رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الثالث3بقلم ايه محمد رفعت


رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل الثالث3بقلم ايه محمد رفعت

(شياطين وكرهم كالجحيم لا عودة منه)

إرتعب الرجل ذو المئزر الأسود قبالة زوجي الأعين الرمادية اللاتي ترمقانه بجمودٍ زرع البرودة في جسده، وانتفض رعبًا حينما ردد "عثمان" بنفاذ صبر: 
_هل جئت لتحدق بي، أم لتوصل رسالة سيدك؟ 

ارتعب ذو الوشم اللعين، وبدأ باستحضار رسالته: 
_بلى جئتك برسالة من سيدي لوسيـ. ـــفر، يريد رؤيتك في الحال سيدي. 

سند كفيه لبعضهما، وطالعه من فوقهما بتعالٍ، لحق نبرته: 
_سيدك يعلم أنني لا أجيب دعوة أحد الا حينما أرغب أنا برؤيته. 

وتابع "عثمان" بثباتٍ وعدم مبالاة بصدمة الرجل من حديثه: 
_ستكون بضيافتي هنا لحين أن أشعر بحاجتي لتلبية تلك الدعوة. 

ابتلع الرجل ريقه بصعوبة، وتساءل وهو يتفحص الجناح من حوله باستغراب: 
_وأين سأبقى؟ 

زوى رماديتاه بنظرة أرعبته، بينما يهتف بصوته القوي: 
_آيلا، رحبي بضيفنا عزيزتي. 

انشقت إحدى جدارن الجناح بشكلٍ جعل الرجل يتراجع للخلف من شدة الذعر، ومازالت عينيه الجاحظة تتطلع للممر الذي فُتح فجأة أمامه! 

خرج من الممر روبوت آلي، يتحرك صوب"عثمان" الذي يتابع هلعه باستمتاعٍ، بينما يبدي أمره: 
_"ماتيو" كن خادمًا مطيعًا لضيفي طوال مدة بقائه رفقتك. 

أثنى الروبوت الضخم قامته المتشكلة على هيئة بشر، وردد بصوته المزدوج: 
_ماتيو ينفذ أمر سيده على أكمل وجه. 

وتحرك تجاه الرجل الذي ود لو قبل قدم "عثمان" ليتركه يرحل عن هنا ولكن ما يحدث وكأنه تم القبض عليه بعد أن كان آتيًا لاصطحابه!!! 

انغلق الحائط السري ومازال "عثمان" يسترخي بجلسته، حتى رددت الروبوت الآلي المتحكم بكل ما يخصه والتي تدعى "آيلا": 
_سيدي، أحدهم قادم لرؤيتك. 

سألها "عثمان" ومازال يسترخي بطرح رأسه للخلف وعينيه منغلقة: 
_من ذاك الأحدهم؟ 

رددت بآلية: 
_هارون! 

ضحك بصوتٍ ينبع فيه الشر، وهمس باستمتاعٍ: 
_توقيت سيء، بس يستحقه! 

وأمرها وهو يحرك المقعد ليكون بمواجهته: 
_لدينا ضيفًا ثقيلًا آخر عزيزتي، فلنكن باستقباله! 

انفتح باب الجناح وولج "هارون" يبحث عنه، وعلامات الامتعاض والضيق تحتلان وجهته، اقترب من محل "عثمان" ووقف يحاول جاهدًا اختيار ما سيقول، طال صمته بشكلٍ جعل "عثمان" يبتسم ساخرًا، ويهتف باسترخاء ومازالت رأسه مصقولة للخلف: 
_المسافة الطويلة بين جناحك وجناحي نستك اللي جاي تقوله! 

صمت "هارون" ومازال يتطلع له بارتباكٍ،  فتابع "عثمان" بعدما استقام بجلسته وعضلات صدره تبرزان بقوة من أسفل قميصه الأسود المغلق لمنتصف صدره: 
_ولا مالكش وش تبلغني بفشلك المزري! 

قضم شفتيه السفلية وهو يهدر بضيق: 
_عملت كل اللي قدرت عليه وبردو مرجعش! 

عدل رأسه حتى بات يرمقه بنظرة قاتلة،  جعلت "هارون" يكاد ينصهر خوفًا منه، بينما يتحرر نبرته الثقيلة: 
_أشرفلك الموت على إنك تقف قدامي وتقر بفشلك! 

حاول أن يستميله بقوله: 
_يا عثمان آ.. 

أوقف حديثه باشارة كفه، وصاح بغضب: 
_6 شهور بتحاول ترجعه بطرقك الفاشلة اللي استخدمتها عشان تراضي غرورك ورغباتك المريضة تجاه خطيبته! 

وأضاف بسخرية استهدفت باطنه: 
_دي متتسماش محاولات لرجوعه وملهاش مسمى غير إنك كنت بتشفي غلك وحقدك اللي طول عمرك شايله ليه ومش فارقلك إن البساط بيتسحب من تحت رجلينا واحدة واحدة بسبب تأخيرنا في نزول صنف جديد في السوق! 

تحلى بالصمت خزيًا من كشفه لكل ما يخبئه داخله، بينما يطالعه "عثمان" بغضب، مما جعله يسأله بخضوعٍ: 
_الاجتماع السنوي لرؤساء المافيا الدولية قرب،  ومعنديش جديد أقدمه!   أعمل إيه؟ 

حلت غيمته القاتمة وأسقطت مطرها حينما تعالت ضحكاته عاليًا، مما استحضر كل ذرة توتر خبأها "هارون"، فتابعه حتى توقف عن الضحك ومال برأسه للخلف يفوه باستمتاعٍ: 
_أعمل إيه؟!  سؤال خاضع أوي بس، بس دي عادتك تنفذ اللي في دماغك ولما تفشل تجيني مذلول وواقف نفس وقفتك دي! 

