر (بصوت ناشف):
— "سعيد مين؟ سعيد اللي أكل عليا نص تمن الرمل والمناورة؟ عايز إيه يا سعيد؟ جايب الفلوس ولا ناوي تكمل تمثيل؟"
سعيد (بصوت واطي ومكسور):
— "لا يا معلم.. أنا.. أنا براجع حساباتي ولقيت لك حق عندي. الفلوس موجودة، ابعت حد يستلمها بكرة الصبح."
جابر سكت باستغراب، وسعيد كمل بلهفة:
— "بس قولي يا معلم.. أنت ليك يد في اللي حصل لي؟ ابني عمر اتخطف يا معلم جابر! لو أنت اللي عملت كدة عشان حقك، قولي وخد اللي أنت عايزه بس رجع لي الواد."
جابر (بضحكة استهزاء):
— "ابنك؟ لا يا سعيد.. أنا حقي آخده بيدي في السوق، مش بخطف عيال. وبعدين أنا مالي ومال الحركات دي؟ روح شوف مين اللي أنت كاسر عينه بجد.. اللي زيك أعداؤه كتير."
سعيد قفل السكة والدم بيغلي في عروقه من الخوف. بدأ يتصل بالرقم التاني.. (الأسطى عبده السباك).
— "يا عبده.. أنا سعيد. حقك بتاع السباكة والمصنعية اللي قولتلك ملهمش عوزة عندي، تعال خدهم وزيادة عليهم حلاوة."
عبده (بدهشة):
— "سعيد بيه؟ أنت سخن يا بيه ولا إيه؟ ده أنت طردتني وقولتلي ملكش عندي مليم!"
سعيد (بزعيق مكتوم):
— "بقولك تعال خدهم! بس انطق انت شوفت ابنى اصلى بدور عليه ومش لاقيه 
عبده:
— "والله يا بيه أنا راجل غلبان بلم يوميتي بالعافية،
سعيد رمى التليفون على المكتب وقام وقف. المكالمات دي بدل ما تريحه، جننته أكتر. كل واحد بيكلمه بيحس فيه بنبرة شماتة، وكأنه شايفهم كلهم واقفين قدامه بيضحكوا على وقعه دي.
فضل يلف في المكتب زي المجنون، وكل شوية يبص لشاشة الكاميرات اللي لسه مفيش فيها جديد، 
قرر عمار إنه يتصل بسعيد مره تانيه يشوفه فعلاً نفذ ولا لسه اول ما رن تليفون سعيد برقم المجهول 
سعيد فتح الخط بسرعة وبدأ يصرخ قبل ما اللي بيكلمه ينطق:
— "كلمتهم! كلمت جابر وكلمت عبده وكلمت الكل.. هرجع الحقوق يا أخي! أنطق بقى أنت مين؟ وعايز إيه؟ ابني فين؟"
صوت عمار جاله بارد وهادي:
ـ لأ لسه مش كلهم حقهم رجع انجز يا سعيد لو خايف على ابنك 
قال عمار الكلمتين وقفل الخط 
وبعدها سعيد مسك الأجندة ورجع تاتى كمل اتصال بكل الناس اللى نصب عليهم 
سعيد كان بيكلمهم وهو بيحاول "يجرجرهم في الكلام" عشان يعرف مين فيهم المجهول ، أو مين فيهم اللي "وز"  عليه، بس الكل كان رده واحد: دهشة وذهول من "التقوى" اللي نزلت على سعيد فجأة، وإنكار تام لمعرفة مكان الواد.
شيرين كانت واقفة برا بتابع اللي بيحصل وهي هتتجنن، دخلت عليه المكتب وهي بتنهج:
— "أنت بتعمل إيه يا سعيد؟ بتوزع فلوسك على الخلق؟ أنت صدقت الراجل ده؟"
سعيد (بزعيق وهستيريا):
— "وأعمل إيه؟ الكاميرات مش جايبة حاجة، والشرطة لو عرفت هتسحبني أنا وأنتي في الرجلين عشان "الأعمال" اللي بنعملها والنصب ! الواد ضاع يا شيرين.. ضاع والراجل ده عارف كل خرم إبرة في حياتي!"
سعيد سكت فجأة، والرسالة اللي عمار قالهاله في التليفون كانت بترن في ودنه: "زي ما الواد اختفى زي فص ملح وداب.. هيرجع في قلب شقتك". بص لشاشات الكاميرات تاني بذهول، وبدأ يكلم نفسه:
— "هيرجعه في قلب الشقة؟ يعني اللي دخل وخرج ده.. مش بني آدم طبيعي، ده حد مأمن نفسه صح."
سعيد مكنش لسه جاب سيرة (عزة) خالص، ولا حتى نطق اسمها قدام أمه أو شيرين، كان بيحاول يهرب من فكرة إن "عزة" الغلبانة هي السبب، كأنه لو معترفش بظلمها، يبقى لسه فيه أمل إن الموضوع يكون مجرد "تصفية حسابات" تجارية وبس.

