رواية هاربة ام خائنة الفصل الاول1بقلم داليا السيد
ذاكر ة
"عندما ضرب النور عيونها أزعجها بشكل غريب وكأنها ترى النور لأول مرة ولكنها تشعر بألم منه ولا تعرف سببه أغلقت رموشها بسرعة لتحميها من الضوء وحاولت تحريك ذراعها اليمنى لتحميها ولكنها لم تستطع وهي تشعر بالألم بها وسمعت صوت هادئ يقول
"ذراعك مصاب مدام فاهدئي"
رنت كلمة مدام بأذنها وانطلقت لعقلها وهي تحاول أن تستوعب ما حولها والصوت يعود ليكمل "افتحي عيونك مرة أخرى لابد أن تعتاد عيونك الضوء فهي غير مصابة بضرر"
فتحت عيونها ببطء ولكنها لم تشعر بنفس الانزعاج وهي ترى رجلا نحيفا بزي أبيض وبشرة بنفس اللون وشارب أسود تحت أنف صغيرة وعيون سوداء ضيقة تحدق بها، ابتسم لها بفم كبير تناقض مع باقي ملامحه وصوته الهادئ وهو يردد
"مرحبا بعودتك مدام"
تجولت عيونها بالغرفة الكبيرة التي أدركت أنها غرفة فاخرة بمشفى أيضا فاخر وهناك ممرضة تقف بجوار الطبيب تبدو صغيرة بالعمر ولكنها رقيقة الملامح، عادت بنظرها للطبيب خاصة عندما دق صداع فظيع رأسها وقالت "ماذا حدث؟"
قال الطبيب بهدوء "ألا تذكرين ما أصابك؟"
تاهت قليلا بعيون الطبيب وهي تكتشف أنها لا تذكر أي شيء عن نفسها ولا حتى اسمها وللحظة اجتاحها فزع فظيع وهي تهتف "لا، أنا أصلا لا أذكر من أنا"
زالت الابتسامة من على شفتي الرجل وتحول للجدية وهو يقول "ماذا تعنين بذلك؟ ألا تذكرين اسمك أو اسم زوجك؟"
لم يذهب الفزع وهي تهتف بصوت مجهد "لا، أنا لا أذكر أي شيء، ماذا أصابني؟ هذا الصداع فظيع والألم بجسدي كله، من أنا؟ أريد أن يجيبني أحد، ماذا حدث لي؟"
سمعت صوت الطبيب يأمر الفتاة دون أن تفهم وهي في حالة من الهياج والبكاء وهي تجد نفسها كالنبع الذي جفت مياهه بلا معالم هكذا أصبح عقلها فارغ من أي ذكريات تربطها بماضيها
من هي؟ ولمن تنتمي؟ وكيف كانت حياتها؟
رغم البكاء الهستيري إلا أنها لمحت شبحا لرجل طويل برونزي البشرة طويل القامة يقترب من فراشها ولم ترى ملامحه من بين دموعها والطبيب الذي دفع حقنة في الكانيولا المثبتة بيدها وسمعت صوت الشبح قوي ثابت يقول بنبرة قلقة
"الآن ماذا حدث؟"
لم تستطع أن تراه جيدا والدموع جعلت عيونها تحرقها فأغلقتها وهي تحاول أن تهذي بأي كلمات تعرف بها كيف سقطت بتلك المتاهة ولكن سرعان ما غشاها الظلام ولم تشعر بأي شيء
***
يد كبيرة تضغط على أصابعها وكأنها تجذبها من تلك المتاهة التي تدور بها دون منفد للخروج
لم تحرك أصابعها وهي تشعر بدفء اليد يسري ليدها ولكنها قاومت الظلام وأرادت إبعاده فرفعت رموشها عن عيونها لتواجه عيون زيتونية رائعة، برموش سوداء طويلة تحت حواجب أيضا سوداء كثيفة تنظر إليها بنظرة لم تفهم ماذا تعني ولكنها منحتها شعور رائع بالراحة والانجذاب بشكل غير طبيعي
شدت اليد عليها لتمنحها انذار بأنها عادت للواقع وقد أدركت أنها لتلك العيون الزيتونية التي تحدق بها بين وجه طويل بشرة برونزية، فم قوي، عظام تكاد تبرز قوة صاحبها، شعر أسود مصفف بعناية