سدد له نظرة يكتم فيها ضيقه وغضبه، فتابع "عثمان" بقوةٍ: 
_بدل ما بتستعرض نفسك على ولاد عمك ورجالتك بأنك بقيت الكينج كنت فكر في اللحظة دي! 

ابتلع بصعوبة، وهو يتابع ما يقول "عثمان": 
_مهما وصلت وعليت فكر نفسك بفضل اللي وصلك واللي من مكانه ده قادر يفعصك تحت جزمته!  

وأضاف" عثمان" بابتسامة صغيرة ظهر فيها جانبه الشيطاني الماكر: 
_إنت حتى مالكش جناح أكسرهولك يا هارون!! 

احتدت مُقلتيه بحقد وغضب شديد، ومع ذلك حافظ على انفعالاته جيدًا، فحرك "عثمان" مقعده واستدار عن رؤيته وهو يهتف بثقة: 
_اجتماع زعماء المافيا مناقصته هترسى علينا كالعادة، عندي اللي هيخلي مستوى انبهارهم بينا نفسه وأعلى من المتوقع، لما أخلص تطويره هبقى ابلغك بيه. 

واستطرد ومازال يتطلع من شرفته التي تحتل أعلى القصر: 
_وبالنسبة لتيام فدخلته هي تالا وده بيتلخص على نوح، اتنازل عن قذارتك اللي غرقان فيها وإديله هو الدور ده. 

اندهش من سماع ما قال، وحاول الاعتراض: 
_بس نوح مستحيل يآآ.. 

استدار بالمقعد له مجددًا، وسخط من حديثه: 
_وإنت دورك إيه يا هارون!  ده إنت شيطان يا حبببي!  لو وساوسك منجحتش معاه جرب تخضعه ليك بأي طريقة. 

واسترسل وقد هدأت نبرة حديثه: 
_ويا ريت ترجع كنان لشغله الاساسي زي ما كان، مسؤولية الديسكوهات دي بهلسها لايقة عليك إنت،هو كان عارف يمشي الامور عنك،  وإنت عارف هو مميز في إيه؟! 

اكفهرت ملامحه، وقال يعترض: 
_بس أنا مرتاح كده. 

ببرود أجابه: 
_راحتي أنا أهم من راحتك يا هارون! 

ضم قبضته بعنف وهو يحاول السيطرة على غضبه، بينما يستقبل آمره بالرحيل بطريقة زادت من ضيقه: 
_آيلا لا تنسي إغلاق الباب بعد خروجه عزيزتي! 

قبض شرارته المشتعلة وخرج مندفعًا بعد أن طُرد بمكر وخبث اعتاد عليه منه، بينما يعود "عثمان" إلى التطلع للشرفة بنظرة مستمتعة، كأنه يصنع إلى ذاته جو شاعري لا وجود به في وكر الشياطين. 
                            ******
حينما تأكدت من رحيل سيارته، أسرعت ركضًا للأعلى، طرقت باب الغرفة وولجت دون أن تستمع حتى لإذن الدخول، ولجت "رزان" تنادي رفيقتها قلقًا: 
_رحيــق! 

بدا من سكينة الجناح بأنها ليست هنا، مما دفع "رزان" للبحث في الغرف الجانبية التابعة للجناح الكبير، ومازالت تناديها هلعًا: 
_رحيــــــــــــــق!! 

انتبهت "رزان" للبخار المتصاعد من أسفل باب الحمام، ركضت صوبه تطرقه بشدةٍ: 
_رحيق إنتِ جوه؟! 

وحينما لم تجد أي رد منها، هتفت بقلقٍ: 
_أنا هدخل. 

فتحت الباب وهي تهاجم البخار الذي جعل الرؤيا ضبابية أمامها، تحسست الحوائط حتى وصلت للكبينة الخاصة بالدُوش، فصعقت حينما وجدت "رحيق" تجلس أرضًا وهي تضم ساقيها إليها، والمياه الساخنة تتهاوى على جسدها فنالت من بشرتها وجعلتها شديدة الأحمرار، ولكنها لم تبالي، كانت دموعها تتهاوى بخفوتٍ، وخصلات شعرها تتناثر فوق وجهها باهمالٍ. 

تحركت "رزان" إليها توقف المياه سريعًا، وهي تهتف بصدمة: 
_ما الذي فعلتيه!!   أجننتِ رحيق! 

وأسرعت تجاه المنشفة الكبيرة، تحيطها بها وترغمها على النهوض رفقتها، بينما تردد بشفقةٍ: 
_ليه تعملي في نفسك كده، كفايا اللي إنتِ فيه، بتعاقبي نفسك فوق العقاب اللي عايشاه؟! 

تحررت شهقاتها المكبوتة بشكلٍ أرغم "رزان" على مشاركتها البكاء، فشددت على التمسك بها، وتحركت بها إلى غرفة الملابس، عاونتها على الجلوس على أحد المقاعد المبطنة بالقطيفة، وإتجهت تبحث لها عن ملابس حريرية حتى لا يتألم جلدها المُصاب. 

عادت تحمل بعض المراهم الطبية، عاونتها على وضعه ومن ثم بارتداء ملابسها، والآن تجلس على مقعد أمام السراحة بينما تقوم "رزان" بتمشيط خصلاتها الضعيفة، بعدما فقدت أغلب شعرها من شدة الحالة النفسية التي تعانيها، لقد تساقط حتى فقد طوله وليس هو فحسب، بل تدمر جمالها حتى باتت كالتي كبر بها العمر عمرًا. 

