رواية هاربة ام خائنة الفصل الثاني2بقلم داليا السيد
دعني
تحرك بالسيارة الحديثة بين الطريق الذي أحاطته الجبال ولم يتركها الصداع، فأسندت رأسها على زجاج النافذة وقد بدى الجو باردا بالخارج، أغلقت عيونها لتمنع أي فرصة للحديث بينهم ورغم أنها لا تشعر بالكره أو الغربة عن ذلك الرجل الرابض بجوارها إلا أنها لا تقوى على مواجهته ليس وهي خائنة..
سمعته يقول "سنمضي الليلة بالفندق وغدا سنعود للقاهرة ومنها للمزرعة"
فتحت عيونها وأدركت أنه لن يتركها فتنهدت وقالت "لماذا لا تتركني هنا؟ أخبرتني أن لي مطعم وبالتأكيد كان لي بيت"
نظر إليها بعيون بدى بها الغضب وقال "هل توضحين نواياكِ؟"
قالت بصدق "ليس لي أي نوايا لأي شيء، أنا فقط اعتقدت أنه ليس من السهل أن، أقصد أن تستمر حياتنا وأنت، وأنا.."
ولم تكمل وهي تبعد وجهها للنافذة والدموع تخنق الكلمات ولكنه فهم ما تريد فقال وهو يجز على أسنانه محاولا إغلاق الباب بوجه الغضب فلا مجال له الآن "وأنتِ خائنة وأنا الزوج المخدوع؟ هل تظنين أني لم أفكر بكل ذلك؟ هل ظننتِ أني سأتركه ينجو بفعلته أو أتركك تتمتعين بما كنتِ تريدين أن تفعلي؟"
التفتت إليه وقالت بقوة غريبة "أخبرتني أني لم أكن تلك المرأة العابثة"
قال بغضب جمدها بمكانها "وأخبرتك أنه كان معك على نفس الطائرة، هل صدفة أن تتركي بيتك وترحلين لهنا بنفس الوقت الذي يترك فيه العمل ويرحل على نفس الطائرة لنفس البلد؟ لن تفلح محاولاتك يسر، فقد انتهيت من الأمر"
حاولت أن تتماسك وهي تقول "وترى إلى ماذا انتهيت؟ إلى غسل عارك بقتلي؟ كان بإمكانك تركي للموت دون أن تدنس يدك بدمي"
لم يواجه عيونها وقد كانت على حق ولكنه قال "دون ألم؟"
ارتجفت من كلماته ونظراته القوية ولاحظت أصابعه التي كانت تعتصر عجلة القيادة من شدة الغضب فأبعدت وجهها ولم ترد
عندما دخلت الغرفة كانت بفندق فاخر حقا، يطل على حمامات سباحة وألعاب مائية
شمس العصاري كانت باهتة وراء الغيوم..