ذقن حاد نبت شعرها دون اهتمام من صاحبها الذي انزوت شفتيه عن أسنان بيضاء عندما قال بذلك الصوت الذي تذكرته
"كدت أفقد الأمل بأن تعودي الليلة"
لم تبعد يدها من يده وهي لا تعلم من هو وماذا يربطها به؟ وإن شعرت تجاهه بألفة غريبة وبأن عيونه تسيطر عليها بقوى خفية لا تستطيع مقاومتها
قالت "هل أعرفك؟ أقصد هل من المفترض أني كنت أعرفك؟"
ظل يراقب نظراتها لحظة ثم ترك يدها وتراجع بمقعده وقال "إذن أنتِ حقا لا تذكرين؟"
قالت بضيق "ماذا تظن؟"
نهض مبتعدا فأدركت كم هو عملاق حقا بجسده الذي بدت أكتافه عريضة وقوية بذراعين بارزة العضلات..
اختلف نصفه الآخر تماما حيث بدا أقل عرضا وكأنه جسد لرجل رياضي من الدرجة الأولى ولكن اختفت العضلات تحت القميص الأسود على بنطلون أسود ضيق
التفت إليها مرة أخرى وقال "ولا تذكريني بالطبع؟"
أبعدت عيونها وحاولت تحريك رأسها ولكنها تألمت وأدركت أن رأسها محاط بضمادات فتراجعت عن الحركة وسخرت من نفسها وحالتها وهي تقول بحزن
"كان من الأولى أن أذكر من أنا بدلا من أن أذكرك"
ثم رفعت عيونها إليه وقالت "بالتأكيد أنت تعرفني"
هز رأسه وقال بنفس الصوت القوي "أنتِ زوجتي، يسر عبد الرحمن المصري وأنا ياسين مصطفى العطار"
ظلت تنظر إليه وهي لا تعرف بماذا تشعر؟
كانت تنجذب لعيونه بشكل غير طبيعي وتشعر أن وجوده معها هو الراحة حقا ولكنها لا تذكر أي شيء
أغمضت عيونها فتحرك تجاهها وقال بصوت أرق "هل أنتِ بخير؟"
فتحت عيونها وقد نجحت الدموع بأن تتصاعد لهما وهي تقول "ماذا حدث لي؟"
تصلبت عضلات وجهه وهو يتذكر ما كان ولكنه رمش بعيونه وهو يبتعد ويقول بجمود "كنتِ تسرعين خارجة من المطار عندما صدمتك سيارة قذفتك أمتار قليلة لتسقطي على رأسك وتصابي بارتجاج وجرح بذراعك وكدمات أخرى بجسدك، وبالطبع فقدتِ الوعي عدة أيام حتى عدتِ بالأمس لندرك أنكِ لا تذكرين شيء"
دق الباب ورأت الطبيب الشاب يتقدم وهو يقول "مساء الخير، ها قد عدتِ مدام كيف تشعرين اليوم؟"
قالت بيأس "بالضياع"
نظر الطبيب لياسين قبل أن يعود إليها وقال "لا بأس مدام، حالتك ليست سيئة لهذا الحد فقدان الذاكرة هذا أمر وارد بمثل إصابتك هذه ولكنه أمر غير دائم، وبالتأكيد ستستردين ذاكرتك بوقت ما وما عليك الآن إلا أن تهتمي بباقي جراحك وجسدك الهزيل حتى تعودي لطبيعتك ووقتها تستعيدي ذاكرتك"
لم ترد وهي تبعد وجهها عن الرجلان فنظر الطبيب لياسين وقال "هي ما زالت ضعيفة وبحاجة للراحة والرعاية الجيدة، لكن يمكنها الخروج"
سمعت صوت زوجها الذي لا تعرفه وإن لم تعترض على أن تعرف رجلا مثله بجاذبيته ووسامته بل ورجولته التي فرضت نفسها على المكان فجعلت كل ما حوله ضئيل حتى ذلك الطبيب
“من الأفضل ذلك، لابد أن أعود القاهرة بأقرب وقت"
التفتت إليه وقالت بفضول "القاهرة؟ أين نحن؟"
التفت الرجلان إليها باهتمام وقال ياسين "سيناء"
تجلت الدهشة على وجهها!