انتهت "رزان" من تمشيط شعرها، واصطحبتها للفراش، تمددت "رحيق" من فوقه بتعبٍ شديد، بينما تطرح الغطاء من فوقها، جاورت جلوسها ويدها تتمرر على وجهها بحزنٍ شديد، وسؤالها يكسر البكاء المتبادل من كلتاهما: 
_ليه عملتي كده يا رحيق؟ 

ترقرقت الدموع من عينيها، وأجلت أحبالها الهادرة: 
_وكل ما هيقربلي هعمل كده لحد ما أموت نفسي وأرتاح من العذاب اللي أنا فيه ده. 

صرخت بوجهها بعنف: 
_ميستهلش إنك تخسري حياتك عشانه،  إنتِ كده بتدمري نفسك يا رحيق. 

تطلعت صوبها، وبسخرية قالت: 
_وأنا لسه متدمرتش يا روز!! 

سحبت بصرها من مواجهتها، بل دفنت رأسها للأسفل وبكت بانكسارٍ جعل الاخيرة تعتدل بنومتها، بعدما استشفت وجود خطبٍ ما يتعلق بما قصته لها بالأمس، فربتت على ظهرها وقالت: 
_حصل إيه؟  

أجابتها ومازالت تبكي قهرًا: 
_عايزني أتخطبله عشان كِنان يغير، ومش بس كده الحقير بيقولي إني أعمل أي حاجة عشان يتجوزني حتى لو كنت هتنازل عن شرفي، متخيلة حقارته وصلت لفين؟ 

برقت "رحيق" في صدمةٍ، زادت شعورها بالنفور والسخط، طال صمتها وكأنها لم تجد حديثا يُقال، حتى حررت ما كبت داخلها بقوة: 
_اهربي من هنا. 

توقفت "رزان" عن البكاء، واستدارت إليها باسترابة مما قالت، فعادت تكرر: 
_إهربي منه يا رزان، قبل ما يدمر حياتك، وتلاقي نفسك بقيتي نسخة مني،  سواء مع كِنان أو الشخص اللي عايزك تتخطبيله ده. 

هزت رأسها بخفوت: 
_لا كِنان مش زيه يا رحيق. 

ابتسمت باستهزاء مؤلم: 
_كلهم زي بعض،  حبك ليه عميكِ يا رزان! 

ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة، وهي توازن حديثها لفترة، ثم رددت: 
_حتى لو هربت، هارون هيعرف يوصلي، ولو وصلي هيعمل فيا زي ما عمل فيكِ لما هربتي! 

مجرد تذكرها ما حدث بها بالماضي، جعل جسدها ينتفض بعنفوانٍ، ويدها تلقائيًا تضم ذاتها، مما دفع "رزان" أن تربت على يدها قائلة بندم: 
_أنا آسفة متعمدتش أفكرك باللي حصل. 

هزت رأسها بتفهمٍ، وفاهت بصوتٍ مبحوح: 
_أنا تعبانه.. عايزة أنام. 

أشارت لها "رزان" بحنان، وحملت الغطاء تعدل لها منامتها، حتى استلقت بضعف تخفي من خلفه انهيارها. 

بقيت "رزان" جوارها حتى غلبها النوم، فخففت الاضاءة وخرجت تهبط للاسفل، شاردة بحديث رحيق، تود لو نفذت حديثها وتلوذ بالفرار، وإذا بها تكاد تصطدم بأحدهم، والذي منحها نظرة كادت أن تخترقها لاكتشاف سبب الحزن المدفون بجوهر عينيها، وبالرغم من لهفة عينيه الا أن قوله أتى مُعاكسا: 
_فوقي وإنتِ نازلة، المرادي لو وقعتي رجليكِ هتنكسر. 

حاولت إظهار قوتها الزائفة أمامه، وبالرغم من أن قلبها يتهاوى فور رؤيته إلا أنها سحبته من خلفها واستكملت طريقها، فاذا بـ "كنان" يناديها متعجبًا: 
_روز! 

توقفت محلها دون أن تستدير إليه، فاقترب يسألها وهو يسيطر على مشاعر غضبه: 
_عيونك مالها؟   هارون رفع إيده عليكِ تاني!! 

ترنح عليها ابتسامة تهكم، واستدارت تقابله ساخرة منه: 
_هيفرق معاك يعني!  

قابلها بنظرة غاضبة من بنيتاه، فقالت وهي تخفي ألمها: 
_لحد الآن لا، لكن هددني إني لو معملتش اللي هو عايزه هيعملها. 

وأضافت ومازالت تمسك على ابتسامتها:
_وطبعًا إنت عارف هو عايز إيه بالظبط،بس المرادي كان منحط أكتر من الأول، وقالي أعمل أي حاجة عشان سيادتك تتكرم عليا  وتقبل تتجوزني. 

تلاشت ابتسامتها فجأة ورنت منه تسترسل بتحدٍ وشراسة: 
_بس أنا مش هعمل كده، لإني خلاص مبقتش عايزاك يا كِنان حتى لو جتني راكع مش هقبل بيك. 

وتابعت بوعيد تشفي به وجع جرحها النازف: 
_مشاعري، قلبي مش هيكونوا غير للشخص اللي عنده القوة اللي يمسك بيها ايدي ويقف قصاد الدنيا كلها بشجاعة محارب عمره ما كان موجود فيك عشان انت جبان وضعيف يا كِنــان! 