شعرت بتعب يجتاح كل جسدها بمجرد أن وصلت للفراش ورأته يتبعها ويضع حقيبة أمامها ويقول "كانت معك وقت وصلتِ هنا، وحقيبة يدك بالداخل أيضا، سأطلب الغداء هنا هل بإمكانك استبدال ملابسك وحدك؟"
هزت رأسها وقالت "نعم"
تابعها وهو يرى مدى ضعفها وشحوب وجهها ولكن كلما تخيلها بين ذراعي ذلك الجبان جن جنونه وثارت ثائرته ابتعد وقال "غرفتي بجوارك لو احتجتِ شيء"
فزعت لصوت الباب وهو يغلقه خلفه وعادت الدموع تندفع لعيونها تواسيها على ما هي به، لماذا تشعر أن هناك خطأ ما؟
لا يمكن أن تنجذب لذلك الرجل بهذا الشكل الآن وتكون بذات الوقت خائنة له كيف؟
ليتها تتذكر، لماذا لا تتذكر؟ لماذا يحدث لها كل ذلك؟ لماذا؟
أخذت حمام بصعوبة من الدوار وارتدت ملابس مريحة وسرحت شعرها وربطته للخلف دون اهتمام مما أظهر عيونها المرهقة وعظام وجهها وأنفها وعندما خرجت وجدته يعد مائدة الطعام
لم ينظر إليها ولكن رائحتها العطرة انطلقت إليه فصعقته ولكنها لم تذب جليد قلبه المتجمد منذ هطل الأمر عليه
لاحظت أنه استبدل ملابسه بقميص رمادي وتبلل شعره وطغى عطره على المكان مما أربكها وهي تراه يتحرك بحنكة وكأنه اعتاد الأمر وسمعته يعيدها للوجود بقوله
"لو كنتِ بخير بالمساء يمكننا تناول العشاء بمطعمك، سالم المسؤول هناك على علم بوجودنا ولابد أن نمنحه زيارة قبل عودتنا"
كانت ثابتة بمكانها، صامتة، تتابعه فقط دون حركة أو كلمات فنظر إليها منتظرا ردا فارتبكت من نظراته وقالت "هل يعلم بالحادث؟"
عاد للطعام وهو يجلس دون أن ينتظرها فتقدمت لتجلس أمامه فلن تقترب من ألسنة النيران التي تهب من ذلك الرجل الثائر كالبركان
أجاب وهو يأكل "نعم، وزارك مرتين قبل أن تعودي للحياة"
تناولت الطعام بدون أي شهية ولاحظ هو ذلك فقال ببرود واضح "أخبرك الطبيب أنكِ بحاجة للطعام ولن أسمح لكِ بغير ذلك أريدك بصحة جيدة"
رفعت عيونها إليه فكانت بلا لون.. قاتمة، حالكة
قالت "كي تنتقم"
قال بنبرة ساخرة "بالتأكيد، أعد لكِ خطة رائعة"
لم تتحمل وهتفت بغضب "كفى، ماذا تظن نفسك؟ أنت لست قاضي لتحكم علي، لو كنت تركتك ورحلت فلماذا تريديني أن أعود؟ دعني وأخرجني من حياتك واطمئن فقد نلت عقابي فالضياع الذي أحياه أكبر انتقام ولن يؤلمني شيء أكثر من ذلك"
نهض غاضبا وقال "ولماذا لا يكون الأمر كله مجرد كذبة لعينة لتفرين من عقابي؟ لماذا يفترض علي أن أصدقك؟ ربما هي خطة أخرى بديلة لتلك التي فشلت؟"
اتسعت عيونها ولم تقاوم الدموع وهي تنظر له وتدرك كلماته، فهو يعتبرها كاذبة وتدعي فقدان الذاكرة
لم تجد كلمات تجيب بها على ظنونه ولكنه التفت إليها بنظرات تتأجج بالغضب وهو يقول "ليس لديك رد، بالتأكيد أنتِ امرأة مخادعة، خدعتني بادعائك الحب لي ووقت أن وجدت متعتك مع سواي فررت واليوم الذي اكتشفت فيه فشلك، حكتِ خطة أخرى للهرب ولكن لا، لن يمكنك الهروب مني، أنتِ نسيت من أنا يسر وأنا لن أسمح لكِ بالتلاعب بي أبدا ولولا اسمي وسمعتي لتركتك هنا كالكلاب لتموتي وتنالي المصير الذي تستحقيه ولكن علي أن أتحمل قصتك هذه كي لا ينال مني أعدائي بسبب امرأة لم تستحق يوما أن تنال اسمي"
وتقدم منها فانكمشت بمكانها والخوف يندفع لكل جزء من كيانها ويشع من عيونها التي تواجه نظراته الغاضبة وهو ينحني عليها حتى هبت أنفاسه على وجهها وهو يكمل "عليكِ بأن تتراجعي عن تمثيليتك هذه الآن وتخبريني الحقيقة وما فعلته وإلا أقسم ألا أجعلك تتمتعين بلحظة واحدة من حياتك"
عاد جسدها يرتجف بقوة من كلماته وغضبه الواضح وصرخت بفزع عندما قال بقوة "انطقي"
أغلقت عيونها بقوة من قوة صوته وأحاطت أذنيها بيديها وصرخت "كفى، ابتعد عني، أنا لا أكذب، لا أكذب، لا أعرفك ولا أعرف نفسي ولا أعرف أي شيء، ابتعد عني ودعني، أو حتى اقتلني أو افعل ما شئت أنا لا أهتم، لا معنى للحياة التي لا أعرفها، لا أريد أن أحياها لا أريد، لا أريد"
صراخها أعاده للواقع وهي تنهار أمامه ببكاء هستيري مما جعله يتراجع وهو يضع يد بجانبه ويمرر الأخرى بشعره الأسود محاولا تهدئة نفسه الثائرة بغضب سجنه داخل قلبه أيام طويلة كان يتألم فيها ويصارع أحزانه وحده والآن فلت منه الزمام..