وفجأة ومضت صورة جبل أمامها مما جعلها تغمض عيونها من الرؤيا الصعبة وشعرت بصداع يهاجمها بقوة فاقترب الطبيب منها باهتمام وقال
“ماذا مدام؟ ماذا حدث؟"
ظلت صورة الجبال تومض كضوء قوي أمامها ورفعت ذراعها السليم لتحمي نفسها من الضوء الذي لا تعرف منبعه ولم ترد حتى ذهب الضوء والصورة
وخف الصداع، فعادت تفتح عيونها ورأت الوجهان ينظران لها والقلق يبدو واضحا بعيون كلاهم عندما قال الطبيب
"هل رأيتِ شيء؟"
قالت بإجهاد واضح على ملامحها "لست متأكدة ولكن بدا كجبل"
سمعت تنهيد مرتفع من زوجها وهو يحاول أن يبدو جامدا بينما قال الطبيب "ألا يذكرك هذا بشيء أو يرتبط لديك بأي شيء؟"
هزت رأسها بالنفي وقالت "لا، لا أذكر أي شيء"
ابتعد ياسين وقد اسود وجهه بينما قال الطبيب "لا تتعجلي الأمر مدام وجودك مع زوجك وعائلتك بالتأكيد سيساعدك على استرجاع ذاكرتك"
تراجع الطبيب وتجاذب بعض الحديث مع ياسين دون أن تسمع ثم خرج بينما قالت هي "ماذا كنت أفعل عند المطار؟"
ظل ينظر إليها لحظة ثم ارتد إليها وجلس بنفس المقعد وهو يحدق بها بعيون لا تعابير بها وأسند رأسه على أطراف أصابعه وقال "على حد ما عرفت أنكِ كنت تفرين مني"
تراجعت بدهشة وهي تستوعب كلماته فهي كما أخبرها، زوجته، وهي تشعر بانجذاب له منذ رأته ولم تنفر من وجوده فلماذا تفر منه؟
قالت بصوت مرتجف "أفر منك؟ لا أفهم"
قال وقد لمعت عيونه ببريق بث الخوف بأوصالها وقد جعلها تدرك أنه يحاول التحكم بغضب داخله وهو يقول بصوت ناري "مع عشيقك"
صدمتها الكلمة بقوة جعلتها ترتجف من داخلها بل وتشمئز من تعبيره وهي تردد كالببغاء دون وعي "عشيقي؟ أنا فررت منك مع عشيقي؟ لماذا؟ هل تزوجنا غصبا عني؟"
اعتدل وأبعد يده وشبك ذراعيه القوية معا وقال "أبدا، كانت قصة حب لم يصدقها أحد"
دمعت عيونها بدون سبب وقالت "إذن لماذا أفعل ذلك؟"
انحنى ليقترب منها وبدت عيونه نارية تكاد تحرقها وصوته كطلقات الرصاص تخترق قلبها وهو يقول "كنت أنتظر أن تخبريني أنتِ"
رمشت عيونها لتسقط دمعتها رغما عنها فنهض مبتعدا وهو لا يريد رؤية دموعها متحكما بصعوبة بغضبه بينما همست هي "ومن هو؟ ذلك الرجل، وأين كان وقت الحادث؟"
التفت ليواجها بنفس النظرة وقال "أحمد مصطفى، أحد العاملين بالفندق، أتيتِ معه هنا على نفس الطائرة ويا للنذالة! تركك ملقاة على الأرض بين دمائك وفر هاربا دون اهتمام بك ولولا جوازك وبطاقتك ما عرف أحد عنك شيء، وتم الاتصال بي من هاتفك من قبل مشفى حكومي نقلتك إليه الاسعاف ثم نقلتك هنا عندما وصلت"
كانت تحاول استيعاب ما قاله وهي تخجل من كلماته وللحظة انتابها شعور بالقيء فوضعت يدها على فمها فاستوعب ما تريد فأسرع بالبحث عن إناء للنفايات وقربه منها
عندما انتهت شعرت بالراحة ومنحها بعض الماء وقد تسلل القلق إلى وجهه وهو يتابع وجهها الذي اعتلاه الشحوب وانتشرت حبات العرق على وجهها..