ماج الغضب وهاج في مُقلتيه، وصياحه العاصف يعصف بها، بينما تنقبض لائحته حول معصمها: 
_اخرســــــــي،  متحاوليش تستخدمي الاسلوب ده معايا يا رزان، أنا عمري ما مديت إيدي على واحدة ست فبلاش تكوني إنتِ أول واحدة أعملها معاها! 

وتابع وهو يشدد من غرز أصابعه بذراعها، وصوته يخرج مكتومًا من بين أسنانه: 
_لو بتخافي من هارون مرة خافيني ألف مرة، أخوكِ نفسه يجوزك ليا عشان خايف مني، عايز يشدد من قيده عليا، الأول بنوح والتاني بيكِ، بس أنا مش عبيط عشان أسلمله رقبتي. 

وأضاف ومازال يشدد على يدها وصوته يعلو ليتردد صداه بين جدران القصر: 
_أنا مش تيـــام أنــا كِنــــــــان التميمــي،  لو عاش عمره كله يفكر إزاي يخضعني ليه عمره هينتهي ومش هيقدر يعملها. 

انفتح باب غرفة "نوح" على صوته المرتفع  ، وخرج يهرول صوبهما، متسائلًا: 
_في إيـه؟! 

اندهش مما يراه، وهرع يفصل بينهما قائلًا: 
_إبعد إيدك عنها يا كِنان إنت ماسكها كدليه؟ 

لم يهتز له جفن، حتى "نوح" لم ينجح بابعاده عن محله خطوة واحدة، كأنه حائط بُني من معدن غير قابل للتحرك، بينما بنيتاه المحتقنة مازالت تقابل زُرقتها الباكية. 

طرق نوح على صدره وهو يصرخ فيه: 
_سيبها إيدها هتنكسر! 

دفع ذراعها للخلف، وأشار باصبعه يحذرها: 
_ده آخر انذار ليكِ بعد كده متلوميش غير نفسك. 

استدعت صوتها الباكي وقالت: 
_أنا كنت غبية واختياري ليك كان أغبى قرار أخدته في حياتي، بس ملحوقة، بما إنك اخترتلي العريس ده وبنفسك فأنا موافقة عليه. 

إزدادت حمرة عينيه بشكل دفع "نوح" ان يستدير لها متمتمًا من بين اصطكاك أسنانه: 
_إنتِ بتنيلي إيه إنتي كمان، إنتي مش شايفة منظره عامل ازاي، هيقتلك وهيقتلني معاكِ، اسكتي خالص لما أصرفه إبقي فضفضي بأم الكلمتين اللي هيتسببوا في اغتيالنا دول. 

وعاد لاخيه يرسم ابتسامة بالكاد بينما يدفع الاخيرة للدرج العلوي بذراعه الآخر، مرددًا بخوف من هيئة أخيه: 
_كيوي يا حبيبي اتاخرت على الشغل!  حتى بص في ساعتك كده! 

لم تتأثر هيئته حتى وإن تحركت خصلات شعره انصياعًا لتلك النسمات المنسدلة من الشرفة، فلم يتزحزح هو، حتى تحرى عنه قولًا جمدها خلف ظهر نوح: 
_لا هتكوني ليا ولا لغيري يا رزان، ولو حد حابب يقدملي نفسه قربان يوريني نفسه بما فيهم أخوكِ. 

وتركها واستكمل طريقه كالرعد الذي يطيح بما يقابله، و"نوح" يتابعه برعبٍ، وهو يردد بصدمة: 
_عملتي إيه في الراجل؟  أتاريه بقاله يومين بيقولي غور من وشي خلقي ضايق!  

وتابع وهو يضع يديه بمنتصف خصره بحزن: 
_قولتلك اسكتي عما يمشي، مبسوطة كده أهو هتعيشي وهتموتي عانس بسبب طولة لسانك! 

وجدها متصنمة محلها وفجأة رسمت ابتسامة عريضة وهتفت في راحه: 
_اللي أنا عايزاه اتحقق وبدون أي تعب مني. 

زوى حاجبيه باستغرابٍ: 
_اللي هو؟ 

رددت وهي تهبط وتدور حول ذاتها بفرحة: 
_أنا مش عايزة أتجوز حد غيره، وطالما هو مش عايز فأنا مش عايزة بس هارون مش هيسيبني كده، هو كده حللي مشكلة هارون، أنا أسعد واحدة بالدنيا كلها. 

صفق كفا بالاخر وهو يتمتم بنزقٍ: 
_لا حول ولاقوة الابالله العلي العظيم، إنتِ الظاهر ضاربة منك على الآخر، وأنا عندي محاضرة كمان نص ساعة ومش فاضي، فطيري زي الفراشة براحتك بس أوعي تدخلي في جدال مع كنان تاني ويستحسن لا هو ولا الشيطان اخوكِ ولا أي حد من هنا، محدش هيستحملك غيري! 

واستطرد بسخرية وهو يراها مازالت تدور حول نفسها بفستانها الازرق المتدلي من خلفها كالسندريلا: 
_ده لو كنتي سمعتي أي حاجة من اللي قولتها، كملي رقصة أحلامك بس يا رب اللي بتتمنيه معاكِ في الحلم ميطربقش سقفه عليكِ ببوزه الفقر!! 
                                ******
منذ وصولها للمشفى والامور تتم بشكلٍ طبيعيٍ، لم تحصل على أي اشارة أو دعم صريح مثلما أخبرها القادة، اتبعت "قدس" إحدى الممرضات لسكنها المحدد، فولجت للداخل وهي مستاءة ومترددة لما يحدث. 