لم تعد تريد العودة لتلك الحياة..
نفرت منها ومن كل ما تخفيه لها من أحزان وأشجان
لماذا لا ترحل من تلك الحياة؟
لماذا تبقى؟ لفراغ لا يملأه أي ذكريات؟ أم لرجل يريد الانتقام؟
لا لن تبقى..
فتحت عيونها لترى السكين أمامها..
نعم هذا هو الحل، لابد أن تنهي تلك الحياة التي لا معنى لها.. هي أضعف من أن تواجهها
ارتجفت أصابعها وهي تتحرك ببطء تجاه السكين وهي لا ترى أي شيء حولها ولا تسمع لصوت عقلها الذي يريد أن يثنيها عن الخطأ
أخيرا وصلت يدها للسكين وأطبقت عليها ورفعتها إلى عيونها الدامعة وبدون تردد دفعتها لصدرها ولكن..
يده كانت أسرع وهو يقبض على يدها ويصرخ بها "يسر لا، هل جننتِ؟"
ولكنها قاومت يده وهي تصرخ به بقوة "اتركني، لا أريد أن أعيش، لا أريد اتركني، اتركني"
ولكنه انتزع السكين من يدها ولم يمكنه إلا أن يحيطها بذراعيه ليبعد عنها تلك الحالة الهستيرية التي أصابتها.
هدأت قليلا بين أحضانه واستوعبت الأمر عندما ابتعد قليلا وقال بنبرة عرفتها بالمشفى "هل أنتِ بخير الآن؟"
لم تنظر له وهي تهز رأسها بالإيجاب فابتعد ثم حملها فتفاجأت به وهو يتحرك بها للفراش ووضعها به بلطف ثم أحضر لها بعض الماء وأقراص الدواء وقال
"تناولي الدواء، أنتِ بحاجة للراحة والنوم"
لم تنظر إليه وهي تتناول الدواء وقد أدركت أن لحظة الجنون قد انتهت بوجوده ولولاه لانتهت حياتها بل وأصبحت كافرة بلحظة وليس فقط خائنة
تمددت بالفراش دون أن تهتم بوجوده وقد أرهقها ما حدث واستنفذ قوتها الواهنة، شعرت بالغطاء على جسدها فأغلقت عيونها واستسلمت للنوم..
لم يمكنه أن يتركها وقد هاله ما كادت تفعل بنفسها، وأدرك أن غضبه هو ما قادها لذلك
ربما كان عليه أن يصدق حالتها كما قال الطبيب.. أن فقدان الذاكرة أمر شائع كنتيجة لصدمة قوية على الرأس أو إصابة قوية بمراكز معينة به واحتمال عودتها كبير بالطبع
لكنه نسى توجيهات الطبيب بتوفير حالة نفسية جيدة لها لا ما فعله بها من ضغط عصبي لم تتحمله حتى كادت تزهق روحها بيدها..