تناولت المياه وهي لا تجرؤ على النظر لعيونه، فأي زوج بمكانه سيلفظ زوجته الخائنة ولن يلقي لها أي اهتمام، بل وربما يقتلها بكل سرور
هدأت معدتها وابتعد هو ولا يعلم كيف لم يتركها للموت ليداوي جراحه من خيانتها؟
كيف ينتابه القلق عليها ويجبره على البقاء بجوارها طيلة الاسبوع الماضي قاذفا كل أعماله خلفه دون اهتمام؟
سمعها تقول بضعف "هل أنت واثق من كلماتك هذه؟ هل كنت تلك المرأة التي.."
لم تكمل وهي تفر بعيونها بعيدا عن مواجهته وقد التصق العار بها..
ظل صامتا فاضطرت أن ترفع عيونها إليه لتصطدم بعيونه مما دفعه لأن يقول "لا، لم تكوني تلك المرأة العابثة ولكن ربما كنت أنا ذلك الرجل الذي تفر منه المرأة، هكذا تقول جينا"
صدمتها كلماته وشعرت مرة أخرى بالضياع ولم تعد تفهم أي شيء وهي تهمس بضعف "جينا؟"
ابتعد وقال "أختي الكبيرة"
ثم التفت إليها وقال بقوة "تحبك بشكل واضح للجميع وجدت بوجودك الصديقة والرفيقة لوحدتها بعد طلاقها من زوجها وهي دائما ما تجد أني ذلك الرجل الذي يفرض قوته على المرأة بل على الجميع وتظن أنكِ لم تعتادي ذلك"
لم تجد أي كلمات ولكنها بالفعل وجدت أن الكلمة مناسبة له فهو بالفعل يفرض قوته ووجوده على كل من حوله هي نفسها تشعر بضآلتها بجواره
قالت "لكنك لم تتركني رغم أني.."
عاد ليبتعد وهو يقول "رغم أنكِ خائنة؟ لا، لست بنذل ولا جبان، بالنهاية ما زلتِ زوجتي وعلى ذمتي وكان عليّ أن أفعل ما فعلت، فاسمي وسمعتي على المحك والحمد لله لم يعرف أحد بموضوع الخيانة"
أحرقتها الدموع مرة أخرى ولكنها قدرت موقفه فهو مجروح وهي من دفع خنجر الخيانة بصدره فلا تبتئس على حالها فهي لا تستحق أي رحمة
رن هاتفه فأخرجه من بنطلونه وأجاب، كانت أخته تطمئن عليها وأجاب باختصار "بخير جينا، يومان وسنعود، لا، للمزرعة هي بحاجة للتغيير"
التفت إليها وجينا تقول "وأنت؟"
قال بهدوء "لا أعلم بعد، سأخبرك قبل أن أعود"
قالت "ظافر يقوم برعاية كل شيء فلا تقلق"
حك جبينه بيده وقال "لا أفعل، هل تذهبي الآن؟"
دق الباب ودخلت ممرضة وقالت بأدب "موعد الدواء والنوم مدام"
تراجع لمقعد بعيد وجلس واضعا ساقا فوق الأخرى وأسند ذراعيه على المقعد فانتفخ صدره تحت قميصه لتبرز عضلاته من خلفها وبدا كالملك يجلس على عرشه