تركت حقيبتها أرضًا، وجلست على الفراش تتطلع للفراغ بصمتٍ، وهي تحاول تحليل تعامل الاطباء معها بهويتها الحقيقية، كانت تظن بأنها ستحصل على هوية مزيفة،  وإذ فجأة ينقطع الضوء عن غرفتها،  فتنهدت وهي تبحث عن هاتفها بحقيبتها، وما أن أضاءت كشافه حتى صعقت وتبلد جسدها حينما رأت أحدهم يجلس على طرف السراحة بهدوء قاتل، ويده التي ترتدي قفازات سوداء تتمرر برفقٍ لا تتناسب مع شخصه على طائره الجامح. 

ابتلعت قدس ريقها بصعوبة، وبالرغم من أنها ليست بالشخصية الضعيفة ولكنها أمام هذا الرجل الغامض يصبح حالها كحال الأغلب، فتكاد تقتل رعبًا منه. 

تخلت عن صمتها أخيرًا ورددت: 
_إنت لحقت تسافر هنا ازاي! 

تغاضى "ليل" عن سؤالها وكأنها هواء شفاف، ومازال يمرر يده على "عُقاب " الصقر الجامح الذي لا يفارقه، وملامحه المتخفية أسفل وشاحه ساخطة من تعامله المُجبر مع تلك الفتاة وأي امرأة. 

ترقبت أن يتحدث ولكنه كعادته لا يحصل على أمر الحديث فيتحدث، يخرج عنه الحديث برغبتك، عادت تردد سؤالها الذي شتت عقلها: 
_طيب هو مش المفروض إني ليا باسبور وأوراق باسم مختلف عن اسمي، ازاي إدارة المستشفى استقبلتني باسمي الحقيقي! 

انتظرت أن يجيبها ولكنه مازال صامتًا،  جلست على حافة الفراش بيأس حتى تحرر عن صمته ومازال يلاطف صقره: 
_ظهورك بشخصيتك الحقيقية هتشتتهم، ومستحيل هيشكوا في أمرك. 

وأضاف بايجازٍ: 
_المعتاد مهروس بالنسبالهم، لكن إنتِ كده مش هتديهم فرصة يشكوا فيكِ، وخصوصًا إن المستشفى بتاعتك مطلعة مجموعتين على مرحلتين وانتِ بالمرحلة الاولى. 

ونهض عن السراحه بقامته الطويلة، بينما ينتقل عُقاب لكتفه: 
_ظهورك بهويتك الحقيقية مقصودة، تلاعبنا كان ببعد علاقتك عن عيلة زيدان وقد كان. 

وختم حديثه، وهو يشير صوب البراد الصغير: 
_هنا هتلاقي كل اللي هتحتاجيه. 

أرادت أن تتساءل عن تفاصيل تخص المهمة، ولكنه شيعها بنظرة حادة كأنه ينهي المقابلة الغير مرحب بها إليه، وغادر وهو يهتف بنزقٍ: 
_أظن سمعتي أنا قولت إيه؟ 

وتركها واختفى من حيث أتى، فعاد الضوء مجددًا إلى الغرفة، زفرت "قدس" ورددت بسخرية: 
_مالقوش الا كاره النساء ده ويبعتوه، أنا ناقصة رعب!! 

عادت تتذكر آخر جملته، فاتجهت سريعًا للبراد، فتحته فوجدته ممتلئا بزجاجات المياه والعصائر وبعض الشوكولا، تعجبت من محتوياته، وهمست: 
_هو ده اللي هحتاجه! 

زمت شفتيها بعدم رضا وما كادت بغلق البراد، حتى عادت تنحني وهي تحمل الاغراض عن الرفوف، فتفاجأت بوجود خزنة سرية مجوفة داخل باطن البراد، فتحتها باستخدام الشفرة المنتشرة بين الفريق، فوجدت عدة حقائب مُغلقة، ملف أسود وحاسوب صغير، وبعض المستلزمات السرية التي تؤهلها على تحقيق مهمتها بنجاح! 
                               *****
صف سيارته وخرج ينزع نظارته الشمسية، وعينيه تبرقان لوعةً وشوقًا لها، حينما رآها تقف مع أصدقائها، أغلق "نوح" سيارته وأسرع صوبها، فما أن رأته حتى استأذنت منهن وأسرعت بالفرار، فهرول خلفها يناديها: 
_تــالا! 

وقفت محلها وقالت مسرعة لتوقفه عن الاقتراب حتى لا تضعف قبالته: 
_نوح كمل طريقك وبلاش تعترض طريقي من فضلك. 

وقف بمحاذاتها وبتعب ردد: 
_لحد إمته؟!  بقالي 6 شهور دايخ وراكِ يا تالا،  وانتِ حتى مش عايزة تديني فرصة، تعبتيني معاكِ. 

وأضاف وهو يتعمق بعينيها بحزنٍ: 
_أنا مش عارف أنا بتعاقب على إيه بالظبط، قوليلي أنا عملت إيه أستحق بيه معاملتك دي! 

رفعت عسليتها الدامعة له، وبرجفة فاهت: 
_غصب عني، مش هقدر أخالف قرار تيام. 

منحها ابتسامة مطعمة بالألم وردد: 
_حتى لو كان ظالم ليا وليكِ يا تالا! 

صمتت ولم تجد ما تقول،فأخفضت بصرها أرضًا ودموعها تتهاوى، فاستكمل "نوح": 
_ إحنا ملناش ذنب في اللي عمله هارون مع تيام، ولا اللي مازال بيحصل وهيحصل بينهم، أنا بحبك يا تالا ومقدرش أعيش من غيرك. 