استيقظت وحدها لترى الظلام يحيطها من كل جانب، ظلت كما هي، ربما استيقظت من الكابوس الذي كانت تحيا به، ولكن..
عندما اعتادت عيونها الظلام رأت معالم الغرفة فعرفتها، كما وأنها لم تذكر أي شيء فقط ياسين والخيانة والانتقام..
اعتدلت بالفراش فأدركت أنها وحدها نهضت مع بعض الدوار وتحركت للنافذة لترى الأضواء بالخارج والسائحين يتجولون حول حمام السباحة والبعض يرقص مع امرأته و..
دق الباب وانفتح فالتفتت لترى شبحا يدخل ويضيء النور فعرفته بالطبع
التقت نظراتهم لحظة ولكنها عادت للنافذة بينما أغلق هو الباب وتقدم تجاهها حتى وقف بجوارها وقال "هل تشعرين بتحسن؟"
قالت "نعم، أعتذر عما حدث أنا.."
ولم تكمل فهز رأسه وأبعد نظراته للخارج وقال "تفضلين البقاء أم الخروج؟"
التفتت إليه وقالت بدهشة "أنا لا أفهمك"
لم يواجها وهو يضع يده بجيوب بنطلونه ويقول بهدوء "ربما علي أن أتقبل حالتك، فما فعلته أثبت شيء، هيا استبدلي ملابسك وأنا بانتظارك بالخارج"
لم يعجبها أي شيء من كل ذلك فاستوقفته قائلة "ماذا أثبت بفعلتي؟"
نظر لها وقال وهو يضع شيء بيدها "أن الحياة معي لا تعني لكِ شيء أليس كذلك؟"
وتركها وتحرك إلى الخارج وهي تتابعه بحيرة وغضب، هل هذا ما أدركه مما فعلت؟
الحياة كلها لا تعني لها شيء الآن وليس معه هو..
فتحت أصابعها لترى دبلة ذهبية أدركت أنها تخصها وظلت تحدق بها للحظة وهي تائهة لا تعرف ماذا تفعل ولكنها بالنهاية لابد أن تتبعه فهو الشخص الوحيد الذي تعرفه وهو من يعرف عنها كل شيء
وضعت الدبلة بإصبعها في صمت.
ارتدت نفس ملابس الصباح ولم تفك شعرها ولم تهتم بمظهرها فلا مكان لأي شيء الآن..
كان جالسا يتحدث بالهاتف عندما وقفت أمامه وقد كانت أفضل حالا من الصباح فنهض لرؤيتها وسمعته يكمل حديثه وهو يتحرك بجوارها وأدركت أنه عمل
ركبت بجواره وقاد بعد أن أنهى حديثه فقالت "لا أعرف شيء عنك"
لم ينظر لها وقال "ظننت أن الأمر لا يهمك"
نظرت له فبادلها النظرة ثم عاد للطريق فقال "ماذا يهمك بحياتي لأخبرك به؟"
لم تهتم لنبرة السخرية وهي تريد أن تعرف من هو زوجها أو من كان زوجها بيوم ما، قالت "أين تقيم ماذا تعمل؟ عائلتك؟"
قال "بيتي أو بيتنا بالقاهرة ولكنك كنتِ تفضلين العزبة، جينا أختي الكبيرة جذبتك، كنتم أصدقاء، ظافر أخي يصغرني بخمس سنوات يتولى أمر العزبة وأرض العائلة، أنا لم أرغب بالزراعة أحلامي تخطت ذلك للفندقة حيث تخرجت وعملت ونجحت حتى أقمت أول فندق لي بالجيزة وأنا بالسابعة والعشرين ولكني أدركت أن القرى السياحية والفنادق السياحية أيضا هي الأفضل وأصبحت فنادق العطار الخمسة بخمس محافظات سياحية بمصر"
نظرت له بإعجاب وتراجعت وهي تقول "لم أظن أنك بهذا الثراء"
قال وهو يقود بهدوء "الثراء لم يكن هدفي فعائلتي كانت ثرية، كان هدفي تحقيق الحلم؛ سلسة الفنادق، وقد كان وما زلت أتقدم"
تأملته وقالت "وكيف التقيت بفتاة مثلي تسكن الجبال بمطعم صغير كما قلت؟"
لم يجيب وهو يدخل لمكان مضيء لفت انتباهها، لترى المطعم الزجاجي المقام بحضن الجبل بأضواء غاية بالجمال، وسيارات كثيرة تقف أمامه، وموسيقى أجنبية تصرخ بكل مكان وأشجار عالية تقف أمام المطعم كأنها حارس شخصي..
