رواية هتلر الفصل السادس عشر16 بقلم اسماعيل موسي

رواية هتلر الفصل السادس عشر16 بقلم اسماعيل موسي


تحول اتجاه الرصاص تدريجيًا نحو العشة ولم يعد الصوت يأتي من الصحراء المفتوحة فقط بل أصبح يتركز حول المكان
داخل محيط العشة كان هتلر قد اتخذ موقعه وانخفض خلف صخرة صغيرة بالكاد تحجب نصف جسده وكانت عيناه ترصدان كل حركة في الخارج
بجواره ثلاثة من رجاله توزعوا بسرعة حيث احتمى أحدهم خلف قطعة أثاث مكسورة وانخفض الآخر خلف بقايا جدار قديم من مخلفات مباني واختار الثالث كومة حجارة غير منتظمة يحاول أن يجعل منها ساترًا
لم يكن أي من هذه المواقع مثاليًا لكنها كانت كافية لثواني إضافية من الحياة
بدأ إطلاق النار من جديد وكانت الطلقات متقطعة تخرج من أكثر من اتجاه تغطي المساحات الفارغة وتمنع أي اقتراب مباشر
كان الرصاص يرتطم بالحجارة ويتناثر غبار خفيف مع كل إصابة
كان هتلر يتحرك قليلًا كل بضع ثواني ويغير زاوية جسده دون أن يكشف نفسه بالكامل وكان يعرف أن الثبات يعني الموت
أما رجاله فكانت حركتهم أكثر توترًا لكنهم كانوا يحاولون الالتزام بإيقاع القتال حيث يطلق كل واحد منهم ثم يختبئ ويراقب ثم ينتظر
لم تعد العشة مجرد مكان بل تحولت إلى نقطة اشتباك وكان الصمت بين الطلقات أخطر من الصوت نفسه
اشتد الغضب في ملامح هتلر وهو ينخفض خلف صخرته وكانت الطلقات تمر فوقه وتتناثر الرمال حوله لكنه لم يعد يكتفي بالرد على النار
أدخل يده في جيبه بسرعة وأخرج هاتفه ثم رفع رأسه قليلًا يتأكد من زاوية الرؤية وعاد للاختباء
فتح الشاشة بأصابع سريعة وكأن كل شيء محفوظ في ذهنه وتوقف لثانية وعيناه تلمعان بشيء أخطر من الغضب
ضغط زر الإرسال ولم ينتظر تأكيدًا وكأنه يعرف أن ما أرسله كفيل بأن يبدأ العاصفة
عاد يسند ظهره على الصخرة وصوت الرصاص لا يزال يملأ المكان ثم أطلق ابتسامة ساخرة ببطء وهمس لنفسه بهدوء خليه تتطربق على الكل
انخفض محمود خلف نتوء رملي ثم تحرك كظل سريع بين الفجوات واقترب من أحد رجال هتلر دون أن يلفت الانتباه
أطلق طلقة قصيرة محسوبة أنهت حركته وسقط جسده بلا صوت يذكر ولم يبق سوى هتلر ورجل واحد يتشبثان بما تبقى من ساتر
في اللحظة التالية ظهر محمود وخرج من طرف الطريق السريع كأنه اندفع من العدم وكان يركض بكل سرعته وجسده منخفض وعيناه ثابتتان نحو الهدف
انطلقت رصاصة من الرجل الأخير ومرت بين قدمي محمود وهو في اندفاعه لكنه لم يتوقف ولم يغير مساره
بعد لحظات قليلة انقلب المشهد وسقط الرجل نفسه بعدما أصابته طلقة دقيقة وخلا المكان إلا من محمود وهتلر
هدأ الصوت فجأة وبقيت أنفاسهما وحدها تسمع بين المسافات
وقف محمود على بعد خطوات ورفع نظره نحوه دون استعجال وقال بصوت ثابت إن الكلام بينهما قديم وأن الدم والحساب لم ينسهما أحد
ابتسم هتلر ابتسامة قاسية وقال إنه كان ينتظر هذا اليوم من زمان
تقدم كل واحد منهما خطوة ثم أخرى حتى أصبحت المسافة بينهما واضحة ومفتوحة
خفض محمود سلاحه ببطء وألقاه على الأرض ورد هتلر بالمثل دون تردد
لم يعد هناك رصاص ولا رجال ولا شهود بل مجرد أرض مفتوحة ووعد قديم وحساب مؤجل
التقت نظراتهما للحظة طويلة ثم فهم كل واحد منهما الآخر دون كلمة إضافية وكانت المعركة القادمة بلا أي شيء يختبئ خلفه أحد
تقدم الاثنان في صمت ثقيل ثم انفجرت اللحظة واندفع هتلر أولًا بقوة طاغية كأنها موجة لا تتوقف
كانت ضرباته مباشرة وعنيفة لا تعرف التردد واستقبل محمود الصدمة الأولى بصعوبة وارتد جسده خطوة للخلف
توالت الضربات من هتلر بلا توقف وكانت قبضاته ثقيلة واندفاعه الجسدي يحاول سحق كل مقاومة لكن محمود لم يسقط
بدأ يستعيد توازنه ورفع ذراعيه ليصد ويحتوي وتحول القتال إلى اشتباك قريب جسد بجسد وأنفاس متلاحقة
كانت ضربة من هتلر تقابلها مراوغة من محمود ثم رد سريع يترك أثره
تأرجح القتال بينهما وكانت هناك لحظة يفرض فيها هتلر قوته ولحظة يستعيد فيها محمود السيطرة ولم يكن هناك تفوق ثابت بل صراع إرادة لا ينكسر بسهولة
سقط محمود مرة على الأرض ثم نهض وهو يلهث وسقط مرة أخرى ثم عاد واقفًا وكان يتحمل الضربات وكأن شيئًا داخله يرفض السقوط
بدأ شيء مختلف يظهر في عينيه ولم يعد الأمر مجرد قتال بل تحول إلى انتقام
اندفع من جديد لكن هذه المرة بقوة مختلفة وأمسك بهتلر واصطدم به بعنف ثم دفعه أرضًا
انقلبت الموازين وأصبح محمود هو من يضغط وهو من يهاجم بلا توقف
أمسك بملابس هتلر وجره على الأرض بقسوة وكانت الرمال تحت جسده والصوت يعلو من احتكاكه بها
كان المشهد يعيد نفسه لكن هذه المرة الأدوار انعكست
دخل به إلى العشة ودفعه بقوة ثم جلس محمود على مقعد قديم وأمسك بعنق هتلر بين يديه وبدأ يصفعه من كل جهة
توالت الصفعات حتى بدأ وجه هتلر يتشقق تحت الضرب وفقدت ملامحه ثباتها لأول مرة
توقف محمود أخيرًا وتنهد بعمق كأنه أخرج ما بداخله دفعة واحدة
سحب حبلًا وقيد يدي هتلر ثم جره مرة أخرى إلى الخارج وألقاه في خلفية سيارة نصف نقل كما لو كان يحمل شيئًا انتهى منه
كان يعرف إلى أين سيأخذه إلى الحارة حيث بدأ كل شيء ليسترد ما سلب منه
صعد محمود إلى السيارة وأدار المحرك وتحركت ببطء في البداية ثم بدأ يزيد السرعة
وفي اللحظة التي اندفعت فيها السيارة شق صوت رصاصة الهواء واخترقت كتف محمود
اهتز جسده وتوترت يده على المقود لكن السيارة لم تتوقف

تعليقات



<>