وكشف عن أول أزرار قميصه ليريها أين وضع دبلتهما، كانت بخيط عريض أسود يحيط برقبته: 
_إرجعيلي يا تالا، أنا واثق إنك بتعاني زيي وأكتر، ولو تيام رفض رجوعنا نهرب مع بعض ونتجوز، أنا جاهز لأي حاجة تريحك بس المهم إن الراحة دي تكون في قربنا. 

اعتصرت عينيها بعنفوان، ورددت باكية: 
_مش هقدر يا نوح، مش هقدر أوجع تيام بالشكل ده، وخصوصًا بعد اللي الخاينة دي عملته فيه، مش هقدر أكون سبب عذابه للمرة التانية. 

وتطلعت له متوسلة بانهيار: 
_أرجوك بلاش تضغط عليا، حاول تساعدني أنفذ وعدي ليه بإنك متحاولش تكلمني ولا تقف معايا تاني، أرجوك يا نوح، لو بتحبني بجد اعمل كده! 

قالتها وهرولت باكية من أمامه،  بينما يتجمد هو محله، يواجه صعوبة كلماتها التي تهاوت من فوقه كالشظايا القاتلة! 

ولجت للداخل باكية، تحاول الفرار من الجامعه بأكملها، فاذا بها ترسل رسالة لصديقتها المقربة، تسألها عن مكان وجودها، فأرسلت لها رسالة
«ذهبت أنا والفتيات لمقهى جديد افتتح للتو قريبًا من الجامعة لتناول الغداء، اليوم افتتاح المقهى لذا الطعام والمشروبات جميعها بخصم خمسون بالمئة، ما رأيك ان تأتي إلينا لحين أن يقترب موعد المحاضرة؟» 

لم تجد سبيلًا آخرًا حتى تهرب من رؤيته، لربما تراه صدفة طالما موعد محاضراته في نفس موعدها، حملت حقيبة يدها وخرجت تتبع اللوكيشن الذي أرسلته صديقتها للتو. 
                            *****
وصولهم لايطاليا كان بشكلٍ سري للغاية، حتى تواجدهم بتلك المنطقة المنعزلة، والآن يمضي ثلاثتهم بحرص نحو النقطة الآمنة التي سيكون فيها محل اقامتهما المؤقت، والذي سيكون نقطة تلاقيهم. 

مضت "مرين" خلفهما وهي تجاهد تعب قدميها، لقد طال بهم الطريق مشيًا دون أي وسيلة مواصلات، حتى لا يثيرون الشكوم لهم، ومع شدة ارهاقها مازالت ترسم قناع القوة والثبات. 

شعر بها ياسين من تباطؤ خطواتها، فاستدار إليها يسألها: 
_تحبي نقف نرتاح شوية؟ 

هزت رأسها وهي تخطو إليه، فقال وهو يمد ذراعه نحوها: 
_طيب هاتي شنطتك. 

رفضت ذلك وهي تسبق خطاه نحو "زين"، الذي يراقب الموقع جيدًا لتمكنه الشديد من ذلك: 
_مش تقيلة. 

اوقفها بنبرته الرقيقة: 
_مرين بلاش عناد شكلك مرهق! 

وقفت محلها تتطلع له بتفكيرٍ جعله يكبت ضحكاته وهو يهتف بعدم تصديق: 
_هو أنا بقولك سلميلي سلاحك!  

وتابع بنظرة خبيثة: 
_في إيه في الشنطة خايفة عليه أوي كده؟ 

زوت حاجبيها بدهشة من حديثه، وردت: 
_هيكون فيها إيه يعني!   أنا مش عايزة أحس إنك بتجبر نفسك تكون جنتل مان معايا، وتقريبًا كده هتشمت فيا بعدها. 

توالت ضحكاته بشدةٍ، وهو يحرك رأسه بعدم تصديق: 
_هو إنتِ ليه عندك حسابات لكل حاجه كده، على فكرة الطريق فعلاً مرهق، أنا شوية وهمدد هنا على الأرض بين الشجر والنجوم والسما، مش بذمتك المنظر جذاب؟ 

تعجبت من طريقة حديثه وابتسامته، فاذا بها تنزع الحقيبة وتقفزها تجاهه قائلة: 
_بما إنك مرهق فأنا نفس الشيء، وبما إنك محتاج تريح فأنا بأيدك وبشدة، ياريت تخلي زين يقف شوية! 

على ذكرها لرفيقه، استدار حولهما وهو يتساءل باستغراب: 
_هو زين فين؟!!! 

بحثت من حولهما بتعجب: 
_شكله كمل طريقه ومحسش بينا أصلًا، زين وقت الشغل بيكون نسخة من أنكل رحيم! 

وأضافت بتعب: 
_هو اللي معاه طريق المكان، هنعمل إيه دلوقتي؟ 

ابتسم وهو يراقب إحدى الأشجار باهتمام، ثم قال بخبث وهو ينتزع خنجره: 
_هنستغل إننا توهنا منه ونرتاح شوية، مش اعترفتي من شوية إنك تعبانه؟ 

أغلقت نصف عين وهي تجابهه: 
_إنت تعبان؟ 

تحررت ضحكة صاخبة منه، وهو يهز رأسه، فارخت تعابيرها المشدودة وهي تعترف بعدما اعترف هو أولًا: 
_يبقى وأنا كمان. 

هز رأسه باستسلامٍ منها، واتجه يفعل ما دار برأسه، كسر بعض الفروع والاوراق، مددهما ووضع الحقائب كأنه يصنع وسادة للفراش المؤقت، ومن ثم أشار لها: 
_السرير جاهز معاليكِ. 