انبهرت بالمكان وقد لاحظ ذلك فقال "كان تصميمك، أنتِ مهندسة ديكور"
انتبهت لكلماته وهو ينزل من السيارة فنزلت هي الأخرى ولحق بها وقد مد لها يده فلم ترفضها على الأقل ليس هنا
ما أن اعتدلت بجواره حتى قال "سالم لا يعرف سوى أنكِ كنتِ قادمة لرؤية المكان وبانتظاري لتمضية عطلة سويا، الجميع عرف ذلك"
رفعت وجهها إليه ولكن جانب وجهه أعلن عن ارتداء رداء الجمود مرة أخرى
أشار لمكان بعيد مظلم تكاد لا تراه وقال "هناك كانت غرفتك، أقمتِ بها بعد وفاة والديك ودمجت باقي الغرف بالمطعم لإقامة العاملين، وكانت فكرة جيدة"
تابعته وهو يتحدث ولكن أخذها المكان منه، فقد كان رائعا من الداخل وقد اتخذت من الجبل جدران له نحتت بشكل رائع
استخدمت أباليك ذهبية معلقة بكل مكان لتمنح أنوار ذهبية متناثرة، وسماعات منتشرة تشع بموسيقى هادئة
انتشرت الموائد الخشبية ممتلئة بالأجانب وبعض المصريين والمكان يعج بالناس من كل جانب وأخرجها من تأملاتها صوت عربي يرحب بهم "أهلا، أهلا مدام الحمد لله على سلامتك، أستاذ ياسين أسعدني وجودك"
كان الرجل يرتدي بدلة رسمية طويل القامة ونحيف وبشرته سمراء، ابتسامته صادقة، بادلته بابتسامة قصيرة وهمس زوجها بأذنها "سالم"
لم تتبدل ملامحها وهي تقول "شكرا أستاذ سالم، أرى أن المكان يسير بشكل جيد"
زادت ابتسامته وقال "الفضل لياسين بيه فالدعاية التي قام بها جعلتنا لا نواكب المتسلقين"
لم تنظر له وياسين يقول "هل مائدتنا جاهزة سالم؟"
انتبه الرجل وأسرع يشير لمكان بجوار الواجهة الزجاجية وقال "نعم، بالتأكيد يا فندم، تفضلا أرجو أن يعجبك المكان"
صمت الاثنان وهما يتحركان إليها وقد زينت المائدة بإبريق مليء بالزهور وشموع مضاءة مما منح المكان جو رومانسي منحها شعور بالألم أكثر وهو يساعدها على الجلوس ويتجه لمقعده ويقول
"نعم هو مكاننا المفضل، هل لنا بأي مشروب قبل العشاء؟"
انحنى سالم بأدب مجيبا "على الرحب والسعة يا فندم"
تجولت عيونها بالمكان حتى استقرت عيونها على عيونه الزيتونية فوجدته يتابعها فشعرت بالحرارة تشع من وجهها واضطرت لأن تفتح حديث فقالت "مائدتنا المفضلة؟"
هز رأسه وقال "أنتِ لا تذكرين إذن؟ ظننت أن وجودك هنا سيساعدك على التذكر"
هزت رأسها بضيق وقالت "للأسف لا أذكر أي شيء"