في اليوم التالي،
عمار واقف وسط العمال واللودرات، عينه على الحفر بس باله مشغول. رحيم وصل، وقف جنبه وبص للحفرة العميقة اللي قدامهم وقال بصوت واطي بس مسموع وسط الهيلمة:
— رحيم: "الحفرة دي لو وسعت منك يا عمار، هتاخد الموقع كله وتنزل.. وأنت حفرت حفرة أوسع من اللازم في موضوع "ابن سعيد"."
— عمار (من غير ما يبص له): "سعيد ده مابينفعش معاه غير الوجع يا رحيم بيه، والوجع اللي في قلب عزة ميتداواش غير بحرقة قلبه على ضناه."
— رحيم (بص له بحدة): "الوجع يترد بمثله.. راجل لراجل. لكن طفل صغير؟ أنت مهندس يا عمار، يعني عينك ميزان.. شايف إن كفة "خطف عيل" توزن قدام اسمك وبرستيجك؟ أنت أكبر من إنك تلعب دور "الخاطف"، الحق اللي بييجي بكسرة طفل بيبقى حق ناقص.. وإحنا مابناخدش حقنا ناقص."
عمار سكت، ورحيم كمل بلهجة فيها أمر مغلف بنصيحة:
— رحيم: "فك الليلة دي.. الواد يرجع لأهله دلوقت، وحق عزة أنا وأنت اللي هنروح نجيبه بيدينا.. بس بمواجهة الرجال. ارمي له الواد وخليه يفتكر إنه فلت، عشان الصدمة اللي جاية تقطمه نصين."
عمار هز راسه، القناعة ظهرت في عينه، وركبوا العربية وطلعوا على الدار.
في الدار، الجو مليان ضحك ولعب أطفال، ووسطهم كانت "عزة" قاعدة على الأرض، ضامة "عمر" لحضنها وبتمسح على شعره بحنان فطري، وهي متعرفش إن الطفل ده هو نفسه اللي ابوه كان السبب في كابوس حياتها. "عمر" كان بيضحك من قلبه وهو بيلعب بلعبة صغيرة في إيده، وعزة بتبتسم له بصفاء، كأنها بتعوض فيه حرمانها من الأمان.
في المكتب الجانبي، كانت حنان قاعدة بتفرك إيدها بقلق، وفجأة الباب اتفتح. دخل عمار ووراه "رحيم". حنان اتنفضت من مكانها، عينيها وسعت من الصدمة، مكنتش متخيلة أبدًا إن "رحيم بيه" بشحمه ولحمه يجي لحد عندها عشان موضوع زي ده.
— "رحيم بيه! خطوة عزيزة أنا مكنتش أعرف إن حضرتك هتيجي بنفسك."
رحيم (بص لها بنظرة هادية ورزينة):
 ـ الموضوع بسيط يا ست حنان، وكان لازم يتحسم  فين الولد؟"
عمار (بص لحنان بعتاب ولوم، ونبرة صوته كانت مليانة خيبة أمل):
— "بقى كدة يا ست حنان؟ مكنتش فاكر إن ثقتك فيا مهزوزة للدرجة دي.. تروحي تحكي لرحيم  وتدخليه في موضوع بسيط زى ده أنا كنت عارف هلمه إزاي؟ للدرجة دي مش واثقة إن عمار يقدر يحمي الدار ويجيب الحق من غير ما يشوشر عليكي؟"
حنان (بلهفة):
— "والله يا عمار يا ابني ما قصدي، أنا بس خفت.. خفت عليك وعلى الدار، وسعيد ده راجل ملوش أمان."
عمار (لسه بيعاتبها):
— "الخوف مبيخليش الواحد يبيع اللي منه يا ست حنان.. أنا كنت راسم كل خطوة، لكن إنتي استعجلتي."
رحيم (قطع كلام عمار بصوت حازم):
— "خلاص يا عمار.. الست حنان عملت الصح. هي خايفة على مكانها وأمانتها، وأنا مقدر ده. المهم دلوقت نخرج الواد من هنا من غير شوشرة."
خرجوا الثلاثة للصالة، عزة كانت لسه قاعدة والولد في حضنها. أول ما شافت عمار، وشها نور بضحكة صافية، وقامت وقفت وهي شايلة عمر:وبتتكلم مع حنان 
 سبحان الله، انا الولد ده زى مايكون شوفته قبل كده 
عمار بص لعزة بوجع مكتوم، وقلبه وجعه وهو شايفها ضامة ابن اللي كسرها
حنان قربت منها واخدت الولد وتجاهلت كلامها متعمده 
ـ هاتى الولد هو كان تايه وأهله لاقوه الحمد لله 
ـ  وهو فين اهله 
ـ عمار يعرفهم اتواصل معاهم وهيرجعلهم الولد 
ـ تمام خديه ربنا يرد كل غايب لاهله ومايوجع قلب ام على ضناها 
رحيم خد عمر، والولد بدأ يصرخ عايز يرجع لعزة، وهي واقفة بتبص لهم بحزن، متعرفش إن اللي في حضنها ده هو "الرهينة" اللي عمار كان بيحاول يرجع لها حقها بيه.
عمار بص لحنان بصه أخيرة قبل ما يخرج، بصة فيها عتاب "الابن" لأمه، وتحرك ورا رحيم اللي كان شايل الولد بكل هيبة، وبدأوا ينفذوا الجزء التاني من الخطة.

                   الفصل الخامس عشر من هنا
تعليقات



<>