ضيقت زُرقتها من طريقته المختلفة كليًا، ومع ذلك اتجهت للجذوع تجلس بتعبٍ، وهي تهتف: 
_وإنت؟ 

جلس أرضًا وهو يسند ظهره للشجرة المقابلة لها: 
_مرتاح كده. 

أغلق عينيه ومال برأسه للخلف، فقالت وهي تجاهد النوم:
_ياسين، زين هيقلق لما مش هيلاقينا وراه! 

قال وعينيه مغلقتان: 
_هيأمن المكان، وهيرجعلنا بسهولة. 

وثقت بحديثه فهو أدرى الناس به، فاذا بها تميل بجسدها للاسفل حينما وجدته يغلق عينيه، وسرعان ما غفت ورأسها مسنود فوق حقيبته، ووجهها قبالته. 

فتح عينيه حينما شعر بانتظام أنفاسها، فابتسم وهو يراقب ملامحها البريئة التي تفقدها كليًا ما أن تحل عليها شراسة وعناد الأنثى التي يعشقها داخلها. 

حرك الهواء خصلاتها البنية القصيرة من حولها، فجعلت قلبه يخفق بين ضلوعه بجنونٍ، فاذا به يميل بجسده للجانب الآخر وعينيه تنقطع عنها بينما يردد بندم: 
_استغفر الله العظيم وأتوب إليه!! 
                             *****
_أنا بحبك ومش عايزة غيرك من الدنيا يا تيام! 
قالتها وهي تجوب محل الأثاث رفقته، ومازال يصر عليها أن تنتقي كل ما تريد أن يكون بمنزلهما، فاعترضت على عطائه المبالغ به، وقالت أنها لا ترغب بشيءٍ دونه، فاذا به يمنحها بسمة عاشقة وجملة تخرج من أعماق قلبه: 
_عارف يا رحيق، بس أنا وعدتك إنك اللي هتعوزيه كله هيكون رهن إشارتك. 

وأضاف وهو يميل تجاه خزانة الدولاب من جواره،  ويمازحها: 
_الفرصة بتيجي مرة واحدة، استغليها واشتري كل العفش اللي بتتمني يكون في بيتنا. 

ابتسمت ووجهها يتلونه الأحمر، بينما تعيد على مسمعه: 
_صدقني مش عايزة حاجة، اختار إنت، وتأكد إن ذوقك ببعجبني أوي. 

ردد بعاطفة وعشق: 
_ذوقي عالي باختياري ليكِ يا رحيق، من أول ما شوفتك وأنا عارف إن قلبي هيهاجر أرضي وهيكون لاجئ على أرضك. 

ازدادت حياءا وخجلًا، فتهربت منه سريعًا قبل أن تسقط قبالته،  فتركها مثلما شاءت وعينيه أبت تركها. 

أفاق من شروده على صوت الشيف الذي يخبره بهلع: 
_لا بأس سيدي بامكانك الخروج للاستراحة وأنا سأعد غيره. 

لم يفهم حديثه الا حينما تطلع صوب ما كان يفعله، فوجد المقلاة مشتعلة واللحم احترق بالكامل بسبب شروده بمن لم تتركه كأنها تعد العدة للانتقام مما فعلته هي! 

حمل "تيام" المقلاة وألقاها بحوض الأطباق، ثم انتزع المريول وخرج غاضبًا، لا يرى قبالته سوى رغبته بالعزلة الآن. 
                             *******
مضت أكثر من نصف ساعة تحاول الانغماس بين صديقاتها، ولكنها لم تستطع، مازال حديث "نوح" يحيط بها، فنهضت عن الطاولة التي تلتف من حولها زميلتها وإستأذنت بالرحيل لتعبها. 

مضت "تالا" صوب طريق الخروج فاذا بها تصعق حينما ترى اللوجو الموضوع جانبًا، والذي يثبت انتماء المقهى لعائلة التميمي، وما بدد هلعها حينما رأت "هارون" يدخل رفقة رجاله، فاذا بها تتراجع للخلف وهي تكبت شهقاتها بصدمة ورعب! 

بينما بالأعلى، وبالغرفة الخاصة بالمكتب الرئيسي. 

نفث دخان سيجاره الرفيع، وهو يتابع شاشات المراقبة ببرودٍ، زم شفتيه ساخطًا مما يراه، فمال بظهره للمقعد ووضع ساقه من فوق المكتب الضخم، والسيجار يحمل على عتقه غضبه الذي يطغو عليه. 

حاول أن يتجاهل ما يحدث، ولكنه لم يحتمل نفث دخان سيجاره بقوةٍ، وهو يضغط الزر الجانبي المتحكم بالاتصال برجاله، فولج كبيرهم والذي يعد ذراعه الأيمن يقف قبالته في طاعةٍ. 

نفث "كِنان" دخان سيجارته وقال بجمود: 
_أحضر لي تلك الفتاة من الممر السري دون أن ينتبه لك أحدٌ. 

هز رأسه وما كاد بالمغادرة حتى حصل على تشديد من سيده: 
_حيدر،  احرص ألا يراكما هارون. 

هز الرجل الضخم رأسه في طاعة وقال: 
_لا تقلق سيدي. 

وغادر على الفور، بينما يعود "كنان" لمتابعة الشاشة وهو يهمس في سخط: 
_ضاقت في وشك جايله برجليكِ!
                              *****
لقد جنت على روحها بقدومها إلى هنا، من شدة رعبها من ذلك الشيطان كانت تهرول ركضًا لآخر المطعم، عسى أن تجد مخرجًا آخرًا، أنفاسها كانت تتعالى في رعبٍ حقيقي، وكأنها
 كانت تركض لآلآف الأميال. 