هز رأسه وقال "يبدو أن الأمر ليس بالسهولة التي تمنيتها"
أبعدت عيونها عنه بينما وضع أحدهم مشروبات أمامهم فقال "يمكننا تناول العشاء بعد نصف ساعة"
كان يلقي الأوامر بسهولة وكأنه اعتاد على ذلك وكما أخبرها عن نفسه؛ أنه يفرض قوته على ما حوله بسهولة ويسر دون أن يمكن لأحد أن يعترض
قالت "هنا تقابلنا؟"
هز رأسه وهو يقول "نعم، وبعدها بأسبوع كنا بحفل الزفاف بالقاهرة"
لم تواجه نظراته وهي تقول بصوت منخفض "بالتأكيد لن تنفع أي كلمات للاعتذار"
ثم رفعت عيونها إليه فقابلها بعيون باردة وهي تكمل "ولكن صدقني أنا لا أعرف أي شيء عما كان، أنا لم أكذب بشأن ذاكرتي فأنا فعلا لا أذكر أي شيء عن حياتي السابقة"
ظل يتأملها للحظة وكم أراد أن يصدقها بل ليس أمامه إلا أن يصدق فهي تبدو حقا صادقة ومشاعرها وقت قابلها كانت كذلك.. حتى ما كان يثور بينهم من خلاف لم يكن ليجعلها تخونه
أبعد عيونه للحظة ثم عاد إليها وقال "تعلمين أني لا أملك بدليل عن تصديقك يسر ومجاراتك فيما تفعلين، ولكنك بالتأكيد تعلمين أني لست ذلك الرجل الذي يمكن خداعه بسهولة لأن الثمن وقتها سيكون غالي، وغالي جدا"
لم ترد وهي تبعد عيونها عن مواجهته وقالت "هل ستخبرني شيء عن العالم الذي سأدخله غدا؟"
تنهد بضيق وقال "ليس هناك الكثير لتعرفيه فكما أخبرتك بيتنا بالقاهرة هو بالأساس بيتي وأنتِ لم تفكري بتغييره بل أعجبك، أمضينا به اسبوع ثم انتقلنا للعزبة وهناك تعلقتِ بجينا وأعجبك المكان وأصبحتِ شبه مقيمة هناك وأنا لم أعترض فقد كنت أمضي كثير من الوقت معك"
قالت "وعملك؟"
قال بجدية "عملي يأخذني عندما تظهر المشاكل فقط، هناك مسؤول عن كل فندق وأنا أتابعهم بالهاتف أو أون لاين"
بدأ الرجل يضع الطعام وقالت "أليس لي أي أصدقاء؟"
بدأ يتناول الطعام وهي كذلك ثم قال "بل لكِ صديقة كانت تعمل هنا معك ولكنها تزوجت قبل أن نتقابل، كنت تحكين عنها كثيرا، أذكر أن اسمها هدى"
ونظر لعيونها ليبحث عن أي استجابة لها ولكنها لم ترفع عيونها عن الطعام فلم يتحدث ولكنها قالت "هل ما زلت أتصل بها؟"
قال "على ما أظن، فقد حضرت زفافنا ربما تجدي رقمها على هاتفك"
وأخيرا تجرأت ورفعت عيونها إليه وهو تلقى نظراتها بهدوء وربما بشوق للعيون التي كانت تأخذه لعالم الحب والرومانسية..