أجفلت بعيونها بعيدا عندما ساعدتها الفتاة على الاعتدال بالفراش ومنحتها كوب الزبادي.. تناولته بدون أي رغبة ثم الحبوب المسكنة والدواء حتى أعادتها لوضعها مرة أخرى قبل أن تذهب وقد أطفأت النور القوي تاركة ضوء خافت يجعلها تراه بوضوح وهي تفكر بكل ما أخبرها به
تملكتها الأفكار والخوف ووجدت نفسها تقول "أليس لي أهل؟"
لم يتحرك من مكانه وهو يجيب "توفى والداكِ منذ عدة سنوات بحادث سيارة على الطريق بين القاهرة وسيناء ومن وقتها وأنتِ تعيشين بمفردك"
دمعت عيونها دون سبب ربما تمنت لو هناك من يربت عليها بحالتها هذه ولكن ما من مفر، قالت "وأين كنت أقيم؟ كيف كانت حياتي قبل زواجنا؟ وكم من الوقت أمضينا سويا؟"
أجابها الصمت لحظة قبل أن يقول "كان لديكم مطعم كبير بالجبل أنشأه والدك وأنتِ قبل موته لخدمة السائحين الذين يتسلقون الجبال وبعد موته توليتِ أنتِ أمره وقابلتك به منذ ستة أشهر"
أخذتها الدهشة وهي تردد "ستة أشهر فقط؟ كم لنا من الوقت سويا؟"
أغمض عيونه وهو يتألم لذكرياتهم معا ولكنه عاد وقال "ستة أشهر، نحن تزوجنا بعد اسبوع من لقائنا"
لم تجد كلمات تصف مشاعرها، قال أنها كانت قصة حب بالتأكيد
قالت فجأة "هل سأظل زوجتك رغم ما كان؟"
دق قلبه بقوة أوجعته فهو لم يتخيل حياته بدونها وكم تألم عندما زرعت ابنة صديق والده الشك بقلبه تجاه امرأته وصدقت ظنونها عندما وجد اسم أحمد على نفس الطائرة
قال بصعوبة "هل تظنين أني سأتركك وأنتِ بتلك الحالة؟ كنت فعلت عندما عرفت"
لم تبعد عيونها عنه وهي تقول "لن ألومك لو كنت فعلت"
لم يرد وهاجمها النعاس فأسدلت رموشها لتترك الظلام يبعدها عن تلك الحقيقة السوداء التي استيقظت فجأة عليها وهي لا تعلم كيف فعلت ذلك برجل مثل ياسين؟
ظل يحدق بها بعد أن رحلت عنه وقد كان كل ليلة يظل بنفس مكانه وهو يسأل نفسه، هل يستحق منها أن تفعل به ذلك؟
بعد الحب الذي عاشه كلاهم سويا يكون ذلك تصرفها؟
لم تكن أبدا امرأة لعوب بل بدت عاقلة وذكية و..
أغلق عيونه ومرر يداه على وجهه وشعر بإجهاد يهاجمه فتراجع بالمقعد وأغمض عيونه واستسلم للنوم الذي جافاه لأيام كثيرة لم يعرف عددها..
عندما استيقظت لم يكن موجود ولكن الفتاة كانت تدخل وهي تحمل الطعام وقالت "صباح الخير مدام"
وضعت الطعام بقرب فراشها وتحركت لتدفع الستائر لتدخل الشمس الدافئة فقالت "بأي وقت نحن من العام!"