اختبأت "تالا" خلف إحدى الحوائط تلتقط أنفاسها التي تكاد أن تُسلب منها، ودموعها تنشق على وجهها الرقيق، فاذا بها تجذب هاتفها لتهاتف أخاها عسى أن يخلصها من هنا، ولكنها توقفت فجأة وهمست بانهيار: 
_كده هكون بقدمه لهارون على طبق من دهب، لا أنا لازم أخرج من هنا لوحدي ومن غير ما الكلب ده يشوفني. 

أعادت الهاتف وهي ترتب تنورتها من بقايا العصير الذي انسكب عليها حينما اصطدمت بالنادل وهي تفر من الشيطان الملعون، وحينما نهضت لتعدل معطفها صعقت حينما رأت رجلًا ضخمًا يلتحف بالاسود كهلاك يزف لموتها، يقف قبالتها يرمقها بحدة من ملامحه الاجرامية! 

تراجعت "تالا" للخلف وهي تستحضر صوتها الشاحب: 
_ماذا تريد؟  ابتعد. 

لم يجِبها بل جذبها من معصمها بقوة، وحينما كادت بالصراخ رفعها وكمم فمها باليد الأخرى، وصعد بها من الدرج الجانبي للاعلى، كأنه يحمل عصفورًا صغيرًا! 

سقط قلب "تالا" وقد أيقنت أن أمرها سينتهي اليوم لا محالة، فإذا به يفتح بابا ضخما ويلقيها على أريكة سوداء اللون، ثم يغادر كأنما لم يفعل شيئا! 

اعتدلت بجلستها والفزع يفقد النضارة عن وجهها الجذاب، حتى كادت أن تموت من فرط شحوبها، انتقل بصرها لاستكشاف الغرفة، حتى تفاجأت ب"كِنان" يجلس على مكتبه، يتابع ارتشاف سيجاره ببرودٍ قاتل. 

ابتلعت ريقها الجاف، وهمست بخفوت: 
_آآ... إنت عايز مني إيه؟ 

دعس سيجاره بالطبق الذهبي من أمامه، ورفع بصره ببطءٍ لها، ثم قال بسخرية مخيفة: 
_أخوكِ عارف إنتِ فين يا شاطرة، ولا خارجة من وراه؟ 

ارتعبت من أن يصل له الأمر،  فأسرعت تهتف ببكاء: 
_لا ميعرفش، ولا أنا أعرف إن الكافيه تبعكم والله. 

واستطردت برجاء لعلمها أنه أكثر رأفة ولينا عن ذلك الشيطان الملعون: 
_خليني أمشي من فضلك، مش عايزة أعمل مشاكل لتيام. 

عاد بظهره للخلف مجددًا وقال باستهزاء: 
_لو نزلتي تحت دلوقتي هيحصله مشاكل فعلًا. 

انزوت على ذاتها تبكي بصوت مسموع، كالطفلة التي أخبرها أبوها بأنه لن يسمح لها بالخروج من المنزل. 

ضم "كِنان" مقدمة أنفه بانزعاجٍ اتبع صوته الحازم: 
_ماليش في شغل الاطفال ده،  ولا دلع الحريم المايع. 

خشيت من تعصبه، وكممت فمها قدر المستطاع، بينما يطالعها بضيق وانفعال أرعبها مما قد يفعله بها هو الآخر. 

سحب "كِنان" هاتفه بعصبية، حرر زر الاتصال وألقى الهاتف على سطح المكتب بقوة أفزعتها، ثم سحب كأسه يرتشفه ببرود وقبل أن يجيب المتصل بمشاكسته المعتادة قال بنفس النبرة الباردة الحازمة: 
_زغلولة الكناريا بتاعتك مشرفانا الافتتاح، وهارون تحت وشوية وطالع، لو حابب تيجي تحتفل معانا! 

أتاه صوته المنصدم: 
_مين!  تالا؟!!!! 

فور أن استمعت صوته أحاطتها دائرة من الاطمئنان، فأسرعت ركضًا صوب المكتب، تناديه بخوف: 
_نوح! 

اندهش بشدة، وراح يردد: 
_تالا!!  إنتِ بتعملي إيه عندك؟!!  إيه اللي وداكِ هنااااك؟! 

مسحت دموعها وأسرعت بالحديث متوسلة له: 
_والله مكنت أعرف، بالله عليك تعالى خرجني من هنا، أنا خايفة! 

لبى دعوتها وقلبه يطير من السعادة: 
_حالًا هكون عندك متخافيش. 

واستطرد بقلق: 
_خليكِ مكانك، كنان مش هيخليه يشوفك. 

اقتبست نظرة إليه عسى أن يؤكد حديث أخيه فتطمئن، ولكنها وجدته يرتشف كأسه ببرود وكأنها غير مرئية أمامه. 

عادت للاريكة وعينيها معلقتان على باب المكتب، تنتظر أن يأتي "نوح" فتسلك سفينة نجاته، لتنجو بروحها مما أقحمت ذاتها فيه!!! 
                                  *****
العديد من الملفات الموضوعة قبالته لعدد من الاطباء ذوي الجنسيات العربية، بينما يمضي هو لاختيار المناسب له، وفجأة انجذبت رماديتاه لصورة احداهن، فتحركت يده إليها تلقائيًا، وعينيه لا تفارق صورتها، وكأنه أصاب بمس شيطاني، بينما ينطق لسانه اسمها بصوتٍ مسموع: 
_قـدس! 

                    الفصل الرابع من هنا
تعليقات



<>