كم أحبها وأحب كل لحظة عاشها معها وتمنى لو لم يحدث كل ما حدث، سمعها تقول بصوت بدا مرتجف "ياسين"
تراجع بمقعده منهيا طعامه كما فعلت هي وهي تكمل دون تردد "ماذا ستفعل بحياتنا؟ أقصد كيف سنعود ونواجه الجميع وأنت تعتبرني خائنة وأنا"
لم تكمل وجف حلقها وهربت منها الكلمات ولكنه فهم ما أرادت قوله فقال بهدوء لم يوافق غضبه الرابض بقلبه "لا شيء يسر، لن يمكنني أن أعاقبك وأنتِ لا تذكرين شيء، وربما أحتاج للوصول لذلك الكلب قبل أن أقرر ماذا سأفعل، علينا أن نعود للأشخاص الذين كنا نحيا بينهم وأنتِ زوجتي وأنا نفس الرجل الذي يحبك ويخاف عليك حتى تستعيدي ذاكرتك"
شعرت بالخجل منه ومن نبل تصرفه وإن ظنت أنها كهاربة وخائنة لا تستحق منه ذلك
انتهت السهرة بهدوء عندما عاودها الصداع فاقترح هو الذهاب وبطريق العودة قالت "أليس لك فندق هنا؟"
لم يواجها وهو يرد "لا، وهذا كان سبب وجودي هنا يوم قابلتك كنت أدرس إمكانية إقامة فندق هنا وما زلت أفعل فلم اتخذ قرار حتى الآن ولكن ما أنا أصبحت متأكد منه أنني لم أعد أريد أي شيء يربطني بتلك البلدة، يكفي شيء واحد"
تألمت من كلماته بالتأكيد بعد ما لاقاه منها فلن يربط حياته بذكراها خاصة وأنه نفس المكان الذي اكتشف به خيانتها
ظلت تتأمل ملامحه وكم بدا وسيما بين الأنوار الخافتة وحاولت أن تتذكر أي شيء لحياتها معه ولكنها فشلت وكل ما تشعر به الآن أنها منجذبة له جدا وكأنها وجدت فارس أحلامها ومع ذلك ما زالت تخشى مما يخفيه لها
شعر بنظراتها فالتفت إليها فارتبكت وشعرت بحرارة بجسدها ولكنه قال "يكفينا أننا سنضطر لتحمل بعضنا البعض بالفترة القادمة"
أخفضت عيونها وقالت "ياسين أنا حقا آسفة على كل ما سببته لك وأتمنى لو كان بيدي شيء لأخرجك من كل ذلك"
أبعد عيونه هو الآخر وشعر بانقباضه بقلبه، ومع ذلك لا مجال للتراجع فوجود ذلك الكلب معها على نفس الطائرة جعله متأكد من خيانتها وإلا ما هو سبب رحيلها؟
لم يدخل معها وإنما تركها على باب غرفتها ودخلت وحدها وقد شعرت بإرهاق يدب بكل جسدها والصداع لا يتركها
تناولت دواءها ثم تحركت للفراش وتمددت بعد أن غيرت ملابسها لتجد عيون زيتونية تحدق بها بأحلامها، رغم الفراغ الذي يملأ عقلها إلا أن ياسين كان يملأ كل ذرة من تفكيرها بالتأكيد هو رجل يستحق الإعجاب برجولته ووسامته واليوم عرفت بغناه
هو رجل به كل مميزات فارس الأحلام وما هي إلا مجرد فتاة لا تعني أي شيء بجواره، مجرد مطعم صغير لا يمثل أي شيء بجوار كل ما يملكه، ومع ذلك اختارها وجعلها زوجته فأين المنطق في خيانتها له؟
ليتها تستعيد تلك الذاكرة لتعرف لماذا وكيف فكرت بخيانته؟ وهل يمكن أن يكون هناك رجل بديل لذلك الرجل؟
سرقها النوم ولم تعد تشعر بأي شيء إلا عندما سمعت حركة بالغرفة من وسط الظلام فرفعت رأسها فزعة ولكنها لم ترى شيء..
ألقت رأسها على الوسادة مرة أخرى وقد رحل الصداع، جافاها النوم فنهضت لتدخل الحمام وما أن تحركت حتى لمحت شبح يتحرك تجاهها..
كادت تصرخ من المفاجأة ولكن الشبح انقض عليها ووضع يد غليظة على فمها ليكتم صرختها وهي لا تفهم ما الذي يحدث؟
من ذلك الرجل؟
ولماذا يفعل بها ذلك؟ بل ماذا يريد منها؟