عادت لها الفتاة وقالت "الخريف مدام، أواخر سبتمبر، هل يمكنك النهوض للحمام بعد الإفطار؟ لقد أحضر الأستاذ ملابس لحضرتك فستخرجين بعد الظهيرة"
هزت رأسها وقالت "نعم فأنا بحاجة للاغتسال"
ساعدتها الفتاة بالحمام حتى وقفت أمام المرآة وتأملت ملامحها، عيون زرقاء واسعة برموش سوداء طويلة ناعمة، وجه أبيض شاحب ونحيف بأنف بارزة ولكن متناسبة، فم مثير بشفاه أيضا مثيرة، وتحت الضمادات شعر بني يميل للأصفر ولا يتصف بالأشقر
كدمات بوجهها قليلة كانت ظاهرة وبدت بطريقها للزوال، ومن تأملها لجسدها بدت متناسقة جدا ليست قصيرة ولا نحيفة، بخصر رائع كما ظنت وأيضا كدمات تلونت بالأزرق
سمعت الفتاة تقول "هل ترتدين ملابسك مدام؟"
تأملت ملابسها، كانت ثمينة حقا وأنيقة وعندما انتهت بدت جميلة لولا تلك الضمادة فوق رأسها
ابتسمت الفتاة وقالت "اسمحي لي مدام ولكنك جميلة حقا"
نظرت للفتاة وحاولت أن تبتسم ولكن همومها أوقفت ابتسامتها فخرجت واهنة وهي تقول "شكرا، ولكن ما أهمية الجمال بجوار الضياع الذي أحياه؟ صدقيني لا معنى له، فقط أتمنى لو أعرف أي شيء عن نفسي أو حياتي قبل الحادث ولكن ما باليد حيلة"
قالت الفتاة وهي تعيدها للخارج "لا تتعجلين الأمور مدام، ربما الماضي ليس بأمر تريدين معرفته فأحيانا يفر العقل منه عندما يرفضه فينساه"
نظرت لها بقوة وقد عنى كلامها الكثير، هل حقا لا تريد أن تذكر ماضيها، هل كان ياسين سيء معها لدرجة أنها لا تريد أن تذكر حياتها معه؟ لا بالتأكيد لا فهو أخبرها أنهم تزوجوا عن حب، ربما تريد أن تنسى كل حياتها فهي حتى لا تذكر اسمها..
دق الباب ورأته يدخل بنفس ملابس الأمس ولمعت عيونه وهو يراها بملابسها فتذكر كيف جذبته تلك العيون من أول نظرة
أبعد عيونه عنها وقال "أراك أفضل اليوم؟"
جلست على طرف الفراش وقالت "نعم، متى سنخرج؟"
تابعت الفتاة عملها وتناولت القليل من الطعام وهو يجلس ويرد "بعد قليل، أنتظر الطبيب"
لم ترد وقد دق قلبها، لا تعرف ماذا تريد فهي لا تدري ماذا يقبع لها خارج هذا الباب من أقدار غائبة؟
ماذا سيفعل معها ذلك الرجل؟
هل سيعيدها زوجة له أم يلقيها بمجرد شفائها؟
عيناه لا تنطق بأي كلمات، صامتة، جامدة كجمود الصخر، ليته يثور بوجهها ويخبرها أنه سيلقيها بأقرب خرابة فهي تستحق ولكنه لا يفعل فيزيد شعورها بالغثيان من نفسها..
كيف أمكنها أن تخون رجل مثله لا تحلم به أي فتاة؟
كيف يمكنها أن تكون بهذا الانحلال والخلق السيء؟ كيف؟
ترى أين الحقيقة؟
ليتها تتذكر..
صداع يدق برأسها جعلها تغمض عيونها بقوة وترفع ذراعها اليسرى لجبينها فهتفت الفتاة "مدام أنت بخير؟"
قالت "صداع من فضلك أي أقراص لوقفه، إنه شديد"
شعرت بيد الفتاة تدفع قرص بيدها ففتحت عيونها لتناله منها فرأته يقف أمامها وبدا القلق بنظراته فهربت من عيونه ولم تقدر على مواجهته وهي تتناول الأقراص..
شكرت الفتاة التي تحركت للخارج ولم يتحرك هو وهو يقول بصوت أصبح يثير داخلها الكثير من المشاعر المتضاربة من الإعجاب والخوف والحيرة والضياع
"هل تفضلين البقاء بالمشفى يوما آخر؟"
رفعت عيونها إليه بضعف وقالت "لا، أظن أن الصداع بسبب جرح رأسي أليس كذلك؟"
ظل يجوب بعيونها التي افتقدها ثم هز رأسه وهو يفر من أمامها ويقول "نعم"
دق الباب ورأت الطبيب يتقدم مبتسما وهو يقول "صباح الخير، أراكِ تتعجلين الذهاب مدام، هل مللتِ من وجودك معنا؟"
حاولت أن تبتسم برقة وهي تجيب "لا أبدا ولكن تعلم أن لا أحد يفضل المشفى على البيت"
وذهب صوتها وهي تردد كلمة بيت وقد خطر لها بتلك اللحظة سؤال هام، كيف يمكنها أن تحيا معه تحت سقف واحد وبينهما ما بينهم؟
التفت لها ولضعف كلماتها وأدرك ما تفكر به وهو نفسه قد فكر به..
تابع الطبيب الذي كان يفك الضمادات حتى انتهى وقال "نعم معكِ حق، الجرح التئم وأصبح بخير أما الذاكرة فلابد ألا تجهدي نفسك لتتذكري، اتركي عقلك يفعل وحده لأن الضغط النفسي يسيء الحالة ولا يساعدها على التقدم، الصداع سيستمر فترة والدوار وجسدك أيضا بحاجة للراحة والغذاء"
هزت رأسها فنظر لياسين وقال "هناك دواء يفضل أن تحصل عليه من أجل الصداع وآخر مهدئ لها عند اللزوم، الارتجاج أمر ليس بسهل ولابد من الاهتمام بتوابعه"
أجاب ياسين "سنفعل لا تقلق"
حياها الطبيب وخرج وحلق الصمت حولهم وكأنه يريد السيطرة على الأجواء ولكنها قالت دون أن تنظر إليه "هل سنذهب؟"
كان يواجه شعرها المبعثر دون اهتمام ويتذكر كم كان رائعا عندما يتخلله بأصابعه وهو يضمها إليه
صوتها أوقف عطر الذكريات من حوله فابتعد وقال "لو أمكنك"
مد يده لها فتأملت دبلته الفضية مما صعقها وهي تحدق بها، ما زال يرتديها رغم ما كان، لاحظ نظراتها فقال بجمود اعتادت عليه الآن "لا أحد يعرف بأمر الخيانة سواي فمن الطبيعي أن أتعامل على أني زوجك المحب المخلص"
اهتز قلبها داخل صدرها وتألمت منه وهي تضع يدها بيده فتشعر بصلابتها وقوتها وهي ترد "أنتظر خطتك للتعامل أمام الجميع في المستقبل"
عندما وقفت اكتشفت كم تبتعد قامتها عنه ولكن لم يتركها الدوار لتختبر كم تحتاج كي ترى عيونه فترنحت دون إنذار ..
لكنه ترك يدها وأحاط جسدها بذراعه بقوة وضمها إليه فتشبثت بقميصه خوفا من السقوط ولامست يداها صلابة جسده وكأنه مشدود على أوتار صخرية كملامحه التي اكتسبت الجمود
لكن الدفء الذي تسرب لها من أحضانه جعلها ترتبك وكأنها فتاة بكر لم تعرف لمسة رجل من قبل وقد شعر بارتجافها وهزه قربها ولم يندهش
بكل مرة كان يضمها كانت ترتجف لقربه وتخبره أن قربه منها الهلاك..
لكن الآن ربما هي ترتجف لأنها لم تعد ترغب به وقد فضلت رجلا آخر عليه وهو الذي لم يرد امرأة بحياته مثلما أرادها وجعلته الذكرى يشد عليها من غضبه فتداركت نفسها وقبل أن ترفع عيونها إليه قال بصوت حاول أن يبدو قويا
"هل أعيدك للفراش"
أدركت غضبه الكامن وراء ستار الجمود الذي يسدله على وجهه فابتعدت وأرخت قبضتيها عن قميصه وقالت دون أن تواجه عيونه "لا، لقد أصبحت بخير"
دق الباب ودخلت الممرضة بكرسي متحرك ساعدها على الجلوس عليه مما منحها شعور بالراحة لبعدها عنه ففي قربه إحساس يشبه الدخول للنار مما لا يدع مجال للشك بأنه الهلاك...
